سوق الأسهم الأميركية.. هل هو صعود مستمر أم فقاعة على وشك الانفجار؟

ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 25 في المائة خلال الأشهر الخمسة الماضية (رويترز)
ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 25 في المائة خلال الأشهر الخمسة الماضية (رويترز)
TT

سوق الأسهم الأميركية.. هل هو صعود مستمر أم فقاعة على وشك الانفجار؟

ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 25 في المائة خلال الأشهر الخمسة الماضية (رويترز)
ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 25 في المائة خلال الأشهر الخمسة الماضية (رويترز)

يعتقد بعض المشاركين في السوق أن الارتفاع المستمر لأسهم الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد لأخذ قسط من الراحة، حتى لو لم يتضح بعدُ ما إذا كانت الأسهم في فقاعة أو في سوق صاعدة قوية.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» القياسي بأكثر من 25 في المائة، خلال الأشهر الخمسة الماضية، وهي ظاهرة لم تحدث سوى 10 مرات منذ الثلاثينات، وفقاً لشركة «بنك أوف أميركا للأبحاث العالمية». وفي تقدم يقوده ارتفاع مذهل بأسهم شركة صناعة الرقائق «إنفيديا»، حقق مؤشر «ستاندرد آند بورز» بالفعل 16 مستوى قياسياً جديداً، هذا العام، وهو أعلى مستوى في أي ربع أول منذ عام 1945، وفقاً لبيانات «سي إف آر إيه للأبحاث».

ويجادل المستثمرون المتفائلون بأن هذه المكاسب نابعة من أساسيات قوية، وليس المضاربة الجامحة التي صاحبت الفقاعات السابقة. وتشمل الأسباب التي يجري الاستشهاد بها كثيراً اقتصاداً أميركياً قوياً، وتوقعات بأن يخفّض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، هذا العام، والحماس بشأن الإمكانات التجارية للذكاء الاصطناعي، وفق «رويترز».

ويعتقد بعض المستثمرين الآخرين أن الارتفاع المستمر تقريباً للسوق يعني أن الانخفاض أمر لا مفر منه. وآخِر مرة انخفض فيها مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 5 في المائة كان في أكتوبر (تشرين الأول)، على الرغم من أن بيانات «بنك أوف أميركا» تُظهر أن عمليات البيع هذه تحدث تاريخياً ثلاث مرات في السنة، في المتوسط، مع الإشارة إلى أن المؤشر ارتفع 8.5 في المائة، هذا العام.

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار في «ستيت ستريت غلوبال أدفيزورز»، مايكل أرون: «هناك كثير من الأخبار الجيدة التي جرى إدراجها في السوق. من وجهة نظري، هذا يوحي فقط بأن المخاطر تميل إلى الجانب السلبي».

ولم يتضح بعدُ بشكل جليّ ما الذي يمكن أن يتسبب في عمليات بيع مكثفة بالسوق، وفي حين أن التضخم الأقوى من المتوقع قد أثّر على التوقعات بشأن مدى خفض الاحتياطي الفيدرالي الأسعار، هذا العام، يعتقد كثيرون أن تكاليف الاقتراض تتجه للانخفاض، كما يُنظر إلى ارتفاع أسعار المستهلكين على أنه دليل على قوة الاقتصاد.

وتجاهل المستثمرون، إلى حد كبير، المخاوف الأخرى؛ بدءاً من جيوب عدم الاستقرار في المصارف الإقليمية الأميركية، إلى اقتصاد الصين الضعيف.

ومع ذلك فإن بعض المؤشرات تُظهر تحذيرات. وارتفع مؤشر القوة النسبية الأسبوعي «آر إس آي» لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500»؛ والذي يقيس ما إذا كانت الأسهم زائدة عن الشراء أو مفرطة في البيع، إلى ما يزيد قليلاً عن 76، وهو مستوى لم يتجاوزه إلا في حالات نادرة منذ عام 2000، وفقاً لبيانات «ميلر تاباك».

وجاءت عمليات البيع الكبيرة في أعقاب آخِر مرتين تجاوز المؤشر فيهما تلك المستويات: انخفاض بنسبة 10 في المائة بالمؤشر خلال يناير (كانون الثاني) 2018، وانخفاض بنسبة 30 في المائة مع ظهور «كوفيد-19»، بعد أن تجاوز المؤشر هذا المستوى في يناير 2020.

وقال كبير استراتيجبي السوق في «ميلر تاباك»، مات مالي: «هذا لا يعني أننا ننظر إلى قمة كبيرة طويلة الأجل. ومع ذلك فإنه يخبرني بأننا نستعدّ لتراجع كبير».

