باحثون يختبرون طائرات مسيّرة للتنبؤ بثوران البراكين في صقلية

عالم براكين من جامعة ميونيخ يستخدم جهاز ليزر داخل فوّهة «لا فوسا» (أ.ف.ب)
عالم براكين من جامعة ميونيخ يستخدم جهاز ليزر داخل فوّهة «لا فوسا» (أ.ف.ب)
TT

باحثون يختبرون طائرات مسيّرة للتنبؤ بثوران البراكين في صقلية

عالم براكين من جامعة ميونيخ يستخدم جهاز ليزر داخل فوّهة «لا فوسا» (أ.ف.ب)
عالم براكين من جامعة ميونيخ يستخدم جهاز ليزر داخل فوّهة «لا فوسا» (أ.ف.ب)

تحلّق على بعد نحو 25 كيلومتراً إلى الشمال من جزيرة صقلية الإيطالية طائرة مسيّرة مزودة بأشعة ليزر عند حافة فوّهة بركان يختبر من خلالها باحثون ألمان نظاماً جديداً لقياس الغازات بهدف تحسين سبل توقّع ثوران البراكين. بجوار مسند ثُبّت عليه حسّاس للغازات، يقف ماريوس شآب، من الجامعة التقنية في ميونيخ، منتظراً اقتراب الطائرة المسيّرة التي أطلقها زميله توّاً.

في المنطقة التي تشبه جغرافيتها بيئة القمر وتبدو كأنها معزولة عن بقية العالم، تجتاح الأجواء أعمدة من الأبخرة البيضاء ذات الرائحة الكبريتية اللاذعة، وبينها تبرز الطائرة المسيّرة الصغيرة ذات المروحة والمطوَّقة بحلقة حمراء لافتة.

ويعود آخر ثوران لبركان فولكانو الذي يبلغ ارتفاعه نحو 400 متر عن سطح البحر، إلى نهاية القرن التاسع عشر، لكن البركان الذي يمكن التجول على الأقدام حول فوهته لا يزال يشهد نشاطاً كثيفاً لانبعاث الغازات. سرعان ما تتموضع الطائرة المسيّرة الصغيرة على محور جهاز الاستشعار الموجود على الأرض، فيرسل لها هذا الأخير حزمة ليزر غير مرئية تعبر الانبعاثات الغازية البركانية وينعكس شعاعها على المسيّرة.

ويشرح ماريوس شآب: «نحصل بهذه الطريقة على تركيز الغاز انطلاقاً من سرعة الضوء ومن موضع العاكس» المثبَّت على الطائرة المسيّرة، موضحاً أنّه يكفي أن تتحرك الأخيرة في الهواء لكي تتغيّر الزوايا، وبالتالي تتغيّر القياسات.

ويشير الباحث البالغ 28 عاماً إلى أن «المشكلة كانت سابقاً أننا كنّا مضطرين لنقل جهاز الاستشعار... إلى داخل سحابة الغاز»، ما كان يفرض إعادة معايرة الجهاز باستمرار. ومن خلال البقاء على مسافة من الفوّهات الغازية التي يحمل التعرض الطويل لها خطراً، يستطيع الباحثون الاستغناء عن أقنعة الغاز. ويضيف الباحث: «من الآن فصاعداً، يمكن أن تبقى هذه الطائرة المسيّرة بعيداً (عن الغازات)، وكذلك المستشعر، في حين يوجد عمود الغاز ببساطة في مكانٍ ما بينهما»، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وانطلاقاً من الإشارات التي يرسلها المستشعر، تعد الخوارزميات خريطة لتركيز الغاز خلال فترة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، وهي المدة التي تقطع فيها الطائرة مساراً محدداً مسبقاً على مسافة قد تصل إلى 60 متراً من الليزر.

وهذه هي المرة الأولى التي يختبر فيها فريق من جامعة ميونيخ على بركان النظام التقني الذي يمكنه إجراء ما يصل إلى 3000 قياس. وبعد الجزر الإيولية، سيتوجه الفريق إلى بركان إتنا في صقلية.

وعلى مسافة أبعد قليلاً في محيط فوهة البركان، يستخدم فريق آخر من العلماء الألمان من جامعة ماينز حسّاسات مثبّتة على طائرة مسيّرة لقياس تركيزات المواد الكيميائية في الهواء.

