الحرب الحديثة؟ أيُّ حرب؟

وحدة أوكرانية للدفاع بواسطة المسيّرات تتدرب على إسقاط مُسيرات روسية (أرشيفية - د.ب.أ)
وحدة أوكرانية للدفاع بواسطة المسيّرات تتدرب على إسقاط مُسيرات روسية (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

الحرب الحديثة؟ أيُّ حرب؟

وحدة أوكرانية للدفاع بواسطة المسيّرات تتدرب على إسقاط مُسيرات روسية (أرشيفية - د.ب.أ)
وحدة أوكرانية للدفاع بواسطة المسيّرات تتدرب على إسقاط مُسيرات روسية (أرشيفية - د.ب.أ)

من المعروف أن طبيعة الحرب لا تتغيّر. فهي ثابتة ثبات الطبيعة البشريّة. لكن المُتغيّر في الحرب هي خصائصها، التي تتمثّل في الأبعاد التالية: السياسة، والاجتماع، والاقتصاد. لكنَّ الحرب بحاجة إلى مثلّث ماسّي لا يمكن الاستغناء عنه، هو:

1- العقيدة العسكريّة، أي أفضل طريقة لقتال العدو والانتصار عليه. وهي بدورها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: تنظيم القوى، وتسلح القوى، وتدريبها. هذه الأقسام الثلاثة ليست منفصلة بعضها عن بعض. لا، بل هي تشكّل بوتقة واحدة يتفاعل بعضها مع بعض لكسب الحرب.

2- التكنولوجيا المتوافرة. وهي التي تتفاعل مع الاستراتيجية والتكتيك لتعطي أفضلية فريق على آخر. فعلى سبيل المثال، غيّر الرُّكّاب (Stirrup) في سرج الحصان طريقة قتال الفارس. فهو أعطاه الثبات، حريّة الحركة والقدرة على القتال بسهولة ومن على ظهر الحصان، إذ كان يُشكّل الحصان وقبل قدوم الدبابة قوّة الصدم في حقل المعركة.

3- القيادة (Leadership). بعد قدوم الموجة - الثورة التكنولوجيّة، ودخولها المجال العسكريّ. وبعد حرب الخليج الأولى التي شكّلت بوصلة الحرب الحديثة، بدأت قيادات جيوش العالم التحضير لحرب عن بُعد، حرب من ضمن الشبكة العنكبوتيّة التي تدمج أبعاد الحرب من التكتيكي إلى الاستراتيجي مروراً بالعملانيّ. تمّ العمل على الأسلحة الذكيّة للتقليل من الخسائر البشريّة الجانبيّة، كما لتقليص التكلفة في الذخيرة. ولأن دورة (cycle) الابتكار التكنولوجي قصيرة جدّاً، ولأن تمويلها أسهل في القطاع الخاص منه في القطاع العام، ولأن بيروقراطيّة الدولة بشكل عام هي بيروقراطيّة جامدة، ثقيلة... بدأ القطاع الخاص بمنافسة القطاع العام للهيمنة على الثورة التكنولوجيّة. حتى إن الشركات في القطاع الخاص، أصحبت من أهم اللاعبين الجيوسياسيين في العالم. وإلا كيف يُفسّر تأثير شركة «ستارلينك» التي يملكها إيلون ماسك على مسار الحرب الأوكرانيّة؟ فلولا الأقمار الاصطناعيّة لهذه الشركة التي أمَّنت القيادة والسيطرة للجيش الأوكرانيّ، لَمَا كانت أوكرانيا قد صمدت هذه المدّة أمام الهجوم الروسيّ، ولَكَان العالم تغيّر جذريّاً نتيجة للسيطرة الروسيّة على كلّ أوكرانيا.

إطلاق صاروخ نووي باليستي روسي (أرشيفية - رويترز)

بعض العقائد العسكريّة

نُسب في عام 2014 إلى الجنرال الروسي فاليري غيراسيموف، عقيدة سُمّيت باسمه «عقيدة غيراسيموف». تبرّأ من هذه التسمية بعدها الكاتب مارك غاليوتي، لأنه كان مصدر هذه التسمية. تعتمد هذه العقيدة على استعمال وسائل قوّة الدولة باعتماد النسبة 14 (Ratio)، أي الاعتماد على القوّة العسكريّة بنسبة 25 في المائة مقابل 75 في المائة للوسائل غير العُنفيّة، كالاقتصاد مثلاً، والإعلام، وغيرها من الوسائل.

