اتهامات لـ«الدعم السريع» بارتكاب انتهاكات كبيرة في الجزيرة السودانية

مستشار «حميدتي» ينفي ويرحب بـ«لجان تحقيق»

وحدة من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
وحدة من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

اتهامات لـ«الدعم السريع» بارتكاب انتهاكات كبيرة في الجزيرة السودانية

وحدة من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
وحدة من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

توالت ردود الفعل من القوى السياسية السودانية المنددة بأعمال العنف التي تتهم «قوات الدعم السريع» بارتكابها ضد المواطنين في ولاية الجزيرة (وسط البلاد)، ووصفها أكبر تحالف «سياسي» مدني بأنها جرائم «غير مقبولة أو مبررة» تجاه السكان المدنيين.

ونفى الباشا طبيق، مستشار قائد «قوات الدعم» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تلك الاتهامات، ووصفها بـ«الباطلة».

وقالت «تنسيقية القوى الديمقراطية والمدنية» (تقدم)، ليل السبت – الأحد، إنها تابعت «الأنباء المتواترة التي كشفت عن وقوع انتهاكات واسعة من قبل (قوات الدعم السريع) والقوات المتحالفة، تجاه المدنيين بعدد من مناطق ولاية الجزيرة وما تلاها من تهجير قسري لمواطني تلك القرى».

امرأة نازحة وطفلاها يجلسون في ظل كوخ من القش في مخيم جنوب ولاية القضارف (أ.ف.ب)

وعَدّت «الانتهاكات» خرقاً للالتزامات الموقع عليها بين تنسيقية «تقدم» و«قوات الدعم السريع» في إعلان أديس أبابا يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نص على حماية وضمان سلامة المدنيين، والعمل على إرجاعهم إلى منازلهم.

وقالت في بيان إن «مسؤولية حماية المدنيين وسلامة ممتلكاتهم وأرواحهم هي مسؤولية (قوات الدعم السريع) في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وعليها الاعتراف بهذه الجرائم والالتزام بعدم تكرار الانتهاكات ووقفها بشكل فوري وحاسم باتخاذ إجراءات شفافة وعلنية تجاه مرتكبي التجاوزات، وتقديمهم لمحاكمة علنية وعادلة، وجبر ضرر الضحايا وتعويضهم».

وأكدت تنسيقية «تقدم» على موقفها المبدئي، «في رفض أي انتهاكات تتم تجاه المدنيين في أي بقعة من بقاع السودان، والتأكيد على رؤيتها بوقف كل انتهاكات الحرب بشكل نهائي عبر إيقاف الحرب وتحقيق السلام الشامل الدائم وتأسيس الانتقال المدني».

وشدد التحالف السياسي المدني على مبدأ «تحقيق العدالة والعدالة الانتقالية، بما يضمن محاسبة الجناة، ورد الاعتبار للضحايا وجبر ضرر المتضررين».

مقاتلو «حركة تحرير السودان» المؤيدة للجيش (أ.ف.ب)

وسقط قتلى وجرحى خلال هجمات شنتها «الدعم السريع» على العشرات من البلدات الريفية بولاية الجزيرة التي بدأت تشهد فرار المئات من الأسر نحو الولايات المجاورة.

بدوره، أدان حزب «الأمة القومي» بشدة، ما سماها بـ«الانتهاكات المتكررة على قرى ولاية الجزيرة من (الدعم السريع)، والقصف الجوي لطيران الجيش على المناطق السكنية»، مشيراً إلى سقوط «العشرات من القتلى ومحاصرة القرى وسط موجات نزوح لعدد كبير من المواطنين».

وقال الأمين العام للحزب والمتحدث باسمه، الواثق البرير، إن الطرفين يتحملان المسؤولية الكاملة عن حماية المدنيين في مناطق سيطرتهما. وأضاف أنه «برغم المطالبات المتكررة بضرورة تجنيب المدنيين مخاطر الحرب، فإنه للأسف ليس هنالك استجابة، وأصبح المواطن يتحمل تكلفة الحرب بين أطراف الصراع، ويستخدم طرفاً في أرض المعركة، في مخالفة لكل القوانين والأعراف السودانية».

