معنى الكتابة في أميركا اللاتينية

كتاب يتحملون مسؤوليةً اجتماعيةً وسياسيةً إلى جانب مسؤوليتهم الفنية والإبداعية

بورخيس
بورخيس
TT

معنى الكتابة في أميركا اللاتينية

بورخيس
بورخيس

في عام 1979، بطلب من «نادي القلم الفرنسي»، ألقى الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا الذي كان آنذاك قد أصبح يحظى بشهرة عالمية، محاضرة في «مركز جورج بومبيدو» بباريس حملت عنوان: «معنى الكتابة في أميركا اللاتينية». وقد بدأ محاضرته تلك بالإشارة إلى انتحار الكاتب البيروفي خوزيه ماريا أرغيداس في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1969 في قاعة بجامعة «لا مولينا» بالعاصمة ليما. وبالقرب من جثته عُثر على ورقة سجّل عليها توصياته بخصوص مراسيم جنازته، والمكان الذي سيدفن فيه، مُحدّداً اسم الذي سيلقي خطبة الوداع في المقبرة، وراجياً من صديق له عازف على الكمان أن يعزف له قبل نزوله إلى أعماق الظلمات مقاطع موسيقية يحبها. وقد حظي أرغيداس بجنازة محترمة، وتنافست مجموعات من اليسار المتطرف التي تعيش نزاعات آيديولوجية فيما بينها لحمل نعشه. وخلال الأيام التي أعقبت دفنه، عثر أيضاً على رسائل خطّ عليها وصاياه الأدبية، مُوضّحاً الأسباب التي دفعته إلى الانتحار. وقد وجّه تلك الرسائل إلى صحافيين، وكتّاب، وأساتذة، وأيضاً إلى شخصيات سياسية. في واحدة من الرسائل يعترف أنه يشعر أنه انتهى ككاتب، ولم يعدْ بإمكانه أن يُضيف أي شيء جديد لأعماله السابقة.

وفي رسائل أخرى يشير إلى أن الأسباب التي دفعته إلى الانتحار اجتماعية وأخلاقية وسياسية قائلاً بأنه كان يشعر بالحزن والغضب وهو يُعاين الحياة المُهينة التي يعيشها الهنود، والمظالم الاقتصادية المسلطة على الطبقات الفقيرة، والعنف الذي يمارسه الأقوياء على الضعفاء، وفساد وسطحية الثقافة المُهيْمنَة، وهبوط مستوى التعليم، وانعدام الحريات العامة والخاصة. ويقول ماريو فارغاس يوسا إن وصايا خوزيه ماريا أرغيداس تكشف بقوة ووضوح وبطريقة دراماتيكية الأوضاع والظروف التي ترافق فعل الكتابة في بلدان أميركا اللاتينية. ففي البلدان التي تنعم بالحرية والعدالة الاجتماعية، يُركز الكاتب كل جهوده على عمله ساعياً لأن يكون مُتقناً بما يرضيه ويُرضي قراءه، ويثري ثقافة بلاده. أما في بلدان أميركا اللاتينية فإن الكاتب يجد نفسه مُطالباً بتحمّل مسؤولية اجتماعية، بل أحياناً سياسية إلى جانب مسؤوليته الفنية والإبداعية. ومعنى ذلك أنه يتوجب عليه أن يُساهم بأعماله الأدبية في النشاطات الاجتماعية والسياسية ليكون الالتزام واجباً مفروضاً عليه، ولا يمكنه أن يفلت منه. ولا يقتصر هذا الأمر على الماركسيين واليساريين بتوجهاتهم المختلفة، بل هو يشمل أيضاً جل الأوساط المثقفة التي تنفر من كل التوجهات الآيديولوجية.

ماريو فارغاس يوسا

لكن لماذا يتوجب على الكتّاب والفنانين في بلدان أميركا اللاتينية أن ينشغلوا بالقضايا السياسية والاجتماعية؟ على هذا السؤال، يجيب يوسا قائلاً بأن الأمر ليس مرهوناً بالظروف الاجتماعية، وإنما لأن الأدب ظل على مدى قرون الوسيلة المثلى للتعريف بهذه الظروف، وإبراز سلبياتها. ويعود ذلك إلى أن الأنظمة السياسية على اختلاف توجهاتها دأبت على إخفائها والتستّر عليها بمختلف الطرق والوسائل، خانقة كل الأصوات المعارضة لها. فلا حديث في وسائل الإعلام الرسمية عن الظلم المسلط على العمال والفلاحين، ولا عن التعذيب الذي يتعرض له المساجين السياسيون، ولا عن الاغتيالات والجرائم السياسية. حتى الجامعات ليست مُستثناة من الرقابة ومن العقاب. وفي بلد مثل الأوروغواي تمّ غلقُ قسم العلوم الاجتماعية لأن النظام تلقّى من جواسيسه تقريراً يؤكد أن هذه العلوم تحثّ على التمرد والثورة، وتُفسد عقول الشبيبة. لكن رغم قوة وعنف أجهزة الرقابة والمنع، كان الأدب يتمكن دائماً من تبليغ رسائله، مؤثراً في الأفكار، وفي التوجّهات العامة. وغالباً ما كانت الروايات والقصائد تفلت من فخاخ الرقابة والمنع والمصادرة. ويرى ماريو فارغاس يوسا أن ما يحدث مع الأدب في بلدان أميركا اللاتينية ليس ظاهرة جديدة. ففي العهود التي كانت في البلدان التي تعيش تحت الهيمنة الاستعمارية، لعب الأدب بمختلف أشكاله وفروعه من مسرح، وشعر، ورواية، دوراً أساسياً في النضالات السياسية.