نجحت هذه العقيدة في ضم شبه جزيرة القرم، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في الحرب على أوكرانيا. ففي الحرب الأوكرانيّة، انقلبت النسبة بين القوّة الطريّة والقوّة الصلبة.

في حرب الخليج الأولى، اعتمدت أميركا عقيدة القتال «جو - برّ»، أو «Airland Battle»، التي كانت مُخصّصة لقتال الاتحاد السوفياتي في أوروبا. نجحت هذه العقيدة نجاحاً باهراً في تحرير الكويت، لكنها غرقت في رمال صحراء العراق بعد اجتياح عام 2003.

في عام 2023 كتب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الحالي عقيدة تحت مُسمّى «Maalot» أو «الصعود» بالعربيّة. ترتكز هذه العقيدة على تدريب الجيش على الحرب الهجينة «Hybrid»، من ضمن قتال مشترك لقوى البرّ، والوحدات الخاصة، والمدرّعات، والهندسة، والدعم الجوّي. كان أول وأصعب اختبار لهذه العقيدة في الحرب على غزة.

صراع القوى العظمى

يوجد في عالم اليوم نحو 12512 رأساً نوويّاً، لكن لا يزال النادي النووي محصوراً في القوى الكبرى، مع بدء دخول القوى العظمى الإقليميّة إليه. فماذا يعني هذا الأمر؟

يقول المفكّر الأميركي الراحل كينيث والتز: «أكثر يعني أفضل». ويَقصد من هذه المقولة أنه كلما كانت هناك أسلحة نوويّة أكثر كان ذلك أفضل للعالم. بمعنى أن القوى العظمى لن تذهب إلى حرب مباشرة بعضها مع بعض بسبب الرادع النوويّ. إذاً إلى أين من هنا؟

الحرب بالواسطة

كانت الحرب بالواسطة، وهي الآن وستبقى إلى أجلٍ غير مُسمّى. في القرن الخامس (ق.م)، قاتلت إسبرطة أثينا بالواسطة في جزيرة صقليّة. خلال الحرب الباردة قاتل الاتحاد السوفياتي أميركا في كلٍّ من كوريا وفيتنام. كما قاتلت أميركا الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

حالياً تقاتل أميركا «روسيا - بوتين» بالواسطة في أوكرانيا.

داود vs جوليات

لن يختلف القرن الحادي والعشرين عن القرن الذي سبقه. فالحروب بالواسطة سوف تكون النمط الأكثر حضوراً. لكن لماذا؟

لأنها قد تكون في المناطق المأهولة، أو ما تُسمّى حرب المدن. تُشكّل حرب المدن عامل التوازن بين الأقوى والأضعف. فهي تحرم القويّ من استعمال كلّ ما يملك. وتعطي الضعيف فرصة استعمال كلّ ما يملك (Equalizer).

في عام 2050، وحسب الأمم المتحدة، فإن 68 في المائة من سكان العالم سيكونون في المدن. يوجد في العالم حالياً 32 ميغا – مدينة، أي المدينة التي يصل عدد سكانها إلى أكثر من 10 ملايين نسمة. لكن بحلول عام 2030، سيرتفع هذا العدد إلى 43 ميغا – مدينة. في العالم حالياً هناك 578 مدينة تحوي أكثر من مليون نسمة. لكن بحلول عام 2030، سيصبح العدد 662 مدينة. فهل يمكن ابتكار عقائد عسكريّة لعالم فوضويّ؟ هذا هو التحدّي الأكبر للقوى العظمى والكبرى، خصوصاً أن ابتكار العقيدة العسكريّة، لا يعني بالطبع نجاح هذه العقيدة. فالعقيدة توضع عادةً ردّاً على تجربة سابقة. فمَن يضمن أن تتكرّر التجربة السابقة في المستقبل؟


مقالات ذات صلة

قائد عسكري أوكراني يتوقع «نقطة تحول» في الحرب خلال أشهر

أوروبا رجل يتفقّد الدمار الذي سببه قصف أوكراني على بناية سكنية خارج موسكو يوم 17 مايو (إ.ب.أ)