وتوضح تياردا روبرتس، البالغة 46 عاماً، وهي باحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في باريس وتتعاون مع فريق ماينز، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «أحد أسباب قياس الغازات والجسيمات هو فهم تأثيرات ثوران البراكين... على الغلاف الجوي بشكلٍ أفضل».

وتضيف أن ذلك يحسّن أيضاً «التنبؤ بثوران البراكين؛ لأن تركيبة الغازات يمكن أن تتغيّر قبل حدوث الثوران»، خصوصاً مستويات ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت.

وكلما اشتدّ الضغط الذي تمارسه الحمم الصاعدة من باطن الأرض نحو السطح، ازدادت كمية الغازات المنبعثة. لذلك، فإن معرفة هذه الكمية بدقة أكبر يمكن أن تساعد على التنبؤ بالانفجارات البركانية بصورة أفضل. حاملاً قائمة فحص، يتأكد يوناس كراييفسكي، طالب الماجستير في جامعة يوهانس غوتنبرغ في ماينز، من أن «تينا»، وهو الاسم الذي أُطلق على الطائرة المسيّرة، قادرة على الطيران بشكل آمن. وسرعان ما ترتفع الطائرة التي تزن كيلوغرامين ونصف الكيلوغرام في الهواء وتتجه نحو انبعاثات البركان.

هذه المرة تخترق الطائرة المسيّرة، المزوَّدة بسلسلة من الحساسات التي تقيس الغازات والجزيئات والهالوجينات (الكروم، والبروم...)، قلب الفوَّهات الدخانية التي تتراوح حرارتها بين 100 و140 درجة مئوية.

ويوضح يوناس كراييفسكي، البالغ 28 عاماً، أن «ما هو رائع هنا، على هذا البركان، هو أن لدينا تدفقاً للغاز ثابتاً جداً... ما يتيح لنا الحصول على بيانات موثوقة للغاية من أجهزة الاستشعار».

وأصبحت الطائرات المسيّرة أداة شائعة في مراقبة البراكين منذ نحو خمسة عشر عاماً، لكن العلماء يسعون إلى تطوير أدوات لقياس الغازات تكون أكثر دقة وخالية من المخاطر. وبالنسبة لتياردا روبرتس، فإن إحدى المزايا الرئيسية للطائرة المسيّرة هي مرونتها الكبيرة. وتوضح: «يمكننا القياس حيثما نريد، يمكننا القياس في السحب البركانية، أبعد في الغلاف الجوي»، مضيفة أنه «أحياناً، على الأرض، نحاول إجراء قياس، لكن السحابة تنحرف في اتجاه آخر». محلّقة بمحاذاة الصخر المكسوّ ببلّورات الكبريت الصفراء المترسّبة بفعل الفوّهات الغازية، تعود «تينا» لتظهر قريباً في الأفق. في الأيام القليلة المقبلة، ينتظر الطائرة المسيّرة تحدٍّ جديد: جبل إتنا الذي يتجاوز ارتفاعه 3000 متر، وشهد توّاً ثوراناً جديداً.


مقالات ذات صلة

وفاة الممثل آر جيه ميت نجم «بريكنغ باد» عن عمر 34 عاماً

يوميات الشرق آر جيه ميت (أرشيفية - أ.ب)

وفاة الممثل آر جيه ميت نجم «بريكنغ باد» عن عمر 34 عاماً

توفي الممثل الشاب آر جيه ميت المعروف بشخصية والتر وايت جونيور في المسلسل التلفزيوني الشهير «بريكنغ باد»، عن عمر ناهز 34 عاماً.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق علي خليفة أمام مجموعة من لوحاته (أرت ديستريكت)

علي خليفة يروي بريشته حكايات من غزَّة مسقط رأس والدته

أنجز علي خليفة لوحات معرضه خلال الحرب الأخيرة في لبنان، مستلهماً حكايات والدته وصوراً شاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنون التشكيلية والبصرية أحد المكونات التي ارتبطت بهوية موسم أصيلة منذ عقود (الشرق الأوسط)

«أصيلة»... الفنون التشكيلية ترسم هوية المدينة وتستقطب تجارب عالمية

لم تعد الجداريات مجرد وسيلة لتجميل الشوارع، بل أصبحت جزءاً من تعليم بصري مفتوح، يتلقى فيه الأطفال دروسهم الأولى من مشاهدة الفنانين أثناء العمل

ميرزا الخويلدي (أصيلة )
يوميات الشرق متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

