انتخابات إيران... جولة ثانية متوقعة في طهران وسط جدل «الأصوات الباطلة»

المشاركة بلغت 18 % في العاصمة... إعادة التصويت في 20 دائرة

إيرانيون يعدون الأصوات في مركز اقتراع بطهران (تسنيم)
إيرانيون يعدون الأصوات في مركز اقتراع بطهران (تسنيم)
TT

انتخابات إيران... جولة ثانية متوقعة في طهران وسط جدل «الأصوات الباطلة»

إيرانيون يعدون الأصوات في مركز اقتراع بطهران (تسنيم)
إيرانيون يعدون الأصوات في مركز اقتراع بطهران (تسنيم)

أعلنت لجنة الانتخابات الإيرانية الانتقال إلى جولة ثانية حاسمة من الاقتراع في دوائر انتخابية بـ14 محافظة، في سيناريو ينتظر العاصمة طهران إلى حد بعيد، نظراً لعدم فوز أي مرشح بالحد الأدنى من الأصوات في الجولة الأولى، التي شهدت امتناعاً قياسياً عن التصويت وإحصاء أصوات باطلة غير مسبوقة، على مدى 45 عاماً.

وقالت لجنة الانتخابات، التابعة لوزارة الداخلية، إنها انتهت من عدّ الأصوات في 198 دائرة انتخابية من أصل 208 في البلاد، لانتخابات 290 عضواً في البرلمان الجديد، بعدما أدلى الإيرانيون بأصواتهم الجمعة، في وقت يتنامى الاستياء العام بسبب المشكلات المعيشية والاقتصادية والقيود المفروضة على الحريات المدنية.

وبموازاة الانتخابات البرلمانية، اقترع الإيرانيون لانتخاب 88 عضواً في مجلس خبراء القيادة، الهيئة التي سيعلن في اجتماعها اسم خليفة المرشد علي خامنئي، إذا تعذرت ممارسة مهامه خلال السنوات الثماني المقبلة.

واكتسبت انتخابات البرلمان، رغم دوره المحدود في إيران، أهمية مضاعفة، لأنها كانت الأولى بعد الاحتجاجات الشعبية الحاشدة التي هزّت البلاد، في سبتمبر (أيلول) 2022، في أعقاب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق بدعوى «سوء الحجاب».

موظفات في مركز اقتراع في طهران الجمعة (رويترز)

ولم تحسم النتائج في ثلثي مقاعد طهران، و20 دائرة انتخابية في 15 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية. وبدت مؤشرات الانتقال لجولة حاسمة في طهران، فور الانتهاء من فرز 70 في المائة من الأصوات في طهران، في وقت متأخر من مساء السبت. وأكد رئيس لجنة الانتخابات في طهران، علي جوهري، على إمكانية الانتقال إلى جولة حاسمة.

ويتعين على المرشحين المتقدمين على منافسيهم الحصول على 20 في المائة من الأصوات على الأقل للفوز في الانتخابات.

امتناع قياسي

تضاربت المعلومات حول نسبة المشاركة في الانتخابات الإيرانية. ولا تزال لجنة الانتخابات الإيرانية تلتزم الصمت إزاء ما ذكرته وكالة الأنباء الرسمية «إرنا» حول مشاركة 25 مليون إيراني، ما يعادل 41 في المائة من 61 مليون ناخب. وقالت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن النسبة بلغت 40 في المائة.

وتؤكد هذه النسبة أدنى مشاركة في الانتخابات منذ ثورة 1979، التي مهدت لقيام الجمهورية الإسلامية في إيران. ويجمع غالبية المرشحين في الداخل الإيراني على أنها مؤشر آخر على تراجع ثقة الإيرانيين بتأثير العملية الانتخابية، خصوصاً مع استمرار الصلاحيات الواسعة لمجلس صيانة الدستور الذي ينظر في طلبات الترشيح.

وانخفضت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية عام 2020 لمستوى قياسي بلغ 42.5 في المائة، في حين شارك نحو 62 في المائة من الناخبين في عام 2016.

ويصعب التحقق من نسبة المشاركة الفعلية، في غياب مراكز رصد واستطلاع مستقلة، في حين تتلقى وسائل الإعلام معلوماتها من صحافة إيرانية تخضع لرقابة مشددة.

