جبهة جنوب لبنان مفتوحة على كل الاحتمالات... والعين على هدنة غزة

مع تزايد القلق الداخلي أمنياً وسياسياً واقتصادياً

هوكستين  يتباحث ورئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي (الشرق الأوسط)
هوكستين يتباحث ورئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي (الشرق الأوسط)
TT

جبهة جنوب لبنان مفتوحة على كل الاحتمالات... والعين على هدنة غزة

هوكستين  يتباحث ورئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي (الشرق الأوسط)
هوكستين يتباحث ورئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي (الشرق الأوسط)

بعد ستة أشهر على المواجهات العسكرية بين «حزب الله» وإسرائيل لا تزال جبهة جنوب لبنان مفتوحة على كل الاحتمالات مع تصاعد العمليات العسكرية ورفع سقف التهديدات من قِبل الطرفين. وبالتوازي، تتجه الأنظار إلى ما ستفضي إليه المفاوضات الجارية حول هدنة غزة كي يُبنى على الشيء مقتضاه، مع أنه ليس ثمة ضمانات بانسحاب التهدئة في غزة - إذا ما تحققت - إلى لبنان. والحال، أنه على الرغم ربط «حزب الله» التفاوض ووقف العمليات بوقف إطلاق النار في غزة، فإن إسرائيل لا تزال ترفض - عبر مواقف مسؤوليها - هذا الأمر، فارضة شروطاً لا يزال «حزب الله» ولبنان الرسمي يرفضانها؛ ما يعني بقاء احتمال توسّع الحرب موجوداً مع تفاوت في التقديرات.

تحت شعار «مساندة غزة» أطلق «حزب الله» نيرانه الأولى من جبهة جنوب لبنان، يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 باتجاه إسرائيل، بعد إطلاق عملية «طوفان الأقصى». وحصل ذلك عبر تنفيذ مجموعات «الشهيد القائد الحاج عماد مغنية» هجوماً على ثلاثة مواقع إسرائيلية في منطقة مزارع شبعا، «على طريق تحرير ما تبقى من أرضنا اللبنانية المحتلة وتضامناً مع المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني...»، بحسب ما أعلن في بيان له.

يومذاك، أعلن «حزب الله» أنه على اتصال مباشر مع قيادة حركة «حماس» في الداخل والخارج. وقال مسؤول الإعلام في لجان المقاومة في فلسطين «أبو مجاهد» إن «مؤازرة (حزب الله) منسّقة مع المقاومة الفلسطينية ورسالة للعدو»، قبل أن يعود أمين عام الحزب حسن نصر الله لينفي علمه بالعملية، وينفي أيضاً مسؤولية إيران عنها، قائلاً: «عدم علم أحد بمعركة (طوفان الأقصى) يثبت أنها فلسطينية بالكامل».

غير أن هذه المساندة تحوّلت مواجهات مفتوحة بين الحزب وإسرائيل، التي لم تكتفِ باستهداف مراكز عسكرية للحزب، بل اعتمدت سياسة الاغتيالات. ومن ثم، وسّعت نطاق القصف الجغرافي داخل العمق اللبناني كاسرة قواعد الاشتباك مرات عدة. وهي أيضاً اعتمدت توسيع إطار «حرب الاغتيالات» التي تجاوزت خطوط المناطق الحدودية والجنوبية، بحيث وصلت إلى قلب الضاحية الجنوبية لبيروت. وفي الضاحية نفذت إسرائيل عملية اغتيال نائب رئيس حركة «حماس» صالح العاروري وستة آخرين بواسطة صواريخ موّجهة أطلقتها طائرة حربية إسرائيلية.

الشيخ نعيم قاسم (رويترز)

توسّع عمليات الاستهداف

وعادت آلة الحرب الإسرائيلية، لاحقاً، لتغتال عدداً من القياديين عبر استهدافهم في سياراتهم أو منازلهم. ولقد نفّذت إحدى العمليات في منطقة جدرا، التابعة لقضاء الشوف بجبل لبنان شمال شرقي مدينة صيدا، على الطريق التي تربط بيروت بالجنوب، على مسافة نحو 60 كيلومتراً عن الحدود، حيث استهدفت قيادياً في حركة «حماس». وأيضاً، قصفت بعلبك إلى الشمال من محافظة البقاع في أول عملية تستهدف العمق اللبناني بهذا الحجم منذ «حرب تموز/يوليو» 2006، بالإضافة إلى استهداف مدينة النبطية وبلدة كفررمّان، المجاورة لها، في عمليات وُصفت بالنوعية طالت مسؤولين في الحزب داخل شقق سكنية.

