«لقاء مارس»... مساحة فنية «تُحضر» فلسطين إلى الشارقة

حور القاسمي تؤكد المساندة... ونوار القاسمي: لتخيُّل مستقبل أفضل

الكوفية رمز الهوية والنضال لعبد الحي مسلّم زرارة (الشرق الأوسط)
الكوفية رمز الهوية والنضال لعبد الحي مسلّم زرارة (الشرق الأوسط)
TT

«لقاء مارس»... مساحة فنية «تُحضر» فلسطين إلى الشارقة

الكوفية رمز الهوية والنضال لعبد الحي مسلّم زرارة (الشرق الأوسط)
الكوفية رمز الهوية والنضال لعبد الحي مسلّم زرارة (الشرق الأوسط)

تتّخذ فلسطين وآلام إنسانها المساحة الكبرى في الدورة الـ16 لـ«لقاء مارس»، هذا العام، المتّخِذة عنوان «تواشجات». فالحدث الثقافي من تنظيم «مؤسسة الشارقة للفنون» يُظهر تعاطفاً حيال معاناة شعب يُباد. هبَّ هواء مسائي بارد داخل «عيادة الزيد القديمة»؛ حيث معرض «في عيون حاضرنا نسمع فلسطين»، المُقام بضوء المأساة المتواصلة. يقول مدير فريق خدمات الزوار في «المؤسسة»، عمر العبيدلي، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ الحضور الفلسطيني الطاغي «يأتي في سياق دعمنا المستمر لفلسطين وشعبها، فيمثّل شاهداً على النضال الممتدّ لعقود دفاعاً عن الأرض». نحو 60 عملاً فنياً من لوحات ومنحوتات وأعمال فيديو وأعمال تركيبية، تشهد على التهجير القسري والخسائر الفادحة.

شعار الدورة الـ16 لـ«لقاء مارس» المتّخِذة عنوان «تواشجات» (الشارقة للفنون)

الأعمال جزء من مقتنيات «الشارقة للفنون»، التي تؤكد رئيستها حور القاسمي أهمية الإضاءة على مفاهيم الروح الجماعية، باستضافة 80 مشاركاً دولياً من تخصّصات مختلفة، تشمل الفنون البصرية والأدب والأفلام. تمتدّ أعمال المعرض من أواخر الخمسينات إلى الحاضر، فالإبداعات التي أنتجها فنانون من فلسطين والجوار تمسح شيئاً من الألم لإعلاء الآمال والتطلّعات.

افتُتحت «عيادة الزيد القديمة» في أواخر ستينات القرن الماضي؛ وبعدما تعدّد استخدامها، أُحيل مصيرها إلى الهدم. يُخبر عمر العبيدلي أنّ الشيخة حور تدخّلت لإنقاذها وتحويلها إلى معرض فني، فشكّلت مساحة عرض مناسبة لاحتواء 60 عملاً تُعرِّف، عن قُرب، بالقضية الفلسطينية.

سبق تأسيسَ «الشارقة للفنون» جَمْعُ مقتنيات تُبيّن الحضور الفلسطيني في المشهد الفني. أتى اشتعال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فارتأت «المؤسسة» عرض جزء كبير من هذه المقتنيات لتأكيد الدعم لفلسطين. تُضاف إلى المعرض، محاضرات وجلسات حوارية، وعروض أداء، وقراءات، وورشات عمل لفنانين فلسطينيين وآخرين عاشوا مرارة مُشابهة، فجمعتهم مساحة تبحث في قضايا الفن وتُساند الموجوعين.

عبد الحي مسلّم زرارة: استحالة موت الثورة

استوحى «في عيون حاضرنا نسمع فلسطين» اسمه من مقولة للفنان الأردني الفلسطيني عبد الحي مسلّم زرارة، الممتدّة أعماله على الحيّز الأكبر من فضاء العرض. يشرح العبيدلي أنه لنحو 20 عاماً، خدم زرارة في سلاح الجو الملكي الأردني، ثم غيَّر من ممارسته بالانتقال إلى «سلطة التحرير الفلسطينية»، وفيها أصبح متحدّثاً وناشطاً بارزاً، ليكرّس فنه في خدمة القضية.

