هل تتوقف هجمات الحوثيين البحرية بمجرد إنهاء الحرب على غزة؟

رهان على الموقف الأميركي وآمال في إنجاز السلام اليمني

توعدت واشنطن الجماعة الحوثية بالعقاب بعد مقتل وإصابة طاقم سفينة تجارية في خليج عدن (أ.ب)
توعدت واشنطن الجماعة الحوثية بالعقاب بعد مقتل وإصابة طاقم سفينة تجارية في خليج عدن (أ.ب)
TT

هل تتوقف هجمات الحوثيين البحرية بمجرد إنهاء الحرب على غزة؟

توعدت واشنطن الجماعة الحوثية بالعقاب بعد مقتل وإصابة طاقم سفينة تجارية في خليج عدن (أ.ب)
توعدت واشنطن الجماعة الحوثية بالعقاب بعد مقتل وإصابة طاقم سفينة تجارية في خليج عدن (أ.ب)

يعتقد بعض السياسيين أن الهجمات الحوثية في البحر الأحمر وخليج عدن ستنتهي بمجرد إيقاف الحرب الإسرائيلية على غزة، وهي السردية التي تروج لها الجماعة الموالية لإيران، بينما يرى سياسيون آخرون أن هذا الصدام بين الجماعة وبين الغرب سيستمر بغض النظر عما يجري في غزة.

وفي مقابل الشكوك بتعذر جهود التسوية في اليمن نتيجة هذه المواجهات البحرية، تبرز بعض الأصوات التي ترى أن السلام في اليمن في حال التوصل إليه سيكون مدخلاً لتطبيع الأوضاع في البحر الأحمر وخليج عدن.

كشفت الجماعة الحوثية عن قدرات عسكرية بحرية متنوعة برغم الضربات الأميركية البريطانية (أ.ف.ب)

وتتخذ مواجهات البحر الأحمر بين الجماعة الحوثية والغرب بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا منعطفاً جديداً، بعد إغراق سفينة شحن وسقوط ضحايا من البحارة المدنيين في سفينة أخرى، الأمر الذي استدعى تلويحاً أميركياً برد عنيف، ما يزيد المخاوف من اتساع مواجهات البحر الأحمر، مع انعدام المؤشرات على قرب نهاية الهجمات الحوثية، أو قدرة الغرب على إيقافها.

وتوعّدت واشنطن الجماعة الحوثية بالعقاب بعد هجوم على سفينة في خليج عدن، أدى إلى مقتل 3 بحارة وإصابة 4 آخرين، وذلك بعد أيام قليلة من دعوة وجهها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن للجماعة لوقف هجماتها، عقب غرق السفينة البريطانية «روبيمار».

قصور أميركي

يرى الباحث المصري في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» بشير عبد الفتاح، أن هناك قصوراً في الاستراتيجية الأميركية والغربية لتأمين الملاحة والتجارة في البحر الأحمر وباب المندب؛ لأن هذه الاستراتيجيات تتعامل مع العَرَض وليس مع السبب، فتلجأ إلى وسائل عسكرية، ولا تبحث عن أسباب ما يجري.

ووفقاً لحديث عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط»، فإن ما يجري في البحر الأحمر -حسب إعلان الجماعة الحوثية- مرتبط بما يجري في قطاع غزة. والمجتمع الدولي لم يفكر بذلك؛ بل لجأ إلى الأعمال العسكرية وتكوين التحالفات، فكانت النتيجة متواضعة للغاية، ولم تردع الجماعة الحوثية التي أصرت على التحدي ومواصلة عملياتها وتطوير أسلحتها، ليزداد خطرها وصولاً إلى إغراق السفن.

ويكمن الحل الذي ينبغي على البيت الأبيض الذهاب إليه -حسب عبد الفتاح، وهو أيضاً رئيس تحرير مجلة «الديمقراطية»- في معالجة جذور ما يجري، ووقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي تتخذه الجماعة مبرراً لهجماتها البحرية.

تزداد الشكوك حول مدى تأثير الضربات العسكرية الأميركية والبريطانية على الجماعة الحوثية (الجيش الأميركي)

كما يرى أن التعامل مع الجماعة الحوثية يجب أن يأخذ الأزمة برؤية شاملة، فلا يمكن حماية الملاحة في البحر بهذه الآلية، بغض النظر عن الانقلاب على الشرعية في اليمن.

