زيادات أجور الموظّفين في الجزائر بين تثمين الموالاة وتشكيك المعارضة

سقراش: رواتب العمال بالبلاد باتت تعد «الأضعف في العالم العربي»

بات جل الجزائريين يشتكون من تدهور القدرة الشرائية أمام مستويات التضخّم (أ.و.ب)
بات جل الجزائريين يشتكون من تدهور القدرة الشرائية أمام مستويات التضخّم (أ.و.ب)
TT

زيادات أجور الموظّفين في الجزائر بين تثمين الموالاة وتشكيك المعارضة

بات جل الجزائريين يشتكون من تدهور القدرة الشرائية أمام مستويات التضخّم (أ.و.ب)
بات جل الجزائريين يشتكون من تدهور القدرة الشرائية أمام مستويات التضخّم (أ.و.ب)

انتظر موظفو القطاعات الحكوميّة في الجزائر أثر زيادة الأجور، التي وعد بها رئيس البلاد عبد المجيد تبّون، والتي قالت الحكومة إنها تصل إلى 47 في المائة، وهو رقم ثمّنته القوى السياسية الموالية للرئيس، في حين كان محل تشكيك من جانب المعارضة.

وفي ظل تدهور القدرة الشرائية أمام مستويات التضخّم، الذي تقول الحكومة إن مؤشراته بدأت تتعافى، أقرّ تبّون سلسلة إجراءات لرفع أجور العمال، التي زادت 5 مرّات ما بين عامي 2020 و2024، وشملت نحو 2.8 مليون موظف. ومع نهاية العام الماضي، بلغ التضخّم أعلى مستوياته ليلامس 9.7 في المائة، مع ارتفاع قياسي في الأسعار، وهو ما ساهم في تدهور القدرة الشرائيّة للمواطنين، واضطر السلطات إلى التعامل مع الوضع لحماية الطبقة العاملة، عبر قرارات تقول الحكومة إنها تستهدف دعم الجبهة الداخليّة.

ورصدت الحكومة الجزائرية 350 مليار دينار (نحو 2.5 مليار دولار أميركي) في إطار قانون المالية (الموازنة) لتغطية الزيادة الخامسة في الأجور التي تعهد بها تبّون في عام 2024، بعدما استهلك الغلاف المالي نفسه في قانون الموازنة لعام 2023، من أجل تغطية نفقات الزيادة الرابعة.

* واقع زيادة الأجور

وتقلّل المعارضة الجزائرية من أثر زيادات الأجور التي أعلن عنها تبون وحكومته، بل وتشكك فيها أيضاً، كما تعدّها زيادات غير كافية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار، خصوصاً أسعار الغذاء.

ويرى رئيس الكتلة البرلمانيّة لحركة «مجتمع السلم» المعارضة، أحمد صادوق، أن الأجور في الجزائر «بحاجة إلى مراجعة عميقة، إذ لا توجد عدالة في التوزيع، وهناك تفاوت كبير بين القطاعات، خصوصاً المتعلقة بالمهن الشاقة، أو التي تكتسي طابعاً قيميّاً».

في ظل تدهور القدرة الشرائية أقرّ الرئيس تبّون سلسلة إجراءات لرفع أجور العمال (الرئاسة)

وقال صادوق في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «رغم الزيادات الطفيفة التي أقرّها رئيس الجمهورية، فإنّها ما زالت بعيدة عن واقع الحياة المعيشيّة للمواطن»، مضيفاً أن الموظّف الذي يتقاضى 50 ألف دينار (نحو 200 دولار أميركي) «يستحيل أن يكفيه هذا الأجر إلى نهاية الشهر، لا سيما حينما يكون فيه حصة إيجار السكن لمن لا يملك سكناً، كما هو الشأن لدى ما يسمّى بالطبقة المتوسّطة، التي تُحرَم من السكن الاجتماعي بسبب عتبة الأجور»، مشيراً إلى التضخم وغلاء المعيشة، وارتفاع الأسعار في مختلف السلع والخدمات، قائلاً إنّ هذه الزيادات في الأجور «تبقى مجرد مسكّنات ظرفيّة، سرعان ما تتلاشى مع التضخم السائد».