جانب من معرض «في عيون حاضرنا نسمع فلسطين» (الشرق الأوسط)

أعماله المصنوعة من الخشب والغراء، تُظهِر المعاناة وتشرح المشهد السياسي. تحضُر الكوفية باستخدامات مختلفة؛ منها الغطاء والوقاية من الشمس، وهو الجانب المنضوي في إطار الدفاع، لتشمل أيضاً جانباً مُحمَّلاً ببُعد سياسي يتّخذ وظيفة الهجوم، حين تُربَط بالحجارة لضرب المحتلّ. وسَّع استخدامها في أعماله إلى حدِّ استبدال شَعر المرأة المُحارِبة سياسياً بها، ومن أجل عائلتها والحياة اليومية.

في السياق نفسه، تشير الأعمال إلى أهمية تعليم تاريخ القضية الفلسطينية، فنجد الأيدي تكتب بالطبشور «عاشت فلسطين حرّة عربية». ليست المعاناة وحدها سيدة الموضوع والمتحكّمة بمجاله، بل يُثني الفنان على الصمود ويُبرز مكانة الأمل، فإذا بلوحته المؤلّفة من شخصيات تشبك الأيدي وسط «حلقة دبكة»، تصوّر مشهدية التراث الفلسطيني، وإرادة الفرح، مُلحِقة الهزيمة بصنّاع الجنازات.

«حلقة دبكة» لعبد الحي مسلّم زرارة تصوّر مشهدية التراث الفلسطيني (الشرق الأوسط)

امتدّ اهتمام زرارة إلى ما يتجاوز القضية الفلسطينية، ليشمل صرخة الإنسان ضدّ الظلم في العالم؛ فلوحته الهاتفة باستحالة موت الثورة، وإن مات الثائر، قابلة للإسقاط على قضايا التحرير بمفهومها الشامل، المُتجاوِز للجغرافيا.

استحالة موت الثورة... لوحة لعبد الحي مسلّم زرارة (الشرق الأوسط)

منى السعودي ومنى حاطوم: ترجمة الصراع

التجوُّل في المعرض يشدّ النظر إلى مقتنيات؛ بينها منحوتة الأردنية منى السعودي الراحلة قبل عامين، بعدما كرّست العمر في تطويع الرخام والغرانيت لإبداع منحوتات باتت مُلحَقة بميادين مختلفة في بلدها. ليس عملها المعروض محاكاةً مباشرة للقضية الفلسطينية، لكنه دلالة على انشغال التشكيليين العرب بترجمة الصراع في أعمالهم الفنية منذ منتصف السبعينات إلى بداية التسعينات. لم تكن وحدها مَن تأثّر بالرياح الفلسطينية وهي تهبّ في جميع الاتجاهات، بل شمل التأثُّر فنانين من شبه الجزيرة العربية، تبنّت أعمالهم عناد الفلسطيني لاستعادة أرضه.

منحوتة الأردنية منى السعودي ترمز لأُم تحتضن طفلها (الشرق الأوسط)

على جدار مُجاوِر، حوّلت منى حاطوم حمّالة ملابس وحقيبة نسائية إلى أشكال فلسطينية. فالفنانة اللبنانية الفلسطينية مُلمّة بالبحث عن المنحى السياسي وسط الأشياء العادية. لطالما نظرنا إلى الأغراض من حولنا على أنها مسائل مألوفة لا حضور سياسياً لها ولا خلفيات. لحاطوم نظرة مغايرة، فتُغيّر السياق وتُعدّل شكل الأشياء لمنحها دلالة.

منى حاطوم والبحث عن المنحى السياسي وسط الأشياء العادية (الشرق الأوسط)

التضامن والمستقبل الأفضل

خلال افتتاحها فعاليات «لقاء مارس»، شدّدت الشيخة حور القاسمي على ما تعنيه فلسطين لدورة مُنعقدة وسط الأزمات. أمام حضور عربي وأجنبي، أدانت «الإبادة الجماعية المستمرّة في غزة»، معلنة انفطار القلب على «جميع المتضرّرين من الصراعات»، وذلك لتؤكد مواصلة التضامن مع ضحايا الويلات، «من خلال معارضنا ومنشوراتنا وبرامجنا».