وطالب حزب «الأمة»، قيادة الطرفين، «بالالتزام بتنفيذ تعهداتهما السابقة بحماية المدنيين، والإقبال على الحل السلمي بجدية لوقف هذه الحرب المدمرة». وأكد أن «الطريق الوحيدة لوقف الانتهاكات وإنقاذ الوضع الإنساني المنهار ومخاطر المجاعة والنزوح وموت الأطفال، هو وقف الحرب فوراً دون شروط».

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان أيام تحالفهما (أرشيفية)

وناشد المجتمع الدولي «والدول الصديقة والشقيقة بالمساهمة العاجلة في تخفيف الأزمة على المواطنين السودانيين في الداخل والخارج، ومواصلة جهودها في الضغط على طرفي الحرب لوقفها».

ومن جانبه، قال حزب «التجمع الاتحادي» إن ما يحدث من انتهاكات في قرى ولاية الجزيرة وغرب سنار «يتجاوز التفلتات بل هو أشبه بالنهج المنظم».

وأضاف: «رصدنا خلال الأسابيع الماضية أعداداً متزايدة من حالات الاغتيال والترويع والترهيب والتهجير القسري للمواطنين في مناطق لا توجد فيها سوى (قوات الدعم السريع)».

وذكر في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، «أن كل الانتهاكات والجرائم التي تحدث في ولاية الجزيرة، من القتل والتعذيب وأخذ الرهائن والتشريد، ترقى لجرائم حرب، وتقع تحت مسؤولية (قوات الدعم السريع)».

وأكد «التجمع الاتحادي» إدانته لأي انتهاكات تطال المدنيين، مشدداً على مثول مرتكبيها أمام القضاء بعد انتهاء الحرب.

وأفادت تقارير «لجان المقاومة»، الأحد، بارتفاع ضحايا الهجمات البرية على بلدة أبو آمنة بالجزيرة إلى 13 قتيلاً و15 مصاباً.

ومن جهتها، أحصت مبادرة «نداء الجزيرة» (منصة لأهالي الولاية على موقع «فيسبوك»)، مقتل 43 واقتحام 28 بلدة منذ دخول شهر رمضان، وتعَدّ هذه الإحصائية أولية نسبة لانقطاع شبكات الاتصالات والإنترنت وصعوبة الوصول إلى المناطق الأخرى.

مقاتلون موالون للجيش السوداني (أ.ف.ب)

ووفق «المبادرة» تعَدّ موجة العنف الثالثة التي تشنها «الدعم السريع» هي الأوسع، إذ «شملت محليات الولاية كافة دون استثناء، وخلفت عشرات القتلى والجرحى، وعرضت آلاف الأسر إلى مخاطر الجوع بعد نهب مخزونات المحاصيل الغذائية وقطع الإمداد وتدمير الأسواق».

ومنذ استيلاء «قوات الدعم السريع» على عاصمة ولاية الجزيرة «ود مدني» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اقتحمت قواتها أكثر من 200 بلدة بالولاية الوسطية.

ومن جهته، نفى الباشا طبيق، مستشار قائد «قوات الدعم السريع» (حميدتي)، الأحد، اتهامات «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية في السودان» (تقدم) لـ«قوات الدعم» بارتكاب «انتهاكات واسعة النطاق وجرائم» في ولاية الجزيرة، ووصفها بأنها اتهامات «باطلة لا ترتكز إلى أي واقع أو حقيقة». وقال طبيق لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «هنالك تجاوزات تمت في ولاية الجزيرة من قبل فلول النظام البائد وعناصر الحركة الإسلامية وكتائب البراء وجميع من تم إعدادهم بصورة كبيرة قبل دخول (قوات الدعم السريع) إلى ولاية الجزيرة، وهم الآن يقومون بهذه الجرائم وينسبونها لـ(قوات الدعم السريع)».