وينفي عبد الفتاح وجود مؤامرة بين الغرب والجماعة الحوثية لتحويل طرق التجارة العالمية، فالطرق البديلة التي يجري الحديث عنها، مثل رأس الرجاء الصالح، مكلفة وطويلة وخطرة، أما نظيرتها في القطب الشمالي فهي موسمية، ولا يمكن استخدامها إلا في فترات ذوبان الجليد، ولا بديل عن باب المندب وقناة السويس.

صفقة مجزية لإيران

تتعاظم الشكوك حول قدرة الردود العسكرية الغربية على تعطيل الإمكانات العسكرية الحوثية، أو إجبار الجماعة على التراجع عن هجماتها بفرض العقوبات الاقتصادية عليها، والتي شملت تصنيفها كياناً إرهابياً دولياً.

وحسب الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، إسلام المنسي؛ فإن الجهود الدولية والغربية للتعامل مع الخطر الحوثي لا تزال أقل من المطلوب والمأمول. ومنذ اجتياح الجماعة الحوثية للعاصمة اليمنية صنعاء منذ ما يقارب العقد، ارتكبت الجماعة كثيراً من الجرائم ضد اليمنيين، دون أن يتحرك المجتمع الدولي لإيقافها ومنعها من التوسع، حتى أصبحت خطراً عالمياً.

ويوضح المنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن التعامل الغربي مع أحداث البحر الأحمر يهدف إلى احتواء الخطر الحوثي وتهديده للملاحة لا إنهائه، وتبرز الرغبة الغربية في بقاء الجماعة الحوثية من خلال ردود الفعل الخجولة التي لا تؤثر على القدرات العسكرية للجماعة.

مدمرة بريطانية تعترض مسيرة حوثية في البحر الأحمر (رويترز)

والتصعيد الحوثي هو تصعيد محسوب من قبل إيران، طبقاً للمنسي، وهناك مباحثات أميركية إيرانية غير معلنة وعبر وسطاء، وتحرص إيران على استمرار تصعيد أذرعها العسكرية في المنطقة إلى حدود ما قبل تغيير الغرب لنهجه في التعامل مع الهجمات المضادة لمصالحه.

وتحرص الجماعة الحوثية على تنفيذ الأجندة الإيرانية بأقل قدر من الصدام ومن التكلفة، بمعنى التصعيد من دون دفع الغرب إلى الحرب الشاملة؛ بل الاكتفاء بردود لا تؤثر كثيراً على القدرات العسكرية الحوثية، بما ينضج المباحثات الإيرانية الأميركية من أجل الوصول إلى صفقة مجزية في الملفات التي يجري التفاوض حولها؛ حسب المنسي.

إعادة هيكلة التدخلات

يربط كثير من المسؤولين الغربيين والأمميين استمرار جهود التسوية في اليمن بتوقف المواجهات في البحر الأحمر، وتراجع الجماعة الحوثية عن تصعيدها؛ خصوصاً أن الأطراف الغربية الفاعلة والوسيطة في المفاوضات هي الأطراف ذاتها التي تخوض تلك المواجهة مع الجماعة.

وبرغم ذلك، لم تتوقف المحاولات لإنضاج مساعي الحل السياسي في اليمن، وأخيراً اقترح المستشار العسكري لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، أنتوني هايورد، آلية لوقف دائم لإطلاق النار، بعيداً عن التصعيد الحوثي المتواصل في البحر الأحمر وخليج عدن.

ولا يعتقد الأكاديمي والباحث اليمني في العلوم السياسية محمد الحميري، أن توقف الحرب الإسرائيلية في غزة شرط لتوقف الصراع في البحر الأحمر، نظراً لامتلاك هذا الصراع أبعاداً أخرى، وبروز حسابات أخرى إقليمياً ودولياً، وارتباطه بالتنافسات المختلفة على تلك الأصعدة، وإعادة تشكيل الوجود العسكري الدولي في المنطقة، ما يفرز مشهداً مختلفاً عما كان سابقاً على هذه الأحداث.

حشدت الجماعة الحوثية عشرات الآلاف من المقاتلين بمزاعم مناصرة سكان قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتبعاً لذلك، يتوقع الحميري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تكون التسوية السياسية في اليمن هي المدخل لإنهاء الصراع في البحر الأحمر، وليس العكس، فجميع الأطراف الفاعلة في الصراع باليمن تنظر إلى الأحداث الحالية وفق متغيرات كثيرة، تفرض عليها تغيير تعاطيها مع هذا الصراع.

