جهود الأردن لإغاثة قطاع غزة في مرمى «القصف» والتشكيك

حملات خارجية «موجّهة» بتهمة إطالة أمد الحصار البرّي

مواد إغاثية منقولة جواً (الشرق الأوسط)
مواد إغاثية منقولة جواً (الشرق الأوسط)
TT

جهود الأردن لإغاثة قطاع غزة في مرمى «القصف» والتشكيك

مواد إغاثية منقولة جواً (الشرق الأوسط)
مواد إغاثية منقولة جواً (الشرق الأوسط)

لم يشفع للأردن تحرّكه المبكّر ومواقفه السياسية والدبلوماسية والإغاثية الحثيثة لمواجهة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي بدأ منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وخلّف للآن حصيلة غير مسبوقة من الضحايا في تاريخ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، لتواجه هذه التحركات والجهود بحملات «موجّهة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي «مشككة» بسلامة نية الدوافع وراء مد جسر جوي إغاثي، دشّنه سلاح الجو الأردني الملكي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لكسر الحصار عن القطاع. التشكيك لم يقتصر على جهود مد الجسر الجوي الذي دفع بدول عربية وأجنبية للمشاركة فيه، بل شملت حملات «التشكيك والشيطنة»، مختلف المواقف الدبلوماسية والسياسية، رغم المحاولات الرسمية الكبيرة لإعادة مسار القضية الفلسطينية السلمي. ولم يكن ظهور زوجة العاهل الأردني، الملكة رانيا العبد الله، في مقابلة ثالثة لها قبل أيام عبر شبكة «سي إن إن» CNN، من قلب قاعدة الملك عبد الله الجوية التي تُعدّ مركزاً لانطلاق عمليات الإنزال الجوية للمساعدات إلى غزة، سوى محطة جديدة للمشككين، حيث تحدثت الملكة بصراحة عن أولوية وقف إطلاق النار، وأن عمليات الإنزال «هي إجراءات يائسة لمعالجة الوضع البائس» في القطاع الذي يضربه الموت جوعاً.

العاهل الأردني عبدالله الثاني يشرف على عمليات إنزال الإغاثة (الشرق الأوسط)

تدرك السلطات الأردنية الحاجة المضاعفة إلى تكثيف الجهود الإغاثية للقطاع لإنقاذ أكثر من 2.5 مليون مواطن غزّي يتعرضون لحرب الجوع والقنابل، وسط تمسك مسؤوليها بتقديم المتاح على الأرض للقطاع وعبر مختلف الوسائل براً وجواً. وبعيداً عن استعراض المواقف، تصرّ عمّان على كسر حصار غزة، وإضعاف التعنت اليميني المتطرف الحاكم في تل أبيب، على ما أفادت مصادر محلية علّقت على «رمزية ما يفعله الأردن، رغم محدوديته».

وحقاً، حمل الأردن الرسمي خلال أشهر الحرب الخمسة على عاتقه مسؤولية البحث عن ثغرات لإيصال المساعدات الإغاثية إلى غزة. وكسر الحصار الجوي على القطاع بطائرات محمّلة بالأدوية والغذاء التي أنزلها بالمظلات، لتقف إلى جانب هذه الجهود دول عربية وأوروبية، قبل أن تلتحق الولايات المتحدة بسلاسل التزويد بالإغاثة عبر إنزالات جوية؛ معلنة يأسها من القدرة في تحقيق وقف فوري للنار، بحسب ما يرى مراقبون.

وفي سياق ما تسعى له عمّان، نقلت مصادر مطلعة إلى «الشرق الأوسط» عن اجتماعات برئاسة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وحجم انفعاله من إحباط جميع محاولات إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، و«خيبة أمله» من ضعف جهود واشنطن في الضغط على حكومة الحرب الإسرائيلية، سواء لجهة الوقف الفوري لإطلاق النار، أو لصالح ضمان وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين في قطاع غزة، بشكل مستدام.

ولعل المصادر ذاتها، أوضحت لـ«الشرق الأوسط» مسوّغات عدم شمول الأردن بزيارة الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى المنطقة، في زيارته السادسة والأخيرة إلى الشرق الأوسط قبل نحو شهر. وتحدثت المصادر أيضاً، عن لهجة رسمية حادة استخدمها عبد الله الثاني خلال لقاءاته مع قيادات أميركية رفيعة المستوى في زيارته الأخيرة إلى واشنطن، وحديثه مع قيادات في الكونغرس، حيث قال أحدهم عن ما صرّح به الملك عبد الله إنه «يتحدث بكلام لا نريد سماعه، لكنه يصارحنا في حديثه عن الواقع كما هو».