في عالم يعتمد اقتصاده على حركة السفن والبضائع عبر البحار والمحيطات، يحتل البحارة الفلبينيون مكانة بارزة، إذ يشكّلون ما بين 25 و30% من أطقم السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق هل تتبُّع المجرمين يسهم في الحد من العودة للإجرام (أ.ب)

تقرير: 5 آلاف مدان في إنجلترا وويلز خارج نطاق المراقبة

كشف تقرير حديث عن إخفاقات بنظام المراقبة الإلكترونية للمحكوم عليهم في إنجلترا وويلز، بعدما تُرك أكثر من 5 آلاف مدان دون مراقبة، خلال الأشهر الأولى من العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
TT

هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء

​أفاد العلماء أخيراً بأن الميكروبيوم البشري -وهو تريليونات الميكروبات التي تعيش في أمعائنا- كان نظاماً بيئياً مستقراً في عشرات آلاف السنين قبل أن يشهد تغيرات سريعة في الدول الصناعية، ما يثير مخاوف صحية محتملة لدى الإنسان المعاصر.

600 نوع مفقود من البكتيريا

وفي دراسة أجريت على الأفارقة وسكان أميركا الجنوبية، حدد الباحثون أكثر من 600 نوع من البكتيريا التي ربما كانت شائعة بالأمعاء في الماضي، ولكنها الآن نادرة أو غائبة تماماً عن معظم المجتمعات اليوم. وقال جاستن سوننبرغ، عالم الميكروبيوم في جامعة ستانفورد، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة «نتشر»، إن كثيراً من هذه الميكروبات ربما أفادت صحة الإنسان.

تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة

وتكهن بأن تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة في العالم الصناعي، من الحساسية إلى الخرف.

وتساءل سوننبرغ: «ما مدى خطورة هذا التغيير الكبير في الميكروبيوم الخاص بنا؟ أعتقد أن هذه الدراسة تشير إلى أن الوضع قد يكون خطيراً للغاية».

كان لدى أسلافنا الأوائل، الشبيهين بالقردة، ميكروبيوم مُتكيف مع نظام غذائي يعتمد على النباتات النيئة واللحوم. ويُعتقد أن تركيبه قد تغير منذ مئات آلاف السنين، عندما بدأ الإنسان القديم الطهي باستخدام النار. ومع انتشار البشر من أفريقيا قبل نحو 50 ألف عام، كانوا لا يزالون يعيشون على الحيوانات التي يصطادونها والنباتات البرية التي يجمعونها. ولم يبدأ المزارعون في استئناس المحاصيل إلا قبل نحو 10 آلاف عام، ما أدى على الأرجح إلى تغيير آخر في الميكروبيوم.

أطعمة السكر والحبوب المكررة: تغيير جوهري في العقود الأخيرة

في العقود الأخيرة، بدأ مليارات البشر تناول أطعمة غنية بالسكر والحبوب المكررة. وقد يكون للطب الحديث أيضاً تأثير عميق، فقد أنقذت المضادات الحيوية أرواحاً لا حصر لها، ولكنها قد تُدمر أيضاً الميكروبات المفيدة في الأمعاء.

أطفال «تسيماني» يوقدون الناس لتحضير الطعام

ولرسم تاريخ الميكروبيوم البشري، درس سوننبرغ وزملاؤه مجتمعات حول العالم في مستويات مختلفة من التصنيع. وظهر بعضٌ من أكثر النتائج إثارة للدهشة من قبيلة «هادزا»، وهي مجموعة صغيرة من الصيادين وجامعي الثمار في تنزانيا. ومن خلال دراسة عينات براز من متطوعين من «هادزا»، وجد سوننبرغ وزملاؤه طيفاً واسعاً من البكتيريا.

يقول سوننبرغ: «يوجد نحو 270 نوعاً من البكتيريا في براز الشخص العادي في كاليفورنيا، ونحو 730 نوعاً في براز الشخص العادي من (هادزا)».

التنوُّع... والندرة

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو تنوُّع هذه الأنواع. فكثير منها نادر أو غير موجود تماماً في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعية. وتساءل سوننبرغ وزملاؤه عن مدى تشابه الميكروبيوم لدى «هادزا» اليوم مع الميكروبات التي كانت تحملها شعوب الصيد وجمع الثمار القديمة. وقرر وفريقه مقارنة «هادزا» بشعوب أخرى لا تزال تتبع نمط حياة مشابهاً.

