اللبنانيون يحاولون التكيّف مع ضائقتهم المعيشية باختصار أطباق الإفطار

شكاوى من ارتفاع الأسعار... وتحرك رسمي لضبطها

متطوعون يوزعون وجبات سحور رمضانية مجانية في بيروت في أول أيام رمضان لهذا العام (أ.ف.ب)
متطوعون يوزعون وجبات سحور رمضانية مجانية في بيروت في أول أيام رمضان لهذا العام (أ.ف.ب)
TT

اللبنانيون يحاولون التكيّف مع ضائقتهم المعيشية باختصار أطباق الإفطار

متطوعون يوزعون وجبات سحور رمضانية مجانية في بيروت في أول أيام رمضان لهذا العام (أ.ف.ب)
متطوعون يوزعون وجبات سحور رمضانية مجانية في بيروت في أول أيام رمضان لهذا العام (أ.ف.ب)

«التجّار يستغلّون شهر رمضان لرفع الأسعار التي زادت بنسبة 50 في المائة، ونحن لا نزال في بداية الشهر»... هذا ما يؤكده مواطنون لبنانيون في اليوم الأول من شهر رمضان.

فاللبنانيون، الذين أثقل كاهلهم الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردّي بسبب الأزمة المستمرّة منذ أكثر من 3 سنوات، ما زالوا يسعون لإحياء العادات المرتبطة بالشهر الفضيل، وفي مقدمتها اللقاء بالأقارب والأحبّاء على طاولة الإفطار، ويحاولون التكيف مع الأزمة، عبر اختصار الأطباق التي عادة ما كانوا يعتمدونها على موائد الإفطار.

ويعاني اللبنانيون من ارتفاع الأسعار المفاجئ، علماً بأن سعر صرف الدولار لا يزال مستقراً إلى حد ما.

وقد بدأت أسعار السلع الغذائية ترتفع منذ الأسبوع الماضي. ويقول حسّان: «كان سعر كيلو الدجاج 170 ألف ليرة (نحو دولارين) في الأسبوع الماضي، لكن أصبح سعره اليوم 230 ألف ليرة، وارتفع كيلو اللّحم إلى مليون و100 ألف ليرة. أما وجبة الحساء التي كانت بـ40 ألف ليرة، فإنها أصبحت اليوم بـ67 ألف ليرة».

هذه الصورة عن ارتفاع أسعار الخضار، يؤكدها أوسكار فرح، صاحب متجر خضار، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «الأسعار ترتفع كل سنة في الشهر الفضيل، وبلغت هذا العام نسبة 30 في المائة، وهناك أنواع من الحشائش لامست 50 في المائة، لأن الخضار والفتوش أساس على مائدة الإفطار». ويؤكد فرح أن أسعار الفواكه ترتفع في رمضان أيضاً.

وبالأرقام، يقارن فرح الأسعار: «سعر كيلو الخيار ارتفع من 60 ألف ليرة إلى 90 ألف ليرة، وارتفع كيلو البندورة من 40 ألفاً إلى 60 ألف ليرة، والخس من 70 ألفاً إلى 100 ألف ليرة».

ويشير فرح إلى أن الأسعار ترتفع بشكل قياسي في الأسبوع الأول من رمضان، ويُفترض أن تعود إلى معدلاتها لاحقاً، «لأن نسبة الطلب عليها تخف»، لافتاً إلى أنه «رغم ارتفاع الأسعار، يعد الخضار من السلع الأساسية التي لا يتوقف المواطن عن شرائها، ولكن الفرق في الكميّة، فالاختصار هو سيّد الموقف».

ضعف القدرة الشرائية

ومع أن كثيراً من المواطنين اتفقوا على أن الأسعار ارتفعت، فإن نقيب أصحاب السوبر ماركت،​ ​نبيل فهد​، ينفي هذا الأمر، ويؤكّد لـ«الشرق الأوسط» أن مجمل السلع الغذائية تحافظ على أسعارها، ولكن الخضار أكثر السلع تأثراً، في الأسبوع الأول فقط، ولكنها تعود إلى طبيعتها لاحقاً، مطمئناً المواطنين إلى أن أسعار السلع الغذائية لن ترتفع خلال شهر رمضان، وإن ارتفع بعضها إلا أن الارتفاع لن يلحق أصنافاً كثيرة ولن يكون كبيراً. ويضيف: «يمكن التأكد من موقع وزارة الاقتصاد التي تضع أسعار 50 سلعة كل أسبوع».

