سوريا: تخفيضات ومهرجانات لتحريك الأسواق في رمضان

خبير اقتصادي يؤكد أن الطلب على كافة أنواع السلع هو الأقل منذ 50 عاماً

رغم السماح باستيرادها بكميات غير محدودة... أسعار التمور تتضاعف عن العام الماضي (صحيفة «تشرين» على فيسبوك)
رغم السماح باستيرادها بكميات غير محدودة... أسعار التمور تتضاعف عن العام الماضي (صحيفة «تشرين» على فيسبوك)
TT

سوريا: تخفيضات ومهرجانات لتحريك الأسواق في رمضان

رغم السماح باستيرادها بكميات غير محدودة... أسعار التمور تتضاعف عن العام الماضي (صحيفة «تشرين» على فيسبوك)
رغم السماح باستيرادها بكميات غير محدودة... أسعار التمور تتضاعف عن العام الماضي (صحيفة «تشرين» على فيسبوك)

تنتظر عفاف (أم خالد) شهر رمضان بلهفة كبيرة؛ لأنه «شهر الخير»، حيث تأمل بالحصول على سلة غذائية وألبسة جديدة لأحفادها التي يقدمها متبرعون أو جمعيات خيرية.

وأم خالد (65 عاماً) عاملة منزلية مقيمة تعتني برجل مسن، وتتقاضى مليون ونصف المليون ليرة سورية شهرياً، تدفع منها نصف مليون إيجار منزل، وما تبقى بالكاد يكفي لإعالة أسرة ابنها المتوفى. وتعدّ أم خالد نفسها محظوظة بعملها فهي مرتاحة جداً، وراتبها جيد جداً، قياساً بأجور هذا النوع من العمل، كما أن العائلة التي تقيم لديها «كرماء»، ومع ذلك فإن ما تحصله من دخل لا يكفي بسبب غلاء الأسعار، وتقول: «الأمر يتغير في شهر الخير، وكل عام يصلني تبرعات أغذية وملابس تجبر خاطر اليتامى».

وتسعى الحكومة إلى تحريك الأسواق خلال شهر رمضان عبر حض التجار والفعاليات الاقتصادية وزيادة التبرعات وإقامة مهرجانات للتسوق. وشهدت الفترة الأخيرة العديد من الاجتماعات تتعلق بتنشيط الأسواق وطرح سلل غذائية بأسعار مخفضة، منها اجتماع عقدته محافظة دمشق والشركة السورية للتجارة مع غرفة تجارة دمشق، التي أعلنت عن تقديم أكثر من مليار ليرة لتمويل ألفي قسيمة مشتريات بقيمة 300 ألف ليرة، بالإضافة إلى ألف سلة غذائية. كما ستقدم الشركة السورية للتجارة سلة غذائية بسعر مخفض بـ20 في المائة عن سعر السوق.

بالتوازي مع ذلك، اتخذ المصرف المركزي العديد من الإجراءات بهدف تثبيت سعر الصرف، والذي شهد خلال الأسابيع الأخيرة حالة استقرار نسبي عند وسطي 14000 ليرة مقابل الدولار الأميركي، وهو ما رده خبراء في السوق بالدرجة الأولى إلى زيادة تدفق الحوالات المالية قبل شهر رمضان، ونقل موقع «صوت العاصمة» المحلي عن مصدر عامل في إحدى شركات التحويل إفادته بأنّ «التحويلات المرسلة من المغتربين في الخارج إلى دمشق وريفها ازدادت منذ بداية الشهر الحالي مع بدء التحضير لشهر رمضان بنسبة 50 في المائة، وغالبية تلك الحوالات تأتي من العراق والإمارات والأردن وغيرها».

صاحبة دكان سمانة صغيرة في حي شعبي بالمدينة القديمة، تقول إن «الأسعار في الأسواق الخيرية تدفع إلى الجنون، فهناك تخفيضات بسعر الجملة، ومن المؤكد أني لا أستطيع البيع بها في دكاني، فأنا أتكلف بأجور نقل تأكل نصف الربح، عدا عن البيع بالدين للجيران والأصحاب، أما في مهرجانات التسوق فإن كبار التجار والشركات المنتجة تطرح الكاسد من بضاعتها، وأرباحهم لا تقاس بأرباح أصحاب المحلات الصغيرة»، مشيرة إلى تغير عادات الشراء بسبب ارتفاع الأسعار، فقد تزايد أعداد الذين يشترون بالغرام مواد مثل (سكر، زيت، شاي، بن)، حتى الشوكولاته السائلة، وكنت أبيعها بالعلبة 100 و200 غرام، أبيعها اليوم بالملعقة (20 غراماً) وكما نقول لحسة، الطلب يكون حسب قيمة الورقة المالية المتوفرة فيطلب مثلاً جبنة دهن بقيمة خمسة آلاف ليرة، أو سائل جلي بقيمة أربعة آلاف وهكذا...». وتضيف البائعة المنهكة: «في السنوات الماضية كل بضاعة دكانتي تعد أقل من مونة بيت لشهر واحد».