وبدأ العلماء بالتعاون مع علماء أنثروبولوجيا يدرسون مجموعة بوليفية تُدعى «تسيماني» يعيش أفرادها في قرى نائية في الأمازون؛ حيث يديرون مزارع صغيرة مع استمرارهم في الصيد وجمع الثمار. وبينما تتشابه ثقافات «هادزا» و«تسيماني» إلى حد ما، فإن تاريخهما مختلف تماماً؛ إذ ينحدر شعب «تسيماني» من شعوب غادرت أفريقيا قبل 50 ألف عام، وعبرت إلى الأميركتين قبل نحو 15 ألف عام. أما شعب «هادزا» فيقتصر أصله بالكامل على أفريقيا.

بكتيريا تستوطن الأمعاء منذ عشرات آلاف السنين

استخدم سوننبرغ وزملاؤه أساليب جديدة متطورة للكشف عن الحمض النووي البكتيري في عينات براز من شعب «تسيماني»، وقارنوا النتائج بتلك الموجودة لدى شعب «هادزا». ووجد الباحثون 848 نوعاً بكتيرياً مشتركاً بين المجموعتين، ولكنه نادر أو غائب في الدول الصناعية. ثم قاموا بتحليل 636 نوعاً كانت وفيرة بشكل خاص في العينات.

وجد العلماء أن كل نوع من هذه الأنواع يميل إلى حمل طفرات مميزة، اعتماداً على ما إذا كان موجوداً لدى شعب «هادزا» أو «تسيماني». ويشير هذا النمط إلى أن هذه الأنواع الميكروبية كانت تستوطن أمعاء الصيادين وجامعي الثمار منذ عشرات آلاف السنين.

ولا يزال شعب «هادزا» يحملها حتى اليوم، بفضل نمط حياتهم كصيادين وجامعي ثمار. ولكن أسلاف شعب «تسيماني» هاجروا عبر جسر بيرينغ البري إلى الأميركتين قبل 15 ألف عام، وربما قبل ذلك. وحال هذا الانفصال الجغرافي دون انتقال الميكروبات من سكان العالم القديم إلى الأميركتين. واستمر أسلاف «تسيماني» من الصيادين وجامعي الثمار في حمل بعض الأنواع نفسها التي حملها أسلافهم، ولكن البكتيريا الخاصة بهم اكتسبت طفرات مميزة على مر آلاف السنين.

وتشير النتائج مجتمعة إلى أن الصيادين وجامعي الثمار تشاركوا نظاماً بيئياً مميزاً من ميكروبات الأمعاء عشرات آلاف السنين. يقول سوننبرغ: «ربما تأثرت بيولوجيتنا إلى حد بعيد بهذه الميكروبات».

بكتيريا الأسلاف وتدريب الجهاز المناعي

ربما كانت البكتيريا القديمة مهمة لتدريب أجهزتنا المناعية، على سبيل المثال، أو لتخليق المركَّبات التي يحتاج إليها جسمنا. ومع اختفاء بعض الميكروبات في المجتمعات الحديثة، حلَّت محلها ميكروبات جديدة. قد يؤثر هذا التحول على صحتنا. ويقول سوننبرغ: «ينتهي بك الأمر بميكروبيوم مختلف تماماً عما اعتاد عليه جينومك البشري»، ما قد يؤدي إلى التهابات وتغيرات غير صحية أخرى.

من جهته يقول مايكل غورفن، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة، إن الميكروبيوم القديم قد يساعد في تفسير سبب تمتع شعب «تسيماني» بحماية من أمراض القلب وغيرها من الأمراض المزمنة. ولكن ماري كلير أرييتا، عالمة الميكروبيوم في جامعة ألبرتا، والتي لم تشارك في البحث، حذَّرت من أن سكان الدول الصناعية لا ينبغي لهم محاولة استزراع ميكروبيوم يشبه ميكروبيوم مجتمعات الصيد وجمع الثمار؛ إذ لا يعرف العلماء الكثير عن الميكروبات المعوية الـ636 المدرجة في قائمة سوننبرغ، ولا عن الأضرار المحتملة التي قد تسببها. وقالت: «هناك احتمالية كبيرة لانتقال العدوى».