ويشير فهد إلى أن «عدم ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال شهر رمضان في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد الأزمة، يعود إلى القدرة الشرائيّة الضعيفة»، لافتاً إلى أن «الأسعار تختلف بين منطقة وأخرى بطبيعة الحال، وما يحدد الأسعار هو المنافسة التي تعد المعيار الأساس لتحديد مستوى الأسعار، لا سيما في المواد الغذائية».

وعن التأثر بإقفال باب المندب في البحر الأحمر، أكد فهد أن «معلّبات التونا والأرز هما سلعتان يجري استيرادهما من فيتنام وتايلاند والصين، ويجب أن تتأثّرا بموضوع الشحن في البحر الأحمر، ولكن، رغم ارتفاع أسعار الشحن فإنهما حافظا على سعرهما حتى الآن، وإذا لم يرفع المورّد السعر فإن السوبر ماركت لا ترفع الأسعار أيضاً».

مراقبة الأسعار

إضافة إلى ذلك، أكد مدير مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، طارق يونس، لـ«الشرق الأوسط»، أن موضوع الأسعار يطرح دائماً مع بداية شهر رمضان بسبب ارتفاع الطّلب على سلع معينة، خصوصاً على الخضار، لافتاً إلى أن الأولوية في هذا الشهر هي مراقبة الأسعار، علماً بأن هذا الأمر لم يتوقّف طوال السنة، بوصفه جزءاً أساسياً من عمل المديرية.

وبينما أكد يونس أن الأسعار لن ترتفع أكثر من 3 أو 4 أيام حتى تستعيد السوق توازنها، لفت إلى أهميّة «الأخلاقيات»، قائلاً: «لدى التّاجر مسؤولية، لا سيّما خلال الشهر الفضيل، إذ عليه الشعور مع الناس، وتخفيف الأعباء عنهم، بعيداً عن الاستغلال من أجل تحقيق أرباح غير مشروعة وغير قانونية».

وتحدّث يونس عن أهمية الرقابة التي تمارسها مديرية حماية المستهلك، موضحاً أن «هناك للأسف ارتفاعاً في أسعار عدد من السلع، وهذا الأمر له علاقة كبيرة بموضوع الشّحن عبر البحر الأحمر، إضافة إلى موضوع الرسوم التي ارتفعت في مرفأ بيروت وفي المعابر الحدودية مع إقرار الموازنة. وللأسف، هذه العوامل تساعد على ارتفاع الأسعار في شهر رمضان وفي الأيام العادية، ولكن يبقى دور وزارة الاقتصاد مراقبة الالتزام بتطبيق النصوص القانونية والالتزام بمعايير محددة».

تكيّف مع الأزمة

لكن ذلك لا ينفي أن التضخم بات يفوق القدرات الشرائية للمواطنين، حيث تحاول العائلات اختصار بعض الأطباق، تكيفاً مع الأزمة.

وتشكو سارة الضائقة المعيشية التي دفعت عائلتها للاستغناء عن بعض الأطباق على المائدة، في محاولة للتكيف مع الواقع المستجد. تقول سارة: «عائلتي مؤلّفة من 3 أشخاص، ومتطلّبات شهر رمضان لا يكفيها راتبنا، أنا وزوجي، لأن وجبة الإفطار يجب أن تكون متنوعة، من الحساء إلى الفروج، ومن الفتوش إلى الطبق الرئيس والتمور». وتشير إلى أنه على ضوء تراجع قدراتها المعيشية: «بتنا نستغني عن الكبّة والرقاقات، مع كثير من الاختصارات في الحلويات العربية التي تغيب عن طاولاتنا بسبب الوضع المعيشي».