«السورية للتجارة» في ريف دمشق تجهز سلة غذائية لشهر رمضان (صحيفة «تشرين» على فيسبوك)

الخبير الاقتصاد عابد فضلية أكد في تصريحات لصحيفة «البعث» المحلية أن «حجم الطلب العام على كافة أنواع السلع سيكون الأقل منذ 50 عاماً»، مشيراً إلى أن حركة السوق السورية مع حلول شهر رمضان، مقارنة بالعام الماضي هي «أبطأ وأضيق، وبمستوى أقل كمية وأقل تنوّعاً وأدنى نوعية».

لا يقتصر تغير عادات الشراء على الطبقة الفقيرة والتي تكاد تشكل 90 في المائة من المجتمع السوري، بل أصبح الشراء بالحبة والغرام، وبما يكفي احتياج يوم واحد هو القاعدة العامة.

ماجد (50 عاماً) يرى نفسه من الميسورين نوعاً ما، هو شغوف بالمسليات من مكسرات وموالح يسميها «لوازم السهرة المنزلية» التي تحلو في ليالي رمضان، يقول إنها صارت مكلفة جداً، فسعر كيلو الجوز أو اللوز أكثر من 140 ألف ليرة، وكيلو المكسرات المملحة يبدأ سعرها من 250 ألف، ووسطي أسعار التمور للكيلو 70 ألفاً، أما الحلويات والشوكولاته فحدث ولا حرج. ويقول: «منذ عامين بدأت لوازم السهرة والمسليات تتقلص إلى أن تلاشت تماماً لتحل مكانها مسليات تحضر في البيت مثل البوشار والبطاطا الشيبس والعوامة». يتابع ضاحكاً: «كلما تذكرت كم كنا نستهلك من أطايب المسليات في السنوات الماضية يقشعر بدني فأقل سهرة كانت تكلفنا بالأسعار الحالية أكثر مليوني ليرة!!... في تلك السنوات كنا نظن أنفسنا مستورين فتبين أننا كنا ميلونيرية مرفهين دون أن ندري».



مجاعة جديدة تهدد غزة وسط تصعيد عسكري إسرائيلي

فلسطينيون يسيرون وسط العاصفة الرملية في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (أ.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط العاصفة الرملية في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (أ.ب)
TT

مجاعة جديدة تهدد غزة وسط تصعيد عسكري إسرائيلي

فلسطينيون يسيرون وسط العاصفة الرملية في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (أ.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط العاصفة الرملية في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (أ.ب)

يواجه سكان قطاع غزة سياسة تجويع إسرائيلية جديدة قد تعيد لهم مشاهد المجاعة التي عاشوها فترتين على الأقل خلال الحرب التي استمرت عامين، وفاقمت الظروف الإنسانية سوءاً حينها، وما زالت آثارها قائمة.

وتغلق إسرائيل معابر قطاع غزة، ومنافذه، منذ بدء الحرب على إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي، إلا أنها عادت بعد نحو 7 أيام من انطلاق حربها لفتح معبر كرم أبو سالم بشكل محدود جداً، وأبقت على باقي المعابر والمنافذ مغلقة، الأمر الذي تسبب بشح كبير في البضائع، مع استمرار القيود الكبيرة المفروضة، ومنها إدخال بضائع محددة، ومعينة كل يوم، وبما لا يزيد عن 100 شاحنة فقط، جزء منها بالأساس مساعدات إنسانية مكدسة بالجانب المصري.