بدلاً من ذلك، فضَّلت أرييتا التعرُّف على الوظائف المفيدة التي تؤديها الميكروبات القديمة في جسم الإنسان، وإيجاد طرق لاستعادة تلك الوظائف تحديداً. وأضافت: «إن فكرة العودة إلى الميكروبيوم القديم تبدو غير منطقية، ولكن من المؤكد أن دراستها ضرورية لفهم بعض هذه الوظائف الميكروبية التي فُقدت».

* خدمة «نيويورك تايمز».


العالِم الذي أسهم في اكتشاف «إيبولا» قبل 50 عاماً... لا يزال قلقاً من انتشاره

موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
TT

العالِم الذي أسهم في اكتشاف «إيبولا» قبل 50 عاماً... لا يزال قلقاً من انتشاره

موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية

في خريف عام 1976 وصلت علبة بلاستيكية زرقاء تحتوي على قارورتين زجاجيتين إلى معهد الطب الاستوائي في أنتويرب في بلجيكا. انكسرت إحدى القارورتين أثناء النقل، فتسرب محتواها الدموي إلى الثلج شبه الذائب داخل القارورة. أما الأخرى، فكانت لا تزال تحتوي على دم راهبة فلمنكية توفيت بمرض غامض في يامبوكو، في زائير، الكونغو حالياً. ومع العلبة وُضعت ملاحظة صغيرة مكتوبة بخط اليد مرفقة بالقارورتين، وقد تسربت الكتابة جزئياً إلى الماء المثلج، كُتب عليها: «حمى صفراء؟».

وقد أوكلت مهمة تحديد ما إذا كانت المرأة قد توفيت بالفعل بسبب الحمى الصفراء إلى عالم بلجيكي أصغر أعضاء فريق المعهد، الذي يبلغ من العمر 27 عاماً.

طبيبان بلجيكي وكونغولي يرصدان «إيبولا»

لكنه لم يكن الوحيد المعنيّ بالأمر؛ إذ جمع الدكتور جان جاك مويمبي، وهو طبيب كونغولي تلقى تدريبه في بلجيكا، العينات وأرسلها إلى المختبر. وساعد باحثون آخرون في أنتويرب ويامبوكو على عزل الفيروس من العينة وتحديد خصائص تفشي المرض.

يوم الأحد الماضي مرَّت خمسون عاماً بالضبط على اللحظة التي كان بيوت واثنان آخران أول من اطلع على «الجاني»: فيروس كبير ونحيل، سيُعرف لاحقاً بأنه من بين أخطر مسببات الأمراض التي يمكن أن تنتجها الطبيعة، كما كتب أبورفا ماندفيلي (*).

أطلق الفريق عليه اسم «إيبولا» Ebola، نسبةً إلى نهر قرب مركز تفشي المرض كان قد أودى بحياة الراهبة وعشرات آخرين. وعلى مر السنين، اكتشف العلماء أن لـ«إيبولا» أشكالاً متعددة، تسببت مجتمعةً في وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص. وقد تسبب تفشي فيروس بونديبوغيو Bundibugyo الحالي في الكونغو أيضاً، في إصابة ما يقرب من 9000 شخص ووفاة أكثر من 4200 شخص حتى 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

بعد أقل من عِقد من اكتشافه فيروس «إيبولا»، أصبح الدكتور بيوت شخصية بارزة في تاريخ فيروس فتاك آخر: فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز)، في أوائل ثمانينات القرن الماضي، كشف عمله في أفريقيا عن أن فيروس نقص المناعة البشرية لم يكن مرضاً يصيب الرجال المثليين فقط، كما كان يعتقد الكثيرون آنذاك. وفي عام 1995، أصبح أول مدير لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز (UNAIDS)، ويُنسب إليه الفضل في مساعدة العالم على فهم أن المرض كان يفتك ببعض أفقر سكان العالم وأكثرهم تهميشاً.

د. بيتر بيوت

حوار علمي

يبلغ بيوت الآن 77 عاماً، وهو رئيس مبادرة «إعادة ضبط أكرا Accra Reset»، وهي جهد دولي لإصلاح الصحة العالمية انطلاقاً من سيادة الدول. وخلال مقابلة أجريت معه في نيويورك الشهر الماضي، تحدث بإسهاب عن التهديد المستمر للأمراض المعدية وضرورة تغيير طريقة تعامل العالم معها. وفيما يلي مقتطفات من المحادثة:

س: حدّثنا عن اكتشافك عام 1976، الذي وصفته بأنه لحظة إدراك مفاجئة.

