ما العلاقة بين تراجع «كورونا» وانخفاض أسعار القرود في الصين؟

انخفضت أسعار «قرود المختبرات» مع معاناة قطاع الدواء في الصين (رويترز)
انخفضت أسعار «قرود المختبرات» مع معاناة قطاع الدواء في الصين (رويترز)
TT

ما العلاقة بين تراجع «كورونا» وانخفاض أسعار القرود في الصين؟

انخفضت أسعار «قرود المختبرات» مع معاناة قطاع الدواء في الصين (رويترز)
انخفضت أسعار «قرود المختبرات» مع معاناة قطاع الدواء في الصين (رويترز)

ألقى بطء حركة الأبحاث الطبية في الصين في فترة ما بعد جائحة «كورونا» بظلاله على سوق فريدة من نوعها، حيث انخفضت أسعار «قرود المختبرات» مع معاناة قطاع الدواء في ثاني أكبر اقتصاد في العالم من تراجع الاستثمارات.

كان سعر القرد الواحد، الذي تسميه الصين «الرئيسيات من غير البشر» في عام 2019 نحو 4 آلاف دولار، ثم ارتفع في عام 2022 إلى نحو 26 ألف دولار، قبل أن ينخفض في نهاية عام 2023 إلى 11 ألف دولار، وهو ما يعدّ مؤشراً على كمية الأبحاث الطبية على الدواء، وفق «فاينينشيال تايمز».

ويقول شين شين، محلل نظم الرعاية الصحية في الصين، إن أول عامين من جائحة «كوفيد 19» شهدا ارتفاعات كبيرة في الاستثمار في قطاع الدواء، حيث ضخّ المستثمرون أموالهم في الشركات المحلية التي تصنع اللقاحات.

ما أدى إلى ارتفاع الطلب على «قرود المختبرات»، التي تشدد المنظمون على أهميتها في المراحل الأولى من اختبار الأدوية لإثبات سلامتها، لتشابه بنيان القردة وسلوكها مع الإنسان، وذلك على الرغم من معارضة نشطاء حقوق الحيوان.

ويرى بروس ليو، شريك لدى شركة «سيمون كوتشر» للاستشارات، أن أسعار القرود كانت ترتفع بشدة وتهبط خلال السنوات القليلة الماضية كمؤشر على الارتفاع والانخفاض في معدل التجارب السريرية في قطاع التكنولوجيا الحيوية في الصين.

وحفّز انخفاض تكلفة التجارب السريرية في الصين وارتفاع نسبة كبار السن الاستثمار في هذا القطاع، لكن خلال آخر سنتين انخفضت قيمة الاستثمارات مع تراجع الطلب على لقاحات «كوفيد». وهوى الاستثمار في قطاع الصحة الصيني من 31 مليار دولار في عام 2021 إلى 12 مليار دولار في عام 2023، وفقاً لبيانات شركة «يو بي إس». وهو ما يعكس التراجع في الاستثمار في اكتشاف الأدوية.

ارتفاع وانخفاض سعر «قرود المختبرات» أصبح مؤشراً على كمية الأبحاث الطبية على الدواء (أ.ف.ب)

في عام 2021، تم تربية 30 ألف قرد في الصين، وفقاً لبيانات معهد الصحة الوطني، وهو أقل من المطلوب بنحو 30 في المائة، ويضيف ليو أن «الشركات التي اشترت مزارع تربية القرود، علقت في (استثمار القرود)».

وبينما انخفضت أسعار قرود المختبرات في الصين، طالب العلماء الأميركيون الحكومة بالاستثمار في برامج تربية القرود بسبب أزمة المعروض التي أثرت على الأبحاث.

منعت الصين تصدير قرود المختبرات في عام 2020 مع انتشار فيروس «كورونا»، ولأن الصين كانت المورد الأول للقرود للولايات المتحدة، فقد ارتفع سعرها في أميركا بنحو 3 أضعاف بين عامي 2019 و2022، وفقاً لمنظمة الأبحاث والاستثمار «إيفركور آي سي آي».

بعدها لاحقت الولايات المتحدة السوق غير القانونية لتهريب قرود المختبرات من كمبوديا، التي حاولت ملء الفراغ الذي تركته الصين.