كما ينفي الحميري أن يكون تأثير الهجمات الحوثية على الملاحة العالمية كبيراً إلى الحد الذي يجري تصويره من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، ويستدل على ذلك بقرار مجلس الأمن الخاص بهذه القضية، والذي أقر حق حماية الملاحة الدولية من الهجمات الحوثية وليس شن حرب على الجماعة الحوثية، وهو ما يسعى التحالف العسكري الأوروبي إلى انتهاجه.

ويختم الباحث اليمني حديثه بالتنويه إلى أن هذه الأحداث تزيد من تعقيد المشهد في المنطقة، ولا يمكن قصر كل هذه التفاعلات على الجماعة الحوثية التي لا تعدو كونها أداة بيد أطراف أخرى، ولا من خلال التصريحات الأميركية المكتفية بتحجيم الخطر الحوثي لا إنهائه؛ إذ إن كل ذلك يعزز من فرضيات إعادة هيكلة التدخلات في المنطقة.


مقالات ذات صلة

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

العالم العربي أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أكد تقرير أممي حديث أن الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منشآت ومواني خاضعة لسيطرة الحوثيين أسهمت بصورة مباشرة في تقليص قدرتها التشغيلية

محمد ناصر (عدن)
الخليج الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية (سبأ)

كيف تتوزع خريطة التوازنات في الحكومة اليمنية؟

تشكيل حكومة يمنية جديدة، برئاسة شائع الزنداني، تضم 35 وزيراً، في محاولة لتحقيق توازنات سياسية وجغرافية، وسط أزمات اقتصادية وخدمية واختبار لاستعادة ثقة الشارع.

«الشرق الأوسط» (عدن)
المشرق العربي تحسن ملحوظ في خدمات الكهرباء بعدن قبل حلول رمضان (إعلام محلي)

عدن تستقبل رمضان بخدمات مستقرة وتطبيع شامل للحياة

تستقبل مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لليمن، شهر رمضان المبارك هذا العام في أجواء مختلفة كلياً عمّا اعتاده سكانها في ظل تحسن ملحوظ في مستوى الخدمات وتطبيع الأوضاع.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مبادرة لإعادة الدراسة في جامعة أرخبيل سقطرى (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

مبادرة سعودية تعيد الدراسة في جامعة سقطرى

أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مبادرة نوعية لتعزيز استقرار التعليم في جزيرة سقطرى، في إطار الجهود التنموية المستمرة التي تقدمها السعودية.

«الشرق الأوسط» (عدن)

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

أكد تقرير أممي حديث أن الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منشآت ومواني خاضعة لسيطرة الحوثيين أسهمت بصورة مباشرة في تقليص قدرتها التشغيلية على استقبال السفن التجارية، وهو ما انعكس بوضوح على حركة الواردات، خصوصاً القمح والوقود.

وفي المقابل، سجلت المواني الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ارتفاعاً غير مسبوق في واردات السلع الأساسية، وسط تحسن نسبي في سعر صرف الريال اليمني، وانخفاض ملموس في أسعار المواد الغذائية.

ووفق تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، ارتفعت واردات القمح إلى مواني الحكومة مع نهاية عام 2025 بنسبة 329 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في مؤشر يعكس تحولات عميقة في خريطة الإمدادات الغذائية داخل البلاد.

وأوضح التقرير أن هذا التحسن يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني في عدن، ولا سيما تنظيم عمليات الاستيراد وضبط سوق الصرف، ما أسهم في تعزيز استقرار العملة المحلية.

النقص المحتمل في الوقود يهدد سلاسل الإمداد الغذائي باليمن (إعلام محلي)

ولم تتجاوز واردات القمح عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين - حسب التقرير الأممي - 40 في المائة خلال الفترة ذاتها، ما يبرز اتساع الفجوة بين مناطق الحكومة والمناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة.

ويعزو خبراء هذا التراجع الحاد إلى الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البنية التحتية للمواني، والتي أدت إلى تقليص قدرتها على استقبال السفن وتأمين عمليات التفريغ والنقل.

ولم يقتصر التأثير على القمح فحسب، بل امتد ليشمل الوقود، إذ انخفضت واردات الوقود إلى ميناء رأس عيسى، الذي يديره الحوثيون، بنسبة 82 في المائة، في حين ارتفعت إجمالاً بنسبة 20 في المائة عبر المواني الحكومية، بما فيها عدن والمكلا. هذا التباين الحاد في حركة الوقود انعكس بشكل مباشر على استقرار الأسواق، وأسهم في تعميق التحديات الاقتصادية في مناطق سيطرة الحوثيين.

