الجريمة في الدراما الرمضانية بالجزائر... قضية رأي عام تتحول إلى «قضية دولة»

الحكومة تدخلت لضبط المشهد بما تراه متناسباً مع «حرمة رمضان»

وزير الاتصال مع وزير الرياضة خلال اجتماع مع عدد من الإعلاميين (وزارة الاتصال)
وزير الاتصال مع وزير الرياضة خلال اجتماع مع عدد من الإعلاميين (وزارة الاتصال)
TT

الجريمة في الدراما الرمضانية بالجزائر... قضية رأي عام تتحول إلى «قضية دولة»

وزير الاتصال مع وزير الرياضة خلال اجتماع مع عدد من الإعلاميين (وزارة الاتصال)
وزير الاتصال مع وزير الرياضة خلال اجتماع مع عدد من الإعلاميين (وزارة الاتصال)

أثارت أعمال درامية تبثّها القنوات الجزائرية على شاشاتها بمناسبة شهر رمضان جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب تمحورها حول عالم الجريمة، ما استدعى تدخّل الحكومة لضبط المشهد بما تراه متناسباً مع «حرمة شهر رمضان». ويُشكل عالم الجريمة والمافيا وتبييض الأموال والبلطجة محوراً لغالبية الأعمال الدرامية، التي تبثّها القنوات الجزائرية بدرجات متفاوتة في حدة تناول التفاصيل، ومن بينها أعمال مثل (دموع الولية) و(الرهان)، و(حداش حداش 2) و(البراني) و(انتقام الزمن).

بوستر مسلسل البراني الذي كان محل انتقاد شديد من طرف الحكومة (الشرق الأوسط)

وتصدّر المشهد مسلسل (البراني) للمخرج يحيى مزاحم، المقتبس من قصة (السجين) لمزاحم الصادرة في عام 2016، بتخطّي عدد مشاهديه ثلاثة ملايين منذ حلقته الأولى، وفقاً لما أعلنته قناة (الشروق) التّي تبث حلقاته، وذلك على الرغم من الضجّة التي أحدثها على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مشاهد، قال البعض إنها تعدّت على «حُرمة» شهر الصوم. وكانت إحدى اللقطات التي أثارت الجدل في المسلسل، في الحلقة الأولى، عندما اقتاد بطله الممثل كريم دراجي، (لعب دور محمد)، نجمة «التيك توك» نورين حايد، التي تلعب دور منال، في نزهة إلى الغابة بسيارته، وحرّضها على تناول المخدرات بتفاصيل أثارت حفيظة العديد من المشاهدين على مواقع التواصل الاجتماعي.

من حكايات الحماة إلى عالم الجريمة

ترى الكاتبة الصحافية المتخصصة في الشأن الثقافي، نبيلة سنجاق، أن الأعمال الدرامية الجزائرية لموسم رمضان 2024 تسير على نفس خطّ المسلسلات المُنتجة في الموسمين الأخيرين. وقالت لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إنّ كتّاب السيناريو يتّجهون لمحاكاة الواقع الجزائري من خلال «استنطاق بعض المظاهر الاجتماعيّة التي استفحلت في العشريّة الأخيرة... خاصة ظاهرة الإجرام، مثل تهريب الآثار وتبييض الأموال، وتجارة المخدّرات وآثارها الوخيمة على المجتمع وعلى فئة الشباب تحديداً». مضيفة أن هناك «ثمّة رغبة في كتابة سيناريوهات تختلف عمّا سبَق في التسعينات وبداية الألفية، والابتعاد عن تصوير المشاكل العائليّة الصغيرة والصراعات الذاتيّة بين الحماة والكنة (زوجة الابن)، أو بين الأخوة حول مسائل الإرث أو النسب، رغم أن هذه المواضيع ما زالت موجودة ومستفحلة، وبحاجة إلى من يتناولها فنياً».

بوستر أحد الأعمال التلفزيونية التي أثارت استياء الحكومة (الشرق الأوسط)

كما أشارت سنجاق إلى «النزعة نحو الذهاب إلى أعمال فنية تروي قصصاً درامية عن صراع الجماعات بشيء من الجرأة والمغامرة، وتسمية الأشياء بمسميّاتها ورفع التكليف، الذي زعزع المتلقّي وأحرجه أحياناً، ووضعه أمام طريقة معالجة جديدة ومباشرة شكلاً ومضموناً، حتّى رآها البعض مستفزّة وخادشة لحرمة رمضان».