قائد عسكري أوكراني يتوقع «نقطة تحول» في الحرب خلال أشهر

قال قائد عسكري أوكراني كبير لوكالة «رويترز» للأنباء إن أمام كييف إطاراً زمنياً مدته ستة أشهر لانتزاع زمام المبادرة في ساحة المعركة من روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا هجوم سابق بمدينة تاغانروغ بجنوب روسيا (أ.ب)

مسؤول روسي: أوكرانيا استخدمت صواريخ «ستورم شادو» في هجوم

قال مسؤول روسي إن وحدات الدفاع الجوي في ميناء سيفاستوبول ​في شبه جزيرة القرم أسقطت أكثر من 20 طائرة مسيَّرة أوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا 
عمال إنقاذ ينقلون جثة انتُشلت من تحت أنقاض موقع أصيب بقصف روسي في كراماتورسك شرق أوكرانيا أول من أمس (رويترز)

موسكو تلوّح باستخدام أسلحة الدمار ضد أوكرانيا

بينما لوّحت موسكو بشن ضربات جديدة على كييف، وهدد رئيس البرلمان (مجلس الدوما)، فياتشيسلاف فولودين، باستخدام أسلحة دمار شامل ضد أوكرانيا في حال استمر تعرض مناطق

«الشرق الأوسط» (موسكو - نيودلهي)
العالم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (إ.ب.أ) p-circle

غوتيريش يعبر عن قلقه البالغ إزاء عزم موسكو شن غارات على كييف

كشف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الثلاثاء ​أنه «يشعر بقلق بالغ» إزاء إعلان روسيا عزمها شن ضربات على منشآت الدفاع الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا راجمة صواريخ «غراد» أوكرانية تصوب باتجاه المواقع الروسية على خطوط الجبهة الاثنين الماضي (رويترز)

روبيو: مستعدون للوساطة بين موسكو وكييف وسط تصاعد التهديدات

عرضت واشنطن الوساطة بين موسكو وكييف عقب تكثيف روسيا هجماتها على أوكرانيا، وكذلك بعد اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيره سيرغي لافروف...

«الشرق الأوسط» (واشنطن - موسكو)

كندا تحظر مؤقتاً دخول المقيمين من 3 دول بسبب «إيبولا»

عُمال من جمعية «الصليب الأحمر» الأوغندية ينقلون جثمان شخص يشتبه بإصابته بفيروس «إيبولا» في كمبالا (أ.ف.ب)
عُمال من جمعية «الصليب الأحمر» الأوغندية ينقلون جثمان شخص يشتبه بإصابته بفيروس «إيبولا» في كمبالا (أ.ف.ب)
TT

كندا تحظر مؤقتاً دخول المقيمين من 3 دول بسبب «إيبولا»

عُمال من جمعية «الصليب الأحمر» الأوغندية ينقلون جثمان شخص يشتبه بإصابته بفيروس «إيبولا» في كمبالا (أ.ف.ب)
عُمال من جمعية «الصليب الأحمر» الأوغندية ينقلون جثمان شخص يشتبه بإصابته بفيروس «إيبولا» في كمبالا (أ.ف.ب)

قالت كندا إنها ستفرض حظراً ​مؤقتاً على دخول المقيمين من 3 دول أفريقية وسط تفشي فيروس «إيبولا».

وذكرت الحكومة الكندية أنها ستمنع المقيمين في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان من دخول كندا لمدة 90 يوماً، بدءاً من اليوم (الأربعاء).

وأوضحت أن ‌هذا الإجراء المؤقت ​يهدف ‌إلى ⁠تقليل ​مخاطر دخول ⁠فيروس «إيبولا» وانتشاره داخل كندا.

ملصق إرشادي حول فيروس «إيبولا» في مركز طبي بأوغندا (رويترز)

وكانت واشنطن قد حظرت على غير المواطنين الذين سافروا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية أو أوغندا أو جنوب السودان، في الأسابيع القليلة الماضية، دخول الولايات المتحدة.

