هل تتوقف هجمات الحوثيين البحرية بمجرد إنهاء الحرب على غزة؟

رهان على الموقف الأميركي وآمال في إنجاز السلام اليمني

توعدت واشنطن الجماعة الحوثية بالعقاب بعد مقتل وإصابة طاقم سفينة تجارية في خليج عدن (أ.ب)
توعدت واشنطن الجماعة الحوثية بالعقاب بعد مقتل وإصابة طاقم سفينة تجارية في خليج عدن (أ.ب)
TT

هل تتوقف هجمات الحوثيين البحرية بمجرد إنهاء الحرب على غزة؟

توعدت واشنطن الجماعة الحوثية بالعقاب بعد مقتل وإصابة طاقم سفينة تجارية في خليج عدن (أ.ب)
توعدت واشنطن الجماعة الحوثية بالعقاب بعد مقتل وإصابة طاقم سفينة تجارية في خليج عدن (أ.ب)

يعتقد بعض السياسيين أن الهجمات الحوثية في البحر الأحمر وخليج عدن ستنتهي بمجرد إيقاف الحرب الإسرائيلية على غزة، وهي السردية التي تروج لها الجماعة الموالية لإيران، بينما يرى سياسيون آخرون أن هذا الصدام بين الجماعة وبين الغرب سيستمر بغض النظر عما يجري في غزة.

وفي مقابل الشكوك بتعذر جهود التسوية في اليمن نتيجة هذه المواجهات البحرية، تبرز بعض الأصوات التي ترى أن السلام في اليمن في حال التوصل إليه سيكون مدخلاً لتطبيع الأوضاع في البحر الأحمر وخليج عدن.

كشفت الجماعة الحوثية عن قدرات عسكرية بحرية متنوعة برغم الضربات الأميركية البريطانية (أ.ف.ب)

وتتخذ مواجهات البحر الأحمر بين الجماعة الحوثية والغرب بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا منعطفاً جديداً، بعد إغراق سفينة شحن وسقوط ضحايا من البحارة المدنيين في سفينة أخرى، الأمر الذي استدعى تلويحاً أميركياً برد عنيف، ما يزيد المخاوف من اتساع مواجهات البحر الأحمر، مع انعدام المؤشرات على قرب نهاية الهجمات الحوثية، أو قدرة الغرب على إيقافها.

وتوعّدت واشنطن الجماعة الحوثية بالعقاب بعد هجوم على سفينة في خليج عدن، أدى إلى مقتل 3 بحارة وإصابة 4 آخرين، وذلك بعد أيام قليلة من دعوة وجهها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن للجماعة لوقف هجماتها، عقب غرق السفينة البريطانية «روبيمار».

قصور أميركي

يرى الباحث المصري في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» بشير عبد الفتاح، أن هناك قصوراً في الاستراتيجية الأميركية والغربية لتأمين الملاحة والتجارة في البحر الأحمر وباب المندب؛ لأن هذه الاستراتيجيات تتعامل مع العَرَض وليس مع السبب، فتلجأ إلى وسائل عسكرية، ولا تبحث عن أسباب ما يجري.

ووفقاً لحديث عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط»، فإن ما يجري في البحر الأحمر -حسب إعلان الجماعة الحوثية- مرتبط بما يجري في قطاع غزة. والمجتمع الدولي لم يفكر بذلك؛ بل لجأ إلى الأعمال العسكرية وتكوين التحالفات، فكانت النتيجة متواضعة للغاية، ولم تردع الجماعة الحوثية التي أصرت على التحدي ومواصلة عملياتها وتطوير أسلحتها، ليزداد خطرها وصولاً إلى إغراق السفن.

ويكمن الحل الذي ينبغي على البيت الأبيض الذهاب إليه -حسب عبد الفتاح، وهو أيضاً رئيس تحرير مجلة «الديمقراطية»- في معالجة جذور ما يجري، ووقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي تتخذه الجماعة مبرراً لهجماتها البحرية.

تزداد الشكوك حول مدى تأثير الضربات العسكرية الأميركية والبريطانية على الجماعة الحوثية (الجيش الأميركي)

كما يرى أن التعامل مع الجماعة الحوثية يجب أن يأخذ الأزمة برؤية شاملة، فلا يمكن حماية الملاحة في البحر بهذه الآلية، بغض النظر عن الانقلاب على الشرعية في اليمن.

وينفي عبد الفتاح وجود مؤامرة بين الغرب والجماعة الحوثية لتحويل طرق التجارة العالمية، فالطرق البديلة التي يجري الحديث عنها، مثل رأس الرجاء الصالح، مكلفة وطويلة وخطرة، أما نظيرتها في القطب الشمالي فهي موسمية، ولا يمكن استخدامها إلا في فترات ذوبان الجليد، ولا بديل عن باب المندب وقناة السويس.

صفقة مجزية لإيران

تتعاظم الشكوك حول قدرة الردود العسكرية الغربية على تعطيل الإمكانات العسكرية الحوثية، أو إجبار الجماعة على التراجع عن هجماتها بفرض العقوبات الاقتصادية عليها، والتي شملت تصنيفها كياناً إرهابياً دولياً.

وحسب الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، إسلام المنسي؛ فإن الجهود الدولية والغربية للتعامل مع الخطر الحوثي لا تزال أقل من المطلوب والمأمول. ومنذ اجتياح الجماعة الحوثية للعاصمة اليمنية صنعاء منذ ما يقارب العقد، ارتكبت الجماعة كثيراً من الجرائم ضد اليمنيين، دون أن يتحرك المجتمع الدولي لإيقافها ومنعها من التوسع، حتى أصبحت خطراً عالمياً.