ج: في ذلك الوقت، لم يكن بالإمكان عزل الفيروس فيما كان يُسمى آنذاك دولة زائير. لم يكن هناك مختبر قادر على ذلك. لم نكن نملك أي فكرة عما كان موجوداً هناك. كان لدينا اسم المريض والطبيب، وهذا كل شيء.

وتحت المجهر، رأينا شيئاً لم نره من قبل. عادةً ما تكون الفيروسات كروية أو مربعة، وهنا رأينا شيئاً أشبه بالمعكرونة أو الديدان. لقد حيرنا الأمر، وكنا نعلم أن فيروساً واحداً فقط وُصف بهذه الطريقة حتى ذلك الحين، وهو فيروس ماربورغ Marburg (فيروس يُسبب حمى نزفية حادة وغالباً ما تكون قاتلة). لكننا كنا في حاجة إلى مزيد من اليقين. أرسلنا العينة إلى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (الأميركية) في أتلانتا، وهناك، في غضون يومين، أثبت الباحثون أنها ليست فيروس «ماربورغ».

ما أراه مثيراً للاهتمام، مقارنةً بتجربتي اللاحقة مع فيروس نقص المناعة البشرية، هو أننا لم نتخاصم أبداً. بعد ذلك، اكتشفتُ أن الأمور في العلم ليست دائماً على هذا النحو.

س: عندما تعاملتَ مع العينة، كنتَ ترتدي قفازات بسيطة ورقيقة فقط، وليس معدات الوقاية المُعقدة التي تعلم الآن أنها ضرورية عند التعامل مع «إيبولا».

ج: هذا درسٌ بالغ الأهمية لحياتي وللجميع. لا يمكنك أبداً معرفة ما تحتويه عينة من مريض. قد لا يكون فيها شيء. وقد تكون «إيبولا»... لذا؛ فإن تجنب سوء الحظ هو أهم شيء في الحياة.

أُصبتُ ذات مرة ببكتيريا السل البقري (التي تُسبب السل في الماشية). ومع الإصابة بـ«كوفيد - 19»، انتهى بي المطاف في العناية المركزة. ولكن هذا كل شيء. أنا لستُ من هواة المخاطرة.

س: أنت مؤسس برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، ومع ذلك تعتقد أنه يجب إغلاق المنظمة.

ج: عندما أسستُ برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، كنتُ أعتقد دائماً أن عمره محدود. من جهة، الأمر مؤثر بعض الشيء لأنني كرّستُ 12 عاماً من حياتي له، سبعة أيام في الأسبوع، دون توقف. لكنني أعتقد أيضاً أننا في حاجة إلى إعادة النظر بجدية فيما يحتاج إليه العالم حقاً اليوم. نحن في وقت نحتاج فيه إلى اتباع نهج أكثر تكاملاً في مجال الصحة، وليس مجرد التركيز على كل مرض على حدة من خلال منظمة مستقلة. علينا أن نفكر في الناس والقضية، وليس في المؤسسات.

تهديدات كبيرة

س: لقد مرّت خمسون سنة منذ أن اكتشفتَ «إيبولا»، وأربعون سنة منذ عملك الأولي على فيروس نقص المناعة البشرية. لكن لا يزال كلاهما يشكل تهديداً كبيراً.

ج: في عام 1973، عندما كنتُ في سنتي الأخيرة في كلية الطب، ذهبتُ للتحدث مع الأساتذة، فيما يُعرف اليوم بالإرشاد المهني. قالوا إنه لا مستقبل لكم في مجال الأمراض المعدية. لدينا لقاحات، ومضادات حيوية، ومياه شرب نقية، وصرف صحي، وما إلى ذلك - كان هذا رأيهم.

لقد حققنا تقدماً هائلاً، لكن بإمكاننا فعل المزيد. كانت نقطة التحول بالنسبة لي هي أن فيروس نقص المناعة البشري أصبح قابلاً للعلاج. هناك أكثر من 30 مليون شخص تعتمد حياتهم اليومية على تناول حبة دواء؛ أليس هذا مذهلاً؟ لكننا ما زلنا لا نملك علاجاً لفيروس نقص المناعة البشري؛ وما زلنا لا نملك لقاحاً. وستظل هناك دائماً حالات انتقال للعدوى؛ لا يمكننا تجاهل ذلك. لكن علينا بذل كل ما في وسعنا حتى لا يتفاقم الوضع ويتحول إلى وباء.