وتابعت الكاتبة الصحافيّة موضحة: «لقد أصبح مشهد تعاطي المخدرات الصلبة في رمضان، وعلى شاشة ما بعد الإفطار، حدثاً جللاً رغم أنّ ذلك يحدث يومياً وراء الجدران». وأوضحت أنّ عموم ما تمّ تقديمه في بعض المسلسلات الرمضانيّة «هو جزء من واقع معروف ومعيش يومياً، وهو جزء مما تتناقله التقارير الصحافيّة والمستجدّات السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية». وترى نبيلة أنّ ما يحدث من نقاش وجدل اجتماعي تواصلي بمناسبة الموسم التلفزيوني الرمضاني «دليل على وجود حركيّة فنيّة بكل ما تحمل من إيجابيات وسلبيات». ودعت القائمين على صناعة الدراما في الجزائر إلى «التعامل بذكاء فنيّ أكبر مع المشاهد ومعرفة سيكولوجية المتلقّي الجزائري، وعدم استسهال عمليّة الكتابة، والتركيز في تشخيص القضايا التي تهمّ المشاهد وفي الشكل الأنسب، خاصة إذا كانت ستتوافق مع شهر رمضان».

وزارة الاتصال تنتفض

استدعى ما أثاره مسلسل (البرّاني) من انتقادات وجدل على مواقع التواصل الاجتماعي تدخّل الحكومة عبر وزارة الاتصال، وكانت البداية باستدعاء مدير قناة (الشروق) التي تبثه إلى مقرّ الوزارة، الأسبوع الماضي، ليقرر وزير الاتصال بعد ذلك استدعاء جميع مديري القنوات من أجل وضع النقاط على الحروف.

وزير الاتصال محمد لعقاب (حساب الوزارة)

ووفقاً لبيان صادر عن الوزارة، فإنّ وزير الاتصال محمد لعقاب هدّد في اجتماعه مع مديري القنوات يوم الأحد، بأنّ الوزارة لن تتوانى في اتخاذ إجراءات لسحب رخص التصوير من وكالات الإنتاج، وإدراجها ضمن المنتجين الممنوعين من الحصول على رخص التصوير مستقبلاً. وقالت الوزارة في بيانها: «بعد الملاحظات التي سجلتها حول مختلف البرامج الرمضانية، فإنها تُذكّر كافة المنتجين ووكالات الإنتاج السمعي البصري، الحاصلين على رخص التصوير من مصالح الوزارة، بضرورة الالتزام بمحتوى رخصة التصوير الممنوحة، والتقيّد بالتعهّد الممضي عليه بعد تسلم الرخصة». واستناداً إلى تقارير إعلامية، فإن لعقاب لفت خلال ذلك الاجتماع إلى أنّ «بعض البرامج تضمّنت لقطات غير مناسبة، وغير متوافقة مع التقاليد الاجتماعية الجزائرية وحرمة شهر رمضان». وقال إن «اللقطات كانت صامتة، وكان يمكن حذفها دون التأثير على السيناريو»، مبيناً أن القنوات التلفزيونية «تجاوزت الحدود المهنيّة والأخلاقية».

قانون العقوبات والدراما

في السياق، يرى أستاذ القانون بجامعة سطيف، الدكتور عبد الحليم غجاتي، أنّ هذه البرامج «تشكّل حتماً خرقاً لقواعد أخلاقيات السمعي البصري، ما يترتب عليه عقوبات إدارية، غير أنها لا تشكّل أفعالاً يجرّمها قانون العقوبات». وقال غجاتي لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «قد يُوصف محتوى بعض البرامج التلفزيونية، التي تتناول موضوع الجريمة والانحراف السلوكي في المجتمع بشيء من التفصيل المبالغ فيه، بأنه غير مهني، طبقاً لقواعد الاحتراف والأخلاق المهنية». وأوضح أن ذلك قد «يشكّل قاعدة لمحاكاة هذه الأفعال والسلوكيّات لشريحة واسعة من فئات المجتمع، خاصة المراهقين»، مضيفاً أن ذلك «قد يأتي بآثار عكسية عندما يتحوّل تسليط الضوء على جريمة، وفق المعايير الفنيّة، إلى تحريض صريح غير مباشر لتقليد تلك المشاهد على أرض الواقع».