ورغم الأزمات المعيشية، يحاول اللبنانيون استعادة تقاليد اعتادوا عليها في مواسم رمضان الماضية. تقول فاطمة لـ«الشرق الأوسط»: «هذه أول سنة أشعر فيها بأننا عدنا لنعيش الأجواء الرمضانيّة. فبعد جائحة (كورونا) والأزمات التي مرّت على لبنان، ابتعدنا عن (لمّة) العيد. ولكننا اليوم نصطدم بارتفاع وغلاء أسعار السلع الغذائية والأساسية لمائدة الإفطار. ومع ذلك، عدنا لنجتمع، لأن رمضان هو مناسبة جميلة وجمعة الأحباء».


مقالات ذات صلة

بري يقلقه تهجير الجنوبيين وأولويته وأد الفتنة الإسرائيلية

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (الوكالة الوطنية للإعلام)

بري يقلقه تهجير الجنوبيين وأولويته وأد الفتنة الإسرائيلية

يتفهم المصدر الدبلوماسي الأسباب الموجبة التي تملي على رئيس المجلس النيابي نبيه بري إصراره على وقف النار وعودة النازحين

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي تتصاعد ألسنة اللهب من شقة استُهدفت بغارة جوية إسرائيلية في حي زقاق البلاط بوسط بيروت اليوم (أ.ف.ب) p-circle

غارات إسرائيلية تستهدف وسط بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع

نفّذ الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأربعاء)، عدة غارات على بيروت وعدد من قرى الجنوب اللبناني، مخلفة 6 قتلى، حسب وزارة الصحة.

«الشرق الأوسط» (بيروت )
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستضيف السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

القصة الكاملة لمبادرة التفاوض اللبناني مع إسرائيل… وتحدياتها

لم يعد أمام لبنان الرسمي إلا البحث عن هدنة إنسانية في عيد الفطر، بعد اصطدام المساعي الرامية إلى وقف إطلاق النار في الحرب بجدار التشدد المتبادل.

ثائر عباس (بيروت)
المشرق العربي ثكنة للجيش اللبناني في منطقة صور بجنوب لبنان (قيادة الجيش)

الجيش اللبناني في مرمى الاستهداف الإسرائيلي: 3 قتلى و5 جرحى في يوم واحد

أثار مقتل 3 عسكريين باستهداف إسرائيلي في جنوب لبنان، المخاوف من أن يكون مُقدِّمةً لاستهداف الجيش اللبناني.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد في ضاحية بيروت الجنوبية من جرَّاء غارات جوية إسرائيلية استهدفتها (رويترز)

جدل في لبنان بعد تهديد مسؤول في «حزب الله» للحكومة

دفع التصعيد الكلامي الذي فجّره نائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي، المشهد السياسي اللبناني إلى واجهة التوتر مجدداً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إسرائيل توسع بنك أهدافها إلى بيروت لاختبار «تماسك» الداخل اللبناني

عامل إنقاذ يحمل طفلاً بُعيد استهداف إسرائيلي في محيط وسط بيروت (أ.ب)
عامل إنقاذ يحمل طفلاً بُعيد استهداف إسرائيلي في محيط وسط بيروت (أ.ب)
TT

إسرائيل توسع بنك أهدافها إلى بيروت لاختبار «تماسك» الداخل اللبناني

عامل إنقاذ يحمل طفلاً بُعيد استهداف إسرائيلي في محيط وسط بيروت (أ.ب)
عامل إنقاذ يحمل طفلاً بُعيد استهداف إسرائيلي في محيط وسط بيروت (أ.ب)

دخلت العاصمة اللبنانية بيروت الأربعاء مرحلة جديدة من التصعيد، مع تعرّضها لسلسلة غارات إسرائيلية متتالية فجر الأربعاء، أعقبتها ضربة صباحية استهدفت شقة سكنية في منطقة زقاق البلاط، في تطور يعكس تحوّلاً واضحاً في نمط العمليات، وتوسيعاً لرقعة الاستهداف داخل المدينة.

