تعليم العربية في المهاجر... غياب مرجعية موحدة

لغة الضاد هي الأسرع انتشاراً بين اللّغات بالولايات المتّحدة

تعليم العربية في المهاجر... غياب مرجعية موحدة
TT

تعليم العربية في المهاجر... غياب مرجعية موحدة

تعليم العربية في المهاجر... غياب مرجعية موحدة

إذا كان التّحدّي الذي تواجهه اللّغة العربيّة اليوم يكمن في الحفاظ على هويّتها في مواجهة المفردات الدّخيلة التي تشنّها عليها وعلى غيرها من اللّغات لغة التّكنولوجيا المكتسحة، فإنّ التّحدّي الأكبر هو كيفيّة المحافظة عليها في المهاجِر، حيث يُفترَض أن يتكلّم الإنسان لغة غير لغته، ويعيش في مجتمع مختلف عن مجتمعه.

«كيف يتعلّم أبناؤنا العربيّة في المهاجِر؟»، كتاب صادر عن مؤسّسة الفكر العربيّ يلقي الضّوء على هذه النّاحية المهمّة في حياة الأفراد الذين اضطرّتهم الظّروف الاقتصاديّة أو السّياسيّة أو العلميّة أو غيرها إلى الهجرة والإقامة في بلد ناطق بلغة أخرى.

وتتصدّر الكتاب توطئة للدّكتور هنري العويط، المدير العامّ لمؤسّسة الفكر العربيّ، و3 مداخل. ويضمّ مجموعة من الأبحاث تقسم بدورها قسمين: قسم يتناول العربيّة في المهاجر الأوروبيّة، وآخر يتناولها في المهاجر الأميركيّة والأستراليّة والأفريقيّة.

في المبحث الأوّل يتكلّم د. طارق بو عتور على موضوع: «مقاربات في تدريس العربيّة لأبناء الجاليات التّونسيّة في المهجر». فيلقي الضّوء على الجهود الحثيثة المبذولة منذ سبعينات القرن الماضي لأجل تمتين الصّلة بين أبناء الجيل الثّاني من المهاجرين ووطنهم الأصليّ، وضرورة توطيد الصّلة بالوطن الأصلي، لا سيّما أنّ الظّروف تختلف بين الآباء والأبناء. كما يعدّد المراكز التي اهتمّت بالعربيّة، ويدرس عيّنات المجتمع، فيعرض وضع تدريس أبناء الجالية التّونسيّة في المهاجر، والدّوافع التي تكمن وراء الرّغبة في تعلّم اللّغة الأصليّة، ويعرض منهجيّات التّعليم، ويعيب على بعض المعلّمين أنّهم غير مختصّين، والذين يتقنون لغة الضّاد منهم يفتقرون إلى التّكوين التّربويّ والبيداغوجيّ الكافي الذي يمكّنهم من إيصال المعلومة وتحفيز المتعلّمين. ويخلص إلى نتيجة أن ثمّة ثغرات يجب على الدّولة معالجتها، منها: تشعّب التّخصّص، والتّباين بين الدّارسين، وتنوّع أهداف الأهل والدّارسين، واتّساع الرّقعة الجغرافيّة، والحاجة إلى تنظيم هذا القطاع. ولبلوغ الغاية ينبغي: النّهوض بوضع اللّغة العربيّة، وعقد الصّلة بين المسائل النّظريّة والمسائل التّطبيقيّة، وترشيد الموارد البشريّة والماليّة، وإحداث هيئة عربيّة مشتركة تتولّى تنسيق مجهودات التّدريس، يتمّ الرّجوع والاحتكام إليها.

أمّا في ما يتعلّق بفرنسا، فاللّغة العربيّة ليست حدثاً طارئاً على الحياة الثّقافيّة واللّغويّة. إنّها تعد ثالث مصدر للّغة الفرنسيّة بعد اللّاتينيّة والإيطاليّة. وعلى الرّغم من النّيات الطّيّبة بشأن تعليم اللّغة العربيّة، فهي، في مدينة كومبيان مثلاً، كما يرى د. بسّام بركة، في تراجع بسبب الرّبط العضويّ بين اللّغة والدّين بشكل أساسيّ، والشّعور لدى عدد كبير من المسلمين العرب بأنّ الدّعوة إلى الاهتداء بالدّين الإسلاميّ أهمّ من تعريف العالم بجمال اللّغة العربيّة. كما أنّ تمسّك عدد كبير من العرب المقيمين في فرنسا بلغتهم، قائم على أساس أنّها أساس لهويّة خاصّة بهم تقوم على التّمايز. لذلك، ولأنّ الدّولة الفرنسيّة علمانيّة، فقد أعطت الأولويّة للدّارجات المحلّيّة.