بوستر مسلسل لوشام (الشرق الأوسط)

من جانبه، يرى أستاذ التعليم العالي بكليّة الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر، بوجمعة رضوان، أن السلطة الوطنيّة المستقلّة لضبط السمعي البصري، هيئة مستقلة قائمة بذاتها، وهي المختصة بضبط المضامين الإعلامية التي تبث عبر وسائل الإعلام والاتصال، وليس الوزير. وقال رضوان لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن «المشكل مركّب؛ فأولاً سلطة الضبط الجديدة بحكم قانون 2023 لم تُنصّب إلى حد الآن... الوزير نصّب رئيساً للسلطة، دون أن يصدر مرسوم رئاسي لتعيينه كما تنص المادة 43 من القانون. نحن في وضع لا يوجد فيه احترام للقانون من حيث الشكل على الأقل». وكان وزير الاتصال قد أصدر قراراً في فبراير (شباط) الماضي، بتعيين عمّار بن جدة رئيساً بالنيابة للسلطة الوطنية المستقلة لضبط السمعي البصري.

ويرى الأستاذ الجامعي أن كلمة «استدعاء» التي استخدمتها وزارة الاتصال، حين قالت إنها استدعت مدير القناة، «للأسف تحمل تضمينات قضائية». وتساءل: «هل يجوز لممثل السلطة التنفيذية أداء هذا الدور؟ وهل من مصلحته القيام به من كل النواحي؟».

وأوضح رضوان أن «المشكل في كلمة استدعاء أنها تحيل إلى الرقابة، والرقابة بوصفها فلسفة لا تعترف بالضبط»، الذي هو «مسألة مهنية وقانونية لها أبعاد متعددة، وهي تعترف بمبدأ الحرية والإبداع، وتفرض الضبط حتى لا تنحرف ممارسة حرية الإبداع عن حق الجمهور في الإعلام والترفيه». وقال إنّ «حقّ الجمهور هو الهدف الأسمى في فلسفة الضبط؛ لا يُمكِن تصوّر حرية إبداع وحرية صحافة دون الاعتراف بحق الجمهور في الإعلام والترفيه، وفي الحصول على المعلومات حتى يمارس حرياته ويضمن حقوقه المكفولة دستورياً».


مقالات ذات صلة

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

شمال افريقيا من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

بدأ أعضاء «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الخميس، مناقشة مشروع تعديل قانون الانتخابات، في خطوة تسبق استدعاء «الهيئة الناخبة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شهدت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تحولاً استراتيجياً بارزاً بتوقيع اتفاقيتين جديدتين في بروكسل، يتصدرهما اتفاق مهم لإعادة قبول المهاجرين في وضعية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية التعادل السلبي خيّم على مواجهة المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني (أ.ب)

«ملحق المونديال»: التعادل السلبي يخيم على مواجهة الجزائر وأوروغواي

خيّم التعادل السلبي على المواجهة الودية القوية التي جمعت بين المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني مساء الثلاثاء في تورينو.

«الشرق الأوسط» (تورينو)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تفاقم التوترات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

بعد عام من التعليق... الجزائر تستأنف استقبال المبعدين من فرنسا

شرعت الجزائر وباريس في فك عقدة أحد أبرز الملفات الخلافية العالقة منذ عام ونصف، وذلك رغم ظهور بوادر تصعيد جديدة مرتبطة بـ«قضية اليوتيوبر المعارض أمير دي زد».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

الجزائر تودع جنرال المرحلة الانتقالية

يشيَّع الرئيس الجزائري الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي ليل السبت - الأحد عن عمر ناهز 84 سنة، إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه مدينة باتنة (400 كيلومتر شرق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مفترق طرق أميركي ــ عراقي

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفترق طرق أميركي ــ عراقي

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات الأميركية ـ العراقية مفترق طرق جديداً بعد تحذيرات حادة أطلقتها سفارة واشنطن في بغداد، أمس (الخميس)، شملت دعوة الرعايا الأميركيين إلى مغادرة العراق «فوراً»، والتنبيه إلى احتمال هجمات تنفذها ميليشيات متحالفة مع إيران خلال 24 إلى 48 ساعة.