فلسطينيون وسط العاصفة الرملية في مخيم للنازحين بغزة السبت (د.ب.أ)

مجاعة جديدة

ورصدت «الشرق الأوسط»، في الأيام القليلة الماضية وحتى صباح السبت، محاولات حثيثة من السكان للبحث عن توفير الطعام لعوائلهم، في ظل فقدان كبير للمجمدات، والخضار، الأمر الذي اضطرهم للعودة لاستخدام المعلبات التي كانت توزع في الفترات السابقة ضمن بعض المساعدات من المؤسسات الدولية، والعربية، وغيرها.

ويقول الغزي نادر جبر (46 عاماً) إنه تجول في سوق مخيم الشاطئ وكذلك حي الشيخ رضوان، ولم يجد ما يمكن أن يشتريه لتحضير إفطار طعام صيام يوم الجمعة، وتكرر معه الأمر صباح السبت، مشيراً إلى أن هناك شبه نفاد كامل للبضائع من الأسواق.

فلسطينيون وسط العاصفة الرملية في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (أ.ب)

وأشار جبر في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المجمدات من اللحوم والدواجن فقدت بشكل شبه كامل، فيما لا يزال هناك بعض أنواع الخضار لكن أسعارها، ارتفعت بشكل جنوني بسبب شحها، وامتناع الاحتلال الإسرائيلي عن إدخالها بعدما أدخلها مرة واحدة فقط منذ الحرب على إيران. وقال: «الاحتلال يستغل الحرب لتجويعنا مجدداً».

وتؤكد حكومة «حماس» في بيانات مستمرة لوزارة الاقتصاد وجهات حكومية أخرى أن هناك شحاً كبيراً في البضائع، وأن الاحتلال الإسرائيلي لا يسمح بإدخال البضائع بشكل كافٍ، وأنه يفرض حصاراً خانقاً على القطاع بحجة الحرب على إيران، مشيرةً إلى أنها تبذل جهوداً كبيرة لمحاولة توزيع ما يدخل من شاحنات على التجار بشكل عادل، ومحاولة ضبط الأسعار.

وتقول المواطنة ختام أبو جياب (39 عاماً) إن التجار والباعة يبيعون بأسعار تحددها وزارة اقتصاد «حماس»، عندما يحضر ممثلون عن الوزارة، وبعد خروجهم من المحال والأسواق بشكل عام، تتم إعادة رفع الأسعار بشكل جنوني، مشيرةً إلى أن ما يتوفر بالأساس من بعض الخضار بالكاد يصلح للاستخدام بسبب تخزينه بشكل سيئ بعد أن سمحت إسرائيل بدخوله.

فلسطينية تمسك بطرف الخيمة التي تؤوي عائلتها وسط العاصفة الرملية في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (رويترز)

وتضيف أبو جياب: «نحاول أن نتعايش مع ما توفر من بضائع رغم الأسعار الباهظة التي لا يتحملها غالبية السكان»، مشيرةً إلى أنها كموظفة في القطاع الخاص بالكاد تستطيع شراء كميات قليلة جداً لكي توفر قوت يوم عائلتها المكونة من 4 أفراد.

ويؤكد نشطاء ومتابعون للشأن الاقتصادي أن الوضع يزداد صعوبة في قطاع غزة، وأن الأيام الأخيرة من شهر رمضان زادت من أعباء الحياة على السكان الذين لا يعرفون كيف يتدبرون أمورهم، محذرين من مجاعة حقيقية قد تطفو على السطح مجدداً.

ولجأ البعض لاتهام وزارة الاقتصاد في «حماس» باستخدام آلية جديدة تفرض قيوداً على البضائع الشحيحة المدخلة أساساً، من خلال توجيهها وعرضها في محال ونقاط معينة مع رفع سعرها، الأمر الذي فاقم من معاناة السكان في ظل الظروف الاقتصادية المنهارة أصلاً، وهو أمر نفته الوزارة، وأكدت أنها تقوم بمحاولة ضبط الأسواق والأسعار في ظل شح البضائع.

فلسطينيون يحاولون إصلاح الخيمة التي تؤويهم وسط العاصفة الرملية في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (رويترز)

عاصفة رملية

أفادت مصادر محلية بأن الرياح القوية اقتلعت عدداً من خيام النازحين في جنوب القطاع، فيما أصيب فلسطينيان إثر سقوط نخلة على خيام للنازحين في منطقة مواصي خان يونس، نتيجة شدة الرياح المصاحبة للعاصفة.

وتضرب عاصفة رملية مصحوبة برياح شديدة، منذ صباح السبت، مختلف مناطق قطاع غزة، ما أدى إلى انعدام مدى الرؤية، وانتشار كثيف للغبار في عدة مناطق.