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق جدة في مايو 2023 (رويترز)

وأكد: «هذا الاتهام باطل، و(قوات الدعم السريع) اتخذت إجراءات كبيرة جداً وإجراءات ناجعة في محاربة الظواهر السلبية ومحاربة المتفلتين الذين يرتدون أحياناً زي (قوات الدعم السريع)، أو يقومون بهذه الأفعال وينسبون أنفسهم إلى قوات (الدعم السريع)». وقال: «(قوات الدعم السريع) قامت بحملة كبيرة جداً في قرى ولاية الجزيرة وحدَّت من هذه الظواهر»، مضيفاً: «أشاد المواطنون بتعامل (قوات الدعم السريع) وتعاطيها مع هذه الأحداث وحسمها بصورة مباشرة». واستأنف قائلاً: «نحن في (قوات الدعم السريع) لا نقر ولا نوافق على أي انتهاك ضد المواطنين، لذلك (قوات الدعم السريع) تقوم بالحسم الفوري لمثل هذه الحالات، وقليلاً جداً ما نجد أن هنالك بعض التجاوزات قد تمت من قبل أفراد من (قوات الدعم السريع)».

وأشار إلى حديث لرئيس الإدارة المدنية في ولاية الجزيرة قبل أيام، حين قال إن «الجيش لمَّا انسحب من مدينة ود مدني فتح السجون وأخرج عدداً كبيراً جداً من المجرمين الذين كانوا خلف القضبان».

«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

وقال طبيق: «الآن هم طلقاء يجوبون شوارع ولاية الجزيرة وبعض القرى، وأيضاً هم من يقومون بمثل هذه الأعمال، بالإضافة لعناصر المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية الذين تم إعدادهم للقيام بمثل هذه الأعمال».

وأبدى مستشار قائد «قوات الدعم السريع» ترحيبه ودعمه، «لتشكيل لجان تحقيق إقليمية أو دولية لاستكشاف الوضع في المناطق التي يسيطر عليها الدعم».

وقال: «نحن من أول وهلة، كنا نتحدث كثيراً ونطالب الأمم المتحدة بتشكيل لجان تقصي حقائق تكون محايدة، وذات موضوعية ولديها معايير في تلقي المعلومات وإجراء التحقيق. والآن لا مانع في ذلك أصلاً، ونحن نرحب بأي لجنة دولية للتحقيق في أي موقع تسيطر عليه (قوات الدعم السريع)».


مقالات ذات صلة

حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

خاص آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

في أرفف مغطاة بالتراب، يُحيط بها الركام والغبار من كل جانب، تقبع ملايين الوثائق المهمة التي تسجل أكثر من 500 عام من تاريخ السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

قال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة الأُبَيِّض، عاصمة إقليم شمال كردفان، وسط غربي السودان، عاشت ليلة مروعة جرّاء هجوم بالمسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الولايات المتحدة​ الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

أقرَّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مشروع قانون يرسم مساراً لفرض عقوبات على مسؤولين في «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني.

رنا أبتر (واشنطن)
شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

دفاعات الجيش السوداني تتصدى لمسيرات استهدفت الخرطوم

أفادت تقارير بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدت لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق في مدينة أم درمان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

تجسّد قصص الأطفال صورة مصغرة لما تعيشه آلاف الأسر السودانية التي دفعتها الحرب إلى اللجوء، حيث بدأ الأطفال ينظرون إلى الوطن والانتماء والعودة بعيون مختلفة.

أحمد يونس (كمبالا)

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية معرّضة للتلف

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
TT

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية معرّضة للتلف

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

تواجه «دار الوثائق القومية» في الخرطوم خطراً متزايداً يهدد أكثر من 30 مليون وثيقة تؤرخ لتاريخ السودان منذ عام 1505، وذلك نتيجة الأضرار التي لحقت بالمبنى خلال الحرب.

ورغم نجاة معظم الوثائق من الحرائق التي طالت أجزاء من المبنى، فإن بقاءها وسط بيئة متضررة ومليئة بالركام والغبار يثير مخاوف جدية بشأن سلامتها على المدى الطويل.

وأكدت مديرة الدار، الدكتورة نجوى محمود، أن الأرشيف الإلكتروني فُقد خلال الحرب، مشيرة إلى إعداد خطة للتحول الرقمي وإعادة رقمنة الوثائق بهدف حمايتها من المخاطر المستقبلية.

من جهته، حذر مدير الإدارة العامة للتوثيق محمد يوسف من مخاطر موسم الأمطار المقبل بعدما خلفت القذائف فتحات في أسقف المبنى قد تسمح بتسرب المياه إلى قاعات الحفظ.