رئيسة «الشارقة للفنون» حور القاسمي تساند فلسطين (الجهة المنظّمة)

وإذ تولّت الشيخة حور شرح الجانب السياسي للحدث، فإنّ مديرة «الشارقة للفنون» نوار القاسمي ركّزت، في كلمتها، على دوره الثقافي. ذكّرت بأنّ الشارقة «كانت دائماً مكاناً لإطلاق المبادرات التأسيسية في سياقاتها المجتمعية الشاملة»، متوقّفة عند ولادة «لقاء مارس» عام 2008 حين بدأ دورته الأولى لقاءً مغلقاً لممارسي الفنون والعاملين في الحقل الثقافي، ثم أصبح حاضناً لملتقيات استقطبت مختلف الممارسين الثقافيين في المنطقة، لإتاحة التلاقي والانخراط في حوار حول القضايا التاريخية والمعاصرة.

مديرة «الشارقة للفنون» نوار القاسمي أكدت دور الحدث الثقافي (الجهة المنظّمة)

ومن إدراك أهمية النظر إلى المجموعات والمجتمعات التي حقّقت ريادة في مجالات تخصّصها، وجّهت هذه الدورة التركيز نحو إيجاد مساحة يمكن عبرها تخيّل مستقبل أفضل وسط الظرف الصعب. ضيوف من ثقافات متعدّدة، تمتدّ من غواتيمالا إلى جنوب أفريقيا، ومن نيوزيلندا إلى كوريا الجنوبية، ومن فلسطين إلى بنغلادش، تشاركوا مكاناً احتوى أفكارهم وتصوّراتهم حيال موضوعات تشمل قوة العمل الجماعي، من خلال الشعر والموسيقى، وإمكانية تسخير الغذاء وسيلةً للدعاء والتضرّع. جلسات ومحاضرات وعروض أداء، أتاحت اقتراح أفكار حول مستقبل المساحات الفنية، المُتنفَّس الوحيد حين يشتدّ الاختناق.


مقالات ذات صلة

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

أكدت مصادر إسرائيلية أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل لمصلحة الجيش الإسرائيلي ضد «حماس» في غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون يسيرون باتجاه الحدود مع غزة الخميس (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يسمح لمستوطنين بالمبيت ليلة في غزة

حضر المستوطنون، وهم من حركة «نحلاة»، مع حلول ظلام الليلة الماضية الخميس – الجمعة، إلى المنطقة الشمالية للقطاع، التي تحتلها القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي قوارب ضمن «أسطول الصمود العالمي» تبحر قبالة اليونان متجهة نحو قطاع غزة 26 سبتمبر 2025 (رويترز)

«أسطول الصمود العالمي» يعتزم تنظيم قافلة مساعدات بحرية جديدة نحو غزة

تعتزم مجموعة ناشطين مؤيدين للفلسطينيين حاولوا الوصول إلى غزة العام الماضي، تنظيم أسطول مساعدات بحرية جديد الشهر المقبل إلى القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية في عمق قطاع غزة تستهدف ورش صناعة أسلحة

خلال أقل من أسبوع، استهدفت طائرات إسرائيلية، ورشتي حدادة (مخرطتان) الأولى في مدينة غزة، والأخرى في خان يونس جنوب القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم الجمعة، وفور بدئه تصدّر قوائم الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية ودول عربية عدة، وهو الفيلم العربي الوحيد المرشح لجائزة «أوسكار» في دورتها الـ98، ويأتي من إخراج المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

يُعيد الفيلم بناء الأحداث المحيطة بمقتل الطفلة ذات الـ6 أعوام، هند رجب، في غزة على يد القوات الإسرائيلية مطلع عام 2024، مما أحدث صدى واسعاً منذ عرضه العالمي الأول في «مهرجان فينيسيا السينمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، علاوة على كونه ممثلاً لتونس في فئة «أفضل فيلم روائي دولي» في «أوسكار»، وتم ترشيحه لجائزتَي «بافتا»، و«غولدن غلوب».