ومن وجهة نظر صادوق، فإن المشكلة الجوهريّة «تكمُن في التنمية وانعدام المؤسسات المنتجة للثروة، التّي تمتصّ البطالة، وتوفر السلع والخدمات لحد الكفاية وتُحقّق قيمة مضافة». وقال إن الجزائر «بحاجة إلى عدد كبير من المؤسسات كمّاً ونوعاً، إذا أرادت فعلاً المحافظة على القدرة الشرائية للمواطن. وحينها، إذا كانت هناك زيادات في الأجور، فإنها بلا شكّ ستحقّق هدفها، وتنفع المواطن بشكل مباشر».

* تشكيك في حجم الزيادة

من جهته، وصف الناشط السياسي المعارض، سيف الإسلام بن عطية، رفع الأجور بنسبة 47 في المائة بأنه «أكبر كذبة، ويكذّبه الواقع... فالزيادات لم تتعدَ 8 آلاف دينار (نحو 60 دولاراً أميركياً) على أقصى تقدير (الدولار الأميركي يُساوي 134.39 دينار جزائري)، لذلك، لا يمكن أن نعدّها قد وصلت إلى قرابة نصف الراتب»، عادّاً أن هناك «مغالطة قامت بها الحكومة، وهي جعل الزيادة 47 في المائة من الحد الأدنى للأجور، وليس من الأجر الأساسي لكل موظف».

جزائريون يقتنون ملابس تقليدية استعداداً لشهر رمضان الفضيل (أ.و.ب)

بن عطيّة، الناطق باسم «التيار الوطني الجديد»، الذي لا يزال قيد التأسيس، قال لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن «الأستاذ الجامعي الذي يبلغ راتبه 90 ألف دينار، أصبح أجره بعد الزيادة الأخيرة، التي كانت بداية من شهر يناير (كانون الثاني)، 98 ألف دينار، وهو ما يمثل قرابة 12 في المائة فقط من الأجر، وليس 47 في المائة منه».

وضرب الناشط المعارض مثالاً آخر بالمعلّمين في المدارس الابتدائيّة، قائلاً إن أقصى ما تلقّاه المعلّم من زيادة تراوح بين 6000 دينار و8000 دينار، بحسب قوله. وأضاف موضحاً: «بحكم أن الأجر الأساسي للأستاذ في الطور التعليمي الأول هو 32000 دينار، فإن الزيادة التي خُصّصت له لم تتعد 20 في المائة على أقصى تقدير».

ويبلغ الحد الأدنى المضمون للأجور في الجزائر 20 ألف دينار، في حين يختلف الأجر الأساسي من موظف إلى آخر، ومن قطاع إلى آخر.

* التزام رئاسي

في المقابل، يرى سقراش محمد النائب البرلماني عن «حركة البناء الوطني» المحسوبة على التيار الموالي للرئيس تبون، أن الزيادات في الأجور تأتي في إطار تعهدات الرئيس لتقوية الجبهة الداخلية، وجاءت نتيجة لارتفاع الأسعار.

ويعدّ دعم القدرة الشرائية للمواطن الجزائري التعهد التاسع والعشرين في قائمة التزامات تبون الانتخابية، التي ضمت 54 التزاماً.

رئيس «حركة البناء الوطني» عبد القادر بن قرينة (حساب الحزب بالإعلام الاجتماعي)

وقال سقراش في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن أجور ورواتب الموظفين في الجزائر «هي الأضعف في العالم العربي»؛ لكنّه يرى أن تبون «ورث هذه التركة وهو يتدارك تدريجياً الأمر»، مضيفاً أن «الرفع في قيمة الأجور جاء ليواكب الزيادات في الأسعار، وهو حتمية ضرورية».

ورغم أن رئيس «حركة البناء الوطني»، عبد القادر بن قرينة، نافس تبون في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، فإن حزبه يدعم كل قرارات الرئيس.

* زيادة مقبولة

تُعدّ «حركة البناء الوطني» هذه الزيادة في الأجور مقبولة، وفق سقراش «نظراً إلى التوازنات الماليّة التي تقتضي التريّث حتى لا تخلق عجزاً آخر في الميزانية». وقال بهذا الخصوص إن رئيس الجمهورية «ورغم تبعات الأزمة الصحيّة المترتبة على جائحة (كوفيد - 19)، وما ترتب عليها من أزمة اقتصادية، التزم بتمتين وتقوية الجبهة الداخلية، لذلك لا يُمكن أن نقلّل من حجم الزيادات التي نعدّها متوسطة».