وجاء ⁠في بيان صادر عن وكالة ‌الصحة العامة ‌الكندية، أنه سيتعين على المواطنين ​الكنديين والمقيمين ‌الدائمين والرعايا الأجانب الذين زاروا المناطق المتضررة ‌خلال الأسابيع القليلة الماضية ولا تظهر عليهم أعراض، الخضوع للحجر الصحي لمدة 21 يوماً، بدءاً من 30 مايو (أيار).

من جهة ‌أخرى، صرح مصدر مطلع لـ«رويترز» بأنه من المتوقع أيضاً ⁠أن تعلن ⁠جزر الباهاما حظراً على دخول الأشخاص الذين سافروا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.

لكن حكومة تلك الدولة الكاريبية اكتفت، الثلاثاء، بالإعلان عن تشديد إجراءات الفحص الصحي، وفرض حجر صحي محتمل على الأجانب الذين تواجدوا في جمهورية الكونغو الديمقراطية أو ​أوغندا أو ​جنوب السودان خلال الثلاثين يوماً التي سبقت وصولهم إلى الدولة الكاريبية.

من جهتها، قالت وزارة الصحة الهندية اليوم (الأربعاء) إن الفحوصات أثبتت خلو امرأة أوغندية من فيروس «إيبولا» بعد ​أن خضعت للحجر الصحي في مركز التكنولوجيا في مدينة بنغالور للاشتباه في إصابتها، من دون أن توضح ما إذا كان سيُسمح لها بمغادرة الحجر الصحي.

وجاء هذا الخبر بعد يوم من اجتماع عقده وزير الصحة جاغات براكاش نادا، لمراجعة ‌الاستعدادات لمواجهة المرض ‌الذي صنفته منظمة الصحة ​العالمية ‌حالة ⁠طوارئ ​صحية عامة، ⁠تثير قلقاً دولياً.

وقالت الوزارة في بيان بشأن حالة بنغالور: «جاءت نتيجة الفحص سلبية لمرض فيروس (إيبولا)»، وهي حالة كانت ستعد الأولى في الهند منذ 2014 إذا تأكدت إصابتها.

وقال الدكتور أنيل كومار باناغار، المدير ⁠الطبي للمستشفى الذي عُزلت فيه المرأة، إنه ‌لم تظهر ‌أي أعراض على الزائرة القادمة ​من أوغندا، والبالغة 28 ‌عاماً، وإن السلطات وضعتها في الحجر ‌الصحي احترازياً. ولكن الوزارة ذكرت أنها عانت من آلام خفيفة في الجسم.

ووصلت المرأة إلى المدينة الجنوبية قادمة من مدينة أحمد آباد الصناعية، ‌في غرب الهند، ضمن رحلتها من أوغندا.

عاملان من «الصليب الأحمر» بلباس عازل يحملان نعش طفل تُوفي جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديمقراطية يوم 24 مايو الحالي (رويترز)

وأطلقت الهند إجراءات فحص ومراقبة ⁠في ⁠المطارات ومنافذ الدخول الأخرى، وأصدرت إرشادات وقائية، ودعت مواطنيها أيضاً إلى تجنب السفر غير الضروري إلى الكونغو وأوغندا وجنوب السودان.

وأرجأت السلطات قمة منتدى الهند- أفريقيا المقررة هذا الأسبوع في العاصمة نيودلهي، بسبب المخاوف الصحية العامة في أفريقيا.

وأكدت منظمة الصحة العالمية 101 حالة من بين أكثر من 900 حالة مشتبه بها عالمياً، من سلالة «​بونديبوغيو» من ​الفيروس، التي لا يتوفر لها لقاح ولا علاج معتمد.


غوتيريش يعبر عن قلقه البالغ إزاء عزم موسكو شن غارات على كييف

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (إ.ب.أ)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (إ.ب.أ)
TT

غوتيريش يعبر عن قلقه البالغ إزاء عزم موسكو شن غارات على كييف

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (إ.ب.أ)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (إ.ب.أ)

كشف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الثلاثاء، ​أنه «يشعر بقلق بالغ» إزاء إعلان روسيا عزمها شن ضربات على منشآت الدفاع الأوكرانية ومراكز صنع القرار في كييف، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأدلى غوتيريش بهذا التصريح ‌أمام مجلس ‌الأمن الدولي ​بعد ‌أن قالت ⁠موسكو، ​أمس، إنها ⁠تعتزم شن الغارات، وذلك بعد يوم من إحدى أعنف عمليات القصف التي تنفذها على كييف منذ بدء الحرب ⁠بين روسيا وأوكرانيا.