وتضم الدار وثائق نادرة، بينها أرشيف الدولة المهدية والحكم الثنائي البريطاني ـ المصري وأرشيف الصحافة السودانية. ويأمل المسؤولون في تأهيل المبنى والحفاظ على هذا الإرث الوطني الذي يمثل ذاكرة السودان عبر خمسة قرون.


هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
TT

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي، مما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلياً التمهيد لتنفيذ مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، وتهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011.

برنت ورئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في لقاء بمدينة بنغازي الثلاثاء الماضي (السفارة الأميركية)

وتقوم المبادرة -وفق ما يُتداول في الأوساط الليبية منذ أشهر ولم ينفه أي طرف ولا حتى الجانب الأميركي- على بناء تفاهمات بين سلطتي الشرق والغرب عبر صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تتضمّن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مؤشرات على قرب تنفيذ المبادرة

يرى رئيس حزب الكرامة الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن التحركات الدبلوماسية الأميركية من جانب القائم بالأعمال في ليبيا، جيريمي برنت، بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام القليلة الماضية تُعطي مؤشرات على أن «تنفيذ المبادرة بات أقرب من أي وقت مضى»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن واشنطن تعمل بالتوازي على المسارَين العسكري والاقتصادي لتهيئة الأرضية المناسبة لأي تسوية سياسية محتملة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

على المستوى العسكري، التقى القائم بالأعمال الأميركي كلاً من رئيس أركان قوات حكومة الوحدة في غرب ليبيا، الفريق أول صلاح الدين النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي. كما عقد اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا، الفريق أول خالد حفتر. وركزت اللقاءات على تطوير التعاون العسكري، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز بناء القدرات المهنية للقوات المسلحة الليبية.

مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إعلان توصيات «الحوار المهيكل» في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

وينظر مراقبون إلى هذه اللقاءات بوصفها حلقة جديدة في مسار أميركي متدرج بدأ خلال الأشهر الماضية، عبر خطوات دعّمتها واشنطن لبناء جسور تواصل بين مؤسسات الشرق والغرب، تمهيداً لتقليص الانقسام القائم. وشمل ذلك جمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك»، التي استضافتها مدينة سرت في أبريل (نيسان) الماضي، فضلاً عن رعاية اتفاق الإنفاق والميزانية الموحدة بين السلطتَين في بنغازي وطرابلس في الشهر ذاته، في خطوة عُدّت سابقة لم تشهدها البلاد منذ 13 عاماً من الانقسام المؤسسي.

وفق هذا التقدير أيضاً، شملت لقاءات برنت في بنغازي (شرق) مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، والمدير العام للجهاز الوطني للتنمية محمود الفرجاني، حيث تركزت المحادثات على تنفيذ اتفاقية الميزانية الموحدة، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وضمان توزيع الإنفاق التنموي على مختلف المناطق الليبية.

كما سجل تعزيز التعاون الليبي مع الشركات الأميركية العاملة في قطاع النفط جانباً مهماً من جولة برنت، ضمن لقائه مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، حيث بحثا سبل زيادة الإنتاج النفطي وحماية البنية التحتية للطاقة.

تحديات سياسية معقّدة

هذا التحرك الأميركي متعدد المسارات، الذي انطلق منذ منتصف الأسبوع الماضي ولا يزال مستمراً، لا يراه مراقبون معزولاً عن نتائج «الحوار المهيكل»، التي تضمنت مقترحات لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد، يضم رئيساً ونائبين، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تحت اسم «حكومة الاستحقاق الوطني» برئاسة رئيس حكومة وثلاثة نواب، يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

ومع ذلك فإن الطريق لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، حسب محللين، وقال الناشط الليبي، عمر بوسعيدة، إن المبادرة تواجه داخل طرابلس «تداخلاً في أجندات قوى إقليمية تستخدم حلفاءها المحليين لعرقلة أي ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة»، لافتاً إلى أن «الاختبار الحقيقي للمبادرة يتمثّل في القدرة على إنتاج جسم تنفيذي موحّد يحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وبالنسبة إلى رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، فإن «المبادرة لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها معايير اختيار الحكومة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة، وهي قضايا لم تصل الأطراف الليبية بعد إلى توافق نهائي بشأنها».