إيرانيون يعدون الأصوات في مركز اقتراع بطهران (تسنيم)

وکشف رئيس المركز الاستراتيجي للتقييم والرقابة في مجلس تشخيص مصلحة النظام، یاسر جبرائيلي، عن مشاركة 1813073 شخصاً في طهران، بنسبة 18.1 في المائة، لافتاً إلى أن غالبية ممثلي طهران سيجري تعيينهم في الجولة الثانية.

وبحسب النتائج شبه النهائية، تقاسمت أطراف المعسكر المحافظ قائمة المتقدمين في طهران، أكبر الدوائر الانتخابية الإيرانية، البالغ عدد الناخبين فيها 10 ملايين. وحسب تقديرات مواقع إيرانية، فإن الجولة الثانية في طهران قد تشمل التنافس بين مرشحي التيار المحافظ على مصير 30 مقعداً من أصل 38 في محافظة طهران.

وذكرت وكالة «إرنا» الرسمية أن رجل الدين المتشدد، محمود نبويان، يتقدم المرشحين الفائزين بطهران بـ805 آلاف صوت، ويأتي بعده حميد رسايي بـ446 ألف صوت، وحصد أمير حسين ثابتي منفرد 445 ألف صوت، وحصل محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الحالي، على 409 آلاف صوت.

ومن بين الثمانية المتقدمين وزير الخارجية الأسبق، منوشهر متقي، الذي حصل على 368 ألف صوت حسب آخر النتائج.

وكانت نسبة المشاركة في العاصمة طهران خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2021 قد بلغت 26 في المائة. وفي الانتخابات البرلمانية قبل 4 سنوات، كانت النسبة في طهران نحو 25 في المائة.

ونسبت إذاعة «صوت أميركا» الفارسية إلى خبراء أن نسبة المشاركة الفعلية تقدر بأقل من 35 في المائة. وقالت الخدمة الفارسية لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي فارسي) إن «كثيرين من المنتقدين والمعارضين يعدّون نتائج الانتخابات مؤشراً على فشل المرشد الإيراني علي خامنئي في استقطاب أصوات الرأي العام ومشروعية النظام السياسي».

جدل «الأصوات الباطلة»

وأثارت الأصوات الباطلة جدلاً واسعاً في الانتخابات الإيرانية. واحتلت الأصوات التي كتبت عليها شعارات سياسية، أو أسماء رياضيين وفنانين، المراتب المتقدمة بين المرشحين في بعض المدن الكبرى. وقال الصحافي المحافظ محمد مهاجري إن «نتيجة الانتخابات البرلمانية في أغلب المدن، بما في ذلك كبريات المدن، ومنها طهران، عجيبة وغريبة، أي الأصوات الباطلة صاحبة الرتبة الأولى أو الثانية».

وأفادت مواقع إيرانية أن عدد الأصوات الباطلة في مدينة يزد المحافظة بلغ 29 ألفاً، وجاءت في المرتبة الثانية بعد النائب محمد صالح جوكار الذي حافظ على مقعده بـ81 ألف صوت.

وكتب مراسل وكالة «إيلنا» العمالية، بسيم لاله، على منصة «إكس»، مساء السبت، إنه بعد عدّ 80 في المائة من الأصوات بلغ عدد الأصوات الباطلة في طهران 380 ألفاً. ولفت أيضاً إلى أن نسبة الأصوات الباطلة في مدينة رشت الشمالية تفوقت على محمد رضا نوبخت، الأمين العام لحزب الاعتدال والتنمية، فصيل الرئيس السابق حسن روحاني.

وفي وقت لاحق، كتب المحلل سعيد شريعتي على منصة «إكس» أن «الأصوات الباطلة أحرزت الرتبة الثانية في طهران أكثر من 500 ألف صوت باطل، ما يعادل 27 في المائة من نسبة التصويت». وذکر موقع «بامداد نو» الإصلاحي أن «الأصوات الباطلة في طهران تتراوح من 40 إلى 50 في المائة».

إيرانيون يعدون الأصوات في مركز اقتراع بطهران (تسنيم)

على خلاف هذا، ذكرت بعض قنوات «الحرس الثوري» على تطبيق «تلغرام» أن «نسبة الأصوات الباطلة بلغت 12 في المائة، بمحافظة طهران، على نقيض ما تدوول بشأن 40 في المائة».