حملات تشكيك وإساءة

ولكن، على الرغم، توالي الجهود الأردنية على صعيد تقديم المساعدات العاجلة والفورية للمدنيين في قطاع غزة، قوبلت الجهود بحملات «تشكيك وإساءة» أطلقت عبر منصات التواصل الاجتماعي. وكان منها اتهامات ومزاعم ضد الأردن عن سعيه «لخلق مبررات للاحتلال الإسرائيلي بإدامة الحرب»، وإيصال مساعدات لا تكفي للقطاع».

وتشير عمليات الرصد من جهات مختلفة، إلى أن هذه الحملات «منظمة صادرة من حسابات خارج الأردن». لكنها باتت «مقلقة ومثيرة للفتن» - بحسب مصادر أردنية - من شأنها «إشاعة البلبلة» والتأثير على الجبهة الداخلية في ظل وجود أكثر من مليونَي لاجئ فلسطيني يقيمون في البلاد؛ الأمر الذي «يعدّ» مصلحة إسرائيلية ترى في إيقاف الجهود الدبلوماسية الأردنية هدفاً استراتيجياً، وتخفيفاً من حملات التحريض ضدها.

في المقابل، تتمسك القيادة الأردنية باستمرار هذه الجهود في ظل انعدام وسائل الحياة في قطاع غزة، في وقت تعرّي هذه الجهود «سوأة الاحتلال وهمجيته» المغرق في عمليات التجويع الممنهج والقتل البطيء بالتزامن مع عمليات القصف والاغتيالات للمدنيين العزّل.

الملكة رانيا على شاشة "السي إن إن" ("السي إن إن")

حسابات وهمية إسرائيلية

!وفي هذا الصدد، تحدثت هنا مصادر متطابقة لـ«الشرق الأوسط»، بأن حسابات «وهمية بمرجعية إسرائيلية» تخوض معركة إثارة الفتنة، وثمة حسابات أخرى «بمرجعية إيرانية» تؤدي الدور عينه. هذا يعني تقاطع مصالح العدوين (إسرائيل وإيران) في استهداف استقرار المملكة، وتسلّل الفوضى التي تعيد ترتيب أولويات مراكز القرار محلياً، والتركيز فقط على الملفات الداخلية، حيث «تستفيد طهران من (تكذيب) الموقف الرسمي الأردني أمام الشارع»، كما تستفيد تل أبيب من «تخفيف حدة هجوم عمّان الدبلوماسي»، وفقاً للمصادر. إلا أن «تحييد الثابت في العلاقة بين عمّان وتل أبيب من بوابة التنسيق الأمني الوثيق بينها» غير ممكن وفقاً للمصادر أيضاً، لتظل متمسكة بموقفها من قطع الاتصال سياسياً مع حكومة اليمين المتطرف.

وحقاً، لدى الجهات المسؤولة الأردنية اطلاع واسع على مصادر الحملات الإلكترونية ضدها، لكنها «تتغاضى مرحلياً» عن تسمية الأطراف التي ترعاها بحسب ما علمت «الشرق الأوسط». بيد أنها في الوقت ذاته، بحسب مراقبين، لا تواجه هذه الحملات بشكل فاعل ومؤثر، في حين يقرّ مسؤولون أردنيون «بضعف» ردود الفعل في مواجهة الحملات المنظمة للتغريدات والمنشورات المسممة الآتية من منصات التواصل الاجتماعي. وهي تزعم وتروّج «لتناقض المواقف الأردنية»، بحجة استمرار تصدير البضائع التجارية عبر الحدود البرية من الأردن إلى إسرائيل، عبر تجار أردنيين أو شركات أخرى، محمّلة الحكومة الأردنية مسؤوليتها عن ذلك.

وتؤكد مصادر مطلعة، أن كل المحاولات «لن تعرقل الجهد الأردني عما يقوم به تجاه الأشقاء»، حيث يتركز «الهجوم المنظم»، وفق تأكيدات رسمية لـ«الشرق الأوسط»، بالحسابات الخارجية وأخرى داخلية في منصتَي التواصل الاجتماعي الأشهر «فيسبوك» و«إكس». وتتزامن هذه الحملات مع مسيرات تُنظم كل يوم جمعة، تطالب بوقف خطوط التجارة مع دولة الاحتلال، على الرغم من تأكيد وزراء عاملين بأن التجارة مع إسرائيل مرتبطة بعقود مع تجار أردنيين، وليس مع الحكومة، وأن مطالب المسيرات يجب أن توجه للتجار وليس للدولة.

