أثرياء الحرب الليبية يعرقلون عودة الدولة.. بعد تحقيقهم ثروات من صراع الميليشيات

بينهم بائع شطائر وسائق شاحنة ومصلح أجهزة منزلية * مصادر رسمية وبرلمانية تتحدث عن اختفاء مليارات الدولارات وأطنان من الذهب

مقاتل ليبي تابع لقوات حفتر مع سلاحه في مدينة بنغازي (أ.ف.ب)
مقاتل ليبي تابع لقوات حفتر مع سلاحه في مدينة بنغازي (أ.ف.ب)
TT

أثرياء الحرب الليبية يعرقلون عودة الدولة.. بعد تحقيقهم ثروات من صراع الميليشيات

مقاتل ليبي تابع لقوات حفتر مع سلاحه في مدينة بنغازي (أ.ف.ب)
مقاتل ليبي تابع لقوات حفتر مع سلاحه في مدينة بنغازي (أ.ف.ب)

تعيش ليبيا في فوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في خريف عام 2011. وبدلا من تحقيق الاستقرار وجمع شتات الدولة والالتفاف حول الجيش، صعد إلى السطح بارونات الحرب من قادة الميليشيات ممن أثروا على حساب الشعب، ووقفوا ضد محاولات تشكيل حكومة الوفاق الوطني، سواء كانوا في غرب البلاد أو شرقها.
ويأتي هذا بينما تعاني الدولة التي تعد من أغني الدول الأفريقية، أزمة مالية طاحنة، لدرجة أن رغيف الخبز زاد ثمنه 10 أضعاف، كأقرب مثال على تدهور المعيشة. وتقدر لجان التحقيق التي بدأت تتشكل من خلال سلطة البرلمان الشرعي في الشرق، أو البرلمان المنتهية ولايته في الغرب، بضياع مليارات الدولارات، حيث يفسر كل طرف مصير هذه الأموال بطريقته.
لكن مصادر التحقيق في المنطقة الشرقية تقول إن هناك نحو 37 مليار دولار ونحو ثمانية أطنان من الذهب اختفت بعد دخول «الثوار» إلى طرابلس، بالإضافة إلى أعمال سطو ونهب قامت بها الميليشيات المتطرفة للمصارف العامة وسيارات نقل الأموال والمؤسسات المالية، طوال السنوات الأربع الأخيرة. بينما تتهم مصادر التحقيق في المنطقة الغربية أنصار النظام السابق وبعض الخصوم من «الثوار» بالاستيلاء على مليارات الدولارات.
مع تأخر الرواتب لأكثر من خمسة أشهر، وارتفاع أسعار السلع الغذائية، وشح الطعام والوقود وغاز الطهي، بدأ الليبيون يفتشون عن مصير أموالهم وهم يتدفأون على الحطب، ويتناولون قصصا أغرب من الخيال عمن حققوا ثروات من حروب الميليشيات منذ سقوط النظام السابق حتى اليوم. ومن بين هذه القصص تلك التي تتعلق برجل يبلغ من العمر 43 عاما كان يصلح الأجهزة المنزلية، خاصة التلفزيونات والمبردات، في دكانه في طرابلس، وأثناء الانتفاضة المسلحة على نظام القذافي أغلق دكانه الذي كان يجني منه في اليوم ما قيمته بين 30 و40 دولارا، فقام وارتدى ملابس عسكرية وأصبح يقف في مقدمة «الثوار» على رأس مدرعة مسروقة من الجيش. اليوم، وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على سقوط النظام، أصبح الرجل نفسه يمتلك فيلا في ضاحية التجمع الخامس في العاصمة المصرية، وشققا وأراضي في بلدان أخرى.