لقد تركّز هذا القصف على بنى تحتية لـ«حزب الله» في محاولات يبدو أن الغاية منها لقطع خطوط الإمداد، ومنها مخازن أسلحة ومراكز عسكرية، وهو ما أعلنته مرات عدة إسرائيل. ولكن كذلك، طال القصف الكنائس والجوامع والمدارس والمراكز الصحية بما يخالف القوانين والأعراف الدولية.

... وأسلحة جديدة

عسكرياً، كشف «حزب الله» الذي نفّذ أكثر من ألف عملية خلال خمسة أشهر، من جهته، عن أسلحة جديدة للمرة الأولى، أبرزها صواريخ «بركان» ومنصة الصواريخ «ثأر الله» و«فيلق»، قبل أن يسجل تطوراً جديداً نهاية الشهر الماضي، تمثل في استخدامه منظومة دفاع جوّي متطوّرة أدت إلى إسقاط مسيّرة إسرائيلية كبيرة من نوع «هرمس 450» بصاروخ أرض - جو فوق منطقة إقليم التفاح بشمال جنوب لبنان، وهذا بعدما سبق له أن أسقط مسيّرات صغيرة عبر استخدام تقنيات الحرب الإلكترونية. وللعلم، المسيّرة «هرمس 450» هي الثالثة من حيث الحجم التي تمتلكها إسرائيل بعد «هرمس 900» (الثانية)، في حين تعد طائرة «إيتان» أو «هيرون تي» الأخطر والأكبر من حيث الحجم، وينفذ بواسطتها معظم عمليات الاغتيال الإسرائيلية في لبنان. وفي حينه، ردّت إسرائيل بقصف ما ادعت أنها مستودعات أسلحة في بعلبك.

استمرار التصعيد... مقدمة لحرب واسعة؟

التصعيد المستمر بين «حزب الله» وإسرائيل يضع المواجهات بينهما أمام كل الاحتمالات، لا سيما مع التهديدات المستمرة من قِبل إسرائيل. وهذا ما عبّر عنه أخيراً وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، بعد لقائه قبل أيام المبعوث الأميركي آموس هوكستين؛ إذ قال: «التوتر المستمر مع (حزب الله) على الحدود اللبنانية يقرّب الوضع من التصعيد العسكري». ولكن في المقابل، يعتبر «حزب الله» على لسان نائب أمينه العام نعيم قاسم «أنه بنسبة 90 في المائة لن تكون هناك حرب واسعة في لبنان»، وإن كان يؤكد في الوقت عينه استعداد الحزب لها «في ما لو حصلت غداً!»، ولقد جدّد قاسم أخيراً القول: «نحن في موقع دفاعي وليس في موقع هجومي... جبهة دفاعية ومحدودة ونقوم بالتضحيات من أجل عدم جر لبنان إلى حرب»، مجدداً القول: «موقفنا واضح... فما دامت الحرب موجودة على غزة فهذا يعني أن جبهة لبنان متأثرة بها، وعندما تتوقف في غزة تتوقف في لبنان».

وبينما يرفض الجانب الإسرائيلي ربط أي هدنة قد تتحقق في غزة بوضع جبهة الجنوب، على عكس ما يعلنه «حزب الله»، أبدى مسؤولون أميركيون خشيتهم من تنفيذ إسرائيل توغّلاً برّياً في لبنان خلال أشهر. فقد نقلت شبكة الـ«سي إن إن» الأسبوع الماضي، عن مسؤولين أميركيين كبار قولهم إن هناك قلقاً داخل الإدارة الأميركية من أن تكون إسرائيل تخطط لتوغّل برّي في لبنان يمكن حدوثه في غضون أشهر إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في إبعاد جماعة «حزب الله» اللبنانية عن الحدود مع إسرائيل.

مع هذا، ورغم إمكانية توسع الحرب، يستبعد اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، احتمال التوغّل البري الإسرائيلي في جنوب لبنان لأسباب عدة. وهو يرى أنه، في حال حدث، سيكون مقتصراً على القرى الأمامية القريبة من الحدود بنحو 5 إلى 6 كيلومترات تحت دعم النيران المباشر للقوى المهاجمة، ولكن ليس أبعد من ذلك.

شحيتلي وصف ما يحصل اليوم بالحرب التحضيرية، وأوضح «إسرائيل تريد الحرب على الجبهة الشمالية... إنما لم يتكوّن لديها الإمكانيات والمعطيات الكافية حتى الآن لخوضها، وهذا في وقت لم تتغير فيه المعادلة القتالية لدى (حزب الله) الذي خسر حتى الآن نحو 250 مقاتلاً في ما كان نصر الله أعلن أن لديه مئة ألف مقاتل».

في الوقت عينه، يعتقد الدكتور سامي نادر، مدير «معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية» بأن احتمالات استمرار الحرب لا تزال مرتفعة. وفي لقاء مع «الشرق الأوسط» أشار نادر إلى أن «إسرائيل ستتفرّغ أكثر للجبهة الشمالية في حال التوصل إلى هدنة في غزة». واعتبر أن الأمور «مرتبطة بموازين القوى التي لم تتبدَّل حتى الساعة، والتي لا تسمح بإقفال الجبهة وتطبيق القرار 1701، كما أن إسرائيل لم تحقق أهدافها لغاية الآن، إلا إذا حصلت عملية عسكرية مفاجئة وتغيّرت الموازين لصالح أحد الطرفين».

ومن جهته، يتكلّم العميد المتقاعد خليل الحلو عن «حرب استنزاف يتعرّض لها (حزب الله) في الجنوب من قِبَل الإسرائيلي الذي يملك زمام المبادرة في الجنوب، ويقصف بشكل ممنهج وتدميري، وليس فقط رداً على الصواريخ التي يطلقها (حزب الله)». ثم يذكّر الحلو بالموقف الإسرائيلي الرافض ربط جبهتَي الجنوب وغزة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مسار المفاوضات والتصعيد العسكري في غزة والتهديد بتنفيذ عملية في رفح لا يعكس أن هناك اتجاهاً للتهدئة».

مفاوضات التهدئة...العين على هدنة غزةفي أي حال، منذ اليوم الأول لاشتعال جبهة جنوب لبنان بدأت تنشط الجهود السياسية على خط التهدئة والسعي لمنع توسّع الحرب التي قد تخلّف تداعيات كارثية على لبنان الذي يعاني أصلاً أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة. ولقد سجلت في هذا الإطار زيارات لوفود أجنبية ودبلوماسيين تحت العناوين نفسها، وتحوّل المسؤولون في لبنان إلى «سعاة بريد» بين هؤلاء و«حزب الله» الذي يملك القرار بشأن الحرب، وهو ما لاقى بدوره رفضاً من قبل بعض الأفرقاء.

وبينما يؤكد المسؤولون اللبنانيون على ضرورة تطبيق القرار 1701 من قبل جميع الأطراف ووقف الانتهاكات الإسرائيلية، تطالب إسرائيل بإخلاء المنطقة الحدودية من مقاتلي «حزب الله» وتراجع مقاتليه إلى مسافات تتراوح بين 7 و10 كيلومترات، وهو ما رفضه «حزب الله» ولبنان.

وفي سياق موازٍ، زار خلال الأشهر الخمسة المبعوث الأميركي آموس هوكستين بيروت ثلاث مرات كان آخرها بداية هذا الأسبوع، حين أطلق «رسالة تهديد» إلى المسؤولين اللبنانيين بأن «الهدنة في غزة لن تمتد بالضرورة تلقائياً إلى لبنان... والتصعيد أمر خطير ولا شيء اسمه حرب محدودة». وبعد مغادرة هوكستين بيروت، قال رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، إن الأخير قدّم مقترحاً بالتهدئة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وهو ما يتولى درسه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، على أن تبدأ مباحثات غير مباشرة لوقف الأعمال القتالية على حدود لبنان مع إسرائيل خلال شهر رمضان المبارك الأسبوع المقبل، لكن نائب أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم كان حاسماً في موقفه حول مساعي هوكستين بالقول: «لا أجوبة لدينا قبل وقف إطلاق النار في غزة... وهوكستين يستطيع أن يقول ما يشاء ولن نقبل بأن يفرض علينا الإسرائيلي شروطه».

للعلم، طرح هوكستين، الذي لا يختلف كثيراً عما عُرف بـ«الورقة الفرنسية» للحل، يتضمن انتشار الجيش اللبناني في منطقة عمل قوات «اليونيفيل» وإخلاء المنطقة من المظاهر المسلحة والمراكز العسكرية، أي إبعاد عناصر «حزب الله» عن الحدود. ويتضح من كل الطروحات، أنها لا تشمل حسم الأمر بالنسبة إلى المناطق المحتلة من إسرائيل في جنوب لبنان، وبالذات القسم الشمالي من بلدة الغجر ومزارع شبعا وتلال كفر شوبا، بل التركيز على تكريس الهدوء على جبهتي الحدود.

رفض الانزلاق للحرب ... واستثمارها سياسياً

على صعيد آخر، منذ الأيام الأولى لبدء المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» في جنوب لبنان ارتفعت أصوات معارضة رفضاً لزج لبنان بالحرب وتفرّد الحزب بقرار السلم والحرب. ثم تزايدت التحذيرات من «استثمار» الحرب في الداخل اللبناني للحصول على مكاسب سياسية في المرحلة المقبلة، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية والفراغ المستمر منذ سنة ونصف السنة والحكومة المقبلة واستحقاقات سياسية واقتصادية، وذلك في ظل تمسّك كل فريق بموقفه، ورفض «حزب الله» وحلفاؤه التخلي عن مرشحهم رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية.

إذ قال رئيس حزب «القوات» اللبنانية سمير جعجع: «في المفاوضات الجارية بين محور الممانعة والموفدين الغربيين، وخاصة الأميركييّن، حول إعادة انتشار (حزب الله) في الجنوب وأمور أخرى، فإنّ محور الممانعة ينهي حديثه بالقول: هذه الأمور لكي تتمّ تحتاج إلى وضع داخلي يتّصل بملفّ رئاسة الجمهوريّة والحكومة... الأمر الذي يُفهَمُ منه أنّ هذا المحور يضع رئاسة الجمهورية والحكومة المقبلة في إطار المفاوضات الجارية حول وضعه في الجنوب. ولكن رئاسة الجمهوريّة ليست بدلاً عن ضائع، ولن تكون جائزة ترضية لمحور المقاومة، ولن تكون أمراً ملحقاً لأيّ صفقة لا من قريب ولا من بعيد».

وفي الإطار نفسه، حذّر رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» النائب سامي الجميل من غياب لبنان الرسمي عن الاتصالات والمفاوضات التي تحصل للوصول إلى حل بين «حزب الله» وإسرائيل، مؤكداً أن «الأولوية تبقى ألا تحصل أي تسوية على حساب سيادة الدولة...». ولم يكن موقف «التيار الوطني الحر» - الحليف السابق لـ«حزب الله» - مختلفاً عن معارضيه المسيحيين، وهو ما كرّس التباعد أكثر بينهما. إذ قال رئيس «التيار» جبران باسيل: «نحن مع (حزب الله) لحماية لبنان، أما تحرير القدس فمن مسؤولية الفلسطينيين». وكان لافتاً أيضاً موقف الرئيس اللبناني السابق ميشال عون منتقداً فتح جبهة الجنوب ضد إسرائيل تضامناً مع غزة. وحذّر عون أيضاً من صفقة رئاسية قائلاً: «ترجمة تطورات غزة والجنوب بصفقة رئاسية أمر غير جائز سيادياً، وإلا تكن تضحيات الشهداء ذهبت سدى، وتكون أكبر خسارة للبنان».

مع هذا، في هذا الإطار، يعتبر المحلل السياسي علي الأمين في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «حزب الله» سيستثمر الحرب في الداخل اللبناني وبشكل أساسي في الانتخابات الرئاسية. ويتابع: «لا شكّ أن الحزب الذي يمسك بالسلطة سيقلب المعادلات وسيقول إنه انتصر حتى لو كان مهزوماً، وسيحاول بذلك أن يحصل على المكاسب السياسية والدليل أن الحرب تستثمر اليوم لمنع إجراء الانتخابات الرئاسية».

خسائر الحرب... بشرية واقتصادية

> شملت خسائر الحرب، لبنانياً، خلال خمسة أشهر خسائر بشرية واقتصادية وزراعية وسياحية وغيرها؛ ما سينعكس سلباً على قطاعات أخرى في المرحلة المقبلة. إذ أسفرت المواجهات عن مقتل 302 شخص على الأقل في لبنان، غالبيتهم من مقاتلي «حزب الله» و51 مدنياً بينهم ثلاثة صحافيين، وفق حصيلة جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، بينما أحصى الجيش الإسرائيلي مقتل عشرة جنود وسبعة مدنيين. وتعرّض الاقتصاد اللبناني لخسائر تقدر بين 7 و10 مليارات دولار، وفق ما أعلن وزير الاقتصاد أمين سلام. وقدّرت الخسائر التي أصابت القطاع الزراعي بـ2.5 مليار دولار أميركي، وأعلن وزير الزراعة عباس الحاج حسن، القضاء على عشرات الآلاف من الدونمات الزراعية نتيجة القصف الإسرائيلي بالفوسفور الأبيض، إضافة إلى نحو 5 آلاف شجرة زيتون، وإن كان المسح الميداني الدقيق لا يزال صعباً مع استمرار القصف، وفق الحاج حسن. وإضافة إلى نزوح أكثر من 90 ألف شخص من بلدات الجنوب، سجّل تدمير حتى الآن نحو ألف منزل، وفق ما أعلن وزير الداخلية بسام مولوي، وتضرّر نحو خمسة آلاف منزل. وبحسب تقرير أولي لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، سجل خسائر كبيرة في الماشية والدواجن وتربية الأحياء المائية، وأدى القصف بقذائف الفوسفور إلى زيادة تلوث المحاصيل ومصادر المياه؛ مما يشكّل تهديداً للماشية وصحة الإنسان، كما عانت محاصيل رئيسية مثل الزيتون والخروب والحبوب والمحاصيل الشتوية كثيراً، كما أدى العنف إلى تقييد وصول الصيادين المحليين إلى مناطق الصيد. وتضرّرت القطاعات الاقتصادية الرئيسية، كالسياحة والخدمات والزراعة، أكثر من غيرها، وهي التي توفّر فرص العمل والدخل لنسبة كبيرة من سكان لبنان، كما أن احتمال انكماش الاقتصاد بات مرتفعاً، بحسب التقرير نفسه. ولم يسلم أيضاً القطاع الطبي من الحرب؛ إذ استهدفت إسرائيل مراكز صحية مرات عدة، وقُتل سبعة عمال إنقاذ ومسعفين جراء القصف الإسرائيلي، بحسب وزارة الصحة اللبنانية. وحذّر فابريتسيو كاربوني، المدير الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط، من أن تصعيد القتال على الحدود الجنوبية للبنان سيفاقم معاناة المستشفيات التي تعاني أصلاً نقص النقود في البلد الذي يمر بأزمة مالية. أما مدير مستشفى مرجعيون، فذكر أن في المستشفى 14 سرير طوارئ، وهو يعاني لمواصلة العمل بسبب نقص الموظفين ونقص الوقود الضروري. ويعمل المستشفى بمولدات الكهرباء الخاصة به 20 ساعة يومياً وينفق 20 ألف دولار شهرياً على الوقود.


مقالات ذات صلة

الكويت: وفاة طفلة بشظايا على منطقة سكنية

الخليج مبنى وزارة الصحة الكويتية (كونا)

الكويت: وفاة طفلة بشظايا على منطقة سكنية

أعلنت وزارة الصحة الكويتية، فجر الأربعاء، وفاة طفلة مقيمة في البلاد متأثرة بإصابتها جراء سقوط شظايا على منطقة سكنية بمحافظة العاصمة.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد خلال فعالية في أنقرة الثلاثاء استمرار تركيا في بذل جهودها لإعادة الاستقرار بالمنطقة (الرئاسة التركية)

تركيا: تصعيد الصراع بين أميركا وإسرائيل وإيران السيناريو الأخطر للمنطقة

حذرت تركيا من خطر تصعيد الصراع بين أميركا وإسرائيل وإيران على إيران وتأثيره في استقرار المنطقة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد حقل نفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

مسؤولان: العراق سيضطر لخفض إنتاجه بأكثر من 3 ملايين برميل يومياً خلال أيام

قال مسؤولان عراقيان، الثلاثاء، إن العراق سيضطر لخفض إنتاجه بأكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً، خلال أيام، إذا لم تتمكن ناقلات النفط من الإبحار عبر مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد عامل يسير داخل منصة نفطية تابعة لـ«بتروبراس» في حوض سانتوس البحري بريو دي جانيرو (رويترز)

«شل» ترى «فرصة هائلة» لقطاع النفط البرازيلي من الصراع في الشرق الأوسط

قال الرئيس التنفيذي لشركة «شل» في البرازيل إن صراع الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران يُوفر للبرازيل «فرصة هائلة» لجذب الاستثمارات لتطوير أصولها النفطية.

«الشرق الأوسط» (ريو دي جانيرو)
الاقتصاد أعلنت «قطر للطاقة» وقف إنتاج بعض المنتجات التحويلية بعد التوقف عن إنتاج الغاز الطبيعي المُسال (قطر للطاقة)

«قطر للطاقة» تُوقف إنتاج المنتجات التحويلية

أعلنت شركة «قطر للطاقة» وقف إنتاج بعض المنتجات التحويلية، بعد التوقف عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال، جراء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.