الحركة الإسلامية... وبرزت احتجاجات عدة تطالب الحكومة الأردنية بـ«إغلاق «الجسر البري» - وفق تسمية نشطاء وقوى إسلامية - ونظّمت «الحركة الإسلامية» في الأردن وقفات واحتجاجات في مناطق مختلفة من المملكة منددة بالسياسة الرسمية. وأعلنت «الحركة» تنظيم حراك يومي عقب صلاة العشاء في ساحة الجامع الكالوتي، بمنطقة الرابية العمانية، حيث يقع مقر السفارة الإسرائيلية.

وبحسب مصادر أردنية مطلعّة، فإن «الحركة الإسلامية» التي «تشاغب» على الموقف الرسمي، «تبالغ بمديح حلفاء لها لم يقدّموا أي فعل حقيقي لصالح وقف الحرب على غزة سوى الاستعراض»، في حين «أوقفت» السلطات الأردنية عدداً من النشطاء، وفقاً لتقرير لمنظمة العفو الدولية صدر الشهر الماضي؛ بسبب دعواتهم إلى تنفيذ احتجاجات عامة أو إضرابات أو بسبب مواقف منددة بالاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل.

"حسابات وهمية بمرجعيات إسرائيلية وإيرانية تخوض معركة إثارة الفتنة"

جهود إغاثية...أرقام وإحصاءات

مدّ الأردن منذ بداية العدوان على غزة جسوراً جوية وبرية. وكانت أول طائرة تابعة لسلاح الجو الملكي كسرت الحصار في 6 نوفمبر الماضي، واستطاعت إنزال مواد إغاثية عاجلة للمستشفى الميداني العسكري الأردني في شمال غزة.

تلك الطائرة حملت معها دلالة عسكرية استثنائية، عندما قادها رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الطيار يوسف الحنيطي، وقد وُصفت تلك الرحلة حينها «بالمغامرة الخطرة». وتبع ذلك إنزال جوي على كنيسة القديس بروفوريس عشية عيد الميلاد المجيد.

وقبل أن تصبح طائرات الإغاثة مهمة أردنية يومية، وخبراً دائماً على شاشات التلفزيونات، كان قد شارك في تنفيذ الإنزالات الإغاثية على غزة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، رغم مخالفة ذلك ضمانات استقرار النظام السياسي وأمنه على حساب رحلة محفوفة بالمخاطر، على الرغم من إبلاغ الجانب الإسرائيلي بالأمر. وكذلك شاركت الأميرة سلمى بنت عبد الله الثاني في واحدة من تلك الرحلات، ليحمل ولي العهد الأردني الأمير الحسين مستلزمات المستشفى العسكري الثاني في غزة وفي منطقة خان يونس، ويطير بها إلى مطار العريش مشرفاً على إدخال معدات المستشفى عبر معبر رفح.

لقد دفعت خطوة الملك الأردني، في إنزال المواد الطبية على المستشفى العسكري الأردني بشمال غزة في بداية الحرب على تطوير هذا الجهد، لتصبح عمليات إنزال المساعدات الإنسانية والإغاثية بالمظلات، مشهداً يومياً. وهذا رغم تعقيدات المهمة من النواحي العسكرية والأمنية، حيث عكفت القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) وسلاح الجو على فتح الباب أمام الطواقم الصحفية بمرافقة طواقمها في عمليات الإنزال للتوثيق، ونقل وقائع وتحديات عمليات الإنزال من شمال القطاع إلى جنوبه، وعلى ارتفاعات متباينة.

إحصائياً، تفيد أرقام العمليات البرية والجوية في إيصال المساعدات إلى أهالي قطاع غزة عبر سلاح الجو الملكي، بأن 44 إنزالاً جوياً أردنياً بالمساعدات نُفّذ حتى يوم الخميس الماضي على قطاع غزة، ونُفذ 59 إنزالاً جوياً بالتعاون مع دول صديقة وشقيقة، وفق بيان صدر عن القوات المسلحة الأردنية. في حين أن 472 شاحنة دخلت إلى غزة آتية من الأردن عبر جسر كرم أبو سالم البري محملة بمواد إغاثية يبلغ وزنها (4812 طناً)، بدعم من الأردن ومؤسسات إغاثة دولية ودول صديقة وشقيقة.