وتزامن التصعيد الدبلوماسي مع إعلان مكافأة قدرها 3 ملايين دولار مقابل معلومات عن منفذي الهجمات على المنشآت الأميركية، ومع ضربات جوية استهدفت مواقع لفصائل مسلحة في الأنبار ونينوى من دون خسائر بشرية معلنة.

وقال مستشار سابق لدى الحكومة العراقية، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن التحذير الصادر عن السفارة الأميركية «يُمثل مؤشراً إلى تراجع الثقة بقدرة بغداد على اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الفصائل المسلحة»، مضيفاً أن السياسة الأميركية «انتقلت من منح الحكومة مساحة للتحرك إلى ممارسة ضغط مباشر عليها لإظهار موقف واضح».

في المقابل، شدد ائتلاف «إدارة الدولة» على رفض انتهاك السيادة العراقية، ومنع استخدام أراضي البلاد للاعتداء على دول الجوار.


من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تتواصل الضربات لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة في عدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا قد يمهد لقيود جديدة تجاه الجماعة، التي تصنفها دول عربية «إرهابية».

تلك التحركات ضد «الإخوان» سلّط إعلام مصري الضوء عليها بكثافة، وعدّها خبراء «خطوة للأمام متأخرة أوروبياً، واستكمالاً لحصار أنشطتها في العالم». وتوقعوا «عمليات ترحيل للعناصر المتورطة في أعمال عنف من دول أوروبية للقاهرة لمحاسبتهم قضائياً».

وأفادت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الأربعاء، بأن «هولندا تتحرك لحظر (الإخوان)»، لافتة إلى أن «هناك تصويتاً برلمانياً يفتح باب المواجهة في أوروبا».

وتحدث الموقع الإلكتروني لصحيفة «الأخبار» الرسمية بمصر، الثلاثاء، عن أن هناك «مخاوف تتنامى للقيادات والكوادر والعناصر (الإخوانية) الهاربة بدولة هولندا من قيام أجهزتها الأمنية بإرجاء النظر في منح الحاصلين منهم على حقّ اللجوء السياسي للجنسية الهولندية. الأمر الذي قد يهدد بترحيل عدد منهم خارج الأراضي الهولندية».

وتأتي المخاوف مع إقرار البرلمان الهولندي، في مارس (آذار) الماضي، مقترحاً يدعو إلى حظر جماعة «الإخوان» والمنظمات المرتبطة بها، وصوّت كل من حزب «الاتحاد» (يمين وسط) وحزب «Plus 50» (وسط) لصالح الاقتراح، ما منحه أغلبية بـ76 مقعداً من أصل 150 مقعداً، ولم يدخل حيز التنفيذ بعد في ظل دراسة الحكومة آلياته.

الخبير الأمني المصري، اللواء فاروق المقرحي، يرى أن «هذه خطوة للأمام متأخرة لحصار خطر تلك الجماعة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الحراك يجب أن تتبعه قرارات بترحيل عناصر تلك الجماعة، لمحاسبتهم بالقانون على جرائمهم في حق مصر وشعبها».

فيما يضيف الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حظر فروع جماعة (الإخوان) من واشنطن، ثم تحرك أمستردام، وإمكانية امتداده لدول أوروبية أخرى، يعكس نجاعة القاهرة في ملاحقة (الإخوان) وتنامي القناعات العربية والدولية بخطر تلك الجماعة».

ويتوقع أديب أن يصل الحظر إلى دول أوروبية أخرى تباعاً، مثل ألمانيا وبلجيكا، حتى يتم إدراج «الإخوان» على «قوائم الإرهاب»، ويتم التعامل معها كـ«القاعدة» و«داعش» باعتبارهما تنظيمين متطرفين وإرهابيين.

ووفق تقرير حديث لـ«مركز تريندز للبحوث» في الإمارات، فإن موافقة البرلمان الهولندي تعدّ تطوراً لافتاً يعكس تنامي الوعي الأوروبي بمخاطر الإسلام السياسي، ومحطة مفصلية في مسار المواجهة الأوروبية.