أسباب انتشار وباء «إيبولا»

س: ينتشر وباء «إيبولا» الحالي بوتيرة أسرع من أي وباء سابق. هل تعتقد أنه من الممكن السيطرة عليه؟

ج: من الناحية النظرية، يُفترض أن يكون «إيبولا» من أسهل الأوبئة التي يمكن السيطرة عليها؛ لأنه يتطلب (للانتقال والإصابة) اتصالاً مباشراً بسوائل الجسم. وهو يختلف تماماً عن «كوفيد - 19»؛ إذ يكفي عزل المرضى وارتداء معدات الوقاية. في المجتمعات المزدهرة والقادرة على الصمود، تتوفر جميع هذه الأنظمة.

لكن السياق هو ما يجعل الأمر بالغ الصعوبة في الكونغو. فهذه منطقة عانت ويلات الصراع المسلح لعقود؛ لذا لا يمكن التنقل من مكان إلى آخر بسهولة. كما أن هناك عنفاً جنسياً. أما نظام الرعاية الصحية فلا يعمل بكفاءة؛ فهو غير مستعد للعزل والعلاج وتوعية الناس. وهناك الكثير من المعلومات المضللة. لكن هناك أيضاً عادات وطقوساً، كالجنازات، التي تُصبح خطيرة للغاية عند وفاة شخص مصاب بـ«إيبولا».

عدد الوفيات لأسباب أخرى قابلة للعلاج يفوق بكثير عدد الوفيات الناجمة عنه

كما نعلم أن عدد الوفيات لأسباب أخرى قابلة للعلاج يفوق بكثير عدد الوفيات الناجمة عن «إيبولا» نفسها. هذا يُشلّ نظام الرعاية الصحية برمته. لدينا معدلات وفيات أمهات أعلى بكثير، ووفيات أطفال بسبب الملاريا أو الحوادث. علينا أن نضمن توفير هذا النوع من الرعاية المنتظمة، ليس فقط لإنقاذ الأرواح، بل أيضاً لاستعادة الثقة في النظام الصحي. ولهذا السبب؛ يساورني قلق بالغ من أن يستمر هذا التفشي لفترة طويلة. لكن سيتم احتواؤه يوماً ما.

* خدمة «نيويورك تايمز»


حين تكشف الصورة مرضاً لم نبحث عنه… الذكاء الاصطناعي يمنح الأشعة «قراءة ثانية»

صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول
صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول
TT

حين تكشف الصورة مرضاً لم نبحث عنه… الذكاء الاصطناعي يمنح الأشعة «قراءة ثانية»

صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول
صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول

قد يخضع المريض لتصوير مقطعي لفحص رئتيه، بينما تحمل الصورة نفسها علامات لسرطان في المريء لم يكن موضع البحث. فهل يستطيع الذكاء الاصطناعي التقاط هذه العلامات، وإضافة فرصة للكشف عن المرض من دون تصوير جديد؟

هذا ما اختبرته دراسة نُشرت في دورية «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine) في 22 سبتمبر (أيلول) 2026، بعد أن طوّر الباحثون نظاماً أسموه «إيغل» (EAGLE) لتحليل صور الصدر المقطعية من دون مادة تباين، بحثاً عن سرطان المريء، وآفات ما قبل السرطان.

وتفتح الدراسة احتمالاً لإضافة «قراءة ثانية» إلى فحص موجود بالفعل. لكن قيمة هذه القراءة تتوقف على دقتها، وعلى ما إذا كانت نتائجها ستقود إلى فحوص وقرارات تفيد المريض.

مرض يصعب البحث عنه مبكراً

يصعب تمييز الآفات الصغيرة في المريء بالتصوير المقطعي، بسبب طبيعته الأنبوبية، وقابليته للانطواء، والحركة. ويظل التنظير مهماً للكشف والتشخيص لدى الفئات المناسبة، لكنه إجراء أكثر تدخلاً. لذلك اختبر الباحثون إمكان الاستفادة من صور الصدر المتاحة بالفعل لرصد علامات تستدعي فحصاً إضافياً.

دُرّب «إيغل» على بيانات 6813 مريضاً من مركزين طبيين، ثم جرى التحقق من أدائه عبر 12 مركزاً في ثلاث دول، شملت أكثر من 80 ألف شخص.