رغم كل هذا الثراء، ما زال الليبيون يعرفونه باسم «مصلح التلفزيون». ويوجد مئات آخرون من هذا النوع من المهمشين الذين صعدوا إلى السطح بعد «الثورة» وأصبح بعضهم من كبار الأثرياء، ومن بينهم بائع شطائر تونة، كان لديه محل صغير في العاصمة الليبية أيضا، وسائق شاحنة «بيك آب» كان يبيع عليها مياه الشرب في ضواحي طرابلس، وغيرهم.
وتحاول السلطات الليبية الجديدة جرد أموال الدولة ومعرفة مصير كل سنت، وتسعى لهذا الغرض لتشكيل لجنة مختصة بمكافحة الفساد، رغم أن عدة لجان ومحققين بدأوا العمل بالفعل. بينما قرر البرلمان السابق الذي تهيمن عليه جماعة الإخوان، وما زال يعمل انطلاقا من طرابلس، وضع عدد من خصوم الجماعة، في جدول «الحراسة وإدارة أموال وممتلكات بعض الأشخاص»، لمساءلتهم، وكان من بين هذه الأسماء «مصلح التلفزيون».
لكن يبدو أنه لن يكون في مقدور أي لجان استعادة مليارات الدولارات من أموال الليبيين إلا بعد أن يتحقق الاستقرار لهذا البلد المنقسم على نفسه. يقول الدكتور محمد الورفلي، الرئيس السابق للجنة القانونية في مؤتمر القبائل الليبية، إن ملف من أثروا من الحرب كبير جدا، ولا يقتصر على من صعدوا من أزقة المدن إلى الواجهة، ولكنه يشمل أيضا رجال أعمال كانوا يرون في رحيل القذافي مكسبا لهم. و«هذا النوع من اللصوص والتجار يقفون ضد عودة الدولة الليبية».
ويؤكد الدكتور محمد القشاط، رئيس جبهة النضال الوطني، التي تعضد من عمل البرلمان الجديد والجيش، مثل هذا الكلام أيضا، لكنه يزيد موضحا أنه توجد جهود تبذل من أجل تشكيل لجنة لحصر الأموال المنهوبة، إلا أنه يضيف أن «المشكلة تكمن في أننا نفتقر إلى الوثائق، لأن هناك الكثير من الشائعات، وهناك كلام صحيح أيضا. مثلا يقال إن فلان أخذ مائة مليون دولار أو مليار دولار، أو كذا، لكن أحيانا لا يكون قد أخذ كل هذا المبلغ، ولكن من الممكن أن يكون المبلغ أقل. أو لم يأخذ أي أموال من الأساس، وبالتالي لا يجب أن نضع اعتبارا للشائعات وكلام الشارع».
على الجانب الآخر، فإن من خافوا على ما جمعوه من أموال وابتعدوا بها إلى خارج البلاد، معروفون جيدا في الأوساط الليبية، خصوصا أولئك الذين ما زالوا يعانون في سبيل إقامة دولة ديمقراطية خالية من الفساد، منذ انضمامهم لـ«ثورة» 2011. «ليبيا صغيرة، والليبيون يعرفون بعضهم بعضا بشكل جيد، ويعرفون من أثروا بلا سبب، ويعرفون بارونات الحروب وبارونات السلاح، وليس الأمر بخاف، خصوصا بعد أن ظهرت معالم الثراء ومعالم الاغتناء غير المشروع، سواء كان هؤلاء من مناطق الغرب أو الشرق أو الجنوب»، كما يقول الورفلي.
يمثل البرلمان الذي يعقد جلساته في مدينة طبرق، أعلى سلطة في البلاد. ومن خلال اللجان المختصة يحاول المحققون جمع معلومات عمن أثروا من الحرب ومن الفوضى ومن يستثمرون ما غنموه من أموال في تغذية الميليشيات وتجارة السلاح وتهريب البشر إلى أوروبا. ومن بين هؤلاء من فر إلى الخارج بأموال الدولة، ومن غادر ثم عاد ليتحالف مع أصدقاء جدد في المنطقة الشرقية، معلنا رفضه لحكومة الوفاق الوطني المقترحة من الأمم المتحدة.
