تلوّث الهواء يهدّد حياة الملايين في العالم العربي

ضِمن الأسوأ عالمياً

معمل ذوق مكايل لتوليد الطاقة الكهربائية شمال بيروت (أ.ف.ب)
معمل ذوق مكايل لتوليد الطاقة الكهربائية شمال بيروت (أ.ف.ب)
TT

تلوّث الهواء يهدّد حياة الملايين في العالم العربي

معمل ذوق مكايل لتوليد الطاقة الكهربائية شمال بيروت (أ.ف.ب)
معمل ذوق مكايل لتوليد الطاقة الكهربائية شمال بيروت (أ.ف.ب)

لا يزال تلوّث الهواء يشكّل مصدر قلق كبيراً، حيث تقدِّر «منظمة الصحة العالمية» أنه يُسهِم في نحو سبعة ملايين حالة وفاة مبكرة سنوياً حول العالم. وتتراجع جودة الهواء في الدول العربية بِنِسَب تتجاوز توصيات «منظمة الصحة العالمية» بنحو 5 إلى 10 أضعاف، مما يزيد من معدّلات الوفيات المبكرة فيها، ويجعل مجمل مُدُنِها أكثر عرضة لمخاطر التلوّث.

هواء العراق الأقل جودة عربياً

تحلل دراسة بحثية، نشرتها دورية «ساينس أوف ذا توتال إنفايرومنت»، اتجاهات جودة الهواء في المناطق الحَضرية في جميع أنحاء العالم على مدى العقدين الماضيين، وهي تُشير إلى زيادة التعرُّض العالمي للجسيمات الدقيقة المعلّقة في الهواء التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون بشكل طفيف، إلا أن 65 في المائة من المدن حول العالم لا تزال تُظهر مستويات مرتفعة. ولوحظت تحسُّنات في شرق الولايات المتحدة وأوروبا وجنوب شرقي الصين واليابان، في حين شهِدت منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا زيادات.

أما التركيزات السنوية لثاني أكسيد النيتروجين على مستوى العالم فارتفعت في نحو 71 في المائة من المدن حول العالم. ولوحظت تحسُّنات في أميركا الشمالية وأوروبا، في حين شهِدت أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأوسط وجنوب آسيا زيادات ترتبط في كثير من الأحيان بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية. كما زاد التعرُّض العالمي للأوزون الأرضي، وكانت أعلى الزيادات في أفريقيا الاستوائية وكوريا الجنوبية والهند.

وتعرِض الدراسة صورة متباينة عن نوعية الهواء في العالم العربي. فبينما شهِدت البحرين وقطر انخفاضات كبيرة في تركيزات الجسيمات الدقيقة، بفضل معايير الانبعاثات الأكثر صرامة والاستثمارات في الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة، لا يزال العراق البلد العربي الأكثر تلوّثاً، حيث تتجاوز مستويات الجسيمات الدقيقة المبادئ التوجيهية لـ«منظمة الصحة العالمية» بنحو 9 مرات. كما شهِدت الإمارات ومصر زيادات طفيفة في هذا المؤشر أيضاً.

وغالباً ما تتجاوز مؤشرات جودة الهواء في البلدان العربية القِيَم التوجيهية لـ«منظمة الصحة العالمية»، بنحو 5 إلى 10 أضعاف في بعض المناطق، وفقاً لتقرير «الصحة والبيئة» الصادر عن «المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)». ويعزو التقرير هذا التدني في نوعية الهواء إلى عوامل طبيعية وبشرية؛ فمِن ناحية تتأثر جودة الهواء المحيط سلباً بجزيئات ملح البحر والغبار، ومن ناحية أخرى ترتبط بالنشاط البشري حيث تتركز الانبعاثات. ويُشير تقرير «أفد» إلى أن الانبعاثات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زادت بمقدار خمسة أضعاف خلال العقود الثلاثة الماضية، بسبب زيادة الطلب على المياه والطاقة والنقل.