تحسن العملة

ولفتت البيانات الأممية إلى أن الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة ظل أقوى بنسبة 27 في المائة مقارنة بنهاية عام 2024، وهو ما انعكس إيجاباً على أسعار الوقود والمواد الغذائية. فقد ظلت أسعار الوقود مستقرة نسبياً مقارنة بالشهر السابق، لكنها انخفضت بنسبة تتراوح بين 14 في المائة و22 في المائة مقارنة بالعام الماضي، رغم بقائها أعلى من متوسط السنوات الثلاث الماضية بنسبة تتراوح بين 4 في المائة و13 في المائة.

وينطبق الأمر ذاته على أسعار المواد الغذائية الأساسية، التي شهدت انخفاضاً ملحوظاً في مناطق الحكومة بنسبة تتراوح بين 12 في المائة و20 في المائة، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية.

تراجع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية بسبب تحسن الريال اليمني (إعلام محلي)

ويعزو الخبراء هذا التراجع إلى تحسن قيمة العملة المحلية، وانخفاض تكاليف الوقود والنقل، إلى جانب ارتفاع حجم الواردات الغذائية، وفي مقدمتها القمح.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر التقرير الأممي من أن الأمن الغذائي في اليمن لا يزال يتعرض لضغوط شديدة نتيجة أزمات متعددة ومتشابكة. ففي مناطق الحكومة، لا يزال تقلب سعر الصرف يشكل عامل خطر قد يعيد إشعال موجات تضخم جديدة في أسعار الغذاء والوقود، في حال تراجع الاستقرار النقدي، أو تعثرت إجراءات البنك المركزي.

استقرار هش

أما في مناطق سيطرة الحوثيين، فتتمثل أبرز التحديات - وفق التقرير الأممي - في ضوابط السوق الصارمة، والاضطراب الحاد في القطاع المالي، الناتج عن العقوبات التي تؤثر على المدفوعات والتحويلات المالية، إضافة إلى القيود المفروضة على استيراد دقيق القمح ومحدودية المساعدات الإنسانية. وأكد التقرير أن هذه العوامل مجتمعة تزيد من هشاشة سلاسل الإمداد، وترفع عدد الأسر المعرّضة لخطر انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وخلال الفترة نفسها، ظلت تكلفة سلة الغذاء الدنيا في مناطق الحكومة مستقرة نسبياً، وكانت أقل بنسبة 20 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وأقل بنسبة 5 في المائة من متوسط السنوات الثلاث الماضية. غير أن هذا الاستقرار لا يخفي واقعاً صعباً تعيشه شريحة واسعة من السكان، إذ يعتمد نحو 35 في المائة منهم على رواتب حكومية غير منتظمة تآكلت قيمتها بفعل التضخم السابق.

واردات الوقود تراجعت إلى ميناء رأس عيسى بنسبة 82 % (إعلام محلي)

كما رصد التقرير خلال شهر ارتفاعاً في أسعار الأسماك بنسبة 5 في المائة في مناطق الحكومة، لتصبح أعلى بنسبة 6 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وبنسبة 18 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية.

في المقابل، ظلت أجور العمالة الزراعية والمؤقتة مستقرة نسبياً، مدعومة بالاستقرار النسبي للريال، حيث ارتفعت الأجور الزراعية بنسبة 8 في المائة، وأجور العمالة المؤقتة بنسبة 2 في المائة على أساس سنوي.

ورأت منظمة الأغذية والزراعة أن هذه المؤشرات تعكس مزيجاً من العوامل الإيجابية والسلبية، إذ يسهم تحسن العملة واستقرار الواردات في تخفيف الضغوط المعيشية، لكن استمرار التوترات الأمنية واضطراب الإمدادات في مناطق الحوثيين، خصوصاً الوقود، يظل عامل تهديد لاستقرار الأسواق على مستوى البلاد.


الحكومة السودانية: حريصون على ضرورة إنهاء الحرب وإيقاف تجويع الشعب

بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الحكومة السودانية: حريصون على ضرورة إنهاء الحرب وإيقاف تجويع الشعب

بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)

أفادت وزارة الخارجية السودانية في بيان، اليوم الأحد، بأن حكومة السودان حريصة على ضرورة إنهاء الحرب «وإيقاف تدمير الدولة وتجويع الشعب»، مؤكدة أن إيقاف الحرب يتم «بتفكيك مصادرها ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات ومخالفي القانون الدولي الإنساني».