كما يظهر الدعم السعودي في مسار «صوت هند رجب» عبر أكثر من مستوى، بدءاً من مشاركة «استوديوهات إم بي سي» في الإنتاج بوصفها منتجاً منفذاً وممولاً مشاركاً، وصولاً إلى امتلاك «إم بي سي شاهد» حقوق العرض الحصري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتصدّر الفيلم قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في منصة «شاهد» منذ الأيام الأولى لطرحه، وتحوّل إلى موضوع رائج على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تزامن إطلاق الفيلم على منصات البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوم الجمعة، مع إعلان من شركة التوزيع الأميركية «Willa» عن توسيع عرضه في الولايات المتحدة ليشمل أكثر من 70 صالة سينما في أنحاء البلاد، مع مشاركة المخرجة كوثر بن هنية في سلسلة من جلسات الأسئلة والأجوبة المباشرة في نيويورك ولوس أنجليس خلال الأيام المقبلة.


فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي، بقدر ما هو مشروع سينمائي طويل النفس، تشكّل وتغذّى من تراكمات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت على مدار أكثر من سبعة عقود.

الفيلم المدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر» سيُعرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة المقبلة من مهرجان برلين السينمائي، وهو من إخراج رانية الرافعي التي تقدّم قراءة مركبة لمدينة طرابلس، بوصفها كياناً حياً، يتقاطع فيه الخاص والعام، والذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، والغضب بوصفه حالة تاريخية مستمرة وليس حدثاً طارئاً.

الفيلم يندرج ضمن خانة الوثائقي التجريبي، وهو توصيف لا يبدو شكلياً بقدر ما يعكس جوهر التجربة نفسها، فـ«يوم الغضب... حكايات من طرابلس» يستعيد خمس لحظات ثورية شهدتها طرابلس منذ عام 1943 وحتى اليوم، لا ليعيد تمثيلها أو يقدّمها بوصفها محطات مكتملة، بل ليقرأها بوصفها مسارات متداخلة، وحلقات في سلسلة طويلة من البحث عن العدالة والهوية والمعنى.

توضح المنتجة جنان داغر لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالأساس مشروع المخرجة رانيا الرافعي، وأن دورها منتجةً جاء امتداداً لتعاون طويل بينهما في الأفلام الطويلة، بدأ مع فيلم «74: استعادة نضال»، وهو العمل الذي حظي، حينها، بمسار مهرجاني واسع، وشكّل محطة تأسيسية في علاقتهما المهنية.

وتشير داغر إلى أن فكرة «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» بدأت قبل اندلاع احتجاجات 2019 بقليل، حين كانت رانيا الرافعي تفكّر في إنجاز فيلم عن طرابلس، مدينتها، بوصفها مساحة تاريخية وسياسية معقّدة، ومع انطلاق التحركات الشعبية في لبنان، خصوصاً في طرابلس، تحوّل المشروع من فكرة مؤجلة إلى ضرورة، خصوصاً مع انخراط المخرجة المباشر في الشارع، وقرارها أن تكون حاضرة بالكاميرا وسط ما يجري.

المنتجة اللبنانية جنان داغر (الشرق الأوسط)

وتؤكد المنتجة أن الفيلم لا يتعامل مع لحظة 2019 بوصفها حدثاً معزولاً، بل يضعها ضمن مسار تاريخي طويل من الانتفاضات والتحركات التي شهدتها المدينة منذ عام 1943، فالتاريخ -حسب رؤيتها- لا يُصنع فجأة، بل يتكوّن عبر تراكمات متتالية، وغالباً ما نميل إلى اعتبار لحظة معينة «تاريخية» من دون الانتباه إلى ما سبقها من مقدمات وشروط.

وعن البنية السردية للفيلم، توضّح جنان داغر أن الفيلم يحمل بُعداً شخصياً واضحاً، إذ تقوم بنيته على رسائل تكتبها رانيا الرافعي إلى والدها، الذي تُوفي خلال فترة العمل على الفيلم، هذا الجانب الحميمي، برأيها، لا يتناقض مع الطابع السياسي للعمل، بل يمنحه عمقاً إضافياً، لأنه يربط التحولات الكبرى بتجارب فردية، ويعيد السياسة إلى مستوى الحياة اليومية.

