معنى الكتابة في أميركا اللاتينية

كتاب يتحملون مسؤوليةً اجتماعيةً وسياسيةً إلى جانب مسؤوليتهم الفنية والإبداعية

بورخيس
بورخيس
TT

معنى الكتابة في أميركا اللاتينية

بورخيس
بورخيس

في عام 1979، بطلب من «نادي القلم الفرنسي»، ألقى الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا الذي كان آنذاك قد أصبح يحظى بشهرة عالمية، محاضرة في «مركز جورج بومبيدو» بباريس حملت عنوان: «معنى الكتابة في أميركا اللاتينية». وقد بدأ محاضرته تلك بالإشارة إلى انتحار الكاتب البيروفي خوزيه ماريا أرغيداس في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1969 في قاعة بجامعة «لا مولينا» بالعاصمة ليما. وبالقرب من جثته عُثر على ورقة سجّل عليها توصياته بخصوص مراسيم جنازته، والمكان الذي سيدفن فيه، مُحدّداً اسم الذي سيلقي خطبة الوداع في المقبرة، وراجياً من صديق له عازف على الكمان أن يعزف له قبل نزوله إلى أعماق الظلمات مقاطع موسيقية يحبها. وقد حظي أرغيداس بجنازة محترمة، وتنافست مجموعات من اليسار المتطرف التي تعيش نزاعات آيديولوجية فيما بينها لحمل نعشه. وخلال الأيام التي أعقبت دفنه، عثر أيضاً على رسائل خطّ عليها وصاياه الأدبية، مُوضّحاً الأسباب التي دفعته إلى الانتحار. وقد وجّه تلك الرسائل إلى صحافيين، وكتّاب، وأساتذة، وأيضاً إلى شخصيات سياسية. في واحدة من الرسائل يعترف أنه يشعر أنه انتهى ككاتب، ولم يعدْ بإمكانه أن يُضيف أي شيء جديد لأعماله السابقة.

وفي رسائل أخرى يشير إلى أن الأسباب التي دفعته إلى الانتحار اجتماعية وأخلاقية وسياسية قائلاً بأنه كان يشعر بالحزن والغضب وهو يُعاين الحياة المُهينة التي يعيشها الهنود، والمظالم الاقتصادية المسلطة على الطبقات الفقيرة، والعنف الذي يمارسه الأقوياء على الضعفاء، وفساد وسطحية الثقافة المُهيْمنَة، وهبوط مستوى التعليم، وانعدام الحريات العامة والخاصة. ويقول ماريو فارغاس يوسا إن وصايا خوزيه ماريا أرغيداس تكشف بقوة ووضوح وبطريقة دراماتيكية الأوضاع والظروف التي ترافق فعل الكتابة في بلدان أميركا اللاتينية. ففي البلدان التي تنعم بالحرية والعدالة الاجتماعية، يُركز الكاتب كل جهوده على عمله ساعياً لأن يكون مُتقناً بما يرضيه ويُرضي قراءه، ويثري ثقافة بلاده. أما في بلدان أميركا اللاتينية فإن الكاتب يجد نفسه مُطالباً بتحمّل مسؤولية اجتماعية، بل أحياناً سياسية إلى جانب مسؤوليته الفنية والإبداعية. ومعنى ذلك أنه يتوجب عليه أن يُساهم بأعماله الأدبية في النشاطات الاجتماعية والسياسية ليكون الالتزام واجباً مفروضاً عليه، ولا يمكنه أن يفلت منه. ولا يقتصر هذا الأمر على الماركسيين واليساريين بتوجهاتهم المختلفة، بل هو يشمل أيضاً جل الأوساط المثقفة التي تنفر من كل التوجهات الآيديولوجية.

ماريو فارغاس يوسا

لكن لماذا يتوجب على الكتّاب والفنانين في بلدان أميركا اللاتينية أن ينشغلوا بالقضايا السياسية والاجتماعية؟ على هذا السؤال، يجيب يوسا قائلاً بأن الأمر ليس مرهوناً بالظروف الاجتماعية، وإنما لأن الأدب ظل على مدى قرون الوسيلة المثلى للتعريف بهذه الظروف، وإبراز سلبياتها. ويعود ذلك إلى أن الأنظمة السياسية على اختلاف توجهاتها دأبت على إخفائها والتستّر عليها بمختلف الطرق والوسائل، خانقة كل الأصوات المعارضة لها. فلا حديث في وسائل الإعلام الرسمية عن الظلم المسلط على العمال والفلاحين، ولا عن التعذيب الذي يتعرض له المساجين السياسيون، ولا عن الاغتيالات والجرائم السياسية. حتى الجامعات ليست مُستثناة من الرقابة ومن العقاب. وفي بلد مثل الأوروغواي تمّ غلقُ قسم العلوم الاجتماعية لأن النظام تلقّى من جواسيسه تقريراً يؤكد أن هذه العلوم تحثّ على التمرد والثورة، وتُفسد عقول الشبيبة. لكن رغم قوة وعنف أجهزة الرقابة والمنع، كان الأدب يتمكن دائماً من تبليغ رسائله، مؤثراً في الأفكار، وفي التوجّهات العامة. وغالباً ما كانت الروايات والقصائد تفلت من فخاخ الرقابة والمنع والمصادرة. ويرى ماريو فارغاس يوسا أن ما يحدث مع الأدب في بلدان أميركا اللاتينية ليس ظاهرة جديدة. ففي العهود التي كانت في البلدان التي تعيش تحت الهيمنة الاستعمارية، لعب الأدب بمختلف أشكاله وفروعه من مسرح، وشعر، ورواية، دوراً أساسياً في النضالات السياسية.