وقال غوتيريش ‌إن ‌الإعلان الروسي جاء ​عقب ورود ‌أنباء عن هجوم بطائرة مسيرة ‌أوكرانية على مبنى جامعي وسكن طلابي في مدينة ستاروبيلسك الأوكرانية الخاضعة حالياً للسيطرة ‌الروسية.

وأضاف: «نندد بالهجوم على الجامعة وبجميع الهجمات على ⁠المدنيين والبنية ⁠التحتية المدنية أينما وقعت».

وتابع: «بات من الضروري الآن أكثر من أي وقت مضى تجنب أي تصعيد لهذا الصراع الذي ألحق بالفعل خسائر فادحة بالمدنيين وينذر بجعل تحقيق السلام أكثر صعوبة، مما ​يطيل ​معاناة الناس».


الفاتيكان «يعلن الحرب» على الذكاء الاصطناعي

البابا ليو الرابع عشر يوقِّع على رسالته العامة الأولى بعنوان «الإنسانية الرائعة» في الفاتيكان يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
البابا ليو الرابع عشر يوقِّع على رسالته العامة الأولى بعنوان «الإنسانية الرائعة» في الفاتيكان يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
TT

الفاتيكان «يعلن الحرب» على الذكاء الاصطناعي

البابا ليو الرابع عشر يوقِّع على رسالته العامة الأولى بعنوان «الإنسانية الرائعة» في الفاتيكان يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
البابا ليو الرابع عشر يوقِّع على رسالته العامة الأولى بعنوان «الإنسانية الرائعة» في الفاتيكان يوم 15 مايو 2026 (رويترز)

نهاية العام الفائت أدرجت مجلة «تايم» الأميركية البابا ليو الرابع عشر ضمن قائمة الشخصيات الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي، الذي يرخي سدوله على كل مناحي الحياة العصرية، ويدفع نحو سباق محموم بين الدول الكبرى.

وكان البابا، بعد أسبوع واحد من انتخابه خلفاً للبابا فرنسيس، قال في خطبته الأولى: «الحقيقة لا تفرِّق بيننا؛ بل هي تتيح لنا أن نواجه بمزيد من النشاط والصلابة تحديات العصر، مثل الهجرة، والاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وحماية أرضنا الحبيبة».

مطلع هذا الأسبوع، وبمناسبة انقضاء سنة على جلوسه في سدة بطرس، رفع الفاتيكان النقاب عن «الرسالة العامة» الأولى للبابا تحت عنوان «الإنسانية الرائعة» التي خصصها بكاملها لهذه التكنولوجيا، وشروط التعامل مع تطبيقاتها وتداعياتها البعيدة على حياة الفرد، وموازين القوى والعلاقات الدولية.

«الرسالة العامة» الأولى للبابا ليو الرابع عشر بعنوان «الإنسانية الرائعة» (أ.ف.ب)

ليس سراً أن الكنيسة الكاثوليكية تولي اهتماماً خاصاً لموضوع الذكاء الاصطناعي، الذي كان البابا فرنسيس قد كلَّف أحد الرهبان المتبحرين في العلوم التكنولوجية تشكيل خليَّة لدراسته ومتابعة تطوره، واستدعى كبار المتخصصين فيه لندوات حوارية داخل الفاتيكان. وقد تأكد هذا الاهتمام مع البابا الحالي عندما اختار لقب ليو الرابع عشر؛ إذ قال في أول محاضرة له أمام مجمع الكرادلة: «المسألة الاجتماعية كانت محور اهتمامات البابا ليو الثالث عشر أيام الثورة الصناعية الكبرى الأولى أواخر القرن التاسع عشر، واليوم تقدِّم الكنيسة للعالم كنوز عقيدتها الاجتماعية، لمواجهة ثورة صناعية جديدة، وتطويرات الذكاء الاصطناعي التي تطرح كثرة من التحديات في مجالات الدفاع عن كرامة الإنسان والعدالة والعمل».