وبحسب مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة أدّت حصيلة الغارات على منطقتي البسطة وزقاق البلاط في العاصمة بيروت إلى مقتل 10 أشخاص وجرح 27 آخرين. وطالت الضربات أربع مناطق متفرقة، بينها الباشورة وزقاق البلاط والبسطة، مع تسجيل تكرار استهداف مبانٍ سبق أن تعرّضت لغارات في الأيام الماضية، فيما بدا أنه تكريس لنمط تصعيدي متدرّج يقوم على إعادة ضرب الأهداف نفسها حتى إخراجها نهائياً من الخدمة.

سقوط الاستثناء

تشير الضربات الأخيرة إلى سقوط عملي لما كان يُعرف بـ«الاستثناء البيروتي»، إذ لم تعد العاصمة خارج نطاق العمليات، بل باتت جزءاً مباشراً من مسرح المواجهة. وتؤكد القراءة السياسية أن الاستهداف لم يعد محصوراً بجغرافيا محددة، بل يجري تعميمه على مختلف المناطق، بما يعكس توجهاً نحو توسيع نطاق الضغط، وتكريس معادلة مفتوحة لا تستثني أي موقع.

وفي هذا السياق، قال النائب محمد خواجة لـ«الشرق الأوسط»: إن «إسرائيل لا تميّز في استهدافاتها بين منطقة وأخرى داخل لبنان، ولا يمكن الحديث عن أي مظلّة أمنية خاصة تحمي بيروت، أو غيرها»، مؤكداً أن «نطاق العمليات يشمل مختلف الأراضي اللبنانية، وليست العاصمة وحدها».

سكان في زقاق البلاط يخلون منازلهم بعد استهداف إسرائيلي للمنطقة المحيطة بوسط بيروت (إ.ب.أ)

وأوضح خواجة أن «ما يجري لا يندرج في إطار ضغط سياسي مباشر بقدر ما هو استخدام للأدوات العسكرية والأمنية بهدف التأثير على الداخل اللبناني»، مشيراً إلى أن «هذه الاستراتيجية تقوم على محاولة خلق توترات داخلية، ولا سيما في المناطق المختلطة، بما يؤدي إلى زيادة الضغوط الاجتماعية». معتبراً أن «إسرائيل تعتمد على استهداف مناطق متعددة، من دون حصر عملياتها بجغرافيا معينة، وهي تستخدم قدراتها العسكرية بشكل واسع، مستفيدة من تفوقها الجوي»، لافتاً إلى أن «استهداف المدنيين أو المناطق المدنية ليس جديداً، وقد شهدته بيروت في مراحل سابقة، ومن غير المستبعد تكراره».

نحو الضغط الشامل

يتجاوز التصعيد البعد العسكري المباشر، ليحمل أبعاداً سياسية واجتماعية واضحة تقوم على استخدام الضربات كوسيلة تأثير على الداخل اللبناني.

وفي هذا الإطار شدد النائب محمد خواجة على أن ما يجري «يستهدف بشكل مباشر البيئة الاجتماعية اللبنانية، عبر تعميق الانقسامات، وخلق توترات بين اللبنانيين»، معتبراً أن «الردّ الأكثر فاعلية في هذه المرحلة لا يكون إلا بالتمسّك بالثوابت الوطنية، وتعزيز الوحدة الداخلية».

بيروت كمساحة ضغط

يكتسب استهداف العاصمة دلالات إضافية تتصل بوظيفتها كحاضنة سكانية واسعة، لا سيما في ظل احتضانها أعداداً كبيرة من النازحين، إذ قال النائب إبراهيم منيمنة لـ«الشرق الأوسط»: إن «إسرائيل تسعى، في سياق معركتها مع (حزب الله)، إلى ممارسة أقصى درجات الضغط عليه، بما في ذلك عبر توظيف الواقع الداخلي اللبناني كأداة ضغط على المستوى الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «استهداف بيروت لا يقتصر على ملاحقة عناصر محددة، بل يندرج أيضاً ضمن محاولة لإحداث شرخ داخلي، ودفع اللبنانيين إلى مواجهة بعضهم البعض، بما يفاقم الضغط على البيئة الحاضنة للحزب».