وذكرت الخارجية السودانية أن حكومة السودان «لن تقبل أن يكون شركاء مرتكبي الجرائم والصامتون على ارتكابها شركاء في أي مشروع لإنهاء الحرب»، مشيرة إلى أن «مخالفة قرار مجلس الأمن الداعي لحظر دخول السلاح إلى دارفور تجعل مصداقية مجلس الأمن على المحك».

وقالت الوزارة إن «التغافل عن مصادر توريد هذه الأسلحة والجهات الممولة والدول التي ترسلها وتسهل إيصالها إلى أيدي المجرمين، يضع المجتمع الدولي وآلياته المختصة في موضع الشك وعدم المصداقية».

واندلع الصراع بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، وأدى إلى نزوح الملايين وأشعل أزمة إنسانية واسعة النطاق.


الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)

بدأت الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، سلسلةً واسعةً من الفعاليات واللقاءات والاجتماعات في مناطق سيطرتها؛ للتهيئة لتحويل شهر رمضان المقبل إلى محطة تعبوية ومرحلة انتقالية بين التعليم النظامي والمراكز الصيفية، إلى جانب فعاليات عقائدية تشمل جميع السكان ومن مختلف الفئات.

وكثَّفت الجماعة اجتماعاتها الرسمية، بمشارَكة السلطات المحلية، وقطاعات التربية، والأوقاف، والتعبئة العامة، والشباب، والأمن، والمرور، التابعة لها في مشهد تصفه مصادر محلية بـ«تعبئة شاملة» لمؤسسات الدولة والأنشطة والفعاليات المجتمعة، تحت عناوين خدمية ودينية واقتصادية، تجمعها التهيئة المبكرة لمسميات «البرامج الرمضانية» و«الدورات الصيفية»، بوصفهما مشروعاً تربوياً متكاملاً.

وتشير المصادر إلى أن المضامين المعلَنة لهذه اللقاءات تؤدي إلى تحويل شهر رمضان من مناسبة دينية للمجتمعات العربية والإسلامية، إلى محطة تعبوية كبرى لإعادة توجيه الوعي المجتمعي، وضبط الخطاب الديني، وتكريس مفهوم ما تُسمى «الهوية الإيمانية» الذي تتبناه الجماعة.

ونوَّهت مصادر تربوية إلى أن الجماعة باتت تعمل خلال السنوات الأخيرة على فرض تداخل متعمد بين التقويم الدراسي والبرامج التعبوية، إذ تتزامن التهيئة للفعاليات الرمضانية مع اجتماعات رسمية لمناقشة اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني، مستعجلة إنهاء العام الدراسي خلال الأيام الأولى من شهر رمضان، والذي يفترض أن يتزامن مع بدء هذا الفصل الدراسي.

فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

وذكرت المصادر أن الجماعة غيَّرت مواعيد الدراسة وقلَّصت فترتها إلى أقصى حدٍّ استطاعته؛ لإفساح المجال لتنظيم المعسكرات الصيفية التعبوية، التي تبدأها فور انتهاء إجازة عيد الفطر.

تهيئة حثيثة

ونظَّمت الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، اجتماعات في قطاع التربية الذي تسيطر عليه، في محافظات إب والمحويت وريمة والحديدة؛ للشروع المبكر في الإعداد للمعسكرات الصيفية، تمهيداً للدفع بالطلاب بعد إجازة العيد للالتحاق بها.

ووفقاً للمصادر ووسائل إعلام الجماعة، كلَّف المشرفون الحوثيون على هذا القطاع إدارات المدارس والمعلمين بتهيئة الطلاب وأولياء الأمور نفسياً وفكرياً لهذه المرحلة، ووجَّهوا، بالتنسيق مع جهات تابعة لقطاعات الأوقاف والزكاة والأمن والمرور والمرأة، لتضمين الفعاليات التعبوية خلال شهر رمضان خطابات حول المراكز الصيفية، وتحفيز العائلات على إلحاق أطفالها بهذه المراكز.

وتحذِّر المصادر من أن الجماعة، ورغم ما تواجهه من غضب شعبي داخلي مرتبط بما أوصلت مناطق سيطرتها إليه من تدهور معيشي وخدمي، وما تعرَّضت له من استهداف خارجي، سواء بالضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، أو بالعقوبات المُشدَّدة المفروضة عليها، فإنها ما زالت تمتلك أدوات التعبئة، وتستطيع إجبار السكان على المشارَكة في فعالياتها التعبوية.