ويوضح المنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن التعامل الغربي مع أحداث البحر الأحمر يهدف إلى احتواء الخطر الحوثي وتهديده للملاحة لا إنهائه، وتبرز الرغبة الغربية في بقاء الجماعة الحوثية من خلال ردود الفعل الخجولة التي لا تؤثر على القدرات العسكرية للجماعة.

مدمرة بريطانية تعترض مسيرة حوثية في البحر الأحمر (رويترز)

والتصعيد الحوثي هو تصعيد محسوب من قبل إيران، طبقاً للمنسي، وهناك مباحثات أميركية إيرانية غير معلنة وعبر وسطاء، وتحرص إيران على استمرار تصعيد أذرعها العسكرية في المنطقة إلى حدود ما قبل تغيير الغرب لنهجه في التعامل مع الهجمات المضادة لمصالحه.

وتحرص الجماعة الحوثية على تنفيذ الأجندة الإيرانية بأقل قدر من الصدام ومن التكلفة، بمعنى التصعيد من دون دفع الغرب إلى الحرب الشاملة؛ بل الاكتفاء بردود لا تؤثر كثيراً على القدرات العسكرية الحوثية، بما ينضج المباحثات الإيرانية الأميركية من أجل الوصول إلى صفقة مجزية في الملفات التي يجري التفاوض حولها؛ حسب المنسي.

إعادة هيكلة التدخلات

يربط كثير من المسؤولين الغربيين والأمميين استمرار جهود التسوية في اليمن بتوقف المواجهات في البحر الأحمر، وتراجع الجماعة الحوثية عن تصعيدها؛ خصوصاً أن الأطراف الغربية الفاعلة والوسيطة في المفاوضات هي الأطراف ذاتها التي تخوض تلك المواجهة مع الجماعة.

وبرغم ذلك، لم تتوقف المحاولات لإنضاج مساعي الحل السياسي في اليمن، وأخيراً اقترح المستشار العسكري لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، أنتوني هايورد، آلية لوقف دائم لإطلاق النار، بعيداً عن التصعيد الحوثي المتواصل في البحر الأحمر وخليج عدن.

ولا يعتقد الأكاديمي والباحث اليمني في العلوم السياسية محمد الحميري، أن توقف الحرب الإسرائيلية في غزة شرط لتوقف الصراع في البحر الأحمر، نظراً لامتلاك هذا الصراع أبعاداً أخرى، وبروز حسابات أخرى إقليمياً ودولياً، وارتباطه بالتنافسات المختلفة على تلك الأصعدة، وإعادة تشكيل الوجود العسكري الدولي في المنطقة، ما يفرز مشهداً مختلفاً عما كان سابقاً على هذه الأحداث.

حشدت الجماعة الحوثية عشرات الآلاف من المقاتلين بمزاعم مناصرة سكان قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتبعاً لذلك، يتوقع الحميري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تكون التسوية السياسية في اليمن هي المدخل لإنهاء الصراع في البحر الأحمر، وليس العكس، فجميع الأطراف الفاعلة في الصراع باليمن تنظر إلى الأحداث الحالية وفق متغيرات كثيرة، تفرض عليها تغيير تعاطيها مع هذا الصراع.

كما ينفي الحميري أن يكون تأثير الهجمات الحوثية على الملاحة العالمية كبيراً إلى الحد الذي يجري تصويره من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، ويستدل على ذلك بقرار مجلس الأمن الخاص بهذه القضية، والذي أقر حق حماية الملاحة الدولية من الهجمات الحوثية وليس شن حرب على الجماعة الحوثية، وهو ما يسعى التحالف العسكري الأوروبي إلى انتهاجه.

ويختم الباحث اليمني حديثه بالتنويه إلى أن هذه الأحداث تزيد من تعقيد المشهد في المنطقة، ولا يمكن قصر كل هذه التفاعلات على الجماعة الحوثية التي لا تعدو كونها أداة بيد أطراف أخرى، ولا من خلال التصريحات الأميركية المكتفية بتحجيم الخطر الحوثي لا إنهائه؛ إذ إن كل ذلك يعزز من فرضيات إعادة هيكلة التدخلات في المنطقة.


مقالات ذات صلة

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العالم العربي العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

القيادة اليمنية تكثف تحركاتها الدولية، مؤكدة تعافي الدولة، وتوحيد القرار الأمني، وجاهزية القوات، مع دعم أميركي وبريطاني وفرنسي لتعزيز الاستقرار والسلام

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)

العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

حدد رئيس مجلس القيادة اليمني خريطة طريق صارمة لحكومة الزنداني، واضعاً الاقتصادَ والأمن والخدمات معياراً للأداء، وصناعةَ النموذج مدخلاً لاستعادة الثقة والدولة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

أدت حكومة شائع الزنداني اليمين الدستورية بالرياض وسط ترحيب أممي ودولي بتنوعها وتمثيل النساء، فيما تواجه تحديات اقتصادية وخدمية وأمنية مع مطالب بالعمل من الداخل.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

يستقبل ملايين اليمنيين بمناطق الحوثيين رمضان المبارك دون رواتب وبلا مساعدات، وسط فقر مدقع وغياب للأمن الغذائي، بعد توقف الدعم الإنساني وتدهور الأوضاع المعيشية.

محمد ناصر (عدن)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.