تصعيد ميداني

يأتي ذلك في وقت تصعد فيه إسرائيل من عملياتها ميدانياً، فقد قتلت في غضون 48 ساعة 7 فلسطينيين، منهم اثنان من عناصر وحدة «الضبط الميداني» التابعة لـ«كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، أثناء رباطهما وانتشارهما في نقاط متقدمة قرب الخط الأصفر في خان يونس جنوب قطاع غزة، وذلك فجر السبت. فيما قتلت سيدة (45 عاماً) قبيل الظهر بإطلاق نار تجاهها شرق مخيم المغازي وسط القطاع.

مشيعون يحملون جثمان قتيل سقط بهجوم إسرائيلي الليلة الماضية في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (رويترز)

ووصل مستشفى الشفاء، مساء الجمعة، جثامين 3 فلسطينيين آخرين، قتلتهم القوات الإسرائيلية بعد اقترابهم من «الخط الأصفر» في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، الأمر الذي رفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى أكثر من 659، وإصابة أكثر من 1700، بينما ارتفع العدد التراكمي منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألف قتيل.

ويتزامن قتل الفلسطينيين مع عمليات قصف جوي ومدفعي، ونسف لا يتوقف على جانبي الخط الأصفر.

«حماس» وإيران والخليج

سياسياً، أصدرت حركة «حماس» أول موقف سياسي لها بعد 15 يوماً من الحرب الإيرانية – الإسرائيلية – الأميركية، بشأن هجمات إيران على دول الخليج، بعدما كان أول بيان لها بداية الحرب أدانت فيه الهجمات التي بدأتها تل أبيب وواشنطن ضد طهران.

وجاء بيان «حماس» بعد ساعات من تغريدات لـ«أبو عبيدة» الناطق باسم «كتائب القسام»، والذي أشاد فيها بهجمات إيران من دون إدانة الاستهدافات المتكررة لدول الخليج، أو الإشارة إليها.

فلسطينيون يشيعون قتيلين سقطا بهجوم إسرائيلي خلال الليلة الماضية في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (رويترز)

وظهر بيان «حماس» على استحياء في استخدام لغة الدعوة الموجهة لإيران لوقف استهداف دول الجوار، والتأكيد من جانب آخر على حق طهران في الرد على ما تتعرض له بكل الوسائل المتاحة، وفق الأعراف والقوانين الدولية، مكررةً إدانتها للعدوان الإسرائيلي والأميركي.

وأكد البيان أن «مصلحة الأمة الإسلامية والمنطقة وقف هذه الحرب»، داعياً جميع الدول والمنظمات الدولية للعمل على وقفها فوراً، مثمناً «كل الجهود التي بذلتها الدول المختلفة لمنع اندلاعها، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية»، ودعت «حماس» كل دول المنطقة للتعاون لوقف هذا العدوان، والحفاظ على أواصر الأخوة فيما بينها. وفق نص بيانها.

ونشرت وسائل إعلام إيرانية وأخرى تتبع «حماس» برقية تهنئة أرسلها رئيس المجلس القيادي للحركة، محمد درويش، يهنئ فيها مجتبى خامنئي باختياره مرشداً أعلى للبلاد.


إسرائيل تخوض حرباً أمنية موازية في كل مناطق لبنان

صورة عملاقة تجمع صورتين لزعيمي «حزب الله» السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين قرب مبنى تعرض لغارات إسرائيلية في منطقة برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
صورة عملاقة تجمع صورتين لزعيمي «حزب الله» السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين قرب مبنى تعرض لغارات إسرائيلية في منطقة برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تخوض حرباً أمنية موازية في كل مناطق لبنان

صورة عملاقة تجمع صورتين لزعيمي «حزب الله» السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين قرب مبنى تعرض لغارات إسرائيلية في منطقة برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
صورة عملاقة تجمع صورتين لزعيمي «حزب الله» السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين قرب مبنى تعرض لغارات إسرائيلية في منطقة برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

يترافق التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان مع مسار آخر أقل ظهوراً لكنه لا يقل تأثيراً، يتمثل في سلسلة استهدافات دقيقة داخل المدن والمناطق السكنية منذ اندلاع الحرب الأخيرة. وتُشير طبيعة الضربات التي طالت بيروت وجبل لبنان وصيدا إلى ما يُشبه حرباً أمنية واستخباراتية موازية تعتمد الضربات المحددة من دون إنذارات مسبقة أو تبنٍّ مباشر.