مقال غاضب لمستشار الملك السابق

وأمام هذه الجهود، وتكرار «حملات التشكيك والافتراء» هذه كما تصفه مراكز القرار الرسمي، كتب فهد الخيطان، الخارج لتوه من موقعه مديراً لإعلام القصر ومستشاراً لمطبخ القرار، مقالاً رد فيه بغضب على حملات «التشكيك والتشويه». إذ كتب: «القول إن في هذا الأسلوب من إيصال المساعدات تواطؤاً مع الحصار الإسرائيلي على القطاع فهو ضرب من الجنون... إن الطائرات التي تلقي المساعدات من السماء تفضح جرائم الاحتلال أمام العالم وتظهر وجهه الوحشي وهو يحاصر شعباً بأكمله، وتشكل وسيلة للضغط عليه وعلى داعميه للتوقف عن حرب الإبادة التي يرتكبها».

وكشف الخيطان في مقالته، التي نشرها في يومية «الغد» عن كواليس قرار الأردن في تنفيذ الإنزالات الجوية، موضحاً أن الأردن «لجأ للضغط عبر كل القنوات الدبلوماسية والإعلامية لفتح طريق بري للشاحنات من أراضيه عبر المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل مع قطاع غزة، وتمكن فعلاً من إدخال عدد من الشاحنات». وأردف: «إن حكومة الاحتلال عادت وأغلقت هذه النافذة إمعاناً منها في حصار أهلنا في غزة وتجويعهم لدفعهم إلى هجرة القطاع، ورداً لئيماً على موقف الأردن المتصاعد ضد العدوان الوحشي».

وذكر الخيطان أن الملك عبد الله الثاني اتخذ «قراره بالبدء بإنزال شحنات الدعم الطبي للمستشفى الميداني الأردني في شمال غزة، حيث كانت المعارك على أشدها هناك». وشدّد بحكم موقعه السابق الذي غادره نهاية العام الماضي على «أن الملك اتخذ قراره كما قلت ولم يطلب إذناً من أحد وطلب من المسؤولين المعنيين إبلاغ الجانبين الإسرائيلي والأميركي بذلك، وكان له ما أراد».

ثم أضاف أن إنزال شحنات الدواء للمستشفى الأردني بنجاح «هي التي دفعت بالملك للعمل على توسيع التجربة لتشمل إنزال المساعدات الغذائية والطبية جواً لأهلنا في غزة. لم يكن هذا النهج بديلاً عن نقل المساعدات برا للقطاع، وهي بالتأكيد الطريقة الأنجع، لكن حين سُدت الطرق في وجهنا كان لا بد أن نتمسك بهذا الخيار الوحيد والمتاح».

أقلام صحافية بمواجهةشيطنة التواصل الاجتماعي

وفي إطار محاولات الرد على جانب من الحملات الإلكترونية المموّلة من الخارج، والتي تلقى رواجاً في الداخل، سارعت أقلام صحافية للدفاع عن الموقف الرسمي ولمناقشة الأزمة من حيث الأسباب والنتائج. وكان من أبرز ما كُتب كمدخل لمناقشة النتائج ما كتبه الصحافي مالك العثامنة في يومية «الغد»، عن الإنزالات «لم يكن الأردن يبحث عن بطولات استعراضية، ولا كانت تلك الإنزالات موجهة للاستهلاك المحلي، لكنها كانت رسائل مثقلة بالرمزية تبحث عن (مرسل إليهم) وصناديق بريد غربية مقفلة بسبب تراكم (المواقف المسبقة) والتضليل الإسرائيلي». وتابع: «وسائل التواصل صارت قطيعاً من أحصنة طروادة الخشبية بيننا، وفي جوفها ما يريب ويجعلنا نتلمس ونتحسس».

ومن حيث الأسباب، طرح الصحافي ماهر أبو طير، أسئلة قد تذهب لمعالجة الأسباب بالعمق من خلال إجابات صريحة، فهل المشكلة في الأساس «مشكلة الإعلام المحلي وإخفاقاته، وعدم وجود مشروع إعلامي عربي للأردن؟ أم أنها مشكلة المطبخ الإعلامي في الدولة، والتباينات فيه؟ أم أنه مشكلة الشخصنة وغياب المبادرة؟ أم أنها مشكلة الاعتياد، وعدم فهم كُلف الإساءات التي تنهمر علينا، حيث نكتفي كل مرة بالحديث عن المؤامرة، وأولئك الذين يستهدفون الأردن، دون أن نقدم حلاً لوقفهم أيضاً؟ أم أنها مشكلة عمّان السياسية التي لا تريد أن تقف عند كلفة هذه الحملات، ولا تريد تبني أي مشروع؟».