ورداً على ما تقوله المعارضة بشأن أنّ الحديث عن زيادة الأجور مردّه إلى المواعيد الانتخابية، حيث إن سنة 2024 هي السنة الأخيرة لولاية الرئيس تبّون، الذي من المنتظَر أن يعلن ترشحه لولاية ثانية، قال سقراش: «لا نعتقد أن الزيادات لها علاقة بالمواعيد الانتخابية، فهي تدخل في إطار التزامات الرئيس غداة انتخابه»، مشيراً إلى أن الرئيس «وعد ووفّى لمّا تعافت المؤشرات المالية، وسجّلنا ارتفاعاً في فائض الميزان التجاري؛ ما سمح بالتنفيذ التدريجي للزيادات».

وزير التجارة وترقية الصادرات طيب زيتوني (الوزارة)

وسجّل الميزان التجاري الجزائري فائضاً قيمته 10.42 مليار دولار في الفترة بين يناير (كانون الثاني) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وفقاً لما صرّح به وزير التجارة وترقية الصادرات طيب زيتوني في البرلمان. وأوضح زيتوني في جلسة استماع أمام نواب لجنة الشؤون الاقتصادية والتنمية والصناعة والتجارة والتخطيط بالمجلس الشعبي الوطني، وهو الغرفة الثانية للبرلمان الجزائري أن قيمة الصادرات في الفترة نفسها بلغت 54.75 مليار دولار، منها 5.07 مليار دولار خارج قطاع المحروقات، في حين بلغ حجم الواردات 44.32 دولار فقط. بدوره، يرى النائب قراش توفيق، رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية والتنمية بالبرلمان، أن أوامر تبّون بشأن الأجور «تركت أثرها في المواطن».

وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «نُثمّن الزيادات، لأنّ الموظف دائماً ما ينتظر الزيادات، خاصّة في ظل تدهور القدرة الشرائية للمواطن». وتوقّع توفيق أن «الانتعاش الاقتصادي سيجعل الدولة في أريحية أكثر لاتّخاذ إجراءات أخرى لتحسين ظروف العمال والمواطنين».


مقالات ذات صلة

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

«هناك دول تحرّض على الكراهية ضد الجزائر معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
TT

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)

وافق مجلس النواب المصري، أمس (الثلاثاء)، على تعديل وزاري في حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شمل تغييراً في 13 حقيبة وزارية، مع الإبقاء على وزراء الحقائب السيادية من دون تغيير، وعودة وزارة الإعلام إلى التشكيل الحكومي.

وتضمنت رابع حركة تغيير في حكومة مدبولي، المستمر في منصبه منذ أكثر من 8 سنوات، اختيار نائب لرئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية، و4 نواب وزراء.

كما تضمن التعديل، اختيار ضياء رشوان وزيراً للدولة للإعلام، مع بقاء الدكتور بدر عبد العاطي وزيراً للخارجية، والفريق أول عبد المجيد صقر وزيراً للدفاع، واللواء محمود توفيق وزيراً للداخلية.

وقبل اعتماد حركة التعديل الوزاري، تشاور الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مدبولي بشأن «إجراء تعديل على تشكيل الحكومة الحالية»، وفق إفادة للرئاسة المصرية.

وتنص المادة 147 من الدستور على أن «لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ومن المقرر أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، اليوم (الأربعاء).


«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
TT

«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)

يخوض مجلس النواب المصري اختباراً سياسياً جديداً مرتبطاً بأحكام قضائية تتعلق بالطعن في صحة عضوية بعض النواب، كان آخرها الحكم الصادر، السبت، بإبطال عضوية نائبين؛ فيما أكد رئيس اللجنة التشريعية بالمجلس «الالتزام الكامل بتنفيذ أحكام القضاء».

وتسود المشهد البرلماني حالة ترقب بعد صدور حكم محكمة النقض الذي قضى ببطلان العملية الانتخابية في دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية، الواقعة إلى الشرق من القاهرة، مع الأمر بإعادتها من جديد.

كما قضت المحكمة ببطلان عضوية النائبين محمد شهدة وخالد مشهور، وإلغاء فوزهما تمهيداً لإعادة الانتخابات في الدائرة، وسط توقعات بإصدار أحكام أخرى محتملة بشأن دوائر أخرى.

وأوضح رئيس «اللجنة التشريعية» في مجلس النواب، المستشار محمد عيد محجوب، أن المجلس سيلتزم بتنفيذ الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح، تأكيداً على احترام الدولة لأحكام القضاء وسيادة القانون.