وتُعدّ العواصف الترابية العامل الأهم لتدهور نوعية الهواء في الدول العربية، حيث يجعل المناخ الجاف والقُرب من الصحاري المنطقة عرضة للعواصف الترابية المتكررة. وتُطلق الأنشطة الصناعية، خصوصاً في قطاع النفط والغاز، كميات كبيرة من ملوّثات الهواء. ويؤدي التحضُّر السريع وزيادة ملكية المركَبات إلى ارتفاع مستويات تلوّث الهواء في المدن الكبرى. كما تتسبب ممارسات حرق النفايات المفتوحة في إطلاق ملوّثات ضارّة في الغلاف الجوي.

وتمثّل شبه الجزيرة العربية وجوارها منطقة ساخنة لتلوّث الهواء في الشرق الأوسط، وتُصنّف مُدنها الرئيسية من بين الأسوأ عالمياً في تركيزات الجسيمات المعلّقة في الهواء التي يقل حجمها عن 10 ميكرون، وفقاً لمراجعة علمية أعدتها مجموعة من الباحثين من جامعة بيرمنغهام خلال العام الماضي. ويصل متوسط المستويات اليومية لهذه الجسيمات في هواء المنطقة إلى 280 ميكروغراماً في المتر المكعب، متجاوزة حدود «منظمة الصحة العالمية» بمقدار 5 إلى 6 مرات في الكويت، وما يصل إلى 10 مرات في الإمارات. وتواجِه الإمارات واحداً من أعلى مستويات التلوّث بالجسيمات الدقيقة في العالم. وفي الكويت، ترتبط التركيزات المرتفعة لهذه الجسيمات، خاصة خلال ساعات الذروة والصيف، بزيادة الوفيات المبكرة بسبب أمراض القلب والسكتة الدماغية.

ويعزّز تلوّث الهواء خطر الوفاة في المنطقة العربية والخليجية وجوارها، لا سيما في الإمارات والكويت وإيران؛ إذ إن ما يقرب من 400 ألف حالة وفاة مبكرة سنوياً في المنطقة تُعزى إلى تلوّث الهواء. ومن الثابت، وفقاً لدراسات مختلفة، وجود روابط بين تلوّث الهواء وأمراض الجهاز التنفسي (الربو، ومرض الانسداد الرئوي المزمن، وسرطان الرئة)، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والآثار السلبية على الحوامل.

وتقدّر «منظمة الصحة العالمية» أن التأثيرات المجتمعة لتلوّث الهواء المحيط (الخارجي) وتلوّث الهواء المنزلي (الداخلي) على صلة بنحو 7 ملايين حالة وفاة مبكرة سنوياً. وقد تسبب تلوّث الهواء المحيط وحده في 4.2 مليون حالة وفاة مبكرة في جميع أنحاء العالم في 2019. وبلغ عدد الوفيات المبكرة في العالم العربي نحو 450 ألفاً، مما يعكس ارتفاعاً فوق المعدل العالمي بنحو 50 في المائة.

تحسّن دون الطموح

يقدّم تقرير «جودة الهواء العالمي» لعام 2023 رؤى قيّمة حول اتجاهات جودة الهواء العالمية، ويسلّط الضوء على التقدم والتحديات المستمرة. ويعكس التقرير الذي تصدره سنوياً شركة سويسرية تهتم بتكنولوجيا جودة الهواء، نتائج تحليل بيانات الجسيمات الدقيقة التي تقل عن 2.5 ميكرون من 7812 مدينة في 134 دولة، وباستخدام قياسات من أكثر من 30 ألف محطة لمراقبة جودة الهواء. وقد تبيّن أن 91 في المائة من المدن تجاوزت الحدّ المقبول.

وقد شهِدت منطقة وسط وجنوب آسيا، إلى جانب أفريقيا، أعلى متوسط لتركيزات الجسيمات الدقيقة في الهواء. وجاءت بنغلاديش وباكستان والهند وطاجيكستان في المراتب الأربع للدول الأكثر تلوّثاً في العالم. وفي حين أظهرت الصين تحسّناً مستمراً في السنوات الأخيرة، انعكس اتجاهها لتزداد مستويات الجسيمات الدقيقة في هوائها عام 2023 بنسبة 6.3 في المائة، لتحتل المرتبة 19 عالمياً.