ويشير التقرير إلى أن التحرك الهولندي في هذا التوقيت يستفيد من زخم دولي غير مسبوق، دشّنته الإدارة الأميركية، مطلع عام 2026، عبر سلسلة من قرارات التصنيف الإرهابي التي شملت فروعاً رئيسية للجماعة في الشرق الأوسط؛ لتنتقل المواجهة من مربع المراقبة السلبية إلى مربع المواجهة المباشرة والتفكيك المؤسسي ونهاية سياسة الاحتواء.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، صنّفت واشنطن جماعة «الإخوان» بمصر، رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، وتلاه في مارس الماضي وضع فرعها في السودان بالقائمة ذاتها.

ووافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي في يناير الماضي على دعوة المفوضية الأوروبية، لإضافة جماعة «الإخوان» وقادتها إلى قائمة المنظمات الإرهابية.

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان»، «جماعة إرهابية» منذ عام 2013، و«تنتشر الجماعة في واشنطن وأوروبا تحت لافتات إسلامية، لا ترفع اسم الجماعة صراحة»، بحسب مراقبين.

ويأتي هذا الحراك الأوروبي مع خطوات مصرية لتجفيف منابع الجماعة وملاحقة عناصرها، وأحدثها قبل أيام مع بثّ وزارة الداخلية اعترافات قيادي بحركة «حسم» الإرهابية بشأن مخططات تخريبية كانت تستعد الحركة للقيام بها ضد الدولة المصرية.

ويعتقد المقرحي أن الضربات، التي تلاحق الجماعة أميركيا وأوروبياً وعربياً، ستجعل «الإخوان» تنغلق على نفسها، خاصة أن الضربات الأمنية في مصر متواصلة ضد عناصرها، ولم يغلق ملفهم، ولن يغلق مهما مرت السنوات.

ويؤكد أديب أن «قرارات الحظر ستؤدي إلى فرض قيود صارمة على الجماعة، تشمل حركة الأموال، وتنقل القيادات، والأنشطة والفعاليات التي يقومون بها»، كما يشير إلى أن «أوروبا، التي كانت تمثل ملاذاً لهذه التنظيمات وتوفر لها منصات إعلامية وحاضنة، سوف تشهد قيوداً حقيقية على بقائهم وعملهم، ما سيؤثر بشكل عام على نشاطهم، وتدفع لترحيل عناصر منهم إلى مصر»، وفق رأيه.


ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
TT

ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

وجد «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، نفسه أمام تساؤلات عديدة مجدداً بشأن حصوله فيما يبدو على «أسلحة جديدة» في ظل الحظر الدولي المفروض على ليبيا منذ عام 2011.

وجاءت هذه التساؤلات بعد تقرير لوكالة «رويترز»، الخميس، عن وجود ثلاث طائرات «مسيرة قتالية» جديدة أظهرتها صور أقمار اصطناعية تجارية في قاعدة «الخادم» الجوية بشرق ليبيا، يعتقد خبراء أنها «صينية وتركية الصنع»، دون نفي أو تأكيدات رسمية من «الجيش الوطني».

وتأتي هذه الأنباء في ظل سعي «الجيش الوطني» للتسلح، وتطوير أسلحته بقصد الدفاع عن سيادة البلاد، لكن قياداته دائماً ما تشكو الحظر الأممي وتداعياته.

طائرات في عرض عسكري بحضور حفتر في شرق ليبيا مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

وأمام أحاديث متضاربة بشأن إدخال الجيش أسلحة جديدة إلى ترسانته، فضّل مصدر عسكري ليبي عدم التحدث في هذا الأمر؛ لأنه غير مخوّل بالحديث إلى وسائل الإعلام، مكتفياً بالقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الملف «حساس وليس في سلطاتي الخوض فيه»، لتبقى الحقيقة معلقة أمام صور الأقمار الاصطناعية التي أظهرت الطائرات، بحسب «رويترز»، الخميس.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة خبراء، قالت إنهم بعد مراجعة صور الأقمار الاصطناعية «يرجحون» أن تكون إحدى المسيرات هي الطائرة فيلونغ - 1 (إف إل - 1) صينية الصنع، وهي طائرة استطلاع وهجوم متطورة. واتفق الخبراء الثلاثة على أن الطائرتين الأخريين تبدوان من طراز «بيرقدار تي بي 2» التركية الصنع، وهي طائرات أقل قوة، لكنهم لم يستبعدوا أن تكونا من طرازات أخرى.