طائرة شحن أردنية تشكل جزءاً من الجسر الجوي (الشرق الأوسط)

«مأكول مذموم» تتسبب في دعوات للتوجه للداخل

> في سياق الرد على حملات «التشكيك والتشويش» بمواقف الأردن الرسمية في مواجهة العدوان الإسرائيلي الذي خلّف أكثر من (30) ألف شهيد، ومئات آلاف الجرحى وملايين النازحين، خرجت أصوات نخبوية تطالب بالاهتمام بالداخل الأردني، وإعادة ترميم الشرخ الذي أحدثته العواصف الإلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض. والتي وضعت الأردن على خريطة منصات التواصل الاجتماعي في «حرب افتراضية»، لكن ثمة مخاوف من انتقالها واقعياً.النخب السياسية تحدثت عن مفهوم الموقف الرسمي «المأكول والمذموم»، وتساءلت عن استهلاك جميع الأوراق السياسية خلال الحرب على غزة، ولم تُجب عن سؤال: ماذا تبقى لدينا من أدوات في حال تدهورت الأوضاع في الضفة الغربية والقدس؟!وهنا تسرّبت أحاديث عن صالونات سياسية محلية، تقول إن البرنامج الوطني خلال العام الحالي سيشهد انتخابات نيابية، ستجرى وفق أحكام قانون جديد خصص نحو ثلث مقاعد مجلس النواب للأحزاب. وأن هناك أحزاباً تشكلت تحتاج لاختبار مع قواعدها الانتخابية، ومدى جدوى تنفيذ مخرجات لجنة التحديث السياسي بعد تبني الدولة للتعديلات الدستورية الموصى بها وقانوني الانتخاب والأحزاب.وبحسب ما رصدته «الشرق الأوسط» من تلك الحوارات البعيدة عن الإعلام، شهدت تلك الحوارات انقسامات في الرأي وتباينات في التقدير؛ بين ضرورة إجراء الانتخابات بوصفها استحقاقاً دستورياً، وضرورة تأجيلها خوفاً من استحواذ لون سياسي واحد (جماعة الإخوان المسلمين غير المرخصة وذراعها السياسية حزب جبهة العمل الإسلامي) على حصص مضاعفة من المقاعد نتيجة استثمارهم حرب غزة على أنها «حملة انتخابية».وأمام الجدل النخبوي، فإن مركز القرار يبدو متأنياً بالإجابة عن المسار الدستوري المتوقع للعام الحالي. ورغم ترجيح إجراء الانتخابات، غير أن تأثيث الخريطة السياسية بقوى حزبية مناظرة للتيار السياسي السائد في البلاد، يحتاج إلى تقييم، كما يحتاج لمساعدة في تجاوز إرث ضعف الثقة بالعمل الحزبي في البلاد. والمخاوف من أن تكون الولادة غير الطبيعية لبعض الأحزاب ستضعف الفكرة برمتها.


مقالات ذات صلة

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

الولايات المتحدة​ المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

حذرت الرسائل التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 12 شركة أميركية.

«الشرق الأوسط» (مودينا)
تحليل إخباري امرأة فلسطينية نازحة تسير بين الأنقاض والحطام في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري جهود مصرية لدعم «لجنة إدارة غزة» بعد تعثّر دخولها القطاع

تتوالى الجهود المصرية لدعم «لجنة إدارة قطاع غزة» على أمل أن تبدأ أعمالها في القطاع، بهدف تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي لقطة تُظهر أنقاض المباني التي دُمرت خلال الحرب في شمال قطاع غزة (رويترز)

تقرير: مقتل فلسطينيين اثنين برصاص إسرائيلي ونسف مربعات سكنية بغزة

ذكر تقرير إخباري أن فلسطينيين اثنين لقيا حتفهما برصاص الجيش الإسرائيلي في منطقتي جباليا البلد والواحة شمال قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية في عمق قطاع غزة تستهدف ورش صناعة أسلحة

خلال أقل من أسبوع، استهدفت طائرات إسرائيلية، ورشتي حدادة (مخرطتان) الأولى في مدينة غزة، والأخرى في خان يونس جنوب القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية عناصر من حركة «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... خيارات محدودة أمام الوسطاء لحلحلة عُقدة «سلاح حماس»

تتصدّر عبارة «نزع سلاح حماس» مطالب إسرائيل عقب بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة منذ 10 أيام، وسط مسار غامض بشأن كيفية التنفيذ.

محمد محمود (القاهرة)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.