وقال عبد الله غنجي، رئيس تحرير صحيفة «همشهري» المقرب من «الحرس الثوري»، إن «سبب انخفاض عدد أصوات صاحب المرتبة الأولى في طهران ليست الأصوات الباطلة إنما العدد الكبير للمرشحين».

وكتب غنجي، على منصة «إكس»: «حقيقة أن أصوات صاحب المرتبة الأولى في طهران قليلة مقارنة بـ1.9 مليون صوت في العاصمة لا يعود ذلك إلى عدد الأصوات الباطلة (...) إنما توزعت الأصوات، بين 3600 منافس، على 10 آلاف و15 ألفاً وبضعة آلاف من الأصوات».

من جانبه، قال حسين دهباشي، مخرج الأفلام الوثائقية، إن «ائتلاف الأصوات الباطلة - بهدوء ووحده - هزم كل القوائم السياسية».

وقال غلام حسین کرباسجي، رئيس تحرير صحيفة «هم ميهن» وأحد وجوه التيار الإصلاحي، إن «سلوك المسؤولين المنفذين للانتخابات جزء من مخاوف الإيرانيين». وبشأن ما إذا كانت الانتخابات تنافسية، قال كرباسجي إنها «التنافس الداخلي بين المحافظين».

وكتبت الصحافية مهسا جزيني، بجريدة «شرق» الإصلاحية، أن «الأصوات الباطلة تكتسب هوية مستقلة بالتدريج، حان الوقت لكي يخصص مقعد لها في البرلمان».

وأشارت وكالة مهر الحكومية إلى «تغيير جلد البرلمان»، بعدما تأكد عدم استمرار 147 نائباً، نحو 50 في المائة من أعضاء البرلمان الحالي.


مقالات ذات صلة

سباق غربي نحو «هرمز »… وبرلين تطالب بضمانات

تحليل إخباري الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته

سباق غربي نحو «هرمز »… وبرلين تطالب بضمانات

واشنطن مستعجلة والأوروبيون جاهزون ل«هرمز» وألمانيا تكشف عن شروطها وإيران تمسك بورقة الحل والربط للسير بالمبادرة الأوربية لنزع ألغام المضيق.

ميشال أبونجم (باريس)
شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش قمة مجموعة السبع (الرئاسة المصرية)

«الاتفاق الأميركي - الإيراني»: مصر تتطلع لتفاهمات أكثر شمولاً واستدامة

أعربت مصر عن تطلعها أن تشكل خطوة التوقيع على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران نقطة تحول نحو مرحلة جديدة من التهدئة وبناء الثقة والتعاون

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
كتب هما كاتوزيان

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية...

ندى حطيط
شؤون إقليمية صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع أعضاء الغرفة التجارية الأربعاء

قاليباف: حان وقت انتقال الخندق من الصواريخ إلى الاقتصاد

قال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة إن على المسؤولين الإيرانيين أن «يتسلموا الخندق من المقاتلين الواقفين عند منصات

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ شعار برنامج الدردشة الآلي «غروك» التابع للملياردير إيلون ماسك يظهر على شاشة هاتف (رويترز) p-circle

واشنطن تكشف أنها استخدمت «غروك» في الحرب على إيران

كشفت الحكومة الأميركية في مذكرة قانونية، أنها استخدمت برنامج «غروك» للذكاء الاصطناعي العائد لمنصة «إكس» المملوكة لإيلون ماسك، في شنّ ضربات على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

فانس: مرحلة «مفاوضات الأيام الـ60» مع إيران تبدأ اليوم

جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)
جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)
TT

فانس: مرحلة «مفاوضات الأيام الـ60» مع إيران تبدأ اليوم

جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)
جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)

أعلن جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، الخميس، أن مرحلة «مفاوضات الأيام الـ60» مع إيران، التي نصت عليها مذكرة التفاهم بين البلدين، تبدأ اليوم الخميس...

فانس يتحدّث أمام تجمّع انتخابي في نيويورك يوم 17 يونيو 2026 (رويترز)

وقال فانس، خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض: «سنبدأ الأيام الـ60. سنباشر العد التنازلي اليوم» الخميس.