أمّا رنا إبراهيم فعرضت من خلال تجربة ميدانيّة في ضواحي باريس جوانب من العلميّة التّعليميّة لتدريس اللّغة العربيّة لأبناء المهاجرين، فذكرت الدّوافع والأهداف وأحوال مراكز التّدريس، وخلصت إلى شروط لو توافرت لحقّقت نجاحاً أكبر، وهي: تخصيص الوقت الضّروريّ والكافي لعمليّة التّدريس، والتزام التّلاميذ بمراجعة ما يدرسون في قاعة الدّرس، ومتابعة العمليّة التّعليميّة بشكل مستمرّ، وانتساب عدد أكبر من التّلاميذ ما يسهّل توزيعهم في فئات وفق مستوياتهم اللّغويّة، وتوفير برامج تدريبيّة للمعلّمين، وتوفير فرص التقاء المتعلّمين لتحسين التّفاعل اللّغويّ، والتّعاون الإيجابيّ بين الأهل والمعلّمين. كما أشارت إلى تأثير ارتفاع تكلفة المعيشة على دراسة اللّغة، ما يجعل الأهل يفضّلون أن يدرس أبناؤهم الموادّ الإلزاميّة.

أمّا في إيطاليا، فالأبحاث التي تدرس ظاهرة تعليم اللّغة العربيّة ما زالت غير كافية لأنّ الطّلّاب المنحدرين من أصول عربيّة ظاهرة حديثة نسبيّاً. وقدّمت د. إليزا فيريزو بيانات حول الوجود العربيّ في المدارس والجامعات الإيطاليّة، وحاولت حصر أماكن التّعليم في إيطاليا متوقّفة عند إقليم لومبارديا وعاصمته ميلانو، وأشارت إلى الحاجة الملحّة لمواصلة البحث حول منهجيّات العربيّة في إيطاليا بشكل عامّ، وتوسيع الأبحاث المتعلّقة بالدّوافع والسّمات والتّوجّهات المهنيّة.

وعن الوضع في لندن تحدّثت د. نجوى كاظم، فتناولت موضوع المشكلات التي يواجهها الطّلّاب، وارثو اللّغة، كونهم ينحدرون من أصول عربيّة أو إسلاميّة، والتّحدّيات التي يواجهها مدرّسو تلك الفئة في جامعة كينغز في العاصمة البريطانيّة. وبعد جمع بيانات خصّصت منها للطّلّاب ومنها للأساتذة، كشفت النّتائج أنّ وجود طلّاب وارثي اللّغة في فصل مختلط مع طلّاب غير ناطقين باللّغة، حيث يبدأون التّعلّم من الصّفر، يتطلّب التّنمية المهنيّة للمدرّس من حيث المهارات التّعليميّة، وتصميم مناهج خاصّة لطلّاب وارثي اللّغة، ونشاطات خاصّة تلبّي احتياجاتهم، وتصقل مهاراتهم اللّغويّة في فصول مختلفة. كما أوضحت النّتائج أنّ معظم الطّلّاب يفضّلون الفصل التّامّ بين المجموعتين، لأنّ التّعلّم مع طلّاب من أصول عربيّة يتيح لهم تبادل العلم واللّهجات والخبرات اللّغويّة، ويجنّبهم الابتداء من الصّفر.

واللّافت في ألمانيا أنّ دخول العربيّة المناهج الرّسميّة الألمانيّة بات أمراً واقعاً، وإن كان لم يدخل حتّى الآن في البرنامج الرّسميّ للحصص الدّراسيّة. ويعود السّبب في عدم الدّعم الكافي لبعض المدارس المهتمّة باللّغة، وفق د. سرجون كرم، إلى غياب مرجعيّة موحّدة تستطيع السّلطات الألمانيّة الرّسميّة أن تتواصل معها رسمياً. وفي حالة دعم كهذه، من حقّ السّلطات الألمانيّة أن تشرف على برامج تعليم العربيّة في جميع أماكن تدريسها. الأمر الذي يتطلّب: ضرورة وجود سلطة عربيّة عليا تمثّل العالم العربيّ، والوصول إلى كتاب موحّد لتدريس اللّغة.