تحديات أساسية

وتلفت جنان داغر إلى أن أحد التحديات الأساسية كان تفادي الوقوع في خطاب أحادي أو قراءة منحازة، خصوصاً أن طرابلس تُقرأ دائماً من زوايا طائفية أو آيديولوجية ضيقة، لذلك، حرص الفيلم على الرصد والاستماع، لا على إصدار الأحكام، وعلى طرح الأسئلة بدل تقديم إجابات جاهزة حول المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة، من الاستعمار إلى الحرب الأهلية، وصولاً إلى الزمن الراهن.

على المستوى الإنتاجي، تصف جنان داغر تجربة إنجاز الفيلم بالصعبة والطويلة، في ظل نقص التمويل والأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، فجرى تصوير العمل على مراحل متقطعة، وهو ما فرض تحديات كبيرة، لكنه أتاح في المقابل مسافة زمنية للتأمل وإعادة التفكير في المادة المصوّرة.

حصد الفيلم اللبناني دعماً من «البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وتؤكد جنان داغر أن دعم «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» كان حاسماً في مسار الفيلم، لا سيما في مرحلتَي الإنتاج وما بعدهما، إذ أتاح الانتقال من مرحلة التصوير المتفرّق إلى مرحلة الإنجاز النهائي. كما لعبت جهات داعمة أخرى، مثل «الصندوق العربي للثقافة والفنون» (آفاق)، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، و«مؤسسة سينما لبنان»، أدواراً أساسية في مراحل مختلفة من المشروع.

وحول اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان برلين السينمائي، تقول جنان داغر إن التقديم جاء في مرحلة كان فيها الفيلم قد انتهى من المونتاج، لكنه لم يكن قد دخل بعد في المعالجات النهائية للصوت والصورة، لينجز الفريق العمل بتفاصيله كافّة عبر جهد مكثف، ليكون جاهزاً للعرض في «برلين السينمائي»، مما يشكّل فرصة حقيقية لفتح مسار دولي للفيلم، والوصول إلى جمهور أوسع، وهو الهدف الأساسي بالنسبة لهم.

Your Premium trial has ended


معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
TT

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية المهربة إلى الخارج، وفق أكثر من واقعة ظهرت فيها تلك الآثار، وتمت استعادته بالطرق القانونية والجهود الدبلوماسية.

وتسلّمت السفارة المصرية في هولندا رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، من حجر الجرانوديوريت، كان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، وتم رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، وتتبعه حتى استرداده.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن استرداد هذا الرأس يُجسّد ثمرة التعاون البنّاء بين مصر ومملكة هولندا، ويعكس التزاماً مشتركاً بتطبيق الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي، ومكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الأثرية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

مشدداً على حرص الدولة المصرية على استعادة آثارها التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، والعمل المستمر على صون التراث الحضاري المصري، والحفاظ على الهوية الثقافية للأمة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية وجميع الجهات المعنية، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن هذه الخطوة تمثل إضافة جديدة إلى سجل النجاحات المصرية في ملف استرداد الآثار، وتعكس التزام الدولة المصرية بحماية تراثها الحضاري، وصون هويتها الثقافية، بالتعاون مع المجتمع الدولي.

بينما أوضح مدير عام الإدارة العامة للآثار المستردة والمشرف على الإدارة المركزية للمنافذ الأثرية بالمجلس الأعلى للآثار، شعبان عبد الجواد، أن القطعة الأثرية، وفقاً للمعاينة الأولية، يُرجّح أنها تعود إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديداً فترة حكم الملك تحتمس الثالث، وأنها كانت قد خرجت من البلاد بطريقة غير مشروعة، قبل أن يتم رصدها في أثناء عرضها في معرض الفنون الجميلة (TEFAF) بمدينة ماسترخيت الهولندية عام 2022، حيث قامت السلطات الهولندية بضبطها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

التمثال المسترد من هولندا من عصر تحتمس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

ووضعت منظمة اليونيسكو اتفاقية بشأن حظر ومنع الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية عام 1970، واعتمدتها مصر في 5 أبريل (نيسان) 1973، بينما انضمت هولندا للاتفاقية في 2009، ويتعاون البلدان بصفتهما طرفين في الاتفاقية، لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في إطار قانوني دولي منظم.