خوزيه ماريا أرغيداس

جميع هذه الفروع كانت مثلما يقول ستاندال بمثابة المرايا التي فيها ترى شعوب بلدان أميركا اللاتينية واقعها وتفاصيل حياتها. وكل ما كانت تقدمه وسائل الإعلام الرسمية مشوّهاً ومبتوراً ومُزيفاً وكاذباً، وكل ما كان مُحرّماً وممنوعاً، كان الأدب يُزيل عنه كل هذا لكي يكون الواقع معكوساً بطريقة صادقة ونزيهة. وما حدث كان مُفارقاً، إذ إن «مملكة الذاتيّة تحوّلت في أميركا اللاتينية إلى مملكة الموضوعية»، و«الخيال عوّض العلم كوسيلة لوصف الحياة الاجتماعية». وبذلك أصبح الكتّاب يعتقدون أن مهمة الأدب هي توثيق الواقع، والبحث عن الحقيقة الضائعة والمُغيّبة. وكان الكتّاب من أصول هندية، أو من المنتصرين لقضيتهم هم أول من فضح الظروف البائسة والمهينة التي يعيشها مزارعو الجبال والقرى النائبة التي تكاد تكون منقطعة عن العالم، وإدانة ما يتعرضون له من مظالم من قبل كبار ملاّكي الأراضي. وكانت أول هؤلاء الكتاب امرأة تدعى كلوريندا ماتّو دو تونير كانت قد تأثرت بروايات إميل زولا وبأفكار الفلاسفة الوضعيين.

في روايتها «العصافير من دون عشّ» ترسم دو تنير صورة حيّة لحياة المزارعين الهنود من زوايا مختلفة، مُعريّة مختلف أشكال الظلم والتعسف التي تسمم حياتهم اليومية وهم يعملون في الحر وفي البرد من أجل الحصول على قوتهم اليومي الذي لا يُشبع جوعهم، وجوع عائلاتهم. لذلك يرى ماريو فارغاس يوسا أنه ليس بإمكاننا أن نتعرف على التاريخ الزراعي لبلدان أميركا اللاتينية ولا على المصير المأساوي للهنود منذ نهاية الهيمنة الاستعمارية، من دون العودة إلى الرواية الهندية لأنها «الشاهد الوحيد» على كل هذا. لذلك يمكن القول إن الكتّاب كانوا صحافيين ونشطاء اجتماعيين وسياسيين منحوا الأدب مواصفات وأدواراً جديدة وغير مسبوقة في بلدان أميركا اللاتينية. وعندما عاينت الخطر الذي يمثله الأدب، شرعت الأنظمة المدنية والعسكرية في بلدان أميركا اللاتينية تُلاحق الكتاب والشعراء، وترمي بهم في السجون، بل وتغتالهم في ظلمة الليل. وهذا ما حدث في الشيلي، وفي الأوروغواي، وفي الأرجنتين. ويرى ماريو فارغاس يوسا أن الالتزام في الأدب لا يعني أن الكاتب الذي يخضع له يمكنه أن يُبدع عملاً جيداً على المستوى الفني.

الأسباب التي دفعت أرغيداس إلى الانتحار شعوره بالغضب تجاه المظالم الاقتصادية المسلطة على الفقراء، وعنف الأقوياء على الضعفاء، وفساد وسطحية الثقافة المُهيْمنَة، وهبوط مستوى التعليم، وانعدام الحريات العامة والخاصة