ورأى أنّ «هذه المعادلة لا تصيب سوى اللبنانيين، إذ يجد البلد نفسه عالقاً بين طرفين لا يملك التأثير المباشر في مسار مواجهتهما»، لافتاً إلى أن «بيروت اليوم تتحمّل عبئاً مضاعفاً باعتبارها العاصمة التي تستوعب النازحين والأهالي، فيما تتعرض في الوقت نفسه لضغوط أمنية، واستهدافات مباشرة». معتبراً أنّ «بيروت ليست مستثناة من التصعيد، ومن المرجّح أن يستمر هذا النمط خلال المرحلة المقبلة»، مشدداً على أن «الواجب يفرض تعزيز الوضع الأمني داخل المدينة، والعمل على ضبط أي مظاهر أو أهداف قد تُستخدم ذريعة للاستهداف، بما يحمي السكان، ويمنع تعريضهم للخطر».

النيران تتصاعد لحظة ارتطام صاروخ بمبنى أنذر الجيش الإسرائيلي بإخلائه تمهيداً لاستهدافه في الباشورة بوسط بيروت (أ.ف.ب)

وشدّد على أنّ «المطلوب الحفاظ على قدرة بيروت على احتضان النازحين، ومنع تحوّل الضغوط الأمنية إلى احتقان، أو احتكاكات داخلية».

وأشار إبراهيم منيمنة إلى أن «المواجهة القائمة تبدو مفتوحة، في ظل تمسّك كل من إسرائيل و«حزب الله» بخياراتهما، ما يضع لبنان واللبنانيين في موقع المتضرر الأول»، مؤكداً أن «هناك تحركات واتصالات قائمة على المستوى النيابي والبلدي لبحث سبل تحييد بيروت قدر الإمكان عن تداعيات التصعيد، وإن كانت لا تزال في إطار التداول».

الضغط المفتوح

على المستوى العسكري، يعكس نمط الضربات توجهاً واضحاً نحو توسيع بنك الأهداف، مع اعتماد سياسة تقوم على تعميم الجغرافيا، وتكرار الاستهداف. إذ قال العميد الركن المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط» إن الاستهدافات الإسرائيلية التي تطال بيروت «لا تخضع لأي اعتبارات جغرافية، أو خطوط حمراء»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تعتمد سياسة الضغط المفتوح، بحيث تضرب أينما تريد، من دون تمييز بين منطقة وأخرى».

وأوضح أن «ما يجري هو استهداف بهدف رفع مستوى الضغط، ما يعكس غياب أي ضوابط في بنك الأهداف». ورأى أن «تل أبيب تسعى إلى تعميم الضغط على كامل الأراضي اللبنانية، واستخدام العاصمة كمنصة لتكريس هذا الضغط، وإيصال رسالة بأنها وسّعت نطاق عملياتها».


الفصائل العراقية... ذراع طهران في حرب استنزاف مفتوحة

حريق مشتعل خارج محيط سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد في 17 مارس 2026
حريق مشتعل خارج محيط سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد في 17 مارس 2026
TT

الفصائل العراقية... ذراع طهران في حرب استنزاف مفتوحة

حريق مشتعل خارج محيط سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد في 17 مارس 2026
حريق مشتعل خارج محيط سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد في 17 مارس 2026

منذ اندلاع شرارة المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط، وضعت الفصائل العراقية الموالية لطهران المصالح الأميركية في مرمى نيرانها، مستهدفة بشكل متكرر القواعد العسكرية التي تضم قوات دولية، والبعثات الدبلوماسية، والمنشآت النفطية الحيوية.

هذه التنظيمات المسلحة، التي تدرجها واشنطن على قوائم الإرهاب، كانت قد أطلقت تحذيرات مبكرة منذ بداية الصراع، مؤكدة أن المواجهة الإقليمية ستتحول إلى «حرب استنزاف» طويلة الأمد.