تدهور المنظومة التعليمية يعزز من قدرة الحوثيين على استقطاب الأطفال وتجنيدهم (رويترز)

ونبَّهت إلى أن هذا الربط المباشر بين المدرسة والدورات الصيفية يحوّل التعليم النظامي إلى مجرد جسر عبور نحو برامج بديلة ذات طابع آيديولوجي.

ويأتي وصف الدورات الصيفية في خطابات القادة الحوثيين على أنها «مشروع تربوي وتعليمي متكامل»، يهدف إلى «صناعة جيل واعٍ»، و«تحصين المجتمع من الحرب الناعمة»، و«بناء الإنسان المرتبط بالقرآن».

ومن المنتظر، خلال الأيام المقبلة، عقد لقاءات أخرى مكثفة في مختلف المحافظات الخاضعة للجماعات، وفي القطاعات كافة التي يمكن استغلالها في الحشد والتعبئة وإقناع السكان بالمشاركة.

تقليص دور المدرسة

وإلى جانب القادة التعبويين، يشارك في الفعاليات التحضيرية للبرامج الرمضانية الحوثية عدد كبير من القادة العسكريين والأمنيين، ويجري إنشاء غرف عمليات مركزية وفرعية لمتابعة التنفيذ، ما يعكس اهتمام المستويات القيادية كافة في الجماعة بهذه الأنشطة.

محافظة الحديدة شهدت لقاءات حوثية مكثفة للإعداد للمراكز الصيفية (إعلام حوثي)

ويقول باحث في السياسة والإعلام يقيم في مناطق سيطرة الجماعة، إن الورش التعريفية الخاصة بالمعسكرات الصيفية، والتي شارك فيها عشرات القادة الحوثيين ومسؤولو غرف العمليات، تكشف عن بنية تنظيمية دقيقة، تُعامل هذه الأنشطة بوصفها استثماراً استراتيجياً، ويتضح ذلك أكثر عندما يرد وصفها في خطابات قادة الجماعة بوصفها «سلاحاً»، مع حرصهم على التشديد على تنظيمها في كل عزلة وقرية.

والعزلة في النظام الإداري اليمني هي وحدة تقسيم إداري فرعية تقع ضمن نطاق المديرية، وتستخدم بشكل رئيسي في المناطق الريفية، وتتكوَّن من مجموعة قرى ومحلات تابعة.

ويضيف الباحث الذي طلب عدم نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط» إن كثافة هذه الأنشطة وتزامنها الجغرافي والقطاعي، يؤكدان أنها ليست مجرد برامج موسمية منفصلة، بل سياسة ممنهجة لإعادة ضبط العام الدراسي من خلال تقليص دور المدرسة، وإفساح الوقت والمساحة للمراكز الصيفية التي يجري فيها التحكم بالمحتوى والخطاب والهوية، رغم أن المناهج التعليمية في المدارس قد تعرَّضت بدورها لتحريف كبير.

المنظومة التعليمية شهدت تغيرات جذرية خلال أكثر من عقد على انقلاب الحوثيين (أ.ف.ب - أرشيفية)

ويُفسَّر إصرار الجماعة على تقليص دور المدرسة مقابل إعلاء شأن المراكز الصيفية، بسعيها للوصول بالمدارس إلى ما يشبه «المعلامة»، وهي التسمية اليمنية لـ«الكُتّاب»، وما يمثله ذلك من عزل للأطفال عن التعليم الحديث الذي ستحاول أن يكون مقتصراً على فئة محدودة من الموالين والتابعين لها.

وتتضمن الفعاليات الاستعدادية الحوثية لشهر رمضان استغلال الأنشطة الخدمية والاقتصادية والترفيهية، سواء التي تخضع لإدارة الجماعة مثل حملات النظافة ومهرجانات الأسر المنتجة وبرامج الإحسان، أو التي تأتي بمبادرات مجتمعية مثل الأنشطة الرياضية، بوصفها غطاءً اجتماعيً موازياً.

وتتوقع الجماعة أن تعزز هذه الفعاليات القبول الشعبي بالأنشطة التعبوية، وتخلق ارتباطاً ذهنياً بينها وما تزعم تقديمه من خدمات ومساعدات، خصوصاً خلال شهر رمضان، بما يخفف من حساسية المشروع التعبوي الأساسي.