وتعمل الأجهزة الأمنية اللبنانية على تفكيك خيوط هذه العمليات التي استهدفت شققاً سكنية أو سيارات أو شخصيات محددة، في نمط يتكرر منذ بداية الحرب، ما يعكس، وفق تقديرات أمنية، انتقال جزء من المواجهة إلى عمليات تعقب استخباري وضربات عالية الدقة داخل العمق اللبناني.

استهدافات في العمق اللبناني

وسجّلت الأيام الأخيرة سلسلة عمليات وقعت بعيداً عن خطوط الجبهة المباشرة. وفي تطور لافت، توسعت دائرة الضربات لتصل إلى منطقة النبعة في برج حمود، في المتن الشمالي. ولليوم الثاني على التوالي، شنّ الطيران الإسرائيلي غارة على شقة سكنية في النبعة، وأفادت المعلومات بأن الشقة المستهدفة تقع في الطوابق السفلية من المبنى الذي استُهدف فجر الجمعة. وأفادت وسائل إعلام محلية بأن المستهدف هو علي عمر، سوري الجنسية ومقيم في لبنان بصورة شرعية.

النيران تتصاعد من شقة سكنية استهدفتها غارة إسرائيلية في مدينة صيدا بجنوب لبنان (أ.ب)

صيدا... استهداف شقة عائلية

وفي الجنوب، توسعت الضربات خارج الجبهة الحدودية، إذ استهدفت غارة إسرائيلية شقة سكنية في منطقة حارة صيدا، ما أدّى إلى مقتل 4 أشخاص من عائلة الترياقي وفق حصيلة غير نهائية. وفي سياق الاستهدافات أيضاً، استهدفت غارة جوية سيارة في منطقة الجناح (ساحل بيروت) أدت إلى مقتل مواطن.

حرب أمنية مفتوحة

ويرى مصدر نيابي متابع للملف الأمني أن العمليات الإسرائيلية الأخيرة تعكس تحولاً في نمط المواجهة. وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»: إن «إسرائيل تعتمد حرباً أمنية مفتوحة تقوم على الاغتيالات والاستهدافات الدقيقة»، معتبراً أن «النمط الذي نشهده اليوم يقوم أساساً على العمل الاستخباراتي والضربات المركّزة، سواء عبر استهداف سيارات أو شقق سكنية، وهو ما يندرج في إطار عمليات تصفية تستهدف قيادات أو كوادر مرتبطة بفصائل مسلحة».

ورأى أن «الهدف من هذه الاستراتيجية هو ضرب البنية القيادية واللوجيستية للفصائل عبر سلسلة اغتيالات واستهدافات متتالية». ورجّح أن تستمر هذه الضربات في المرحلة المقبلة ضمن ما وصفه بـ«الحرب الأمنية المفتوحة؛ حيث ستبقى الاستهدافات الدقيقة والاغتيالات الأداة الرئيسية في إدارة هذا النوع من المواجهة».

حرب استخباراتية وتقنية

ويرى خبراء عسكريون أن هذا النمط من الضربات يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى استخباري وتقني متقدم. وقال العميد المتقاعد، ناجي ملاعب، لـ«الشرق الأوسط»، إن إسرائيل: «تخوض حرباً استخباراتية موازية في لبنان، مستفيدة من تغيّر المعطيات في سوريا». واعتبر أن العمليات الإسرائيلية في لبنان لا تقتصر على العمل العسكري المباشر، بل تقوم أساساً على حرب استخباراتية وتقنية موازية تسمح بتحديد الأهداف بدقة عالية، مشيراً إلى أن هذا الواقع كشف عن حجم الاختراق المعلوماتي الذي يواجهه «حزب الله».

وأضاف: «الحزب أصبح مكشوفاً أمنياً إلى حد كبير، وغياب التنسيق المنظم مع أجهزة الدولة جعله أكثر عرضة للاختراق».

وربط ناجي ملاعب هذا الانكشاف أيضاً بمشاركة الحزب في الحرب السورية، قائلاً إن «قتاله في سوريا أسهم في كشف الكثير من معطياته. ومع تغيّر الحكم في دمشق أصبحت كمية كبيرة من البيانات التي كانت لدى النظام السابق في متناول السلطة الجديدة، ما أتاح تعاوناً استخباراتياً ضمن تحالفات جديدة».