وقال ​إن ‌على ⁠إسرائيل ​احترام عملية ⁠السلام مع إيران، التي ⁠قال ‌إنها جيدة ‌بالنسبة ​إليهم، ‌مضيفاً ‌أن الهجمات التي ‌تسفر عن سقوط قتلى من ⁠المدنيين ⁠في بيروت «غير مقبولة».

وتابع أن جزءاً من أهداف اتفاق السلام ‌بين واشنطن وإيران ‌يتمثل ​في ‌تمكين ⁠الحكومة ​اللبنانية من ⁠إدارة الأمن في جنوب البلاد، بدلاً من جماعة «حزب الله» ⁠المدعومة من ‌إيران.

وأضاف: «ما ​نريده ‌هو أن ‌تتولى الحكومةُ اللبنانية؛ ممثلةُ الشعب اللبناني المنتخبة، إدارة الأمن ‌في جنوب لبنان، بحيث لا يسيطر ⁠(حزب ⁠الله) على البلاد، ولا يشعر الإسرائيليون بالتهديد، وبالتالي لا يشن الإسرائيليون هجمات على جنوب لبنان أو ​بيروت».


سباق غربي نحو «هرمز »… وبرلين تطالب بضمانات

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته
TT

سباق غربي نحو «هرمز »… وبرلين تطالب بضمانات

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته

يتضمن الاتفاق الإطار الموقع بين الولايات المتحدة وإيران بندين، ويتناولان مضيق هرمز. وينص البند الرابع على تعهد أميركي برفع الحصار البحري المفروض على إيران «فوراً»، وسحب القوات الأميركية خلال 30 يوماً.

وينص البند الخامس على تعهد إيراني بـ«ضمان المرور الآمن والمجاني» للسفن التجارية خلال فترة 60 يوماً «فقط»، على أن تُستأنف حركة الملاحة بانتظام خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً، وذلك نظراً إلى حاجة إيران إلى إزالة الألغام التي زرعتها.

أما مستقبل المضيق، فمتروك لحوار إيراني - عماني «بالتشاور» مع دول الخليج، من أجل «تحديد آلية الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز»، ما يترك الباب مفتوحاً أمام إيران لفرض رسوم مرور تحت مسمى «الخدمات».

وتختلف لهجة الاتفاق الإطار عما ورد في بيان قمة السبع في مدينة إيفيان حول مستقبل مضيق هرمز، إذ جاء فيه: «ونؤكد مجدداً أن حق المرور العابر من دون قيود أو رسوم يشكل ركيزة أساسية للتجارة الدولية. ونتفق على أن المبادرة متعددة الجنسيات والمستقلة والدفاعية التي تقودها فرنسا والمملكة المتحدة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تسهيل استئناف حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، من خلال حماية السفن التجارية، وطمأنة شركات الشحن، ودعم التحقق من إزالة جميع الألغام».

ما بين بيان السبع ومضمون الاتفاق الإطار

يتضمن بيان قادة مجموعة السبع، بصرف النظر عن مسألة شروط الإبحار في مضيق هرمز، نقطة مهمة تتعلق بـ«المبادرة متعددة الجنسيات» التي أطلقتها باريس ولندن في أبريل (نيسان) الماضي لضمان «المرور الآمن» في المضيق.

وتشير هذه النقطة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كان مستاءً من إحجام الدول الأوروبية والأطلسية عن مساندة القوات الأميركية في جهودها لتأمين حرية الملاحة وسلامتها في هرمز بعد إغلاقه من جانب «الحرس الثوري» منذ الأيام الأولى للحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران التي اندلعت ليل 28 فبراير (شباط)، بات أكثر انفتاحاً على الدور الأوروبي.

وعندما سُئل ترمب في الأيام الأولى من الأزمة عن العرض الأوروبي المتعلق بهرمز، أجاب بنبرة فوقية بأنه «لن يحتاج إلى ذلك». لكن تعاطي القادة الأوروبيين معه، وفي مقدمهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب الحاجة الملحة لإعادة فتح المضيق في أسرع وقت ممكن، والاعتقاد بأن الإيرانيين قد لا يمتلكون القدرات الكافية لإزالة الألغام التي زُرعت في مياهه، دفعه إلى تعديل مقاربته، وهو ما انعكس في البيان الختامي لقمة السبع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال توقيعه، عن بعد، ليل الأربعاء الإتفاق الأطار المبرم مع الجانب الإيراني ولها خلفهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو ونظيره الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)

وتناول ترمب الدور الأوروبي بالإشارة إلى أهمية إزالة الألغام من المضيق لجعله آمناً أمام الملاحة مجدداً، وتشجيع شركات الشحن على استخدامه، وخفض تكاليف التأمين على السفن العابرة.