وفي مجموعات الاختبار الخارجية، بلغت حساسية اكتشاف السرطان 90 في المائة، والنوعية 98.5 في المائة، أي قدرته على تصنيف الحالات السلبية تصنيفاً صحيحاً. لكن حساسية اكتشاف الآفات ما قبل السرطانية كانت أقل، وبلغت 52.5 في المائة. وشملت الدراسة أيضاً اختبارات مستقبلية، وفي بيئات واقعية، مما يوسّع التقييم دون أن يحسم جدوى استخدامه للفحص السكاني.

صورة واحدة... أكثر من سؤال طبي

تُطلب صورة الصدر عادة للإجابة عن سؤال محدد، مثل وجود كتلة في الرئة، أو التهاب. لكن «إيغل» يختبر إمكان الاستفادة منها للبحث عن مرض آخر.

وقد رصد النظام بعض الأورام التي فاتت القراءة السريرية الأصلية، وأظهر تحليل صور سابقة لبعض الحالات علامات أمكنه التعرف عليها قبل التشخيص بأشهر. وهذه نتائج تشير إلى فرصة محتملة للكشف المبكر، لكنها لا تثبت وحدها تحسّن نتائج العلاج. بهذا المعنى، تضيف «القراءة الثانية» معلومات إلى فحص موجود، من دون تعريض المريض لتصوير جديد.

فحص واحد بجهاز تصوير مقطعي... فرص إضافية للكشف

من فحص سرطان الرئة إلى المريء؟

اختبر الباحثون «إيغل» أيضاً على صور الصدر المقطعية منخفضة الجرعة، والمستخدمة في فحص سرطان الرئة. ويشير ذلك إلى إمكان توسيع فائدة بعض برامج الفحص القائمة للكشف عن علامات سرطان المريء دون تصوير إضافي.

لكن النتائج لا تجعل التصوير المقطعي بديلاً عن التنظير، كما أنها لا تكفي لتبرير فحص عامة السكان بالخوارزمية. فتطبيقها يتطلب تحديد من يُحال إلى التنظير، وحجم الإنذارات الكاذبة، وتكاليف متابعتها، وأثرها النفسي، وإثبات أن الكشف المبكر يحسّن النتائج الصحية على المدى الطويل.

المراجعة الطبية أساس تفسير الأشعة

حين تساعد الخوارزمية اختصاصي الأشعة

اختبر الباحثون أيضاً أداء اختصاصي الأشعة عند الاستعانة بـ«إيغل». وحسّنت المساعدة قدرتهم على اكتشاف بعض الآفات المبكرة، لكن قوة النموذج منفرداً لم تنعكس بالكامل على أدائهم عند استخدامه.

وتشير هذه النتيجة إلى أن نجاح الأداة يتطلب أكثر من دقة الخوارزمية؛ فهو يعتمد أيضاً على طريقة عرض نتائجها، وتدريب الطبيب على تفسيرها، وقدرته على مراجعتها. لذلك ينبغي تقييم أداء الطبيب والأداة معاً، كما سيعملان في الممارسة اليومية.

ماذا تخبئ صور الأرشيف؟

إذا أكدت دراسات إضافية جدوى هذا النهج، فقد تتيح إعادة تحليل بعض الصور المحفوظة في المستشفيات بحثاً عن علامات لم تكن موضع اهتمام عند إجراء الفحص.

لكن العودة إلى الأرشيف تحتاج إلى ضوابط واضحة: كيف تُحمى خصوصية المريض عند استخدام صوره لغرض جديد؟ ومن يراجع النتائج، ويتولى إبلاغه، ومتابعته؟ فاكتشاف علامة محتملة لا يكتسب قيمة سريرية إلا إذا تبعته مراجعة طبية، ومسار متابعة مناسب.

من «الصورة» إلى «المعلومة»

تفتح الدراسة احتمالاً يتجاوز سرطان المريء: أن يقدم الفحص الواحد معلومات تساعد على الإجابة عن أسئلة طبية متعددة.

لكن قيمة «القراءة الثانية» ستُقاس بما تضيفه إلى صحة المريض، ومدى قدرتها على توجيه فحوص وقرارات مفيدة، مع الحد من الإنذارات غير الضرورية.

وهكذا يصبح السؤال: ما الذي يمكن أن تكشفه الصورة أيضاً، وأيّ اكتشاف يستحق أن نتصرف بناءً عليه؟