مقالات ذات صلة

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

حين تصبح الخلية روبوتاً... هل يقترب علاج الشلل بالمجهر؟

الروبوتات الحية جيل جديد لإصلاح الحبل الشوكي
الروبوتات الحية جيل جديد لإصلاح الحبل الشوكي
TT

حين تصبح الخلية روبوتاً... هل يقترب علاج الشلل بالمجهر؟

الروبوتات الحية جيل جديد لإصلاح الحبل الشوكي
الروبوتات الحية جيل جديد لإصلاح الحبل الشوكي

ماذا لو لم يعد علاج الشلل يبدأ بمشرط جراح أو جهاز روبوتي ضخم، بل بكيانات حية مجهرية أصغر من رأس الدبوس، تُحقن داخل الجسم لتبحث بنفسها عن موضع الإصابة وتبدأ عملية ترميم الأنسجة العصبية من الداخل؟

قد يبدو هذا المشهد أقرب إلى صفحات الخيال العلمي، لكن دراسة حديثة نُشرت في الثاني من يونيو (حزيران) 2026 في مجلة «نيتشر ماتيريالز» (Nature Materials) تشير إلى أن هذا المستقبل قد يكون أقرب مما تصورنا. ويبرز الآن جيل جديد من «الروبوتات الحية» بوصفه أحد أكثر الابتكارات إثارة للجدل والأمل في الطب الحديث.

من الآلات المعدنية إلى الروبوتات الحية

من الآلات المعدنية إلى الروبوتات الحية

عندما نسمع كلمة «روبوت» يتبادر إلى الذهن جهاز معدني مزود بمحركات وأذرع إلكترونية. لكن العلماء يتحدثون اليوم عن مفهوم مختلف تماماً: روبوتات حيوية تتكون جزئياً من خلايا حية قادرة على الإحساس بالبيئة المحيطة والتفاعل معها.

وفي الدراسة الجديدة التي قادها البروفسور سالفادور بانيه (Salvador Pané) والبروفسور برادلي نيلسون (Bradley Nelson) من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ (ETH Zurich)، نجح الباحثون في تطوير ما أطلقوا عليه اسم «إن بي سي بوتس» (NPCbots)، وهي روبوتات مجهرية تجمع بين الخلايا الجذعية العصبية وجسيمات مغناطيسية نانوية يمكن توجيهها والتحكم بها من خارج الجسم بواسطة مجالات مغناطيسية دقيقة.

ولا تقتصر وظيفة هذه الجسيمات على تحريك الروبوتات داخل الأنسجة، بل تستطيع أيضاً تحويل الإشارات المغناطيسية إلى محفزات كهربائية دقيقة تساعد الخلايا العصبية على النمو والتجدد، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة لعلاج إصابات الجهاز العصبي من الداخل.

إصابات الحبل الشوكي التحدي الأصعب

إصابات الحبل الشوكي... التحدي الأصعب

تمثل إصابات الحبل الشوكي واحدة من أكثر المشكلات استعصاءً في الطب الحديث. فعندما تتضرر الألياف العصبية داخل الحبل الشوكي تفقد قدرتها الطبيعية على التجدد، وهو ما قد يؤدي إلى درجات متفاوتة من الشلل قد تستمر مدى الحياة.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم يتعرضون سنوياً لإصابات الحبل الشوكي، في حين لا تزال الخيارات العلاجية المتاحة محدودة، وتتركز غالباً على التأهيل وتقليل المضاعفات أكثر من استعادة الوظيفة العصبية المفقودة.

لهذا السبب حظيت نتائج الدراسة باهتمام واسع في الأوساط العلمية، إذ أظهرت التجارب المخبرية والحيوانية أن الروبوتات الحية الجديدة تمكنت من تعزيز نمو الخلايا العصبية والمساعدة في إعادة بناء بعض الوصلات العصبية المتضررة، وهي خطوة طالما سعى إليها الباحثون في مجال طب الأعصاب التجديدي.

نتائج تثير التفاؤل

في تجارب أُجريت على أسماك الزرد، وهي من أكثر النماذج الحيوانية استخداماً في أبحاث الأعصاب، تمكنت الروبوتات الحية من تحقيق تحسن شبه كامل في الوظائف الحركية خلال فترة قصيرة نسبياً.