كثير من قادة الميليشيات في المنطقة الغربية أيضا يرفضون حكومة الوفاق. كان أحد هؤلاء يقدم لحكومة الإخوان كشوفا تضم أكثر من 30 ألف اسم، ويصرف من خزينة الدولة ألف دولار في المتوسط لكل اسم، أي أنه يحصل على نحو 30 مليون دولار كل شهر كرواتب لعناصر ميليشياته، بينما العدد الحقيقي لم يكن يزيد على 500 أو 600 عنصر. ويقول أحد المسؤولين العسكريين: «عليك أن تحسب الفرق لتعرف كمية الأموال التي حصل عليها».
الدكتور القشاط، يضيف قائلا: «هناك فرق بين شخص يحرق نفسه من أجل وطن، وآخر يحرق الوطن من أجل نفسه.. مثل هذه المجموعات التي تحرق الوطن ليس لديها برنامج وليس لديها هدف إلا الاستفادة الشخصية، وبالتالي الميزانية والأموال التي في البلد، وبدل أن تصرف على الشعب وعلى خطة العمل وإعادة بناء الوطن، يقوم كل واحد من مثل هؤلاء بالنهب لنفسه فقط، ويعد أن هذا إنجاز لأنه بعد أن يحقق ما يريد من أموال يرحل عن ليبيا».
ويزيد موضحا: «أنت ترى كثيرين اليوم سافروا للإقامة في الخارج.. في تركيا وبريطانيا وأميركا. هذا يعني أنه لم يكن لديهم برنامج لإنقاذ الوطن، لأنه لم يكن لديهم خطة من الأساس للبناء. مثل هؤلاء حريصون على أن تبقى ليبيا بهذا الشكل، لأنه إذا وجدت دولة متماسكة وقانون ومحاكم سيُسأل هؤلاء وستُجمع منهم هذه الأموال. هذه أموال مسروقة يجب أن تعود إلى الشعب».
ويلفت الدكتور القشاط الانتباه إلى أن البعض ممن استولوا على أموال الليبيين بعد «ثورة 17 فبراير (شباط)»، أصبحوا يتحججون ويتهمون مسؤولي النظام السابق (جماعة نظام القذافي) بأنهم سرقوا هم أيضا أموالا وهربوا للخارج، ويصفونهم بأنهم «قطط سمان». ويضيف أن «مثل هذا الكلام موجود في داخل ليبيا، مع أن أكثرهم، ومن بينهم من كانوا وزراء ومسؤولين في عهد القذافي، غير قادرين اليوم على توفير الطعام لأنفسهم أو أن يدخلوا أولادهم المدارس».
ويقول مستشار قانوني ليبي على علاقة بالتحقيقات الحالية بشأن اختفاء مليارات الدولارات من أموال الدولة الليبية، فضل عدم ذكر اسمه، إن أحد المهمشين ممن أثروا بعد الحرب يملك في الوقت الحالي، وفقا للتحقيقات المبدئية، أسطولا من السفن، وشركة ملاحة، وله في جنوب شرقي القاهرة قصر في منطقة التجمع الخامس، وعدد من الفيلات في منطقة الرحاب، بالإضافة إلى عدد من مزارع البرتقال قرب العاصمة اللبنانية بيروت. ويقول مصدر في الجيش الليبي على علاقة بلجنة تجري تحقيقات في الموضوع، إن من بين الأسماء المطلوب مساءلتها بشأن ما لديها من أموال ضخمة غير معروف لها مورد، قائد عسكري آخر يعيش حاليا في جناح فخم في أكبر فنادق طرابلس المطلة على البحر المتوسط، ويطلق عليه البعض اسم «رئيس المخابرات الخفي لجماعة الإخوان في ليبيا»، ويتردد في كثير من الأحيان على تركيا وإسبانيا، وأسس في طرابلس شركات متنوعة من بينها شركة طيران مدني لنقل الركاب وقناة تلفزيونية، واشترى أملاكا في الخارج ويدير ثروة تقدر بعدة مليارات من الدولارات.