وليس سراً أن الأوروبيين، الذين استُبعدوا من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ينظرون إلى الخليج العربي بوصفه البوابة التي قد تمكّنهم من العودة إلى الملف الإيراني. وكان ماكرون قد استبق انطلاق قمة إيفيان بالقول، في مقابلة تلفزيونية بُثت يوم الاثنين، إن المهمة البحرية التي تقودها فرنسا وبريطانيا «يمكن نشرها خلال يومين أو ثلاثة أيام».

وتسعى باريس ولندن إلى إنشاء «مهمة مستقلة عن الولايات المتحدة، ذات طابع دفاعي ومحايد»، بما يسهّل قبولها من مختلف الأطراف. وفي الوقت نفسه، تريد العاصمتان أن تشكل هذه المشاركة وسيلة لإعادة التقارب مع واشنطن، فضلاً عن حماية المصالح الأوروبية في منطقة الخليج.

شروط برلين للمشاركة

رغم تأكيد مصادر رئاسية فرنسية أن ما لا يقل عن 12 دولة جاهزة للمشاركة في هذه المهمة، إلا أن الحقيقة مختلفة بعض الشيء حيث أن جهات لصيقة بالمبادرة أكدت أن خمس دول على الأكثر قادرة عمليا على المشاركة وهي، الى جانب فرنسا وبريطانيا، ألمانيا وإيطاليا وهولندا.

وكانت باريس قد وجهت حاملة الطائرات «شارل ديغول» والقطع البحرية المرافقة لها إلى بحر العرب. وكشفت وزيرة الدفاع الفرنسية كاترين فوتران أن كاسحتي ألغام فرنسيتين غادرتا مرفأ طولون المتوسطي وأبحرتا باتجاه الخليج. واتخذت ألمانيا خطوة مماثلة، فيما جمعت بريطانيا عدداً من قطعها البحرية في المنطقة تحسباً لانتشار سريع. ووفق الرؤية الفرنسية، يتعين نشر قطع بحرية لحماية كاسحات الألغام إذا ساءت الأمور.

وخلال وجوده في بروكسل للمشاركة في اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن دولاً أوروبية «مستعدة للمشاركة» في الجهود الخاصة بمضيق هرمز، من دون أن يغفل الإشارة إلى أن كثيراً من حلفاء واشنطن «خذلوها» عندما طلبت مساعدتهم.

وكشف نظيره الألماني بوريس بيستوريوس، في المناسبة نفسها، أن كاسحتي ألغام ألمانيتين تبحران باتجاه البحر الأحمر، مصحوبتين بقدرات عسكرية متنوعة وقوات حماية. لكنه أضاف أن مهمة إزالة الألغام «ما زالت أمراً مفتوحاً»، مؤكداً الحاجة إلى توافر «إطار قانوني دولي واضح» لإطلاقها.

وفي السياق نفسه، ربط وزير الخارجية الألماني مشاركة بلاده، في حديث لصحيفة «راينيشه بوست»، بتوافر «مجموعة من الشروط»، منها وقف الأعمال القتالية، وتوافق جميع الأطراف على إعادة فتح المضيق، وتلقي ألمانيا «تكليفاً رسمياً»، فضلاً عن موافقة البوندستاغ، البرلمان الألماني.

أما الغطاء الدولي، فيمكن أن يأتي عبر الأمم المتحدة، مضيفاً أنه «يجب أن يكون واضحاً أن كلاً من إيران وسلطنة عمان لا ترفضان انتشار سفننا في مياههما. لا يمكننا ولا نريد تعريض قواتنا المسلحة لأي مخاطر غير ضرورية».

ونبه بيستوريوس إلى أن أموراً كثيرة ستتوقف على مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة خلال الستين يوماً المقبلة. لكنه قال إن برلين «إذا حان الوقت، فستكون مستعدة».

