إيران.. حيث الشعر الحديث جريمة في حق الوطن

المحكمة الإسلامية تصدر حكمًا بسجن شاعرة وشاعر بسبب قصائدهما «المليئة بالغموض»

مهدي موسوي وفاطمة اختصاري
مهدي موسوي وفاطمة اختصاري
TT

إيران.. حيث الشعر الحديث جريمة في حق الوطن

مهدي موسوي وفاطمة اختصاري
مهدي موسوي وفاطمة اختصاري

أثار الحكم القاسي الذي أصدرته محكمة إيرانية بحق الشاعرة فاطمة اختصاري والشاعر مهدي موسوي صدمة وغضبا كبيرين في الأوساط الثقافية الإيرانية، فكتب أكثر من 300 مثقف رسالة إلى خامنئي يناشدون فيها إلغاء الحكم، لكنهم لم يتسلموا منه أي جواب. وعلى المستوى العالمي، كتب 16 شاعرا أميركيا، ومنهم الشاعر الشهير جون اشبري، رسالة أيضًا إلى خامنئي، داعين إياه لإلغاء هذا الحكم.
هل إقامة ندوة حول إصلاح الوزن والقافية في الشعر الفارسي تعد خرقا لـ«القيم الإسلامية» وتهديدا لقيم دولة إيران الإسلامية؟
تلك هي رؤية المحكمة الإسلامية في طهران التي أصدرت مؤخرا حكما بسجن شاعرين لأحد عشر عاما، والضرب بالعصا 99 مرة على مرأى من الناس.
أحد المحكومين فاطمة اختصاري التي حكم عليها بالسجن أحد عشر عاما ونصف بتهمة «تقويض أمن البلاد» بكتابة وقراءة عدد من «القصائد المليئة بالغموض التي يمكن فهمها بعدة طرق والتي تشكل خطرا كبيرا».
والشاعرة اختصاري شاعرة سيريالية ولها قصائد يمكن، أو بالفعل تعمدت، أن تقرأ بعدة طرق. فعلى سبيل المثال، صدر أحد دواوينها تحت اسم: «البكاء على أكتاف البيضة»، بينما حمل ديوان آخر عنوان: «خطاب نسائي قبل خبز البطاطس».
وتعد المساواة بين الجنسين موضوعا قويا عند اختصاري التي تصر على أنه منذ خلق الله الرجال والنساء ليس هناك سبب لأن تمنع النساء من الاستمتاع بالحرية المتاحة للرجال.
غير أن المدعي العام الإسلامي في طهران أصر على أن المقصود من «قصائد اختصاري المبهمة» هو «تمرير رسائل سياسية خطيرة». وحسب المدعى العام؛ «فهي تكتب شيئا بينما تقصد شيئا آخر».
بيد أن المضحك في كل هذا أن اختصاري ليست شاعرة سياسية من الأساس. وفي الواقع، كتبت الشاعرة أن أولئك الذين يحاولون توظيف الشعر لصالح أفكار سياسية يرتكبون خيانة في حق الاثنين.
وبصفتها محررة للمجلة الأدبية الشهرية «غد واحد فقط»، فتحت اختصاري المجال لكتاب وشعراء من كل أطياف الفكر بمن فيهم بعض الخمينيين. غير أنها بصفتها شاعرة، لا تستطيع تجنب التفاعل مع البيئة الاجتماعية والسياسية المحيطة داخل إيران، فليس بمقدورها أن تدير وجهها للاتجاه الآخر بعد أن رأت قبحا أو قمعا أو رعبا، وكلها أفكار قد تشق طريقها بالقوة إلى بعض قصائدها.
تعد اختصاري كذلك باحثة نظرية في الأنماط الشعرية؛ إذ إن مجموعة مقالاتها التي صدرت تحت عنوان: «خدع لغوية في القصائد الحديثة» مثيرة للاهتمام وذات اتجاه تثقيفي.
أما زميلها الشاعر مهدي موسوي فقد حكم عليه بالسجن لست سنوات، ويعد موسوي مؤسسا ومشرفا على ملتقى شعري في طهران كثيرا ما تحدثت فيه اختصاري وألقت فيه قصائدها. والملتقى الشعري مخصص لتطوير نمط شعري جديد أطلق موسوي عليه اسم: «غزل ما بعد عصر الحداثة».
يدور ذلك الجدل الشعري الجديد حول فكرة أنه بعد تجربة الأنماط الشعرية ومنها الشكل الأوروبي في الشعر والنثر على مدار قرن من الزمان، فالشعر الفارسي في حاجة للعودة إلى الأنماط التقليدية مع إضافة تغيرات جوهرية كي يعكس الواقع الحديث.
ويرفض موسوي جدل الأجيال القديمة من الشعراء القدامى مثل أحمد شامولو الذي ادعى أن الغزل التقليدي مدين بالفضل لموسيقى أوزانه وقوافيه التي لا تستطيع استبدال أي معنى بشكل قوي.