كان هذا الرجل البالغ من العمر 49 عاما، مطاردا من نظام القذافي، ومن مخابرات دول غربية. ويضيف المصدر أن المحققين لم يتمكنوا من الوصول لأي ثروة أو مدخرات له ذات قيمة، قبل ركوبه موجة «الثورة» في 2011، حيث كان في السابق هاربا في أفغانستان وبلدان أخرى، إلى أن جرى احتجازه في سجون القذافي. وفي أعقاب سقوط النظام السابق ظهر على السطح كقائد عسكري لمجموعة من «الثوار».
وكان الرجل من بين قادة ميليشيات أعلنوا رفضهم لتشكيل حكومة الوفاق الوطني، رغم مشاركة عدد منهم في مفاوضات الأمم المتحدة للمصالحة في ليبيا. ويصر هؤلاء، وأغلبهم يتمركز في طرابلس، على عدم الاعتراف بالبرلمان أو الجيش الوطني الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر. وحين لاحت في الأفق فرص لحكومة وحدة تعمل من العاصمة، بادروا بنشر قناصة على الأسطح في وسط طرابلس للحيلولة دون عودة الدولة من جديد، وفقا لمسؤول عسكري.
ويقول الدكتور صلاح الدين عبد الكريم، مستشار الجيش الوطني الليبي: «الذين نهبوا أموال الدولة بعد 2011 يقفون ضد عودة القانون والمحاسبة. هؤلاء ليس من مصلحتهم وجود حكومة قوية، لأنه سيترتب عليه مساءلتهم عن الأموال التي تحت أيديهم وما هو مصدرها وكيف حصلوا عليها.
وبعد ما يزيد على أربع سنوات من الفوضى، يعتقد المحققون اليوم، (بعضهم يتبع حكومة طرابلس والبعض الآخر حكومة طبرق)، أن المصارف الليبية اختفت منها ليلة سقوط طرابلس في 20 أغسطس (آب) 2011 أكثر من 37 مليار دولار. ويقول المستشار القانوني الليبي المشار إليه إن «هذه الأموال نهبت بالكامل.. مسحوها في تلك الليلة، واختفت معها نحو ثمانية أو تسعة أطنان من الذهب. جرى تخزين جانب من المسروقات أولا في مطار معيتيقة، ثم تم توزيع الغنائم، وكأن الدولة لن تعود لتبحث عن أموالها».
المشكلة أن التحقيقات التي تجري في غرب البلاد تتهم الموالين للمنطقة الشرقية، والعكس، حيث يبدو أن تحقيقات المنطقة الشرقية تركز اهتمامها حتى الآن على الموالين للميليشيات في المنطقة الغربية. تشير تحقيقات مبدئية في الشرق إلى أن عددا من قادة الميليشيات والمجالس العسكرية استخدم الأوراق التي حصل عليها من كتائب القذافي العسكرية التي كان لها حسابات في المصارف الليبية، وقام عن طريقها بالتحايل على البنوك لسحب أموال تلك الكتائب لحساب القادة الجدد.
وتبحث واحدة من لجان الشرق حيث مقر البرلمان والجيش، التحقيق في مصير نحو 50 مليون دولار كانت في حساب كتيبة خميس نجل القذافي المعروفة باسم «اللواء 32 المعزز» وتبين أنه جرى سحب رصيدها من الأموال من جهات غير معروفة بعد أشهر من هزيمة كتيبة خميس ومقتله.