غموض الموقف الإيراني

حتى الآن، لم يصدر أي موقف رسمي من مسقط، لا ترحيباً ولا رفضاً للمبادرة. لكن المؤكد أن الحكومة العمانية لن تعارض مقترحاً يحظى بدعم أميركي وغربي واسع.

غير أن العقدة الأساسية تبقى في الموقف الإيراني، إذ لم يكشف المسؤولون الإيرانيون خلال الأيام الأخيرة عن موقف واضح من المبادرة. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الاثنين، إنه «أثار» هذا الملف مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، من دون أن يكشف عن مضمون المحادثات. في المقابل، أفاد مصدر رئاسي فرنسي بأن إيران «لم تقل نعم ولم تقل لا».

لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قال الخميس إن إعادة فتح مضيق هرمز تُعد «مسؤولية إيرانية» بموجب مذكرة التفاهم، مشيراً إلى رفض طهران أي مزاعم أو محاولات للتدخل الأجنبي في هذا الملف.

مضيق هرمز وفيه تظهر ، من الجانب العماني، عشرات البواخر الراسية بسبب علاقه منذ عدة أشهر (رويترز)

وفي جميع الأحوال، يصعب فصل تفعيل مهمة إزالة الألغام، التي تدفع باتجاهها مختلف الأطراف وفي مقدمتها الولايات المتحدة، عن مسار الجولة الجديدة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية المقرر أن تنطلق الجمعة في سويسرا على مستوى رفيع. كما يربط الأوروبيون المضي في هذه المهمة بالحصول على موافقة إيرانية رسمية وعلنية، ما يجعل موقف طهران عاملاً حاسماً في تحديد مصيرها.

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت الاثنين عن مسؤول إيراني قوله إن أي وجود لقوات أجنبية، سواء لحماية الملاحة أو لإزالة الألغام، «أمر غير مقبول... فهذه مجرد حيلة لجلب قوات بحرية إلى المضيق، ولن يتم قبولها».

كما نقلت عن مسؤول أمني إيراني قوله إن طهران «لا تثق إطلاقاً بالدول الأجنبية»، مضيفاً أن السيطرة على المضيق تعود لإيران، وإلى حد ما لسلطنة عمان.

وبصورة أكثر وضوحاً، تخشى إيران أن يؤدي قبولها بانتشار قوات أوروبية في المضيق تحت عنوان إزالة الألغام إلى تحول هذا الوجود إلى أمر دائم أو طويل الأمد، وهو ما لا ترغب فيه.

وهكذا تتبدى ملامح مسألة معقدة تمسك طهران بأحد أطرافها وتريد ان تجعلها ورقة رابحة بين يديها في هذه المرحلة الجديدة من عملية شد الحبال مع واشنطن.


إسرائيل واثقة من وقوع حرب جديدة مع إيران

امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
TT

إسرائيل واثقة من وقوع حرب جديدة مع إيران

امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه الإسرائيليون بالاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، وسط رأي سائد بأنه سيئ لإسرائيل وللمصالح الغربية عموماً، والإقليمية خصوصاً، كشف النقاب عن اتجاه يسود في قيادة الجيش الإسرائيلي وغيره من أجهزة الأمن في تل أبيب للإعداد لجولة حربية مقبلة حتماً مع إيران. لذلك، يستعد الجيش الإسرائيلي بكل قوته لمواجهة الخطر وخوض المعركة المقبلة المتوقعة.

وحسب ما يجري من مداولات في أروقة دائرة التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، فإن الإسرائيليين يرون أن: «القادة الإيرانيين لا يحترمون الاتفاقيات، كما ظهر في الحرب الأخيرة عدة مرات، ولا يؤمنون حقاً بتعاليم الإسلام الذي يوصي حتى بسابع جار، ولا يكترثون للثمن الذي يدفعه الشعب الإيراني، لذلك فإنهم سيخرقون الاتفاق في أول مناسبة».

فالأحداث الأخيرة، عندما بلغت المفاوضات ذروتها لوقف النار وبدا أن الرئيس الأميركي مصمم على إنهاء الحرب، تعززت الثقة بالنفس، الزائدة أصلاً لدى الإسرائيليين، وبدأوا يعدون للحرب المقبلة. ويُتوقع أنهم سيستغلون فترة المفاوضات لمواصلة مشاريعهم الحربية.