ولفت إلى أن هذا التطور «مكّن الولايات المتحدة من الحصول على كم هائل من المعلومات المرتبطة بعناصر الحزب وقياداته وشبكات التهريب ومواقع السلاح».

آثار غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في منطقة برج حمود على ساحل جبل لبنان الشمالي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن إسرائيل تستفيد من هذه المعطيات، إلى جانب ما تجمعه بنفسها عبر وسائل تقنية متطورة، موضحاً أن «الحرب الاستخباراتية اليوم تعتمد على أدوات رقمية ضخمة، من بينها تحليل بيانات الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي، وتقنيات التعرف على الوجوه».

وتحدّث ناجي ملاعب عن تطور تقنيات التجسس السيبراني، مذكّراً ببرنامج «بيغاسوس» الإسرائيلي الذي كشف عام 2016، وقال إنه «كان قادراً على اختراق الهواتف الذكية عبر رسالة بسيطة، ما يسمح بالتجسس على الهاتف حتى من دون أن يرد المستخدم على الرسالة».

وأوضح أن إسرائيل تعتمد أيضاً على تقنيات التعرف على الوجوه وتحليل البيانات البيومترية، مشيراً إلى أن هذه التكنولوجيا استُخدمت في غزة؛ حيث «جرى إخضاع الخارجين من أحد المستشفيات لفحص عبر كاميرات متصلة بقاعدة بيانات تُحدد ما إذا كان الشخص مرتبطاً بفصيل مسلح أم لا».

ورأى ناجي ملاعب أن هذه الأدوات تُستخدم اليوم في لبنان أيضاً، سواء عبر تحليل الاتصالات أو المراقبة الجوية المتواصلة، قائلاً إن «المسيّرات تتابع الحركة على الأرض بشكل دائم، بما في ذلك مراقبة من يحضر تشييعاً أو اجتماعاً، ثم تتبع مسار الأشخاص والسيارات التي يستخدمونها لمعرفة أماكن توجههم».

ورأى أن هذا النمط من العمل الاستخباراتي «يسمح ببناء صورة معلوماتية دقيقة من دون الحاجة إلى انتشار واسع للعملاء أو العناصر البشرية على الأرض»، موضحاً أن «التقنيات الحديثة باتت قادرة على تحديد الهدف ثم توجيه الضربة مباشرة عبر مسيّرة أو صاروخ موجه».

وأشار إلى أن دقة الاستهداف الإسرائيلي لبعض الشقق السكنية أو المواقع المحددة تعكس هذا النمط من العمل، إذ «تكون لدى الجهة المنفذة معلومة مسبقة بوجود شخص مطلوب في موقع معين، فتُستهدف الشقة أو الطابق المحدد. وإذا لم يتحقق الهدف في الضربة الأولى، تعود المراقبة لتحديد حركة الأشخاص الذين يتفقدون المكان، وقد يجري استهدافهم لاحقاً». وأكّد أن ما يجري «ليس مجرد عمليات عسكرية تقليدية، بل حرب أمنية وتقنية موازية للحرب الميدانية».


سوريا تعلن ضبط أسلحة كانت معدة للتهريب عبر الحدود اللبنانية

صورة نشرتها السلطات السورية لأسلحة قالت إنها كانت معدة للتهريب عبر الحدود مع لبنان (مديرية إعلام ريف دمشق)
صورة نشرتها السلطات السورية لأسلحة قالت إنها كانت معدة للتهريب عبر الحدود مع لبنان (مديرية إعلام ريف دمشق)
TT

سوريا تعلن ضبط أسلحة كانت معدة للتهريب عبر الحدود اللبنانية

صورة نشرتها السلطات السورية لأسلحة قالت إنها كانت معدة للتهريب عبر الحدود مع لبنان (مديرية إعلام ريف دمشق)
صورة نشرتها السلطات السورية لأسلحة قالت إنها كانت معدة للتهريب عبر الحدود مع لبنان (مديرية إعلام ريف دمشق)

أعلنت مديرية إعلام ريف دمشق ضبط شحنة أسلحة كانت معدة للتهريب عبر الحدود السورية - اللبنانية، دون تقديم أي تفاصيل.