واستبعد بلها، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية التوصل إلى تفاهمات ليبية واسعة من دون ضغوط دولية مؤثرة، مستشهداً بتجربة ملتقى الحوار السياسي، الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف بقيادة المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني ويليامز، وأسفر عن تشكيل السلطة التنفيذية الحالية بعد توافقات دعمتها قوى دولية فاعلة.

وفي هذا السياق، قال رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا» إن واشنطن تسعى حالياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين المبادرة الأميركية ومسار الأمم المتحدة، مشيراً إلى معلومات متداولة بشأن جهود لعقد اجتماع دولي في النرويج، خلال الفترة المقبلة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لدعم هذا المسار.

وقبل جلسة مقررة لمجلس الأمن الشهر الحالي تعرض خلالها تيتيه نتائج «الحوار المهيكل»، أكد بولس عقب لقائه مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، الجمعة، أن جهود بلاده في توحيد السلطتَين «تتكامل» مع خريطة طريق بعثة الأمم المتحدة ومخرجات الحوار، بما يضمن عملية سياسية يقودها الليبيون لتحديد مستقبل بلادهم.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (المجلس)

وهنا يرى الفارسي أن حديث بولس عن تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق، التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا ينفي، في رأيه، أن واشنطن تمثّل القوة الدولية الأكثر تأثيراً في دفع هذا المسار، مشيراً إلى أن التحركات الأممية تحظى بدعم أميركي واضح.

ومع هذا فإن المبادرة الأميركية قد لا تستهدف من منظور باحثين إنهاء الأزمة الليبية بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم موازين القوى وإدارة الانقسام القائم عبر أدوات سياسية ومؤسسية متدرجة.

ووفق تقدير الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الله فارس القزاز، في دراسة نشرها «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» فإن واشنطن «تبدو منشغلة ببناء إطار أكثر استقراراً لإدارة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها أكثر من انشغالها بفرض تسوية نهائية شاملة في المدى القريب».

Your Premium trial has ended


أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
TT

أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)

تتجه «الحركة المدنية الديمقراطية»، التي تعد أكبر تجمع لأحزاب وشخصيات عامة معارضة في مصر، نحو اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة هيكلة تنظيمها، بعد انتقادات لاذعة طالتها مؤخراً على خلفية دفاعها عن أحد قياداتها بعد تحرك جهات تنفيذية لهدم قصر قام ببنائه على النيل بالمخالفة للقوانين الحكومية.

وتحاول «الحركة المدنية» إنعاش حضورها السياسي في أعقاب الأزمة الأخيرة. وبحسب قيادات داخلها تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن اجتماعاً انعقد، مساء الجمعة، قررت فيه الحركة تشكيل لجنة لإعادة «الهيكلة»، تتولى فحص ودراسة جميع المقترحات المقدمة من داخل وخارج الحركة لتطوير وتجديد أدائها السياسي والتنظيمي، مشيرين إلى أن تلك الإجراءات بمنزلة مقدمة لـ«تصحيح المسار».

وأصدر التكتل المعارض الذي تشكل في عام 2017، بياناً نهاية الشهر الماضي، أعلن فيه رفضه قيام الحكومة بهدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب «المحافظين» رجل الأعمال أكمل قرطام، حيث ربطت «الحركة» قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه خالف إجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة؛ ما أثار انتقادات واسعة، واضطرت الحركة لاحقاً إلى الاعتذار، وسحب البيان.

ولم تكن هذه هي الأزمة التي مرت بها «الحركة المدنية» خلال العامين الماضيين؛ حيث شهدت تباينات وخلافات في أثناء الإعداد للمشاركة في اقتراعات سياسية مهمة في مقدمتها انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة في عام 2024، وانتخابات البرلمان (مجلسي النواب والشيوخ) العام الماضي، وبدت غير قادرة على أن تكون متماسكة داخلياً.