رجل آخر كان قبل ثورة 2011 يدير مطعما صغيرا لصناعة الشطائر (السندوتشات) في طرابلس.. يبيع نصف السندوتش بربع دينار ونصف دينار، واليوم أصبح من كبار رجال الأعمال، ولديه شركة استثمارات وهو يتردد على عدة بلدان في المنطقة، لكنه يفضل الإقامة في الأردن. ووفقا للجان التحقيق المبدئية، فقد جاء النصيب الأكبر من ثروة هذا الرجل الملقب في ضواحي طرابلس باسم «صانع سندوتشات التونة»، من رواتب عناصر الميليشيات الوهمية التي كان يرأسها.
تقول المعلومات إنه ترك دكان الشطائر قبيل «ثورة 17 فبراير» وعمل مع المطاعم الخاصة بمنطقة باب العزيزية التي كانت بمثابة حصن لحكم القذافي، وكان يقوم بتوريد بعض أنواع الأطعمة المطلوبة. وتواصل خلال تلك الفترة مع قيادات من «الثورة»، وقدم معلومات تفصيلية عن باب العزيزية من الداخل، وصلت إلى حلف الناتو وساعدت في تضييق الخناق على القذافي الذي فر وقتها من العاصمة إلى سرت.
وبعد ذلك أسس كتيبة في غرب العاصمة وقدم أوراقا للحكومة في عهد الإخوان بمساعدة أحد أقاربه ممن كان مسؤولا في السلطة. تقول الأوراق، وفقا للتحقيقات، إن عدد عناصر كتيبته يبلغ 14 ألف عنصر يقومون بحماية الحدود والمنشآت النفطية، بينما لم يكن العدد يزيد على بضعة مئات. ومع هذا استمر في صرف رواتب شهرية لهذه العناصر التي لا وجود لها، بما قيمته نحو 11 مليون دولار شهريا.
وتشير التحقيقات أيضا إلى أن صاحب دكان الشطائر، وبمساعدة قريبه، كان أيضا يحصل على أسلحة متطورة لكتيبته المزعومة من عدة دول صديقة لليبيا كمساعدات منها لتمكين السلطات الوليدة التي كانت تعتمد على الميليشيات في ضبط الحدود، لكنه كان يقوم بتخزين هذه الأسلحة في مخازن تقع في منطقة الهضبة في طرابلس ويقوم ببيعها لمن يطلبها من بقية الميليشيات والكتائب بغض النظر عن توجهاتها. وتقول التحقيقات إن ذلك استمر حتى أواخر عام 2014. ويقف هذا الرجل مع الحلف الذي يرفض تشكيل حكومة وحدة وطنية أو عودة الدولة أو تقوية الجيش.
أما الملف الخاص بسائق شاحنة المياه، الذي يدير في الوقت الحالي واحدة من أكبر كتائب المتطرفين في طرابلس، ويسيطر على مطار معيتيقة، فتفيد المعلومات المبدئية التي جرى جمعها عن طريق المحققين أنه «كان لديه سيارة بيك آب يضع عليها برميلين من مياه الشرب ويقوم ببيع حصص المياه في شوارع العاصمة خاصة منطقة سوق الجمعة، ولم تكن له مهنة أخرى، خصوصا أنه لم يكمل تعليمه.. واستمر على هذا الوضع حتى مطلع عام 2011، واليوم أصبح لديه أموال ضخمة غير معروف مصدرها، ويتحدث مع الناس باعتباره رجل دين وداعية».
لكن التحقيقات تشير إلى أن معظم ما جمعه من أموال يعود بالأساس إلى عمليات السحب من المصارف الليبية بأسماء كتائب القذافي رغم أنها كانت قد انتهت. وحول موضوع الصرف من حسابات كتائب النظام السابق والتلاعب فيها، التي تكررت في التحقيقات بشأن أكثر من قائد تدور حوله الشبهات، رد مسؤول مصرفي على المحققين في المنطقة الشرقية، بقوله إن المصرف المركزي أوقف منذ سبتمبر (أيلول) 2011، التعامل مع الحسابات الخاصة بكتائب القذافي التي كانت مودعة باسم اللجنة العامة للدفاع (وزارة الدفاع). وإذا ثبت للجنة التحقيق صرف أموال بعد التاريخ المشار إليه فسيتطلب الأمر التحقيق مع موظفي المصارف التي خرجت منها تلك الأموال.