وأضاف محجوب لـ«الشرق الأوسط»: «مؤسسات الدولة المصرية تحترم الأحكام القضائية وتنفذها»، مستشهداً بما حدث في الانتخابات البرلمانية السابقة، ولا سيما في المرحلة الأولى، حيث أعيدت الانتخابات في الدوائر التي أُلغيت نتائجها بأحكام قضائية.

وبيّن محجوب أن الحكم الصادر «سيسلك مساره الإجرائي المعتاد، بدءاً من عرض أسباب الحكم على المكتب الفني بمحكمة النقض، ثم إحالة الملف إلى رئاسة مجلس النواب والأمانة العامة، وبعدها إلى اللجنة التشريعية»، مشدداً على أنه لا يمكن تحديد إطار زمني دقيق لانتهاء هذه الدورة الإدارية.

رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر قضائي بمحكمة النقض أن الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح يُعد باتاً ونهائياً وملزماً لكافة الجهات، ولا يجوز الطعن عليه.

وبحسب الدستور المصري، تُبطَل عضوية أعضاء مجلس النواب اعتباراً من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم ببطلانها، مع العلم أن محكمة النقض تختص بالفصل في صحة عضوية أعضاء المجلس، وتُقدم إليها الطعون خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من إعلان النتيجة النهائية للانتخابات، وتفصل في الطعن خلال 60 يوماً من تاريخ ورود الطعن إليها.

وتعليقاً على حيثيات الحكم القضائي، قال المحامي بمحكمة النقض ألبير أنسي: «الحكم لم يُبنَ على ثبوت التزوير ثبوتاً يقينياً بقدر ما جاء تعبيراً عن خلل إجرائي أصاب مسار العملية الانتخابية، وعجز عن تقديم المستندات الجوهرية اللازمة لإضفاء المشروعية الكاملة على النتيجة المعلنة».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الحكم أقرب في طبيعته إلى حكم إجرائي وقائي، وليس حكم إدانة موضوعية للعملية الانتخابية نفسها»، مرجحاً إبطال عضوية بعض النواب وإعادة الانتخابات في عدد من الدوائر، مع اختلاف الإجراءات وفق الوقائع الخاصة بكل دائرة.

وفي السياق نفسه، قال الإعلامي أحمد موسى إن مجلس النواب أمام «فرصة تاريخية لتصحيح ما شاب العملية الانتخابية»، مؤكداً في برنامجه الذي تبثه قناة محلية أن تنفيذ أحكام محكمة النقض «واجب على الجميع، بما في ذلك البرلمان، ولا يجوز تعطيلها تحت أي مبرر».

ودعا موسى «الهيئة الوطنية للانتخابات» إلى الاضطلاع بدورها، مطالباً مجلس النواب بالالتزام بتنفيذ الأحكام فور صدورها، «حفاظاً على الثقة العامة وصوناً لهيبة الدولة وسيادة القانون».

ومن المقرر أن تصدر محكمة النقض في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل حكمها النهائي بشأن الطعن المعروض على عضوية عدد من النواب المنتمين إلى قائمة حزبية في غرب الدلتا.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

لكن محللين رأوا في هذه الجولات القضائية إشارة إلى «ارتباك المشهد البرلماني المصري في ظل العدد الكبير من الطعون المنظورة»، ورأى فيها نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عماد جاد، «تقويضاً لمصداقية المجلس».

وأعاد جاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، التذكير بأصوات سياسية وحقوقية طالبت خلال الانتخابات البرلمانية الماضية بإجراء إصلاحات سياسية شاملة، لا سيما فيما يتعلق بقوانين الانتخابات، وتنظيم عمل الأحزاب، ومعايير اختيار المرشحين على القوائم الحزبية والمستقلين.

وفي الشهر الماضي، ودَّع المصريون انتخابات برلمانية ماراثونية على مراحل ممتدة، بلغت ثماني جولات خلال شهرين، بعد إلغاء نتائج عدد من الدوائر بسبب مخالفات انتخابية.

وجاء ذلك عقب صدور أحكام «المحكمة الإدارية العليا» بمجلس الدولة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ببطلان الانتخابات في نحو 30 دائرة بالمرحلة الأولى، نتيجة طعون تقدم بها مرشحون؛ كما ألغت «الهيئة الوطنية للانتخابات» نتائج 19 دائرة على خلفية المخالفات، في أعقاب تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي عن وجود مخالفات في تلك المرحلة التي انطلقت في 10 نوفمبر الماضي.


الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)

عبَّرت وسائل إعلام عبرية عن قلق إسرائيلي من التحركات العسكرية المصرية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، في حين عدَّ عسكريون سابقون بمصر أن الوجود العسكري المصري بالصومال «شرعي ويتفق مع القانون الدولي والمواثيق الدولية»، وهدفه المساعدة في تحقيق الاستقرار الأمني بالمنطقة.

وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن مصر توجه جيشها للرد على إسرائيل عبر الصومال، وأن هناك دولاً عربية تدعمها في ذلك.

ونشرت الصحيفة تقريراً تحت عنوان «صراع النفوذ يشتعل في القرن الأفريقي: مصر ترد على الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال)»، قالت فيه إن القاهرة التي تعارض هذا الاعتراف تعيد نشر قواتها في الصومال رداً على التحركات الإسرائيلية؛ وقدّرت الصحيفة وجود نحو 10 آلاف جندي مصري منتشرين هناك.

لكن رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق بالجيش المصري، لواء أركان حرب محمد الشهاوي، قال إن القوات المصرية «هي ثامن أكبر قوة ضمن قوات حفظ السلام على مستوى العالم، والقوات المصرية الموجودة في الصومال هي تحت لواء قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي وتعمل على حفظ الأمن ومقاومة الإرهاب، وتحافظ على الأمن القومي الأفريقي والأمن القومي الصومالي وأمن منطقة البحر الأحمر ضد أي أخطار».

وتابع الشهاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تدرك تماماً أن الصومال، بسبب موقعه الاستراتيجي، مطمع لكثير من الدول، وخاصة إسرائيل التي اعترفت أخيراً بإقليم (أرض الصومال) كدولة تريد فصلها عن الصومال لزعزعة أمنه وإرغامه على القبول بمخططات معينة، مثل المخطط الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر وإنشاء قوة بحرية، فضلاً عن ممارسات أخرى تقوم بها إثيوبيا بدعم إسرائيلي مثل العمل على عدم عودة الاستقرار لدولة السودان والدفع نحو استمرار الصراع فيها».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

واعترفت إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، باستقلال إقليم «أرض الصومال» الذي يطل على خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وهو إقليم سعت إثيوبيا للحصول على ميناء بحري وعسكري به مقابل الاعتراف باستقلاله.

وأكد خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، أن دور القوات المصرية في الصومال هو العمل على حفظ الأمن والاستقرار تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وقوات حفظ السلام التابعة له، «ومن ثم فوجود القوات المصرية شرعي بطلب من الاتحاد الأفريقي ومن دولة الصومال التي زار رئيسها مصر مؤخراً وأكد على هذا الأمر أمام العالم كله».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وفقاً لذلك، ليس مفهوماً أن تزعم أطراف أخرى قلقها من الوجود المصري الشرعي، بينما إسرائيل هي التي لجأت إلى خطوة غير شرعية، وضربت بالقانون الدولي عرض الحائط بسعيها لتقسيم دولة الصومال بالاعتراف (بأرض الصومال) كدولة».

واستطرد: «تحرشات إثيوبيا بالصومال وضغطها عليه لقبول بناء قاعدة عسكرية بحرية إثيوبية على أراضيه، بجانب تحركات أخرى مريبة في منطقة القرن الأفريقي عموماً تقوم بها أديس أبابا وتدعمها إسرائيل، مثل إمداد (قوات الدعم السريع) بالسودان بميليشيات وعتاد وسلاح، يأتي في سياق تحركات إسرائيلية تهدف لزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وأضاف: «مصر والاتحاد الأفريقي يتنبهان لهذه التحركات جيداً، ومن ثم فالوجود العسكري المصري هناك هو لمجابهة كل هذه التهديدات وضمن الالتزام القانوني الدولي والشرعية الدولية».

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته مصر.

وعقد الرئيسان لقاءً ثنائياً تلاه اجتماع موسع بمشاركة وفدي البلدين، شدد خلاله السيسي على موقف مصر الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفض أي إجراءات من شأنها المساس بسيادته أو تهديد استقراره.

وحذر الرئيس المصري خلال المؤتمر الصحافي من «خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول»، معتبراً أنها تشكل «انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة».

وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها إن هذه الخطوة تجيء «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وحلت بعثة الاستقرار والدعم التابعة للاتحاد الأفريقي، المعروفة باسم «أوسوم»، محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

Your Premium trial has ended