ويرى خبير الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، أن استرداد رأس تمثال أثري نادر بعد رصده في أحد المعارض الأوروبية، كما حدث في ماسترخيت بهولندا، يؤكد حقيقة باتت واضحة اليوم وهي أن «المعارض والمزادات الأجنبية أصبحت أحد أهم مفاتيح كشف الآثار المصرية المنهوبة، حتى إن لم يكن ذلك هدفها المعلن».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الواقعة ليست استثناءً، بل امتداد لسلسلة من الحالات التي أثبتت أن خروج القطع الأثرية إلى العلن - عبر كتالوجات البيع والمعارض الدولية - يتيح للخبراء المصريين توثيقها علمياً، ومقارنتها بالسجلات والأرشيفات، ثم التحرك القانوني والدبلوماسي لاستعادتها. وهنا يتحول العرض التجاري إلى دليل إدانة، لا إلى سند ملكية».

ولفت إلى أن نجاح مصر في استعادة هذه القطعة وغيرها يعكس تطوراً ملحوظاً في كفاءة الرصد والمتابعة العلمية، والتعاون بين الآثاريين والجهات القانونية، استخدام القوانين والاتفاقيات الدولية بشكل فعّال. وقال: «هذه الجهود ترسل رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن مصر لا تنسى آثارها، ولا تتنازل عن حقها في تاريخها، مهما طال الزمن أو تغيّرت الأماكن».

وكانت أكثر من واقعة لمعارض ومزادات خارجية كشفت عن وجود آثار مصرية مهربة لها من بينها واقعة تصوير النجمة الأميركية كيم كارداشيان أمام تابوت أثري بمتحف المتروبوليتان بنيويورك عام 2018، وهي الصورة التي أدت إلى اكتشاف بيع التابوت الذهبي للكاهن نجم عنخ إلى المتحف الأميركي من قبل لصوص مقابل 4 ملايين دولار باستخدام وثائق مزورة.

جانب من آثار مستردة من فرنسا سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

ووفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، فإن استرداد رأس تمثال أثري نادر من هولندا واقعة تعكس تنامي الوعي المؤسسي بأهمية المتابعة الدقيقة لحركة القطع الأثرية خارج حدودها الجغرافية، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الأمر «يكشف الدور الذي يمكن أن تؤديه المعارض الأجنبية بوصفها فضاءات ثقافية مفتوحة في إتاحة الفرصة لمراجعة مصادر القطع المعروضة والتحقق من مسارات انتقالها التاريخية».

ومن منظور أكاديمي، تلفت إلى أن «تكرار عمليات الاسترداد خلال السنوات الأخيرة يشير إلى تحوّل نوعي في إدارة ملف التراث الثقافي، قائم على التوثيق العلمي والتعاون الدولي وتفعيل الاتفاقيات المنظمة لحماية الممتلكات الثقافية».

ومن الوقائع الأحدث لاكتشاف آثار مصرية مهربة في المعارض الفنية والمزادات، ما تم إعلانه العام الماضي عن دار مزادات «أبوللو» في لندن عن عرض 185 قطعة أثرية مصرية للبيع، وبعد هذا الإعلان كشفت مصادر بوزارة السياحة لوسائل إعلام محلية أن إدارة الآثار المستردة بالوزارة تتابع بشكل دوري المزادات التي تقام بجميع دول العالم، وتعلن عن عرض قطع أثرية مصرية للبيع، وتسعى الوزارة لاستردادها بالطرق القانونية ومخاطبة الجهات المسؤولة.

واستردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية في الفترة من 2014 حتى 2024، بمتابعة مستمرة لكل المزادات العلنية والمعارض الفنية وكل ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر وكالات الأنباء الدولية عن الآثار المصرية التي يتم تداولها في الخارج، من بينها استرداد 20 قطعة أثرية من أستراليا، كانت معروضة بإحدى صالات المزادات الشهيرة هناك.