«لا بد من نزع سلاح الذكاء الاصطناعي»... بهذه العبارة أوجز ليو الرابع عشر رسالته العامة الأولى، مضيفاً: «أعرف أنها عبارة شديدة، ولكني اخترتها عمداً وعن إدراك. الكنيسة تنشط منذ عقود لنزع السلاح النووي. والذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مجرداً من السلاح الذي يحوِّله إلى أداة للهيمنة، وإلى وسيلة للموت والإقصاء».

«الرسالة العامة» الأولى للبابا ليو الرابع عشر بعنوان «الإنسانية الرائعة» في ساحة الفاتيكان الاثنين (أ.ف.ب)

في عام 1891 دعا البابا ليو الثالث عشر، في رسالته العامة، إلى تكريس حقوق الطبقات العاملة في القطاع الصناعي، التي كانت تعمل ساعات طويلة بلا انقطاع. وانتقد بشدة تجاوزات الرأسمالية الاحتكارية، بالتزامن تقريباً مع صدور «المانيفست» الشيوعي. واليوم يقرر أول بابا أميركي قيادة «المعركة الأخلاقية الكبرى» في عالم الذكاء الاصطناعي، مستحضراً مارتن لوثر كينغ، والمدافعين عن الحقوق المدنية والبيئة. فقد حذَّر من أن الذكاء الاصطناعي يولِّد أنماطاً جديدة من العبودية، كتلك التي تتعرَّض لها الأجساد المجروحة والمشوَّهة والمنهكة، لمن يعملون في مناجم استخراج المعادن اللازمة للتكنولوجيا الرقمية. وقال: «إن الكنيسة تجدد إدانتها لكل أشكال العبودية والاتجار بالبشر وتحويلهم إلى سلع» منبهاً إلى أن التغاضي عن هذه الممارسات أو التساهل معها، هو تواطؤ على ارتكاب تلك الجرائم والذنوب.

كما رفض البابا في رسالته العامة مبدأ «الحرب العادلة»، ودعا إلى إعادة تفعيل النظام الدولي متعدد الأطراف، القائم على الحوار والمواثيق واحترام حقوق الإنسان.

البابا ليو الرابع عشر يقدِّم رسالته العامة الأولى للبابا ليو الرابع عشر بعنوان «الإنسانية الرائعة» في قاعة «السينودس» الجديدة بالفاتيكان يوم الاثنين (رويترز)

وبعد قراءة متأنية لهذه الرسالة البابوية العامة، يمكن تلخيص أبرز النقاط التي جاءت فيها كالآتي:

- لا توجد خوارزمية قادرة على القبول أخلاقياً بأي نزاع مسلح.

- من الواجب التصدي للمنصات الرقمية عندما تتعارض مصالحها مع مصالح القاصرين.

- يجب عدم المصادقة على الثقافة التي تولِّدها الشبكات الرقمية.

- الاستعمار الجديد يحوِّل حياة الناس إلى بيانات جاهزة للبيع والتداول.

- يجب عدم الاكتفاء بردود الفعل عندما يقضي الذكاء الاصطناعي علي فرص العمل؛ بل من واجب الحكومات أن تستبق ذلك بالتخطيط والتنظيم وتقديم البدائل.

- الكنيسة أبطأت في إدانتها آفة العبودية، ولكنها اليوم تفعل ذلك بكل حزم وصدق، وباسمها «أطلب الغفران».

لكن الرسالة العامة الأولى للبابا ليو الرابع عشر ليست مجرد إطار عام لمواجهة التداعيات الاجتماعية للذكاء الاصطناعي. فالكنيسة الكاثوليكية اليوم ليست في أفضل مراحلها، وهي تمرُّ بواحدة من أعمق الأزمات في تاريخها، بسبب اهتزاز صدقيتها الناجم عن ظاهرة الفضائح الجنسية التي تفشَّت على نطاق واسع، وترى في هذه التكنولوجيا الجديدة مصدراً محتملاً لمزيد من المشكلات التي قد تتعرض لها في المستقبل. إلى جانب ذلك، يراهن البعض على استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة متقدمة لنشر الرسالة الكاثوليكية التي تتراجع منذ سنوات.