تداخل «المحاور»

في بيان يعكس الاعتماد على التصنيع المحلي، قالت «حركة النجباء»: «إن إنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ ضمن محور المقاومة بات أمراً مألوفاً كصناعة الحلويات في المنازل العراقية».

وتعمل هذه الفصائل تحت مظلة تحالف فضفاض يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، الذي يتبنى بانتظام هجمات بالمسيرات والصواريخ ضد أهداف وصفها بـ«المعادية» داخل العراق وفي عمق المنطقة.

وتعدّ هذه الجماعات ركناً أساسياً في ما يعرف «محور المقاومة» الذي تقوده إيران، إلى جانب «حزب الله» اللبناني، وحركة «حماس» في غزة، والحوثيين في اليمن.

وقد أعلنت الفصائل العراقية التزامها الكامل بالدفاع عن «الجمهورية الإسلامية» عقب الهجوم الإسرائيلي - الأميركي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

المشهد العسكري والسياسي

يتشكل المشهد الحالي من عدة قوى متباينة في أدوارها، تشمل «كتائب حزب الله» التي تعد رأس الحربة في استهداف المصالح الأميركية، وقد فقدت العديد من قادتها الميدانيين في ضربات سابقة. ورغم نشاطها العسكري، تغلغلت الكتائب في العمل السياسي عبر دعم كتلة برلمانية تشغل 6 مقاعد.

كذلك «كتائب سيد الشهداء» التي يقودها أبو آلاء الولائي، الممثل في «الإطار التنسيقي»، وهو التحالف الشيعي الحاكم وصاحب الأغلبية البرلمانية، إلى جانب «حركة النجباء» التي تبرز كفصيل يرفض الانخراط في العملية السياسية، مفضلاً المسار العسكري الخالص.

وهناك أيضاً «عصائب أهل الحق» التي لا تزال حتى الآن بعيدة عن الانخراط المباشر في العمليات الحربية الجارية، حيث ينصبّ تركيزها على النفوذ السياسي من خلال كتلتها البرلمانية الوازنة التي تضم 27 مقعداً. ويعتقد على نطاق واسع أنها تغير «ثوبها» المسلح.

مركبة مدرعة تابعة للجيش العراقي بالقرب من ضفاف دجلة لحماية مقر سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء (أ.ف.ب)

استراتيجية الاستنزاف

لم تقتصر الهجمات على السفارة الأميركية في بغداد ومرفقها اللوجستي بمطار العاصمة، بل امتدت لتطول حقول النفط التابعة لشركات أجنبية وإقليم كردستان، الذي يضم قنصلية أميركية كبرى وقوات عسكرية. وامتدت آثار هذه الهجمات إقليمياً، حيث استدعت الكويت في وقت سابق السفير العراقي على خلفية ضربات طالت أراضيها.

وترى لهيب هيجل، الباحثة من «مجموعة الأزمات الدولية»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، أن انخراط هذه الجماعات يأتي ضمن «معركة وجودية» للنظام الإيراني، معتبرة إياها خط الدفاع الأخير للمحور، خاصة بعد أن كان مقتل المرشد علي خامنئي مؤشراً على أن بقاء هذه الفصائل بات مهدداً بشكل مباشر.

ورغم امتلاك الفصائل لمسيرات وصواريخ باليستية قصيرة المدى، تشير هيجل إلى أن طهران لا تزال تحجب الأسلحة الثقيلة عنهم، مقارنة بما تقدمه لـ«حزب الله» أو الحوثيين، مؤكدة أن الهدف النهائي لهذه الحرب هو «إخراج القوات الأميركية من العراق».

صف من السيارات بينما يغادر عرب وأجانب وعراقيون عبر معبر بري إلى الأردن بعد إغلاق المطارات في العراق (رويترز)

سلسلة اغتيالات

على الجانب الآخر، تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل توجيه ضربات دقيقة ردّاً على التصعيد. فمنذ الساعات الأولى للنزاع، استهدفت غارات معقل «كتائب حزب الله» في جرف الصخر جنوب بغداد، إضافة إلى مقرات تابعة لـ«الحشد الشعبي».