اجتماع سابق لمجلس أمناء الحركة المدنية (صفحة الحركة على فيسبوك)

وأكد المتحدث الإعلامي باسم «الحركة المدنية» وليد العماري، أن اللجنة التي تم إسناد رئاستها إلى منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» (أحد أحزاب الحركة) أكرم إسماعيل، سترسل نتائجها والرؤية التي ستضعها خلال أسبوعين إلى جميع الأحزاب المكونة للحركة لدراستها، واستطلاع رأي قواعدها الحزبية، تمهيداً لاتخاذ القرارات النهائية خلال اجتماع سيُعقد بعد 3 أسابيع.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط» إن «المحاور العامة لعمل اللجنة، تتلخص في التوسع لضم شخصيات عامة جديدة من أجيال مختلفة، وإفساح المجال للقيادات الشابة، واستعادة التواصل مع الجماهيىر ليس فقط في العاصمة، بل من خلال أنشطة متنوعة بالمحافظات».

وبحسب العماري، تجري الحركة «نقداً ذاتياً لتقييم أدائها خلال المرحلة الماضية، وتدارك الأخطاء وإجراء مراجعة شاملة»، مؤكداً أنه «من بين المقترحات التي سوف تناقشها اللجنة ما يتعلق بدور مجلس الأمناء (أعلى سلطة تنظيمية بالحركة)، حيث يوجد اقتراح بإلغائه، والبحث عن تشكيل تنظيمي مختلف، بينما يذهب رأي آخر إلى الإبقاء عليه على أن يكون رأيه استشارياً».

وتضم «الحركة المدنية» عدداً من الشخصيات العامة البارزة إلى جانب أحزاب (الدستور، والكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمحافظين، والعربي الديمقراطي الناصري، والعيش والحرية «تحت التأسيس») وشهدت المرحلة الماضية خلافات داخلية، أعقبها إعلان أحزاب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«الإصلاح والتنمية»، و«العدل» تجميد عضويتها بالحركة، وعقب أزمة «قصر قرطام» أعلن حزب «العدل» انسحابه الكامل من الحركة.

وأكد منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» أكرم إسماعيل، أن هدف اللجنة «تصحيح مسار الحركة، وإعادة تجديد الدماء»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة بدأت تلقي المقترحات من داخل وخارج الحركة لبلورة رؤية للمرحلة المقبلة، تنطلق من عدة محاور، منها تصعيد القيادات الشبابية لضخ دماء جديدة، والبحث عن ضم شخصيات جديدة مرتبطة بالحركة الاجتماعية والنقابية، والنزول للجماهير لاستعادة دور الحركة بالشارع للتعبير عن القضايا المجتمعية التي تهم الناس».

وتحدث إسماعيل عن موقف الأحزاب المنسحبة من الحركة، مؤكداً أن «الرؤية الجديدة لتطوير أداء الحركة لن تتضمن أي محاولات لإعادة التواصل مع الأحزاب المنسحبة».

جانب من المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحركة المدنية مطلع الشهر الماضي (صفحة الحركة على فيسبوك)

لكن الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، لا يتفاءل بشأن مستقبل الحركة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «ما دامت الوجوه نفسها موجودة فلن يكون هناك جديد، وستتم إعادة إنتاج الأفكار نفسها، فإعادة الهيكلة لن تكفي»، حسب رأيه.

واستطرد قائلاً: «ربما ضخ دماء شبابية جديدة يمكن أن يؤدي إلى استعادة الحركة لدورها السياسي وتطويره، وسيظل مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على مواجهة التحديات الداخلية وتوحيد الرؤى، والتركيز على قضايا سياسية نوعية، مثل ملف حقوق الإنسان، وإذا حدث ذلك فربما تستعيد الحركة زخمها السياسي».

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، القيادي بالحركة، الدكتور مصطفى كامل السيد، أكد أن «المرجعات التي تقوم بها الحركة هدفها تدارك الأخطاء السابقة والاستفادة منها مستقبلاً»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الحركة سابقاً، فكرة المركزية الديمقراطية، حيث من المفترض أنه عندما يتم اتخاذ قرارات بالتصويت عقب نقاشات بين الأحزاب أن يلتزم الجميع برأي الأغلبية، لكن هذا لم يكن يحدث».

وبحسب السيد، تحتاج الحركة إلى «البحث عن آليات جديدة، وابتكار أساليب مختلفة للتواصل مع الجماهير، مثل الأنشطة الفنية والعلمية، فالعمل السياسي ليس مجرد بيانات».