وأوضحت مديرية الأمن الداخلي أن «شحنة أسلحة كانت معدّة للتهريب عبر الحدود السورية اللبنانية» ضُبطت في منطقة النبك بالقلمون في ريف دمشق. وقالت مديرية إعلام ريف دمشق إن العملية جاءت ضمن إجراءات مكافحة الجرائم المنظمة وضبط عمليات التهريب.

وجاءت العملية بينما تسود أجواء من القلق والتوتر على الحدودية السورية - اللبنانية بعد تعزيز الجيش السوري انتشاره على الحدود مع لبنان (وكذلك مع العراق)، لضبط الأمن ومنع تهريب الأسلحة والمخدرات.

وقالت مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط» إن دمشق تدرس جميع الخيارات لمعالجة التوتر مع «حزب الله» في المناطق الحدودية. وأضافت أن دمشق لا ترغب بأي تدخل إلا إذا «كانت تكلفة عدم التدخل أكبر من تكلفة التدخل»، مع تأكيدها دعم دمشق لأمن واستقرار لبنان وسلطة الدولة اللبنانية. كما لفتت المصادر إلى أن الموقف السوري واضح حيال التصعيد الحاصل من حيث الاصطفاف إلى جانب الدول العربية الشقيقة والإقليمية الداعمة.

وفي هذا الإطار، نفى المتحدث باسم وزارة الدفاع السورية حسن عبد الغني ما يشاع عن عزم سوريا للتدخل في لبنان، وأكّد في مقابلة مع قناة تلفزيونية لبنانية أن الحشد العسكري عند الحدود اللبنانية هو إجراء احترازي دفاعي وليس تدبيراً هجومياً.

ومنذ بدء التصعيد الإقليمي والدولي واستهداف إسرائيل لـ«حزب الله» في لبنان، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع موقف سوريا الداعم لاستقرار لبنان وسلامته ودعمه مساعي الحكومة اللبنانية لاستعادة السيادة وتعزيز الأمن ونزع سلاح «حزب الله». وفي المكالمة الهاتفية الثلاثية التي جرت في الحادي عشر من الشهر الحالي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني جوزيف عون، أكد الرئيس السوري أهمية فتح صفحة جديدة في العلاقات بين سوريا ولبنان، تقوم على التعاون والتنسيق بين البلدين بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين، وفق ما ذكرت «سانا».

يُشار إلى أن إسرائيل دمرت بشكل واسع مواقع ومخازن سلاح «حزب الله» في سوريا قبل الإطاحة بنظام بشار الأسد عام 2024، بما في ذلك المخازن الواقعة في المناطق الحدودية مع لبنان في ريفي حمص ودمشق. إلا أن مصادر محلية تحدثت عن أسلحة سُرقت من ثكنات النظام السابق ومخازن الميليشيات التابعة له إثر انهيار حكم الأسد، مشيرة إلى أنه في الوقت الذي تواصل فيه السلطات السورية حملاتها لسحب السلاح وحصره بيد الدولة ما زالت هناك عصابات ومجموعات مسلحة تعمل على إعادة تدوير مخلّفات الحرب المتروكة في ثكنات عسكرية مهجورة. وكشف عن هذا الأمر تكرار حوادث انفجار صواريخ أثناء تفكيكها. فمطلع الشهر الحالي، قال مصدر أمني إن صاروخاً من مخلفات النظام السابق، انفجر في ورشة حدادة بالمنطقة الصناعية بمدينة السويداء أثناء تفكيكه، ما أدى إلى مقتل 5 أشخاص وإصابة 3 آخرين.

وتشكل مخلفات الحرب، لا سيما الموجودة في النقاط والثكنات العسكرية المهجورة، خطراً مباشراً على المدنيين، ليس فقط لجهة الاستيلاء عليها وإعادة تدويرها، وإنما أيضاً من جانب إهمالها إلى حد يهدد حياة المدنيين. ويوم الجمعة، وقع انفجاران كبيران منفصلان في حمص وحلب. ففي مدينة حمص أصيب أكثر من 31 مدنياً جراء انفجار صاروخ من المخلفات الحربية داخل ثكنة عسكرية مهجورة في حي العباسية السكني. وفي حلب قُتل ثلاثة مدنيين، بينهم طفلان، وأصيب ثمانية آخرون، جراء انفجار ناجم عن مخلفات حرب داخل منزل سكني في مدينة الأتارب بريف حلب الغربي.