وتشير إحصائيات، نشرتها الأربعاء وكالة «الصحافة الفرنسية»، إلى مقتل ما لا يقل عن 43 مقاتلاً من الفصائل و«الحشد الشعبي» منذ بدء العمليات. ووصلت ذروة التصعيد السبت الماضي، حين استهدف صاروخ منزلاً في قلب بغداد، ما أسفر عن مقتل 3 أعضاء من كتائب «حزب الله»، بينهم قائد بارز، وإصابة زعيم الجماعة «أبو حسين الحميداوي».

ونقلت الوكالة عن مسؤول أمني عراقي قوله إن «فصل الاغتيالات» الذي طال قادة المحور منذ صراع غزة عام 2023، قد انتقل بشكل علني ومباشر إلى الساحة العراقية، ما ينذر بمرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة.


بري يقلقه تهجير الجنوبيين وأولويته وأد الفتنة الإسرائيلية

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (الوكالة الوطنية للإعلام)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

بري يقلقه تهجير الجنوبيين وأولويته وأد الفتنة الإسرائيلية

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (الوكالة الوطنية للإعلام)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (الوكالة الوطنية للإعلام)

يقف لبنان أمام انسداد الأفق للتوصل لاتفاق وقف النار الذي أخذ يولّد حالة من الإحباط لدى سفراء المجموعة الأوروبية في بيروت الذين يدورون الآن في حلقة مفرغة، باعتبار أنه بات رهينة بيد الولايات المتحدة بالوكالة عن إسرائيل، وإيران بالإنابة عن «حزب الله»، ولم يعد لهم من دور سوى مواكبة الحرب المشتعلة وتداعياتها على الداخل اللبناني، ولا يخفون، كما يقول مصدر دبلوماسي أوروبي لـ«الشرق الأوسط»، قلقهم الشديد حيال ارتفاع منسوب التهجير للجنوبيين من بلداتهم في ظل إصرار إسرائيل على إخلائها من سكانها، ولم تعد تقتصر على تلك الواقعة في منطقة جنوب نهر الليطاني، وإنما امتدت إلى شماله حتى حدود مدينة صيدا.

في المقابل، يصر رئيس المجلس النيابي نبيه بري على وقف النار وعودة النازحين، ودعوته لتحصين الوحدة الداخلية كأولوية لقطع الطريق على إحداث فتن مذهبية وطائفية متنقلة بين النازحين والمضيفين، وهو لا يزال يراهن، كما نُقل عنه، على «وعي اللبنانيين وتفهّمهم الظروف المفروضة على النازحين لإخلاء بلداتهم، كون ذلك السلاح الوحيد لوأدها في مهدها وإحباط المخطط الإسرائيلي بتهجير الجنوبيين بشن غارات انتقامية على بلدات جنوبية لا تمت بصلة إلى بنك الأهداف بملاحقة مقاتلي (حزب الله) واغتيالهم، بمقدار ما أنها تصر على تهجيرهم لضرب النسيج الداخلي الذي يتميز به لبنان والعيش المشترك بين أهله».

تأليب اللبنانيين

وفي هذا السياق، كشف مصدر قيادي في حركة «أمل» أن إغارة إسرائيل يومياً وبشكل منتظم على البلدات والمناطق ذات الغالبية الشيعية في الجنوب اضطرتهم للنزوح إلى مناطق أخرى طلباً للأمان وهي ذات غالبية غير شيعية، لتأليب سكانها الأصليين على النازحين بذريعة أن لجوءهم إليها تسبب بتهديد أمنهم وتعريض ممتلكاتهم للخطر. وسأل لـ«الشرق الأوسط»: ماذا جنت إسرائيل من استهدافها لمناطق، على سبيل المثال، خلدة، عرمون، النبعة، برج حمود، ومناطق أخرى، سوى تحريض أهلها وتأليبهم على النازحين من منطلق أن احتضانهم لهم يقلق راحتهم، وإن كانت لم تلقَ أي استجابة لمخططها؟

ولفت إلى أن إسرائيل باستهدافها لأحياء بيروتية ذات غالبية سنية تخطط لتأليبها على النازحين، مع أن غاراتها لم تستهدف أي مسؤول في «حزب الله» سوى التذرُّع بتدميرها لمؤسسات القرض الحسن التابعة له، مع أنها كانت دمّرتها سابقا، وقال إن وعي البيروتيين هو السلاح الأمضى لإحباط مخططها لافتعال فتنة مذهبية تهدد الاستقرار في المناطق المضيفة للنزوح.