هذا بالنّسبة إلى أوروبا، أمّا في كندا، البلد الذي يستقطب أكبر عدد من المهاجرين، فقد دعا د. عادل الزّعيم إلى تطوير النّظريّات والتّقنيّات، ووضع خطوات يجب اتّباعها، منها:

-دراسة أوضاع أولاد المهاجرين العرب من الجيل الأوّل والثّاني والثّالث، وتحديد مواصفاتهم واحتياجاتهم، ومستوياتهم من حيث التّمكّن من العربيّة ومن اللّغات الأخرى.

-إعداد مناهج تعليميّة متخصّصة، ودورات تدريبيّة لمعلّمي اللّغة العربيّة.

-مواكبة العصر وحاجات الطّلّاب الحاضرة والمستقبليّة في تطوير المناهج والطّرق.

-الأخذ بعين الاعتبار حاجة المؤسّسات والشّركات لمترجمين ولمن يجيدون لغات مختلفة.

-اعتماد الوسائط الرّقميّة بوصفها وسيلة لتعليم اللّغة العربيّة وتعلّمها.

-نشر الوسائط الرّقميّة المساعدة على تعلّم وتعليم اللّغة العربيّة كالقواميس الإلكترونيّة وغيرها...

أمّا في أميركا فقد أجرى أ. د. عطيّة يوسف استطلاع رأي لعدد من الطّلّاب وارثي اللّغة الذين يدرسون العربيّة، مع التّركيز على المرحلة المدرسيّة التي تعكس توجّه أسر الجاليات العربيّة في رغبة دراسة أبنائهم اللّغة العربيّة، وكشفت له الاستبانة ضرورة وضع منهجيّة موحّدة لتعليم اللّغة العربيّة لوارثي اللّغة، وضرورة أن تلبّي الموادّ التّعليميّة والمنهجيّة احتياجات الطّلّاب المقبلين على تعلّم هذه اللّغة كونها الوسيلة الأساسيّة للتّواصل مع أصولهم وثقافاتهم.

كثير من الكلمات العربيّة دخلت إلى لغة التّخاطب اليوميّ للأستراليين

وقد بيّنت مرح البقاعيّ أنّ اللّغة العربيّة هي الأسرع نموّاً بين اللّغات في الولايات المتّحدة، فقد زاد الاهتمام بها بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. وهي لغة ضروريّة في سوق العمل نظراً للحاجة إلى التّحدّث بلغة النّظير في مجال البحوث العلميّة والأكاديميّة والدّوائر الدّبلوماسيّة والاتّفاقات الدّوليّة. كما بيّنت أنّ اهتمام العائلات التي انتقلت للعيش في أميركا بتعليم أولادهم اللّغة العربيّة نابع من دوافع دينيّة. وأشارت إلى أماكن تدريس اللّغة العربيّة وعدد التّلاميذ المنتسبين، كما تكلّمت على المنهج المعتمد في مدارس اللّغة العربيّة المرخّصة، وكيف عملت الولايات المتّحدة في مجال التّعليم لمعالجة موضوع التّحدّي الذي يواجه العربيّة، وهو الازدواجيّة بين الفصحى والعامّيّة. وأشارت إلى أهمّيّة التّعدّد اللّغويّ والتّنوّع الثّقافيّ.

وقد عدّد الأستاذ جورج هاشم الصّعوبات التي تواجه تدريس اللّغة العربيّة في أستراليا، لكنّه نوّه بأنّ مستقبل هذه اللّغة واعد؛ لأنّها ثالث لغة محكيّة في البلاد، وهي لغة التّخاطب في بيوت كثيرة حتّى إنّ كثيراً من الكلمات العربيّة دخلت إلى لغة التّخاطب اليوميّ للأستراليّين، وأشار إلى وسائل الإعلام التي تبثّ بالعربيّة، والمحلّات التّجاريّة التي تبيع منتوجات عربيّة، والمناطق السّكنيّة التي يغلب عليها الطّابع العربيّ، وانتشار مدارس ما بعد الدّوام، كما أنّ اللّغة العربيّة هي مادّة رسميّة في امتحانات الشّهادة الثّانويّة العليا، والمنشورات الكثيرة التي تصدر باللّغة العربيّة، فضلاً عن النّدوات والأمسيات الثّقافيّة.

وبالانتقال إلى ساحل العاج، أشار الأستاذ محمّد عبد الرضى زيعور إلى الصّعوبات التي تعترض تدريس العربيّة كأسلوب تعليمها مثلاً. ورأى أنّ الإدارة المدرسيّة مسؤولة بشكل كبير عن تأمين الوسائل والمناهج المناسبة، وحثّ الأهل على تعزيزها من خلال التّحدّث مع أولادهم بالعربيّة، كما أنّه على المدرسة اختيار الكتاب المناسب لهذه الغاية.


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».