كما أظهرت التجارب على فئران مصابة بإصابات شديدة في الحبل الشوكي تحسناً ملحوظاً في القدرة على الحركة خلال أسابيع قليلة مقارنة بالمجموعات التي لم تتلقَّ العلاج.

ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر، فإن هذه النتائج تشير إلى إمكانية دمج العلاج الخلوي والهندسة الروبوتية في منصة علاجية واحدة، وهو ما قد يمثل خطوة مهمة نحو جيل جديد من العلاجات التجديدية للأمراض والإصابات العصبية.

من لندن: الروبوتات الطبية تدخل عصراً جديداً

لندن تناقش مستقبل الروبوتات داخل الجسم

تأتي هذه التطورات في وقت ناقش فيه مؤتمر هامْلِن العالمي للروبوتات الطبية 2026، الذي انعقد في لندن خلال الفترة من 23 إلى 26 يونيو، مستقبل الروبوتات القادرة على العمل داخل جسم الإنسان. ويُعد المؤتمر، الذي ينظمه مركز هامْلِن للجراحة الروبوتية التابع لكلية إمبريال في لندن، واحداً من أهم التجمعات العلمية المتخصصة في الروبوتات الطبية والجراحية على مستوى العالم.

ومن بين أبرز المحاور المطروحة هذا العام الروبوتات اللينة، والروبوتات القادرة على العمل داخل الأعضاء، والأنظمة الميكروية التي تتنقل داخل الأوعية الدموية والأنسجة، إضافة إلى دمج الذكاء الاصطناعي في توجيه هذه المنصات العلاجية والتحكم بها.

ولعل الرسالة الأبرز التي تجمع بين مداولات المؤتمر ونتائج الدراسة السويسرية هي أن مستقبل الروبوتات الطبية قد لا يكمن في تصنيع آلات أكبر وأكثر تعقيداً، بل في تطوير أنظمة أصغر وأكثر ذكاءً وقدرة على العمل بتناغم مع بيولوجيا الجسم البشري نفسه. وليس من المستبعد أن تصبح هذه المنصات خلال العقد المقبل جزءاً من منظومة الطب التجديدي إذا أثبتت الدراسات السريرية سلامتها وفعاليتها.

عصر جديد من الطب الدقيق

تمثل الروبوتات المجهرية امتداداً طبيعياً لفلسفة الطب الدقيق، التي تسعى إلى إيصال العلاج إلى موضع المرض مباشرة بدلاً من تعريض الجسم بأكمله لتأثيراته.

في المستقبل قد تحمل هذه الروبوتات أدوية مضادة للأورام إلى الخلايا السرطانية بدقة متناهية، أو تساعد في إزالة الجلطات الدموية، أو ترميم الأنسجة العصبية المتضررة، أو حتى علاج أمراض معقدة داخل الدماغ من دون الحاجة إلى جراحات كبرى.

وإذا نجحت هذه التقنيات في اجتياز مراحل التطوير والدراسات السريرية، فقد نشهد تحولاً جذرياً في مفهوم العلاج نفسه، بحيث يصبح التدخل الطبي أكثر دقة وأقل إضراراً بالأنسجة السليمة، وأكثر قدرة على استهداف المرض من الداخل.

العالم العربي وسباق الطب الروبوتي

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تشهد دول عربية عدة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، استثمارات متنامية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الطبية المتقدمة ضمن رؤى طموحة تستهدف بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز الابتكار الصحي. وتبدو المملكة العربية السعودية في موقع مميز للاستفادة من هذه التحولات المستقبلية في ظل توسع منظومة البحث والابتكار الصحي وتبني التقنيات المتقدمة ضمن مستهدفات «رؤية 2030».

ومع التسارع الكبير في تطور الروبوتات الطبية والطب التجديدي، تبرز أهمية بناء برامج بحثية عربية قادرة على المساهمة في هذا التحول العالمي، لا الاكتفاء باستيراد تقنياته ونتائجه. فالجيل القادم من الطب لن يعتمد على الأدوية والأجهزة التقليدية وحدها، بل على التفاعل بين الذكاء الاصطناعي والهندسة الحيوية والخلايا الحية والروبوتات المجهرية. وهي مجالات تمتلك فيها المنطقة العربية فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة المستقبل إذا ما ترافقت الاستثمارات التقنية مع دعم البحث العلمي والتعليم المتخصص وبناء الكفاءات الوطنية.