ولا ينقطع الحديث عن سباق تسلح محموم بين طرفي النزاع في ليبيا، التي تخضع لحظر تصدير السلاح وفق قرار أممي، إبان الحرب الأهلية التي أعقبت «الثورة» ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

الباحث العسكري محمد الترهوني فضل التذكير بقرار مجلس الأمن الدولي بتخفيف حظر التسلح على ليبيا في مطلع عام 2025، والذي يسمح بتوريد أسلحة ومعدات لأغراض «الدفاع ومكافحة الإرهاب»، بناءً على طلب حكومي، مشيراً إلى أن هذا القرار «أسهم في رفع مستوى التسليح والجاهزية».

ورأى الترهوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن خطوة اقتناء الطائرات المسيرة «منطقية وضرورية»، بالنظر إلى ما أثبتته هذه الطائرات من كفاءة وفاعلية في ميادين القتال في الشرق الأوسط، مشيراً إلى «التحديات الأمنية على الشريط الحدودي مع دول الساحل والصحراء، بما في ذلك نشاط الجماعات المتطرفة العابرة للحدود».

وأضاف الترهوني موضحاً أن الطائرات توفر «أدوات مراقبة وهجوم حديثة لتعزيز قدرة الجيش على التصدي للتهديدات وحماية الأمن الوطني».

وتوصل «الجيش الوطني» الليبي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى اتفاق لشراء معدات عسكرية، بقيمة أربعة مليارات دولار من باكستان، تشمل طائرات مقاتلة من طراز «جيه إف - 17»، التي تم تطويرها بالتعاون مع الصين.

ويعتقد الترهوني أن الجيش عزز التعاون العسكري والتدريبي مع دول ذات وزن عسكري، مثل روسيا وبيلاروسيا وباكستان ومصر وتركيا، حيث حصل أفراد عسكريون ليبيون على دورات تدريبية متقدمة، ما رفع من «القدرة على التسليح والتأهب العملياتي».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وأشار الترهوني إلى الانفتاح الملحوظ للسلطات في شرق ليبيا على تركيا في المجالات العسكرية والاقتصادية وإعادة الإعمار، مؤكداً أن زيارات نائب القائد العام للجيش، الفريق صدام حفتر، إلى أنقرة أسهمت في تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي، بما في ذلك لقاءات مع رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين ووزير الدفاع.

ومنذ أعوام، قطع «الجيش الوطني» خطوات لتعزيز قوته، حيث أعلن إطلاق خطة «2030» لتطوير الجيش، كما استعرض قوته العسكرية في عرض ضخم في مايو الماضي، بمناسبة ذكرى إطلاق عملية الكرامة ضد الجماعات المتطرفة في شرق ليبيا.

ورغم ذلك، لا يستبعد محللون أن يبقى الحديث عن التسليح في ليبيا مفتوحاً على تساؤلات أخرى، في ضوء الصراع المستمر في البلاد بين شرقها وغربها، والقيود الدولية في مقابل الاحتياجات الأمنية المتصاعدة، علماً بأن «الجيش الوطني» خاض مواجهات مع تشكيلات مسلحة و«جماعات إرهابية» في شرق ليبيا وعلى حدودها الجنوبية من عام 2014.

ولم تتمكن «رويترز» من تحديد الجهة التي وردت منها الطائرات المسيرة أو متى حدث ذلك. ولم يرد «الجيش الوطني» الليبي وحكومتا الصين وتركيا، والشركتان المصنعتان للطائرات المسيرة، وهما «تشونغ تيان فيلونغ» الدفاعية التي تتخذ من مدينة شيآن مقراً، و«بايكار» ومقرها إسطنبول، على أسئلة تفصيلية. كما لم تعلق الحكومة التي ‌تتخذ من طرابلس مقراً أيضاً.