وهذا ما حدث مع العديد من الكتاب الذين التزموا بقواعد ما سمّاه غدانوف بـ«الواقعية الاشتراكية» التي أنتجت أدباً سطحياً ومبتذلاً، وغريباً عن الفن في مفهومه العميق. وبسبب الضغوط الاجتماعية والسياسية، سقط في فخ الواقعية الاشتراكية كُتّاب وشعراء من بلدان أميركا اللاتينية. وتلك الأعمال التي كتبوها وهم على عجلة من أمرهم لالتقاط اللحظة الهاربة، لم تُعمّر طويلاً، بل سرعان ما جرفها الزمن ليضعها في رفوف التاريخ الاجتماعي والسياسي وليس في رفوف الأدب. إلاّ أن كتّاباً آخرين من أميركا اللاتينية التزموا بالقضايا الكبرى لمجتمعاتهم لكنهم أبدعوا أعمالاً رفيعة على المستوى الفني، مُدركين أن الأدب الحقيقي لا يمكن أن تصنعه العواطف الأكثر نبلاً وإنسانيةً. ثم إن الأدب الحقيقي بالنسبة لهم «يُقدّمُ الهواجس والبديهة والاستبصار على الأفكار»، وحقيقته «لا تخْضعُ لتشابهه مع الواقع، وإنما بقدرته على أن يتشكل على صورة مغايرة للنموذج وللمثال». والأدب لا يهتم بالأحداث اليومية والفورية بل هو «ينغرس في واقع دائم الاستمرار». لذا بإمكاننا أن نقرأ هوميروس أو دانتي أو سارفانتس أو أوفيد أو فرجيل كما لو أنهم مُعاصرون لنا. ومصادر الأدب تنزل بعيداً في أعماق التجربة الإنسانية الغامضة لا للدفاع عن آيدويولوجيا أو عن عقيدة أو عن دين، وإنما لتقويض أسس كل هذا لكي يكون الإنسان أكثر حريةً في اختياراته وفي أفكاره. كما أن مهمة الأدب ليست مقاومة الأنظمة الفاسدة والديكتاتورية وإنما هو نقيض لكل ما هو موجود.

وقد ابتكر البعض من كُتّاب أميركا اللاتينية ما أصبح يُسمى بـ«الواقعية السحرية». وهؤلاء الكتّاب لا يهتمون بإبراز ظواهر المظالم الاجتماعية والاقتصادية، وإنما هم يلجأون إلى الخيال في أقصى مدّ لجموحه لاستكشاف رؤى وكوابيس وأحلام وعوالم غريبة وعجائبية. لكن لا يعني ذلك هروباً من الواقع، وإنما يعني ابتكار أدوات فنية عالية وجديدة لتصوير هذا الواقع الذي غالباً ما يفلت عن أولئك الذين يتوقّفون عند السطح لأنهم لا يمتلكون القدرة للذهاب أبعد من ذلك. وقد تجسدت هذه «الواقعية السحرية» في قصص الفنزويلي سالفادور غارمانديا التي رسم فيها صورة مُرعبة للحياة في شوارع كاراكاس، وفيها كشف أوهام الطبقات المتوسطة وأحلامها الضائعة. وفي الرواية اليتيمة للمكسيكي خوان رولفو: «بيدرو باراما» تتكلم الكائنات من العالم الآخر، ومن القبور تخرج أصوات الموتى لتكشف حقائق كانت مجهولة ومُغيّبة. وقد بدا الأرجنتيني خوليو كورتثار بأعمال لا تهتم كثيراً بواقع بلاده، لكنه كان مختلفاً في روايته «كتاب مانويل»، إذ أنه يمضي فيه بعيداً في استكشافات الخيال ليبرز ما هو مظلم في واقع ظنّ القراء والنقاد أنه غير مبال به، متطرقاً إلى مواضيع مهمة مثل المنفى، والديكتاتورية، والإرهاب السياسي والآيديولوجي. أما الأرجنتيني الآخر خورخي لويس بورخيس فقد رسم لنفسه مساراً مختلفاً عن مسارات كتّاب أميركا اللاتينية. وجل قصصه تتطرق إلى مواضيع أدبية وميتافيزيقية ودينية وسايكولوجية مستكشفاً الواقع الإنساني من زوايا مختلفة سامحاً لخياله بالذهاب إلى أقصى حدوده الممكنة. وبين وقت وآخر يدلي بورخيس بتصريحات تعكس أفكاراً يعتبرها أهل اليسار «رجعية ومحافظة»، بل «مؤيدة للأنظمة الديكتاتورية وللكنيسة» إلاّ أن يوسا يعتقد أن بورخيس يرغب من خلال تلك التصريحات في التهكم والسخرية من يسار يعيش أوهاماً وأكاذيب تحجب عنه حقائق الوقع، وتُعمي بصيرته فلا يرى حركة التاريخ في مسارها الطبيعي بل في مسارها الآيديولوجي. كما أن بورخيس يرغب من خلال تلك التصريحات في أن يزداد توغلاً في وحدته، منصرفاً إلى الكتابة فلا يصرفه عنها أي موضوع آخر من أي صنف كان.


مقالات ذات صلة

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون هناء العمير

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن

محمود الزيباوي

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.