بين الخلية والآلة

قبل سنوات قليلة كان السؤال المطروح هو: هل يمكن للروبوت أن يحل محل الجراح؟

أما اليوم فقد أصبح السؤال أكثر إثارة: هل يمكن للخلية الحية نفسها أن تتحول إلى روبوت علاجي قادر على البحث عن موضع الإصابة والمساهمة في إصلاحها؟

قد لا تكون الروبوتات الحية قادرة على إعادة الحركة إلى جميع المصابين بالشلل في المستقبل القريب، لكن ما نشهده اليوم قد يمثل بداية فصل جديد في تاريخ الطب؛ فصل تتراجع فيه الحدود التقليدية بين البيولوجيا والهندسة، وبين الخلية والآلة، وبين ما كان يُعد ضرباً من الخيال العلمي وما أصبح اليوم موضوعاً للبحث والتجريب داخل مختبرات القرن الحادي والعشرين.


باحثون يختبرون طائرات مسيّرة للتنبؤ بثوران البراكين في صقلية

عالم براكين من جامعة ميونيخ يستخدم جهاز ليزر داخل فوّهة «لا فوسا» (أ.ف.ب)
عالم براكين من جامعة ميونيخ يستخدم جهاز ليزر داخل فوّهة «لا فوسا» (أ.ف.ب)
TT

باحثون يختبرون طائرات مسيّرة للتنبؤ بثوران البراكين في صقلية

عالم براكين من جامعة ميونيخ يستخدم جهاز ليزر داخل فوّهة «لا فوسا» (أ.ف.ب)
عالم براكين من جامعة ميونيخ يستخدم جهاز ليزر داخل فوّهة «لا فوسا» (أ.ف.ب)

تحلّق على بعد نحو 25 كيلومتراً إلى الشمال من جزيرة صقلية الإيطالية طائرة مسيّرة مزودة بأشعة ليزر عند حافة فوّهة بركان يختبر من خلالها باحثون ألمان نظاماً جديداً لقياس الغازات بهدف تحسين سبل توقّع ثوران البراكين. بجوار مسند ثُبّت عليه حسّاس للغازات، يقف ماريوس شآب، من الجامعة التقنية في ميونيخ، منتظراً اقتراب الطائرة المسيّرة التي أطلقها زميله توّاً.

في المنطقة التي تشبه جغرافيتها بيئة القمر وتبدو كأنها معزولة عن بقية العالم، تجتاح الأجواء أعمدة من الأبخرة البيضاء ذات الرائحة الكبريتية اللاذعة، وبينها تبرز الطائرة المسيّرة الصغيرة ذات المروحة والمطوَّقة بحلقة حمراء لافتة.

ويعود آخر ثوران لبركان فولكانو الذي يبلغ ارتفاعه نحو 400 متر عن سطح البحر، إلى نهاية القرن التاسع عشر، لكن البركان الذي يمكن التجول على الأقدام حول فوهته لا يزال يشهد نشاطاً كثيفاً لانبعاث الغازات. سرعان ما تتموضع الطائرة المسيّرة الصغيرة على محور جهاز الاستشعار الموجود على الأرض، فيرسل لها هذا الأخير حزمة ليزر غير مرئية تعبر الانبعاثات الغازية البركانية وينعكس شعاعها على المسيّرة.

ويشرح ماريوس شآب: «نحصل بهذه الطريقة على تركيز الغاز انطلاقاً من سرعة الضوء ومن موضع العاكس» المثبَّت على الطائرة المسيّرة، موضحاً أنّه يكفي أن تتحرك الأخيرة في الهواء لكي تتغيّر الزوايا، وبالتالي تتغيّر القياسات.