ليست المناطق الغربية فقط التي ينتمي إليها معظم من صعدوا من الفقر إلى عالم القصور بعد «ثورة فبراير» هناك أيضا شخصيات أخرى من المنطقة الشرقية والجنوبية، ومن أبرزهم شاب كان معروفا بالتجارة في كل شيء، من الحمير إلى قطع السيارات المسروقة، والمخدرات. وتمكن من خلال عدة مئات من المسلحين من التحكم في جانب من مرافئ تصدير النفط، بعد أن دخل «مجال الثورة» من خلال العمل كقائد ميداني مكلف من قبل الحكومة التي كان يهيمن عليها الإخوان بحراسة عدة منشآت نفطية.
وفي الوقت الحالي، يتحرك هذا الشاب برتل من سيارات الحراسة برفقة 30 مسلحا يتقاضى كل حارس منهم نحو 500 دولار في الشهر. وتتضمن التحقيقات مزاعم عن حصوله على ملايين الدولارات، بعد انقلابه على الحكومة، من أجل أن يسمح لها بتصدير النفط، إلا أنه لم يفعل.
وتشير لجنة التحقيق الخاصة بهذا الموضوع (تابعة للسلطات في غرب البلاد) إلى أنه «لم يفتح الحقول، وأخذ يبيع النفط في السر لصالحه حتى الآن، ولديه شقيق أصغر منه يدين له بالولاء رغم أنه من قيادات تنظيم داعش في المناطق الممتدة بين سرت وإجدابيا». ويقول أحد القادة العسكريين من المنطقة الشرقية إنه «صحيح.. جرى رصد تعاون بين الشقيقين من أجل استمرار الفوضى في البلاد رغم أن فريق الشقيق الأكبر لا يوالي (داعش) لا فكريا ولا تنظيميا».
ويقول الدكتور الورفلي، الذي يعمل أيضا كمستشار قانوني في بعض القضايا المالية الخاصة بليبيا: نعم.. من أثروا في أحداث 2011 وما بعدها وأصبحوا يشغلون أماكن ويديرون شركات، يعرقلون عودة الدولة في أي صورة كانت. ويشير إلى أن الأمر لا يقتصر على من صعدوا من القاع إلى القمة، ولكن، من بين من نهبوا المال العام أيضا، أصحاب شركات وأصحاب أعمال كانوا قد أثروا في عهد القذافي من خلال التسهيلات والقروض البنكية، بحجة إقامة مشاريع ومصانع واستثمارات بمليارات الدولارات، ثم ساهموا في إسقاط العهد السابق «من أجل أن يتم حرق المستندات والأوراق المتعلقة بالقروض والأموال التي تحصلون عليها أيام القذافي».
«الهامشيون» الذين أثروا بعد رحيل القذافي، كما يسميهم الورفلي، «كانوا يعيشون على هامش المجتمع، أو كانوا يقومون بأعمال ومهن بسيطة، وحين جاءت أحداث فبراير وما فيها من فوضى عمت البلاد، منهم من سطا على البنوك بما فيها بنك ليبيا المركزي، والبنوك المحلية، وسيارات نقل الأموال والشركات العامة، وهناك من باع وثائق الدولة للخارج أيضا، بالإضافة إلى تجارة السلاح».
ويقول إن «هؤلاء لا يريدون عودة الأجهزة الأمنية، لأنه ستتم ملاحقتهم، ولا يريدون عودة الأمن والأمان، ولا الاستقرار، لأن ثراءهم مرتبط بحالة انعدام الوزن الذي تعيشه ليبيا الآن».



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي طبيبة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.