وحسب موسوي، بمجرد أن يتعلم الشاعر الفارسي اللعب بالقواعد التقليدية، فبمقدوره استحداث عدد لا نهائي من القوافي والأوزان التي يستطيع من خلالها التعبير عن أي عاطفة.
بيد أن المحكمة الإسلامية اتهمت موسوي بابتداع «صور غير أخلاقية» في شعره، وعليه، فقد «ازدرى القيم السامية للمجتمع المؤمن».
وأصدرت المحكمة الإسلامية أيضًا حكما لا يقل قسوة بفرض حظر على نشر أي مطبوعات أو ترديد أي قصائد لاختصاري أو موسوي. وبمرسوم قضائي صدر عن وزارة التوجيه الإسلامي عام 2003، «يجرد المحكوم عليهم في تلك القضايا من حق المواطنة»، ويحظر نشر أسمائهم أو صورهم.
وكان اختصاري وموسوي قد قضيا عدة أشهر في السجن منذ عامين، إلا أنه أطلق صراحهما في النهاية بعدما فشل المدعي العام في إثبات اقترافهما جريمة سياسية، ولهذا السبب ركز المدعى هذه المرة على الادعاء بأن الشاعرين قد «خرقا معتقدات إيمانية مقدسة». جاءت مهمة إصدار الحكم أسهل هذه المرة بفضل محاضرة ألقاها المرشد الأعلى آية الله على خامنئي مؤخرا وضع فيها الشروط الواجب توافرها في «الشعراء المسلمين الجيدين».
وحسب مقولة للشاعر المنفي يد الله رؤيائى، فبمقدور الإنسان كتابه إعلان أو بلاغ للشرطة تنفيذا للأوامر، لكن الشعر ليس كذلك.
وأضاف رؤيائى: «حتى الشاعر لا يمكنه أن يأمر نفسه كي يكتب الشعر.. فالشاعر مثل الشجرة تتساقط أوراقها وأزهارها كي تترك مجالا لأوراق وأزهار جديدة».
إيران إحدى الدول القليلة في العالم التي ينظر فيها للشعر على أنه أسمى أشكال الإبداع الأدبي، ففي المدن الإيرانية ترى أغلب شوارع المدينة ومتنزهاتها وقد سميت بأسماء الشعراء أكثر مما سميت بأسماء الفاتحين أو بناة الإمبراطوريات. وإن وجدت في البيت كتابا واحدا فسوف يكون ديوانا يحوي مجموعة قصائد.
بيد أنه بعد استيلاء الملالي على الحكم عام 1979، مرت إيران بإحدى أخطر مراحلها عبر تاريخها الطويل بالنسبة للشعراء والمثقفين بصفة عامة.
المفارقة هي أن كلا من مؤسس النظام، الراحل آية الله روح الله الخميني، وخليفته مرشدا أعلى آية الله علي خامنئي، اعتبرا نفسيهما شاعرين كبيرين. لكن الخميني امتنع عن نشر دواوينه نظرا لاعتقاده أن ظهوره شاعرا قد يقلل من هيبته قائدا للثورة التي تستطيع إعدام 4 آلاف شخص خلال عطلة نهاية الأسبوع. وبعد موته طُبعت المئات من قصائده الغزلية ذات البنية التقليدية (الأربعة عشر بيتا) بواسطة المؤسسة التي تحمل اسمه. ولا ينشر خامنئي قصائده، لكنه ينظم جلسات خاصة يحضرها بضعة عشرات من «المقربين» مرة أو مرتين في العام.
أودع اختصاري وموسوي السجن ولم يقتلا، في حين أن غيرهما لم يحالفهم هذا الحظ، وشُنق هاشم شعباني عشية زيارة الرئيس روحاني للأهواز عام 2014.
لم يكن شعباني أول شاعر إيراني يقتله الملالي؛ إذ إن الشاعر اليساري سعيد سلطانبور تعرض للاختطاف يوم زفافه بأمر من الخميني نفسه وقتل رميا بالرصاص في أحد سجون طهران. والشاعر رحمن هاتفي، الذي كان يكتب تحت اسم حيدر مرجان، قطعت شرايينه وترك ينزف حتى الموت في سجن إيفين. وفى عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني رُسمت خطة لقتل عدد من الشعراء الإيرانيين يملأون حافلة أثناء توجههم لحضور مهرجان، إلا أن الخطة فشلت في الدقيقة الأخيرة. ورغم ذلك، فإن رفسنجاني نجح في القضاء على أكثر من عشرة كتاب وشعراء. وكانت أكبر عملية اغتيال جماعية في عهد الرئيس خاتمي عندما قام عملاء للحكومة باغتيال أكثر من 80 مثقفا منهم الشاعران محمد مختاري، ومحمد جعفر بوياندا.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.