ويشير الباحث البالغ 28 عاماً إلى أن «المشكلة كانت سابقاً أننا كنّا مضطرين لنقل جهاز الاستشعار... إلى داخل سحابة الغاز»، ما كان يفرض إعادة معايرة الجهاز باستمرار. ومن خلال البقاء على مسافة من الفوّهات الغازية التي يحمل التعرض الطويل لها خطراً، يستطيع الباحثون الاستغناء عن أقنعة الغاز. ويضيف الباحث: «من الآن فصاعداً، يمكن أن تبقى هذه الطائرة المسيّرة بعيداً (عن الغازات)، وكذلك المستشعر، في حين يوجد عمود الغاز ببساطة في مكانٍ ما بينهما»، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وانطلاقاً من الإشارات التي يرسلها المستشعر، تعد الخوارزميات خريطة لتركيز الغاز خلال فترة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، وهي المدة التي تقطع فيها الطائرة مساراً محدداً مسبقاً على مسافة قد تصل إلى 60 متراً من الليزر.

وهذه هي المرة الأولى التي يختبر فيها فريق من جامعة ميونيخ على بركان النظام التقني الذي يمكنه إجراء ما يصل إلى 3000 قياس. وبعد الجزر الإيولية، سيتوجه الفريق إلى بركان إتنا في صقلية.

وعلى مسافة أبعد قليلاً في محيط فوهة البركان، يستخدم فريق آخر من العلماء الألمان من جامعة ماينز حسّاسات مثبّتة على طائرة مسيّرة لقياس تركيزات المواد الكيميائية في الهواء.

وتوضح تياردا روبرتس، البالغة 46 عاماً، وهي باحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في باريس وتتعاون مع فريق ماينز، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «أحد أسباب قياس الغازات والجسيمات هو فهم تأثيرات ثوران البراكين... على الغلاف الجوي بشكلٍ أفضل».

وتضيف أن ذلك يحسّن أيضاً «التنبؤ بثوران البراكين؛ لأن تركيبة الغازات يمكن أن تتغيّر قبل حدوث الثوران»، خصوصاً مستويات ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت.

وكلما اشتدّ الضغط الذي تمارسه الحمم الصاعدة من باطن الأرض نحو السطح، ازدادت كمية الغازات المنبعثة. لذلك، فإن معرفة هذه الكمية بدقة أكبر يمكن أن تساعد على التنبؤ بالانفجارات البركانية بصورة أفضل. حاملاً قائمة فحص، يتأكد يوناس كراييفسكي، طالب الماجستير في جامعة يوهانس غوتنبرغ في ماينز، من أن «تينا»، وهو الاسم الذي أُطلق على الطائرة المسيّرة، قادرة على الطيران بشكل آمن. وسرعان ما ترتفع الطائرة التي تزن كيلوغرامين ونصف الكيلوغرام في الهواء وتتجه نحو انبعاثات البركان.

هذه المرة تخترق الطائرة المسيّرة، المزوَّدة بسلسلة من الحساسات التي تقيس الغازات والجزيئات والهالوجينات (الكروم، والبروم...)، قلب الفوَّهات الدخانية التي تتراوح حرارتها بين 100 و140 درجة مئوية.

ويوضح يوناس كراييفسكي، البالغ 28 عاماً، أن «ما هو رائع هنا، على هذا البركان، هو أن لدينا تدفقاً للغاز ثابتاً جداً... ما يتيح لنا الحصول على بيانات موثوقة للغاية من أجهزة الاستشعار».

وأصبحت الطائرات المسيّرة أداة شائعة في مراقبة البراكين منذ نحو خمسة عشر عاماً، لكن العلماء يسعون إلى تطوير أدوات لقياس الغازات تكون أكثر دقة وخالية من المخاطر. وبالنسبة لتياردا روبرتس، فإن إحدى المزايا الرئيسية للطائرة المسيّرة هي مرونتها الكبيرة. وتوضح: «يمكننا القياس حيثما نريد، يمكننا القياس في السحب البركانية، أبعد في الغلاف الجوي»، مضيفة أنه «أحياناً، على الأرض، نحاول إجراء قياس، لكن السحابة تنحرف في اتجاه آخر». محلّقة بمحاذاة الصخر المكسوّ ببلّورات الكبريت الصفراء المترسّبة بفعل الفوّهات الغازية، تعود «تينا» لتظهر قريباً في الأفق. في الأيام القليلة المقبلة، ينتظر الطائرة المسيّرة تحدٍّ جديد: جبل إتنا الذي يتجاوز ارتفاعه 3000 متر، وشهد توّاً ثوراناً جديداً.


لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي
TT

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

عندما بدأ قائد شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا القانونية باستخدام «تشات جي بي تي»، بدأ بما يفعله معظمنا - الاستفادة من قدرة هذه التقنية الجديدة على تولي بعض المهام الصغيرة والروتينية. ولكن وفي غضون أشهر قليلة، تحوّل نموذج الذكاء الاصطناعي من مساعد يُعنى بالبريد الإلكتروني... إلى أعلى سلطة في الشركة، كما كتب فيصل حقّ (*).

قيادة كارثية لبرنامج ذكاء اصطناعي

ظهرت أولى علامات خروج الأمور عن مسارها عندما وجّه موظفيه إلى استشارة الذكاء الاصطناعي قبل كل اجتماع لمناقشة أفكارهم. ثم بدأ باتخاذ قرارات هيكلية بشأن الشركة بناءً على محادثات مع روبوت الدردشة، وتوظيف وفصل الموظفين بناءً على توصيات الذكاء الاصطناعي، وتحويل تركيز الشركة بالكامل من مجال ممارسة إلى آخر بناءً على ما أخبره به النموذج في ذلك الأسبوع. كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما استخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء وثيقة أطلق عليها اسم «الكتاب المقدس»، وهي عبارة عن دليل عمل متغيّر باستمرار، كان يُتوقع من الموظفين دراسته حتى لا يضطروا أبداً إلى طرح أي سؤال على زميل بشري. قد يميل البعض إلى تصنيف هذا النوع من القصص ضمن «حكايات جنون المكاتب»... لكنها موجودة، بل ومنتشرة.

لماذا يُعدّ حكمك مهماً؟

من المفيد أن تكون واضحاً بشأن ما تُجيده نماذج الذكاء الاصطناعي وما لا تُجيده. لقد استوعب النموذج الرائد ما يُقارب مجموع المعرفة البشرية المُسجلة: العلوم، وروائع الفنون، والحكمة المُتراكمة لمفكري الأعمال في العالم. وهذا ما يجعله قوياً للغاية. لكن هذه القوة متجذرة في معرفة متاحة للجميع.

ما تفتقر إليه نماذج اللغة الكبيرة هو الرؤية من داخل المواقف البشرية المُحددة. يمكنك تزويد النموذج بسياق، وسيستخدمه النموذج الجيد بذكاء. لكن في كثير من الأحيان، تكون أهم الأشياء التي تعرفها عن عملك لم تُدوّن قط. إنها ليست في بيانات التدريب ولن تكون أبداً، لأنها كامنة في تجربتك الشخصية: المقايضات التي تقبلها وتلك التي ترفضها؛ استقبال أو رفض قرار ما من قِبل هذا المجلس ومن هؤلاء العملاء.

لهذا السبب يصعب تفويض الحكم إلى آلة، ولهذا السبب أيضاً يكون تفويضه مغرياً للغاية لأن إجابة النموذج تأتي بسرعة، وتأتي واضحة، ولا تتطلب منك أي جهد. الاستسلام لها دون التفكير ملياً في صحتها أو خطئها هو فشل في الإرادة في أبشع صوره.

القادة «أكثر عرضة» للمبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي... لابتعادهم عن العمل الفعلي

تنطبق مخاطر التخلي عن القدرة المعرفية على جميع العاملين. لكنها تتخذ بُعداً إضافياً بالنسبة للقادة: فالقادة ليسوا فقط عرضة لخطر التخلي عن حكمهم للآلة، بل إن قراراتهم قد تجبر مؤسسات بأكملها على اتخاذ الخطوة الخطيرة نفسها. والقادة معرضون بشكل خاص للعوامل التي قد تؤدي إلى سوء اتخاذ القرارات في هذا المجال.

وأشار آرون ليفي، مؤسس شركة Box ومديرها التنفيذي، إلى هذه المشكلة حديثاً عندما جادل بأن كبار القادة «أكثر عرضة» للمبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن السبب في ذلك هو ابتعادهم عن العمل الفعلي. فالقادة يرون العروض التوضيحية المصقولة، أو النماذج الأولية، أو العقود المُنشأة من الذكاء الاصطناعي)، ويستنتجون أن المهمة قد أُنجزت.