كما أثار ازدياد تفاؤل المستثمرين القلق، فقد ارتفعت نسبة المستثمرين، الذين يعربون عن نظرة صعودية بشأن التوقعات لمدة ستة أشهر للأسهم، إلى 51.7 في المائة، في أحدث استطلاع أسبوعي صادر عن الرابطة الأميركية للمستثمرين الأفراد، وهي المرة الرابعة التي يتجاوز فيها مستوى الصعود 50 في المائة خلال الأعوام الثلاثة الماضية تقريباً.

وغالباً ما يُنظَر إلى التفاؤل الشديد بصفته مؤشراً مخالفاً؛ لأنه يعني أن مستوى المفاجآت الإيجابية مرتفع.

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار بشركة «تشارلز شواب»، كيفن غوردون: «إن الخلفية العاطفية الآن تجعل السوق عرضة لتغيير سلبي».

ويُظهر التاريخ أن التقدم الحالي قد يكون مهيأ للتوقف المؤقت. ومحا مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خسائر السوق الهابطة السابقة، عندما وصل إلى مستوى قياسي في 19 يناير، وارتفع نحو 7 في المائة منذ ذلك الحين.

وهذا يتماشى مع الارتفاعات السابقة، عندما استمرت الأسهم في الارتفاع بعد تحطيم مستويات قياسية جديدة. ومع ذلك تبعتها انخفاضات بنسبة 5 في المائة، على الأقل في 12 مرة حدث فيها مثل هذا الموقف، كما قال كبير استراتيجيي الاستثمار في «سي إف آر إيه»، سام ستوفال.

لكن هل هي فقاعة؟

بالنسبة للبعض، فإن تفاؤل السوق - إلى جانب التحركات الصاروخية في أسهم «إنفيديا» وغيرها من الشركات التي تركز على الذكاء الاصطناعي - استحضر مقارنات مع فترات سابقة عندما ارتفعت أسعار الأصول إلى مستويات غير مستدامة ثم انهارت لاحقاً، مثل ارتفاع أسهم «ميمي» في عام 2021، وارتفاع أسهم الإنترنت في عام 1999.

وقد ارتفعت أسهم «إنفيديا» بأكثر من 80 في المائة، هذا العام، بعد أن تضاعفت ثلاث مرات في عام 2023، مما جعلها ثالث أكثر شركة قيمة بالولايات المتحدة. وحققت الأسهم الأخرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مكاسب هائلة منذ بداية العام، بما في ذلك شركة «سوبر مايكرو كمبيوتر»، التي ارتفعت بنسبة 300 في المائة، ومن المقرر أن تنضم إلى مؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

وكتب استراتيجيو «جيه بي مورغان» أن هناك علاقة قوية بين أداء «إنفيديا» ومؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

ويحذّر الاستراتيجيون المستثمرين من أن هذه العلاقة ستعمل، على الأرجح، بالعكس عندما تصل حماسة الذكاء الاصطناعي إلى ذروتها. ومع ذلك يلاحظ آخرون اختلافات عن فقاعات الماضي.

وكتب الرئيس المشارك لقسم الاستثمار في «ترويست»، كيث لينر، أن تفوق قطاع التكنولوجيا في «ستاندرد آند بورز 500» لمدة ثلاث سنوات على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأوسع نطاقاً، بلغ نحو 30 في المائة.

وقال لينر إن هذا يتماشى تقريباً مع متوسط 30 عاماً، وهو بعيد جداً عن الذروة التي بلغت أعلى بقليل من 250 في المائة، خلال مارس (آذار) 2000.

ويبدو أن هناك القليل من الدلائل على الحماسة بسوق الإصدارات الجديدة، حيث كانت الاكتتابات العامة الأولية هادئة نسبياً.

وقال المؤسس المشارك لشركة «داتا تريك للأبحاث»، نيكولاس كولاس، إنه لم يجرِ طرح سوى 54 شركة للاكتتاب العام في عام 2023، مقارنة بـ311 شركة خلال عام 2021، قبل أن يصل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلى ذروته خلال يناير 2022.

وكتبت خبيرة استراتيجية الأسهم في «بنك أوف أميركا للأبحاث العالمية»، سافيتا سوبرامانيان: «لقد تحسّن وضع السوق تجاه الأسهم منذ منتصف عام 2023... لكنها ليست قريبة بأية حال من مستويات التفاؤل الشديد التي شهدتها ذروات السوق السابقة. قام البنك مؤخراً برفع هدفه، بنهاية العام، على مؤشر (ستاندرد آند بورز 500) إلى 5400 من 5100. ويوم الثلاثاء، أغلق المؤشر عند 5175.27».

وقالت: «في رأينا، فإن هذه السوق الصاعدة لديها القدرة على الاستمرار».



«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.