ورغم أنه شهِد تحسّناً طفيفاً عن عام 2022، فإن العراق لا يزال البلد العربي الأكثر تلوّثاً ويحتل المرتبة السادسة عالمياً بمتوسط سنوي لتركيز الجسيمات الدقيقة يبلغ 43.8 ميكروغرام في المتر المكعب، وذلك بالمقارنة مع معدّل تركيز لا يتجاوز 5 ميكروغرامات في المتر المكعب، وفقاً لتوصيات «منظمة الصحة العالمية». وتأتي الإمارات في المركز السابع عالمياً (43 ميكروغراماً لكل متر مكعب)، ولعل هذا الترتيب يرتبط بنوعية المعطيات الشاملة التي تقدّمها شبكتها الواسعة من محطات مراقبة الهواء مقارنة بضعف المراقبة في معظم دول المنطقة.

وقد ساهم التراجع في مستويات الجسيمات الدقيقة بنسبة 36 في المائة في تحسين التصنيف العالمي للسعودية، من المركز 15 إلى المركز 30، في حين شهِدت مصر تحسناً طفيفاً، مما جعلها تحافظ على تصنيفها العالمي في المركز التاسع. كما شهِدت البحرين تحسناً كبيراً، حيث انتقلت من المركز الرابع إلى المركز الثاني عشر في التصنيف العالمي مع انخفاض بنسبة 41 في المائة في مستويات الجسيمات المعلّقة. وشهِدت قطر انخفاضاً في تركيزات الجسيمات الدقيقة، ومع ذلك انخفض تصنيفها العالمي من المركز 14 إلى المركز 13.

ورغم الزيادة الإقليمية الإجمالية في مستويات الجسيمات الدقيقة، شهِدت 9 من المدن الأكثر تلوّثاً في غرب آسيا انخفاضاً في متوسط تركيزاتها السنوية.

الجدير بالذكر أن بغداد التي كانت في السابق المدينة الأكثر تلوّثاً، شهِدت انخفاضاً بنسبة تزيد على 25 في المائة، حيث تراجعت الجسيمات الدقيقة من 86.7 ميكروغرام في المتر المكعب في 2022 إلى 45.8 ميكروغرام في 2023.

ويتطلّب تحسين جودة الهواء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اتباع نهج متعدد الجوانب، يشمل الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة والكفاءة، ووضع معايير للانبعاثات أكثر صرامة للصناعات، لتقليل الجسيمات الدقيقة في الجو وتحسين جودة الهواء. ويجب توسيع شبكات مراقبة جودة الهواء لتوفير بيانات شاملة، كما يساعد رفع مستوى الوعي العام حول المخاطر الصحية المرتبطة بتلوّث الهواء وتعزيز الإجراءات الفردية في تحسين جودة الهواء وتخفيف عواقب التلوّث. ولا بد من التعاون على المستوى الإقليمي لمعالجة تلوّث الهواء عبر الحدود وضمان العمل المنسّق بين الدول المعنيّة.

تؤكد المعطيات الحاجة الملحَّة إلى مواصلة العمل من أجل مواجهة تلوّث الهواء في العالم العربي. ورغم أن بعض البلدان أحرزت تقدماً، فإن الصورة العامة لا تزال مثيرة للقلق. إن معالجة المصادر الرئيسية لتدهور الهواء، بما في ذلك العواصف الترابية، والانبعاثات الصناعية، وانبعاثات المركَبات، أمر بالغ الأهمية لتحسين جودة الهواء وحماية الصحة العامة. كما أن الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتعزيز النقل المستدام، وتنفيذ معايير أكثر صرامة للانبعاثات، واعتماد ممارسات مسؤولة لإدارة النفايات، كلها خطوات أساسية نحو توفير هواء أنظف للجميع.


مقالات ذات صلة

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بيئة بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

قال ‌باحثون إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة» قد تؤدي إلى ما يصل لـ451 ألف حالة وفاة خلال ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
يوميات الشرق مخطط يوضح حدود المحمية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

محمية «الإمام عبد الرحمن بن فيصل»... تنوّع طبيعي يجمع جبال طويق والكثبان والأودية

لا يؤثر تأسيس المحمية في الملكيات القائمة ولا يتضمن الإعلان نزع ملكية أراضٍ أو عقارات.

غازي الحارثي (الرياض)
علوم قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

ألواح الفلين والزجاج تضفي لمسة جمالية وملمساً مميزاً يكمل مظهر الجدران المطبوعة في قرية طلابية بالدنمارك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».


الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.