«تصحيح شروط الاتفاق»

بزشكيان يعرض نسخة من «مذكرة التفاهم» الموقعة مع ترمب لإنهاء الحرب (أ.ف.ب)

وبغض النظر عما يدور في الأروقة السياسية الإسرائيلية ومحاولات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التأثير على الإدارة الأميركية لتصحيح شروط مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران، يتضح من تلك المداولات أن الجيش الإسرائيلي يتصرف كما لو أن الحرب مستمرة، ويضع إيران هدفاً استراتيجياً لمخططاته.

ومن مظاهر هذا السلوك أن الجيش الإسرائيلي ضاعف الجهود الاستخبارية لمتابعة ما يجري في طهران، خصوصاً ما تفعله طهران من ترميم قدراتها العسكرية التي تلقت ضربات قاسية خلال الحرب. وتبدو تل أبيب واثقة من أن إيران ستخرق الاتفاق عن طريق وكلائها في لبنان.

وتكشف مداولات الجيش الإسرائيلي عن أنه بمجرد أن تخرق إيران الاتفاق في لبنان سيتم استئناف الحرب بشكل أفضل؛ لأن الجيشين الشريكين، الأميركي والإسرائيلي، سيكونان قد استفادا من التجربة السابقة لتوجيه ضربات أقسى لإيران.

المعروف أن قسم التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي هو الجهة المكلفة برصد التطورات المؤثرة على إسرائيل ووضع الخطط لمواجهتها في السنوات المقبلة، على المديين القريب والبعيد. وهو يعمل بغض النظر عن التحركات السياسية والالتزامات التي يفرضها التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، مع أنه يهتم بإشراك الأميركيين في تقديراته وخططه.

إيران هدف مركزي

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لرئيس الأركان إيال زامير خلال متابعة الضربات على إيران في غرفة العمليات خلال مارس الماضي

وعندما يضع الجيش الإسرائيلي إيران هدفاً مركزياً، تعمل ماكينته الضخمة على متابعة كل حراك داخل إيران. ويتضح من المداولات أن الجيش الإسرائيلي يرى أن طهران لم تتخل عن أهدافها ضد إسرائيل، بما في ذلك «تدميرها».

كما يرى أن إيران لا تخفي هذا الهدف، حتى وهي في عز المفاوضات مع الأميركيين للتوصل إلى اتفاق سلام شامل. فالدولة العبرية خارج حسابات السلام الإيرانية.

والمعروف كذلك أن الحكومة الإسرائيلية، ولأسباب سياسية داخلية، تتعامل مع التفاهمات الأميركية - الإيرانية بنظرة سلبية. وتعارض أي مفاوضات مع طهران، وتقول إن أي اتفاق نجم وينجم عنها سيكون سيئاً لأن مجرد الحوار مع «الحرس الثوري» الإيراني يقويه.

وتجد تل أبيب في مذكرة التفاهم «تنازلات أميركية غير مفهومة»، لكن في خطابها الرسمي لا تنتقد الاتفاق وتحاول الامتناع عن إغضاب الرئيس ترمب. وكما قال نتنياهو لوزرائه، بعد الكشف عن الاتفاق: «أستطيع مط الحبل وشده ولكنني لا أريد أن أقطعه».

في المقابل، يعمل الجيش الإسرائيلي بهدوء كما لو أنه لا يوجد اتفاق. ومع أنه يفضل أن تكون الحرب المقبلة أيضاً بشراكة كاملة مع الجيش الأميركي، فإنه يستعد أيضاً لخوض الحرب المقبلة وحده، وربما بدعم أميركي ولو من بعيد، مثل المساهمة في اعتراض الصواريخ الإيرانية قبل وصولها إلى إسرائيل، وتزويد المقاتلات الإسرائيلية بالوقود في الجو، وتزويد تل أبيب بالمعلومات الاستخبارية وبيعها أسلحة حديثة، مثل القنابل الذكية وغيرها.

وفي ضوء التقديرات في دائرة التخطيط الاستراتيجي، يتم إشراك الصناعات الحربية الإسرائيلية بالمعطيات حتى تهتم بتطوير الأسلحة الحديثة وسد النقص الذي يمكن أن ينجم عن تجنب واشنطن المشاركة في الحرب.