وتوقف أمام إخلاء إسرائيل لمدينة صور والبلدات المحيطة بها، بما فيها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وقال: «إنها تراهن على أن الاكتظاظ السكاني بالنازحين يمكن أن يولّد انفجاراً في أي لحظة، ونحن من جانبنا ندعو أهلنا لاحترام حسن الضيافة وتقديرهم لهيئات المجتمع المدني والقوى السياسية على احتضانهم وضرورة تعاونهم مع الجيش والأجهزة الأمنية لحفظ الأمن والتصدي لكل من يحاول العبث به».

وشدد المصدر على أن «بري يواكب يومياً استقبال المضيفين للنازحين، ويحرص على التزامهم بالأنظمة للحفاظ على الأمن، ويعلق أهمية على الاعتدال في الخطاب السياسي الجامع والابتعاد عن كل أشكال التحريض والتعبئة الطائفية لمنع إقحام البلد في توترات هي بمثابة قنابل موقوتة، ونحن نعمل على تفكيكها لوأد الفتنة بالتعاون مع شركائنا في الوطن».

بري يرفض تلازم مسار لبنان وإيران

بدوره قال مصدر سياسي مواكب للأجواء بداخل «الثنائي الشيعي» إن الرهان على حصول خلاف بين «أمل» و«حزب الله» ليس في محله لتفادي انعكاسه على النازحين والمضيفين في آن معاً، من دون أن يعني أن التفاهم بينهما قائم على أكمل وجه، لأن بري يتمايز عن حليفه بعدم تأييده لتلازم المسارين اللبناني والإيراني، ولديه ملاحظات لا يخفيها أمام زواره يحاط بها الحزب وتتعلق بأداء حليفه، بدءاً بإسناده لغزة ومروراً بتفلُّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهده بعدم التدخل عسكرياً إسناداً لإيران، ما شكل لأخيه الأكبر إحراجاً أمام الرأي العام اللبناني، وانتهاءً بالمواقف النارية لبعض مسؤوليه وآخرهم نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي الذي لم يكن مضطراً لتوزيع تهديداته على الحكومة التي طالت الوزراء المحسوبين عليه، والذين تمايزوا عن الوزيرين اللذين سمّاهما الحزب وأيدوا القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء، برغم أن مصادر الحزب حاولت تطويق ردود الفعل عليها بقولها إن ما نُقل عنه لم يكن دقيقاً.

ورأى أنه لا جدال في تمايز بري عن الحزب في مقاربتهما للملف اللبناني بكل تفاصيله، لكن من غير الجائز الرهان على خلافهما، لأن الضرورة تقضي باستيعابه واحتضانه لإنزاله من أعلى الشجرة للانخراط في مشروع الدولة عندما تتوقف الحرب الدائرة بينه وبين إسرائيل. وقال إن أثقالاً سياسية تُلقى على أكتاف بري، ما يفسر إصراره على وقف النار وعودة النازحين، والالتزام بحصرية السلاح بيد الدولة، وربط بدء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية دولية بدعوة من رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، لأنه كما قال عون لا يمكن أن تبدأ تحت النار، وإن المطلوب التوصل إلى هدنة لبدئها، وهذا ما صارح به بري سفير أميركا في بيروت ميشال عيسى الذي حاول جاهداً إقناعه بأن يسمّي شخصية شيعية تكون في عداد الوفد المفاوض، لكنه اصطدم بثباته على موقفه وتفهمه لمبادرة عون، وإن كان يدعو لتفعيل اجتماعات لجنة الـ«ميكانيزم» لتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية.