بين الابتعاد عن الوجبات الخفيفة والقهوة... كيف تجهّز جسمك لصيام رمضان؟

خبيرة تغذية تعطي أهم النصائح للاستعداد للشهر الفضيل بطريقة صحية

مجموعة من السيدات في لندن يفطرن خلال شهر رمضان (رويترز)
مجموعة من السيدات في لندن يفطرن خلال شهر رمضان (رويترز)
TT

بين الابتعاد عن الوجبات الخفيفة والقهوة... كيف تجهّز جسمك لصيام رمضان؟

مجموعة من السيدات في لندن يفطرن خلال شهر رمضان (رويترز)
مجموعة من السيدات في لندن يفطرن خلال شهر رمضان (رويترز)

دخلت التحضريات لشهر رمضان في منطقتنا وبالكثير من الدول حول العالم مرحلتها الرئيسية والأخيرة، حيث ننتظر بدء الصوم عبر تجهيز الأطباق والمأكولات التي يمكننا حفظها في الثلاجات، وشراء الفوانيس والديكورات المنزلية التي تضيف رونقاً مميزاً، وتضفي أجواء روحانية تُدخِل البهجة إلى قلوب العائلات المجتمعة على موائد السحور والإفطار.

وفي طريقنا لتخزين المؤن قبل بداية الشهر، من الأرز والمعلبات إلى اللحوم والأسماك والمرطبات وغيرها، علينا ألاّ ننسى أننا كأشخاص في حاجة أيضاً إلى تحضير أجسامنا للصوم؛ كي لا يتسبب ذلك بأي صدمة لأجسادنا، ولنتفادى أي ردود فعل سلبية مثل الجفاف أو النعس المستمر أو العطش، وغيرها من التأثيرات.

طفل يبيع الفوانيس التقليدية بينما يستعد الكثير من الأشخاص حول العالم لبدء شهر رمضان المبارك (أ.ف.ب)

لذلك؛ تنصح خبيرة التغذية أنطونا ماريا مطران، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، الناس باتباع نظام غذائي دقيق قبل بداية الشهر الفضيل، بنحو أسبوع أو أيام معدودة حتى.

وهناك خطوات أساسية عدّة تنصحك مطران باتباعها والالتزام بها في مرحلة الاستعداد للصوم:

التخفيف من كمية الطعام المتناولة

تشرح مطران: «على الناس البدء بتقليل كميات الطعام المعتادة وتقليص السعرات الحرارية المتناولة؛ وذلك بهدف تعويد الجسم على الفترات الطويلة من الصوم». وتابعت: «إذا أوقفنا تناول الطعام لساعات عدة بشكل مفاجئ، فالأمر سيؤثر سلباً على الجسم؛ لذلك علينا تحضير أمعائنا عبر تخفيف كميات الطعام التي نتناولها قبل البدء بالصوم، لنصل إلى الشهر الكريم معتادين على حصص أقل من المأكولات؛ الأمر الذي يخفف بالتالي من الشعور بالجوع».

الالتزام بوجبة الفطور

تقول خبيرة التغذية إن تناول الفطور صباحاً يُعد من أهم خطوات تجهيز جسمنا للصوم؛ وذلك لارتباطه بوجبة السحور لاحقاً، وتشرح: «هناك الكثير من الأشخاص الذين لا يفضلون تناول الطعام صباحاً، وهذا بدوره يرتبط بعدم تناول وجبة السحور لاحقاً خلال رمضان؛ مما يعرّض الصائمين للتعب والإرهاق والجوع خلال اليوم... أما إذا بدأنا الاعتياد على تناول الأطعمة ولو الخفيفة صباحاً، سنعتاد تلقائياً على الحصول على وجبة السحور؛ مما يساعدنا في اجتياز يوم الصوم بطريقة صحية وسليمة».

وجبة فطور صحية تضم البيض والخبز (رويترز)

التخفيف من شرب القهوة

تُعدّ القهوة جزءاً أساسياً من بداية أي يوم بالنسبة للكثير من الأشخاص حول العالم، ولكن، عند التجهيز للصيام، تؤكد مطران أنه يجب علينا تخفيف الكميات التي نستهلكها، خاصة صباحاً، قبل نحو أسبوع أو حتى أكثر، وتقول: «من المستحسن التخفيف من كميات الكافيين التي نتناولها؛ لعدم إخضاع الجسم لصدمة إيقافها فجأة، ومواجهة ما يترتب عن ذلك من تأثيرات، مثل الصداع القوي، والنعاس المستمر، وقلة النشاط، وغيرها...».

وتنصح أنطونا عشاق القهوة باستبدال المستحضرات التي تحتوي على كافيين بمنتجات تُعرف بـ«دي كاف»، أي تلك التي لا تحتوي على الكافيين، قبل فترة من حلول الشهر المبارك، لتجهيز نظامنا ودماغنا بالشكل المناسب.

الإكثار من شرب المياه

من المعروف أن شرب المياه يُعدّ قاعدة لا غنى عنها في حياتنا اليومية، مهما كان النظام الغذائي الذي نتبعه، أو في أي مرحلة من المراحل التي نمر بها. ولكن، للإكثار من شرب المياه فوائد أساسية عند تجهيز الجسم لفترة الصيام. تقول خبيرة التغذية: «من الضروري بالفعل شرب كميات كبيرة من المياه في الأسبوع الذي يسبق شهر رمضان؛ وذلك لإعطاء جسمنا دفعة قوية من الترطيب، وحمايته من الجفاف لاحقاً».

وتنصح أنطونا بزيادة كمية المياه المتناولة تدريجياً خلال اليوم.

التخطيط للوجبات مسبقاً...والابتعاد عن الوجبات الخفيفة

تعدّ زيادة الوزن أمراً شائعاً خلال شهر رمضان. فساعات تناول الطعام غير المنتظمة، والميل إلى الإفراط في تناول الوجبات الخفيفة خلال الليل، والطبيعة غير الصحية للعديد من الأطباق، كلها عوامل تساهم في السمنة. ويمكنك التعامل مع ذلك عبر التخطيط لوجباتك مسبقاً. ومن خلال تحديد الأطباق التي ترغب في تحضيرها كل يوم، يمكنك تقليل الكمية التي يتم طهيها لتتناسب معك، وتقديم مأكولات صحية أو طرق طهي سليمة. ويحميك ذلك بدوره من اللجوء إلى خيارات غير صحية مثل الأطعمة الجاهزة والسريعة.

وتعيد أنطونا تأكيد أهمية التقليل من تناول الوجبات الثانوية أو الخفيفة، وخاصة تلك الغنية بالسكر، لتقليص الطلب عليها لاحقاً خلال فترات الصيام. فتناول هذه الوجبات يكوّن عادات غير صحية لدينا، علينا العمل على التخلص منها قدر الإمكان قبل بدء رمضان.

رجل يخبز كميات من الحلويات (رويترز)

التقليل من تناول الملح والسكر

عليك في البداية التعرف على الأطعمة التي تتناولها بانتظام والتي تحتوي على مستويات عالية من الملح والسكر. حاول تقليل استهلاكها بمقدار ملعقة كبيرة من الملح والسكر يومياً. في المقابل، سيسهل ذلك أيضاً محاربة الرغبة الشديدة في تناول الأطعمة والمشروبات الغنية بالملح والسكر، ليس فقط خلال شهر رمضان، لكن أيضاً خلال المراحل المقبلة من حياتك.

ماذا عن المكملات الغذائية؟

عند سؤالها عن أهمية المكملات الغذائية في مرحلة ما قبل الصوم، وحتى خلالها، شرحت أنطونا أنه لا داعي لتناولها ما دام أننا نأكل وجبات غذائية متوازنة، غنية بالمعادن والفيتامينات التي نحتاج إليها، وأوضحت: «لا مانع من تناول (مالتي فايتامينز) أو المكملات الغذائية المتكاملة أثناء التحضير للصوم، وحتى خلال أيام شهر رمضان، ولكنها ليست بنفس أهمية اتباع نظام صحي متجانس، والإكثار من المأكولات الصحية والخضراوات والفاكهة، والابتعاد عن الأطعمة المقلية أو الغنية بالسعرات الحرارية والدهون».

وهنا، تنصح الخبيرة بضرورة الإكثار من تناول السلطات، والابتعاد عن المشروبات الغازية واستبدالها بالأعشاب والحساء، لحماية المعدة وعدم تعريضها لأي تلف أو أوجاع غير مُستحبة.

وفيما يلي، تعطينا خبيرة التغذية أنطونا لمحة على نظام غذائي متوازن يمكن اتباعه في الأيام المتبقية قبل بداية رمضان:

وجبة الفطور

تضم وجبة الفطور الصحية قبل الصوم مأكولات ترتكز على الكربوهيدرات المعقدة (complex carbs)، مثل القمحة الكاملة، الشوفان، النخالة، مع مصدر من البروتين مثل الأجبان والألبان أو البيض أيضاً. ولا مانع من إضافة مصدر يحتوي على الألياف، مثل حصة من الخضراوات أو الفاكهة لتعزيز الفوائد.

وتشدد أنطونا على ضرورة الابتعاد عن تناول الأطعمة الغنية بالسكريات صباحاً، مثل الشوكولاتة أو البسكويت أو الكعك؛ لأن الجسم يدمن عليها بسهولة، وينمي الرغبة الشديدة في تناولها لاحقاً مع الوقت.

فطور يصلح تناوله وسط التحضيرات لشهر رمضان (خبيرة التغدية أنطونا ماريا مطران)

وجبة الغداء

من المهم أن نبدأ في تعويد أنفسنا على تناول الحساء قبل الطبق الرئيسي، وتقول أنطونا: «لا يتناول الكثير منا الحساء في العادة ضمن وجبة الغداء؛ لذلك من الهم تجهيز جسمنا على ذلك، وتنظيم الوجبات عبر إضافة هذا الطبق المهم».

طبق صحي متوازن يصلح لوجبة غداء قبل بداية شهر رمضان (خبيرة التغدية أنطونا ماريا مطران)

وتحبّذ أنطونا تناول وجبات غداء متكاملة تحتوي على: البروتين، الألياف، النشويات، والدهون الصحية. مثال على ذلك: طبق أرز مع نوع من الحبوب كالفاصولياء أو البازيلا، مع كمية مناسبة من اللحم أو الدجاج على الجانب - أو طبق من الدجاج أو اللحم إلى جانب السلطات والخضراوات المشوية، والبطاطس، والأفوكادو الذي يُعد مصدراً مهماً للدهون الصحية.

وجبة صحية تصلح للغداء أو العشاء قبل شهر رمضان وخلاله

العشاء

ترى أنطونا أن الوجبة الأخيرة من اليوم قد تكون عبارة عن سلطة متعددة المكونات، مثل الخضراوات مع التونة أو قطع الدجاج المشوية. ويمكن استبدال السلطات بشطيرة من الخبز الخالي من السكر مثلاً، مع الجبن الأبيض أو حتى مع أنواعنا المفضلة من اللحوم والدجاج أو السمك أيضاً.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

حين يصبح الحديث أصعب من السكوت... ما أسباب الصمت الزوجي؟

عندما يتوقف الزوجان عن التحدث بصدق وعمق يبدأ الزواج بالتدهور تدريجياً (بيكسلز)
عندما يتوقف الزوجان عن التحدث بصدق وعمق يبدأ الزواج بالتدهور تدريجياً (بيكسلز)
TT

حين يصبح الحديث أصعب من السكوت... ما أسباب الصمت الزوجي؟

عندما يتوقف الزوجان عن التحدث بصدق وعمق يبدأ الزواج بالتدهور تدريجياً (بيكسلز)
عندما يتوقف الزوجان عن التحدث بصدق وعمق يبدأ الزواج بالتدهور تدريجياً (بيكسلز)

في بداية الزواج، يبدو الحديث بين الزوجين أمراً طبيعياً وعفوياً؛ فهناك دائماً ما يُروى، وما يُناقش، وما يُضحكهما، وما يثير فضول أحدهما تجاه الآخر. لكن مع مرور السنوات، قد يتغير هذا المشهد تدريجياً. لا يحدث الأمر بالضرورة بسبب خلاف كبير أو أزمة واضحة، وإنما قد يتسلل الصمت إلى العلاقة شيئاً فشيئاً، حتى يصبح الزوجان، رغم وجودهما تحت سقف واحد، أقل قدرة على مشاركة أفكارهما ومشاعرهما كما كانا يفعلان من قبل.

ولا تبدو كل تحديات العلاقات على شكل صراع؛ فأحياناً، تبدو على شكل صمت.

لا تزالان تتشاركان المساحة نفسها، وتتبادلان المواعيد، وقائمة مشتريات البقالة، وترتيبات تربية الأبناء، وتفاصيل الحياة اليومية. لكن في الخفاء، قد يغيب شيء أكثر أهمية: تلك الشرارة المشتركة، وتلك النكات الخاصة، وتلك اللحظات البسيطة من التواصل التي كانت تحدث بصورة عفوية وتجعل كل طرف يشعر بأنه قريب من الآخر.

وعندما يتوقف الزوجان عن الكلام، لا يكون السبب دائماً الغضب. أحياناً يكون الأمر انسحاباً هادئاً وتدريجياً، وهذا ما قد يجعل الموقف أكثر إرباكاً من الجدال الصريح. فغياب الكلمات يتحول بحد ذاته إلى نوع من التوتر، وغالباً ما يكون هذا الصمت مؤلماً أكثر مما يبدو.

وهذا النوع من تراجع التواصل أكثر شيوعاً مما يدركه كثيرون. ورغم أنه قد يبدو أحياناً علامة على وجود مسافة عاطفية يصعب تجاوزها، فإن العلاج النفسي يمكن أن يساعد الزوجين على استعادة الظروف التي تجعل إعادة التواصل ممكنة.

لماذا يتوقف الأزواج عن الكلام؟

نادراً ما يبدأ الصمت داخل العلاقة فجأة. ففي معظم الحالات، يحدث ببطء وهدوء، ويتسلل إلى المساحات التي كان التواصل ينبض فيها في السابق.

قد يكون أحد الزوجين، أو كلاهما، منشغلاً بساعات طويلة من التنقل والعمل، ويحاول الموازنة بين ضغوط الوظيفة ورعاية الأطفال والوالدين المسنين، أو العمل بنظام المناوبات. ومع كثرة المسؤوليات، يأتي الإرهاق الذي يجعل الإنسان مستنزفاً من كثرة العطاء خارج العلاقة، فلا يتبقى لديه الكثير ليعود به إلى المنزل.

ومع مرور الوقت، تتحول فترات الصمت القصيرة أثناء الحديث إلى نمط متكرر. ثم يأتي يوم يدرك فيه الزوجان أن أسابيع ربما مرت منذ آخر مرة تحدثا فيها بصدق وعمق عن نفسيهما أو عن علاقتهما.

وهناك مجموعة من الأسباب الشائعة التي قد تدفع الأزواج إلى التوقف عن الحديث، من أبرزها:

تجنب الصراع: قد يشعر أحد الشريكين، أو كلاهما، بأن الصمت أكثر أماناً من المخاطرة بالدخول في خلاف أو نقاش قد يتحول إلى مشكلة.

الإرهاق والإجهاد المفرط: وهما أمران شائعان، خصوصاً بين الأزواج الذين لديهم أطفال صغار أو يعملون في وظائف تتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً.

الخجل أو الخوف من الرفض: فقد يعتقد أحد الشريكين أن التعبير عن رأيه أو مشاعره سيقابله الطرف الآخر بالتجاهل أو سوء الفهم أو الرفض.

الانفصال المعتاد: ويحدث عندما تبدو العلاقة مع مرور الوقت أقرب إلى مجرد سكن مشترك منها إلى شراكة عاطفية حقيقية.

ولا يتعلق الأمر دائماً بعدم الاهتمام؛ بل قد يكون العكس تماماً. ففي بعض الأحيان، يصبح الصمت استراتيجية للبقاء عندما يبدأ الشعور بالضعف أو عدم الأمان في التواصل. فيفضّل الشخص الصمت على أن يخاطر بالتعبير عن نفسه ثم يشعر بأنه لم يُفهم أو لم يُقدَّر.

ألم الصمت: عندما يصبح السكوت أثقل من الخلاف

عندما يتوقف الزوجان عن الحديث، قد يكون الصمت أشد وطأة من الصراع المفتوح. فلا توجد مشاجرات واضحة، ولا انسحابات مفاجئة، ولا أحداث كبيرة يمكن الإشارة إليها باعتبارها سبب المشكلة؛ بل يوجد ألم خافت ومستمر يتسلل إلى الحياة اليومية.

وقد يبدأ أحد الزوجين أو كلاهما في ملاحظة بعض العلامات، مثل:

- شعور عميق بالوحدة، حتى أثناء جلوس أحدهما بجانب الآخر.

- الانفعال بسبب أمور يومية بسيطة، نتيجة عدم وجود نقاش حقيقي حول المشكلات الأعمق.

- تجنب التواصل البصري، واللمس الجسدي، والحديث.

- تكوّن اعتقاد متزايد بأن هذا هو الوضع الطبيعي للعلاقة الآن، وأن قلة الكلام أصبحت جزءاً لا يمكن تغييره من الحياة الزوجية.

وكثير من الأزواج لا يطلبون الدعم إلا بعد حدوث مشكلة واضحة. لكن بحلول ذلك الوقت، قد يكون الصمت قد ترك أثراً عاطفياً عميقاً في العلاقة وفي مشاعر كل طرف تجاه الآخر.

نادراً ما يبدأ الصمت داخل العلاقة فجأة (بيكسلز)

عندما تتحول المحادثات إلى «اجتماعات عمل»

من الأسباب الأكثر خطورة التي قد تدفع الأزواج إلى التوقف عن التواصل انشغالهم المفرط بإدارة شؤون الزواج والأسرة.

فقد يقع الزوجان، من دون أن ينتبها، في نمط متكرر ومدمر؛ إذ يقضيان الوقت المحدود الذي يجتمعان فيه في الحديث عن العمل، والميزانية، والأطفال، والأعمال المنزلية، والمواعيد، والمهمات والمسؤوليات المختلفة.

وهكذا تتحول المحادثات تدريجياً إلى مجرد «معاملات».

وبالطبع، هناك حاجة حقيقية إلى مناقشة شؤون المنزل والأسرة وتنظيم الحياة اليومية، لكن المشكلة تبدأ عندما تسمح العلاقة بأن تسيطر هذه «الاجتماعات الإدارية» على جميع الأحاديث بين الزوجين، فلا يبقى مكان للحديث عن المشاعر، والأفكار، والاهتمامات، والأحلام، وما يعيشه كل طرف من تجارب.

وغالباً ما تؤدي هذه الأحاديث الإدارية إلى جدالات، ومع تكرار التجربة، قد يتعود الزوجان على الاعتقاد بأن «التحدث» سيؤدي حتماً إلى الخلاف والانفصال.

وهنا تكمن المشكلة الأعمق: فالزوجان، من دون قصد، قد يهيئ كل منهما الآخر للشعور بأن الحوار ليس ممتعاً ولا آمناً. وعندما يصبح الحديث مرتبطاً في ذهن الطرفين بالمشكلات والجدالات والضغط، يصبح الصمت الخيار الأسهل، فيتوقفان عن الكلام.

كيف يمكن استعادة التواصل؟

يكمن مفتاح التواصل الإيجابي في معرفة الآخر وفهمه. وهذا يعني أن تكون مهتماً بشريك حياتك، وأن تبقى فضولياً تجاه عالمه الداخلي، بدل أن تفترض أنك تعرف بالفعل ما يفكر فيه أو يشعر به.

استمع جيداً عندما يتحدث شريكك، ولا تجعل هدفك من الحديث مجرد الرد أو الدفاع عن نفسك. اطرح أسئلة مفتوحة تساعده على التعبير عن أفكاره ومشاعره وتجربته بصورة أعمق.

فشريكك يتوق، بدرجة كبيرة، إلى أن يعرفك، لكنه يتوق أيضاً إلى أن يشعر بأنك تريد أن تعرفه هو الآخر.

والجانب الآخر من هذه المسألة هو أن تسمح لشريك حياتك بأن يعرف ما يجري في حياتك أنت أيضاً. شاركه أفكارك ومعتقداتك ومشاعرك وآمالك ورغباتك، ولا تحصر التواصل بينكما في تفاصيل العمل والأطفال والفواتير والأعمال المنزلية.

فالتواصل الجيد يتطلب جهداً واعياً ومستمراً، لكنه جهد يمكن أن يساعدكما على بناء زواج قوي، خصوصاً عندما يكون كل طرف حريصاً على معرفة شريكه والسماح له، في الوقت نفسه، بأن يعرفه ويفهم عالمه الداخلي.

كيف تكسران الروتين وتعيدان مساحة الحديث؟

استعادة التواصل لا تتطلب دائماً تغييرات كبيرة أو حلولاً معقدة. أحياناً، تبدأ الخطوة الأولى بإعادة تخصيص وقت منتظم للحديث، بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية.

موعد أسبوعي مميز

يمكن تخصيص موعد ثابت أسبوعياً للزوجين، بحيث يصبح وقتاً خاصاً لا تسيطر عليه الأعمال المنزلية أو المسؤوليات اليومية.

والاستراتيجية العملية لتحقيق ذلك هي اختيار موعد ثابت والالتزام به. على سبيل المثال، يمكن اختيار مساء الجمعة في الساعة السابعة، إذا كان هذا الوقت مناسباً لكليكما؛ لأن نهاية الأسبوع قد تكون أقل ازدحاماً بالالتزامات التي يمكن أن تتعارض مع الموعد.

المهم ليس اليوم أو الساعة بحد ذاتهما، وإنما وجود وقت منتظم يشعر فيه الزوجان بأن علاقتهما تستحق أن يُخصص لها موعد مستقل.

نزهة أسبوعية للحديث عن أحوالكما

يمكن أيضاً الخروج في نزهة أسبوعية، واستغلال هذا الوقت للحديث عن أحوال كل منكما خلال الأسبوع.

يمكن أن يتناول الحديث أسئلة بسيطة، لكنها مهمة: كيف يشعر كل منا؟ كيف كان أسبوعه؟ هل مرّ بشيء أثّر فيه؟ وهل هناك أي ملاحظات يرغب أحد الطرفين في تقديمها للآخر، سواء كانت إيجابية أو سلبية؟

مثل هذه الأحاديث المنتظمة تساعد على منع المشاعر والملاحظات الصغيرة من التراكم، كما تتيح لكل طرف فرصة للتعبير عن نفسه والاستماع إلى الآخر قبل أن تتحول الأمور البسيطة إلى مشكلات أكبر.

اجتماع شهري لتقييم الحياة الأسرية والمنزلية

إلى جانب الوقت المخصص للتواصل العاطفي، يمكن تخصيص اجتماع شهري لمراجعة حياة الأسرة والمنزل.

وقد يشمل ذلك وضع خطة للشهر أو الربع القادم، ومناقشة المسؤوليات والاحتياجات المختلفة، وإجراء تغييرات جوهرية في طريقة إدارة الحياة الأسرية.

والفكرة الأساسية هي الفصل، قدر الإمكان، بين الحديث الذي تحتاج إليه الأسرة لإدارة شؤونها، والحديث الذي يحتاج إليه الزوجان للحفاظ على علاقتهما وقربهما العاطفي.

فحين يجد كل جانب مساحته الخاصة، لا تعود كل محادثة بين الزوجين اجتماعاً لإدارة المنزل، ولا يصبح التواصل مرتبطاً دائماً بالمشكلات والمهام والمسؤوليات.


نجلاء فتحي تتكئ على حفيدتها لتجاوز أحزان الفقدان

عبد الحكيم عبد الناصر يواسي نجلاء فتحي (الشرق الأوسط)
عبد الحكيم عبد الناصر يواسي نجلاء فتحي (الشرق الأوسط)
TT

نجلاء فتحي تتكئ على حفيدتها لتجاوز أحزان الفقدان

عبد الحكيم عبد الناصر يواسي نجلاء فتحي (الشرق الأوسط)
عبد الحكيم عبد الناصر يواسي نجلاء فتحي (الشرق الأوسط)

بعد مرور نحو ربع قرن من ابتعادها عن الأضواء، وجدت الفنانة المصرية نجلاء فتحي نفسها أمام فصل بالغ القسوة في حياتها، مع وفاة ابنتها الوحيدة ياسمين قبل ساعات إثر أزمة قلبية مفاجئة، وذلك بعد مرور 8 سنوات على رحيل زوجها الإعلامي حمدي قنديل.

غيابان يأتيان في مرحلتين مختلفتين، لكنهما يتركان خلفهما مساحة كبيرة من الأحزان في حياة فنانة اختارت منذ سنوات أن تعيش بعيداً عن صخب الشهرة والكاميرات، لكنها فوجئت بهذه الكاميرات وهي تقتحم مراسم تشييع جنازة وحيدتها، وقد اقتربت منها العدسات إلى حد أن أظهرت دموعها المنهمرة من خلف النظارة السوداء.

وخلال الجنازة كانت نجلاء تسأل عن زين حفيدتها، كلما غابت عن عينها، فهي آخر سلوى لها في الحياة ومتكأها لتجاوز أحزان الفقدان والوحدة، وفق مقربين منها، أكدوا لـ«الشرق الأوسط» تعلق نجلاء بحفيدتها الوحيدة. وكانت ياسمين ابنتها من زوجها السابق سيف أبو النجا، الذي أدى شخصية «مصطفى» أكبر أبناء فاتن حمامة في فيلم «إمبراطورية ميم»، تمثل حضوراً عائلياً بالغ الخصوصية في حياتها، وقد صدمت فاطمة الزهراء حسين أحمد فتحي، الشهيرة بنجلاء فتحي، باكتشاف مشكلة طبية في قلب ابنتها الصغيرة التي تعالجت في حينها وكبرت وتزوجت وأنجبت زين.

وفي تسجيل نادر لنجلاء فتحي مع الإعلامي الراحل مفيد فوزي، لمّحت نجلاء إلى أنها حين علمت أن ابنتها مصابة بعيب خُلقي في القلب وأنها تحتاج إلى جراحة صعبة كادت تقدم على إنهاء حياتها، لولا أن والدة نجلاء شعرت بما يدور في عقل ابنتها فقالت لها أنت تريدين ابنتك وأنا أريد ابنتي، ووصفت نجلاء هذه الفترة بأنها كانت من أصعب أيام حياتها، غير أنها الآن تعيش ما هو أصعب منها.

نجلاء فتحي في شبابها مع أبناء عائلتها (فيسبوك)

كانت ياسمين هي القلب الذي احتوى نجلاء فتحي بعد رحيل رفيق حياتها الإعلامي حمدي قنديل الذي قررت ذات يوم أن تتزوجه وفاجأته بقرار زواجها منه، بعدما وجدت فيه الإنسان الذي تكمل معه حياتها، وقد أبدت لها ياسمين أنه الرجل المناسب بالفعل.

وكان حمدي قنديل أكثر من مجرد زوج في حياة نجلاء؛ فقد جمعتهما صداقة امتدت سنوات طويلة قبل زواجهما عام 1992 وانتهت بوفاته عام 2018، وخلال تلك السنوات، شَكل الإعلامي الراحل رفيقاً لحياتها الخاصة، ومع رحيله، فقدت نجلاء شريكاً رافق جزءاً طويلاً من حياتها، فيما واصلت الابتعاد عن المجال العام وانحصرت حياتها في ابنتها وحفيدتها، ولم تظهر نجلاء إلا حينما تم سرقة لوحة «عاش هنا» التي تحمل اسم زوجها والمُعلقة من قبل وزارة الثقافة في مدخل البناية التي تسكن بها، ولم تهدأ حتى تم تركيب لوحة أخرى توثق لسنوات عاشها في بيتها.

ياسمين أبو النجا وابنتها زين (حساب ياسمين على فيسبوك)

وترى الفنانة إلهام شاهين، جارتها بحي مصر الجديدة وصديقتها التي رافقتها خلال وداع ابنتها، أن فقدان كل عزيز على الإنسان يكون صعباً إلا فقد الابن أو الابنة.

وتضيف إلهام شاهين قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «هذا أصعب موقف يمكن أن يواجهه إنسان، فما بالك أنها ابنتها الوحيدة التي كرست لها كل حياتها، وقد كانت ياسمين هي الحياة بالنسبة لها، لذلك أردد منذ إعلان الخبر... كان الله في عون نجلاء، فالابنة كانت مثل ملاك هبط على الأرض ورحلت في عز شبابها؛ لذا أدعو الله أن تتجاوز نجلاء هذه الأزمة وتواصل دورها مع حفيدتها الوحيدة». وتؤكد إلهام شاهين: «لقد أحببت نجلاء على المستوى الفني والشخصي؛ فهي من أصدق الناس الذين عرفتهم في حياتي».

نجلاء فتحي مع زوجها الراحل حمدي قنديل (فيسبوك)

وتعبر الفنانة نبيلة عبيد عن حزنها العميق لرحيل ياسمين، قائلة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «إن قلبي يؤلمني بسبب ما تمر به نجلاء، لقد كانت حياتها تدور في فلك ياسمين منذ ولادتها، وكانت ياسمين هي روحها، وقد غابت عنها فجأة، ولا شك أن الصدمة كبيرة عليها وعلى والدها سيف أبو النجا، وأدعو الله أن يلهمهما الصبر، ويربط على قلب أمها». وتلفت نبيلة عبيد إلى قوة صداقتها بنجلاء فتحي، مؤكدة أن «التواصل بينهما لم ينقطع قط».

وتشير الناقدة ماجدة خير الله إلى أن «ما يؤلم حقاً أن تفقد نجلاء ابنتها الوحيدة في وقت هي أشد احتياجاً إليها، وندعو الله أن يُلهمها الصبر كأم مكلومة ونجمة شباك تركت أثراً في الفن المصري والعربي، وقد كانت أفلامها توزع في لبنان أكثر من نجوم جيلها، وقد أنهت مسيرتها الفنية بشكل يليق بها، فأنتجت فيلم (سوبر ماركت)، كما كانت (أول شهر زاد) في حلقات (ألف ليلة وليلة)».


«العيون الخضراء» يسبر أغوار متلازمة الاستسلام

لقطة من فيلم «العيون الخضراء» (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)
لقطة من فيلم «العيون الخضراء» (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)
TT

«العيون الخضراء» يسبر أغوار متلازمة الاستسلام

لقطة من فيلم «العيون الخضراء» (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)
لقطة من فيلم «العيون الخضراء» (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)

لا تترك الصدمات الكبرى أثرها بالطريقة نفسها على الجميع. فبينما يواجهها بعضهم بالغضب أو البكاء أو الهروب، يختار آخرون الانسحاب الكامل من العالم، وكأن الجسد نفسه يعلن عجزه عن احتمال المزيد، في هذه المساحة الغامضة، التي تتقاطع فيها المأساة الإنسانية مع الهشاشة النفسية، يتحرك الفيلم الفرنسي «العيون الخضراء» (Les Yeux Verts) للمخرجين الفرنسيين فاني لياتار وجيريمي ترويي، مقدماً تجربة لا تسعى إلى تفسير الألم بقدر ما تحاول الإصغاء إليه.

الفيلم الذي عُرض في مهرجان «لوكارنو السينمائي» بسويسرا يبتعد منذ مشاهده الأولى عن التعامل مع اللجوء أو التهجير بوصفهما قضية سياسية أو مادة للجدل، ويقترب منهما باعتبارهما تجربة شخصية يعيشها أفراد عاديون، فالحدث الكبير لا يظهر في صورة نشرات الأخبار أو خطابات السياسيين، وإنما ينعكس في تفاصيل بيت صغير مهدد بالفقد، وفي طفلة ترى شقيقها يغيب عنها تدريجياً من دون أن تستطيع فهم ما يحدث له.

الفيلم الفرنسي قدم معالجة إنسانية لمتلازمة الاستسلام (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)

ومن هذه التفاصيل البسيطة، يبني الفيلم عالماً تتجاور فيه الحقيقة مع الحلم، والواقع مع الخيال، من دون أن يشعر المشاهد بوجود حدود فاصلة بينهما، وتدور أحداث العمل حول «تشايا»، الطفلة ذات الأحد عشر عاماً التي تعيش مع أسرتها في منطقة «لاند» الساحلية في جنوب غربي فرنسا.

وبعد أن تتلقى الأسرة قراراً بإخلاء المنزل الذي تعيش فيه، يدخل شقيقها الأكبر «نور» في نوم عميق وغامض لا ينجح أحد في تفسيره أو إيقاظه، وبينما يستسلم الكبار للعجز، ترفض «تشايا» تصديق أن شقيقها قد ابتعد عنها إلى الأبد، فتقرر أن تبحث عنه بنفسها، حتى لو اضطرها ذلك إلى دخول عالم أحلامه، لتبدأ رحلة تتحول فيها الطبيعة إلى مرآة للمشاعر، ويصبح الخيال الوسيلة الوحيدة لمقاومة واقع يبدو أقوى من الجميع.

مخرجا الفيلم تحدثا في لقاء مع «الشرق الأوسط»، عبر «زووم»، عن كواليس العمل، وقالت المخرجة الفرنسية فاني لياتار، إن القصة تعود إلى ما يقرب من 5 سنوات، حين شاهدت مع شريكها في الإخراج جيريمي ترويي تقريراً تلفزيونياً عما يعرف بـ«متلازمة الاستسلام»، وهي حالة نادرة تصيب بعض الأطفال الذين يعيشون صدمات قاسية، فيدخلون في حالة تشبه الغيبوبة تستمر لفترات طويلة، مشيرة إلى أن التقرير بالنسبة إليها لم يكن مجرد معلومة طبية، بل لحظة طرحت سؤالاً ظل يرافقها طويلاً وهو كيف يمكن لطفل أن يقرر، من دون وعي، أن ينسحب من الحياة؟

ذلك السؤال كان نقطة البداية، لكنه لم يكن نقطة النهاية، فقبل كتابة أي مشهد، بدأ الثنائي رحلة بحث طويلة لفهم الظاهرة، ليس من منظور الأطباء فقط، وإنما من خلال الأشخاص الذين عاشوا هذه التجربة.

الفيلم ركز على قضية محددة بعيون طفلة (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)

وتوضح لياتار أن الفيلم لم يسعَ إلى تقديم تفسير علمي؛ لأن السينما بالنسبة إليها لا تقوم بدور الطب أو الصحافة، بل تمنح المشاهد فرصة للدخول إلى التجربة الإنسانية، ولهذا السبب، لم يكن هدفها أن يخرج الجمهور وهو يعرف معلومات أكثر عن متلازمة الاستسلام، وإنما أن يشعر بما يمكن أن يفعله الخوف المستمر داخل روح طفل.

ومن هنا جاء القرار الأهم، وهو أن تُروى الحكاية بالكامل تقريباً من خلال «تشايا»، فلم يكن ذلك مجرد اختيار درامي، وإنما رؤية متكاملة لطريقة السرد، فالمخرجة ترى أن الأطفال لا يعيشون الأحداث بالطريقة التي يراها الكبار، فهم لا يبحثون دائماً عن الأسباب، ولا ينشغلون بالتفسيرات السياسية أو القانونية، وإنما يحاولون فهم العالم من خلال مشاعرهم وخيالهم، ولذلك بدت «تشايا» الشخصية الوحيدة القادرة على حمل هذا العالم المليء بالغموض.

إذا كانت فاني لياتار قد انشغلت في بناء العالم العاطفي للفيلم، فإن شريكها الإخراجي جيريمي ترويي يرى أن التحدي الأكبر كان في تحويل هذا العالم إلى لغة سينمائية لا يشعر المشاهد معها أنه ينتقل بين فيلمين مختلفين، أحدهما واقعي والآخر خيالي.

ويؤكد ترويي أن البحث عن هذا التوازن رافق مراحل العمل كلها، منذ كتابة السيناريو وحتى المونتاج، فالواقع بالنسبة إليه لم يكن مجرد نقطة انطلاق، بل كان الأساس الذي يقوم عليه كل شيء؛ لذلك حرص هو وشريكته على أن تستند الأحداث إلى تجربة إنسانية حقيقية؛ لأن الفيلم يتناول حالة تعيشها بالفعل بعض الأسر التي تجد نفسها فجأة في مواجهة الخوف والاقتلاع وعدم اليقين.

ويشير إلى إدراكهما أن أي مبالغة في الجانب الفانتازي ستفقد الفيلم صدقه؛ لذلك جاء القرار بأن تنطلق الأحلام من المكان نفسه الذي تعيش فيه الشخصيات، الغابة هي الغابة، والبحر هو البحر، والمنزل هو المنزل، لكن هذه الأماكن تبدأ تدريجياً في التحول مع تحولات الحالة النفسية لـ«تشايا»، فيصبح العالم الذي تعرفه مألوفاً وغريباً في الوقت نفسه.

مخرجا الفيلم فاني لياتار وجيريمي ترويي (تصوير: مارغو أوبينيل)

ويقول المخرج الفرنسي إن الأحلام لم تُكتب باعتبارها عالماً مستقلاً، ولكنها انعكاس لذاكرة الطفلة ومخاوفها ورغبتها في إنقاذ شقيقها، ولهذا لا يشعر المشاهد بأنه غادر الواقع تماماً، بل بأنه ينظر إليه من زاوية مختلفة، زاوية تسمح للرموز والمجازات بأن تقول ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه.

هذا الخيال، كما تراه لياتار، لا يعني الهروب من الواقع، بل مواجهته بطريقة مختلفة، فالطفلة لا تنكر أن شقيقها مريض، لكنها ترفض أن يكون ذلك نهاية القصة، ومن هنا تتحول الأحلام إلى مساحة للبحث، لا للاختباء، وإلى فعل مقاومة أكثر منها ملاذاً آمناً.

وتكشف المخرجة أن كتابة شخصية «تشايا» استغرقت وقتاً طويلاً؛ لأن التحدي كان يتمثل في تقديم طفلة حقيقية، لا بطلة خارقة. كانت تريد شخصية تخاف، وتتردد، وتفشل أحياناً، لكنها لا تتوقف عن المحاولة، فالقوة بالنسبة إليها ليست غياب الضعف، وإنما القدرة على الاستمرار رغم وجوده.

ويتحدث ترويي أيضاً عن المكانة التي تحتلها الطبيعة داخل الفيلم، معتبراً أنها ليست مجرد عنصر بصري جميل، وإنما امتداد للحالة النفسية للشخصيات، فالغابة ليست مكاناً للهروب فقط، بل مساحة تعيد تشكيل نفسها مع تغير مشاعر «تشايا»، بينما يصبح البحر رمزاً للحرية والخوف في الوقت نفسه.