أما بالنسبة للكثيرين، فيبقى الجهد الكبير المبذول بين الناتج الأولي المثير للإعجاب والنتيجة النهائية، المشابهة ظاهرياً ولكنها أكثر دقة، غير مرئي. وهذه المسافة نفسها التي قد تجعل القادة يبالغون في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي ويصرون على استخدام موظفيهم للذكاء الاصطناعي في مهام معينة.

وهنا تتحول المشكلة الفردية إلى مشكلة تنظيمية. فالقائد الذي يتوقف عن استخدام حكمه الشخصي يميل إلى بناء شركة لا تطلب من أي شخص آخر استخدام حكمه. والأسوأ من ذلك، أن الشركة قد تبدأ حتى في اعتبار الحكم البشري نقطة احتكاك يجب تقليلها.

ما يجب على القادة فعله

إن حماية الحكم العقلي في جميع أنحاء المؤسسة مسألة نابعة من التصميم، وليست من الفرض الإجباري، إذ لا يمكنك أن تطلب من الناس التفكير بأنفسهم بينما تبني شركة تُكافئهم على عدم بذل الجهد.

3 خطوات يمكنك اتخاذها لحماية مكانة ملَكَة الحكم العقلي البشري

• احمِ وقت القيام بالعمل الفعلي. إن أضمن طريقة لدفع فريق إلى التفكير هي إفساح الوقت لهم وليس إكراههم على القيام بأشياء أخرى. إذا أصررتَ على مواعيد نهائية لا يمكن تحقيقها إلا باستخدام الآلات، فإن الاعتماد على إجابات الذكاء الاصطناعي السلسة لن يكون خياراً (بل سيكون واجباً). ولذا وللحفاظ على فرصة التقييم العقلي البشري، من الضروري وضع حدود للضغط على العاملين لتحقيق أعلى كفاءة بأقل الأوقات.

• كافئ القرار لا الناتج فقط. إذا كان قياسك يقتصر على السرعة والكمية، فإنك تشجع على التهرب من التفكير. ابحث عن طرق لتقدير القرار نفسه، مثل الإشادة بالقرارات التي تنبثق نتيجة تفكير معمق، أو تقييم عدد المرات التي يتجاوز فيها الأفراد توصيات الآلة بشكل صحيح.

• اجعل تقييمك واضحاً. كن قدوة. اجعل علاقتك بالآلة تحدد النمط لكل من يعمل تحت إمرتك. إذا اعتبرت إجابة الذكاء الاصطناعي نهائية، فإنك سترخص لهم فعل الشيء نفسه؛ ناقش تلك الإجابة وتجاوزها أمام فريقك عندما يكون لديك سبب وجيه، واجعل ذلك هو القاعدة. أظهر، بوضوح، أن إجابة الآلة هي بداية عملية التقييم، وليست نهايتها.

الخلاصة: تحمل القرار بنفسك

تكمن المفارقة في أن التخلي عن التفكير الآلي يأتي في وقت تعمل فيه التكنولوجيا في ذروة كفاءتها وفي العادة فإن النموذج الذكي السريع والسلس والصحيح في أغلب الأحيان... هو تحديداً النموذج الذي تتوقف عن مراجعة إجاباته. وهنا يبدو كل تصرف من هذا القبيل منطقياً... إلى حين أن تكتشف أن مؤسستك قد تخلت ليس فقط عن تفكيرها الروتيني، بل عن إرادتها في اتخاذ قراراتها الخاصة.

ليست التكنولوجيا هي المشكلة هنا، وتقليل استخدامها ليس هو الحل. المهم هو التمسك بما لا تستطيع التكنولوجيا توفيره، ألا وهو القدرة على النظر إلى ما أنتجته الآلة، وتحديد مدى صحته، وتحمل مسؤولية القرار بنفسك.

مجلة «فاست كومباني».

عاجل وكالة الأنباء الإيرانية: الجيش الأميركي هاجم بالصواريخ جزيرة قشم