خوزيه ماريا أرغيداس

جميع هذه الفروع كانت مثلما يقول ستاندال بمثابة المرايا التي فيها ترى شعوب بلدان أميركا اللاتينية واقعها وتفاصيل حياتها. وكل ما كانت تقدمه وسائل الإعلام الرسمية مشوّهاً ومبتوراً ومُزيفاً وكاذباً، وكل ما كان مُحرّماً وممنوعاً، كان الأدب يُزيل عنه كل هذا لكي يكون الواقع معكوساً بطريقة صادقة ونزيهة. وما حدث كان مُفارقاً، إذ إن «مملكة الذاتيّة تحوّلت في أميركا اللاتينية إلى مملكة الموضوعية»، و«الخيال عوّض العلم كوسيلة لوصف الحياة الاجتماعية». وبذلك أصبح الكتّاب يعتقدون أن مهمة الأدب هي توثيق الواقع، والبحث عن الحقيقة الضائعة والمُغيّبة. وكان الكتّاب من أصول هندية، أو من المنتصرين لقضيتهم هم أول من فضح الظروف البائسة والمهينة التي يعيشها مزارعو الجبال والقرى النائبة التي تكاد تكون منقطعة عن العالم، وإدانة ما يتعرضون له من مظالم من قبل كبار ملاّكي الأراضي. وكانت أول هؤلاء الكتاب امرأة تدعى كلوريندا ماتّو دو تونير كانت قد تأثرت بروايات إميل زولا وبأفكار الفلاسفة الوضعيين.

في روايتها «العصافير من دون عشّ» ترسم دو تنير صورة حيّة لحياة المزارعين الهنود من زوايا مختلفة، مُعريّة مختلف أشكال الظلم والتعسف التي تسمم حياتهم اليومية وهم يعملون في الحر وفي البرد من أجل الحصول على قوتهم اليومي الذي لا يُشبع جوعهم، وجوع عائلاتهم. لذلك يرى ماريو فارغاس يوسا أنه ليس بإمكاننا أن نتعرف على التاريخ الزراعي لبلدان أميركا اللاتينية ولا على المصير المأساوي للهنود منذ نهاية الهيمنة الاستعمارية، من دون العودة إلى الرواية الهندية لأنها «الشاهد الوحيد» على كل هذا. لذلك يمكن القول إن الكتّاب كانوا صحافيين ونشطاء اجتماعيين وسياسيين منحوا الأدب مواصفات وأدواراً جديدة وغير مسبوقة في بلدان أميركا اللاتينية. وعندما عاينت الخطر الذي يمثله الأدب، شرعت الأنظمة المدنية والعسكرية في بلدان أميركا اللاتينية تُلاحق الكتاب والشعراء، وترمي بهم في السجون، بل وتغتالهم في ظلمة الليل. وهذا ما حدث في الشيلي، وفي الأوروغواي، وفي الأرجنتين. ويرى ماريو فارغاس يوسا أن الالتزام في الأدب لا يعني أن الكاتب الذي يخضع له يمكنه أن يُبدع عملاً جيداً على المستوى الفني.

الأسباب التي دفعت أرغيداس إلى الانتحار شعوره بالغضب تجاه المظالم الاقتصادية المسلطة على الفقراء، وعنف الأقوياء على الضعفاء، وفساد وسطحية الثقافة المُهيْمنَة، وهبوط مستوى التعليم، وانعدام الحريات العامة والخاصة

وهذا ما حدث مع العديد من الكتاب الذين التزموا بقواعد ما سمّاه غدانوف بـ«الواقعية الاشتراكية» التي أنتجت أدباً سطحياً ومبتذلاً، وغريباً عن الفن في مفهومه العميق. وبسبب الضغوط الاجتماعية والسياسية، سقط في فخ الواقعية الاشتراكية كُتّاب وشعراء من بلدان أميركا اللاتينية. وتلك الأعمال التي كتبوها وهم على عجلة من أمرهم لالتقاط اللحظة الهاربة، لم تُعمّر طويلاً، بل سرعان ما جرفها الزمن ليضعها في رفوف التاريخ الاجتماعي والسياسي وليس في رفوف الأدب. إلاّ أن كتّاباً آخرين من أميركا اللاتينية التزموا بالقضايا الكبرى لمجتمعاتهم لكنهم أبدعوا أعمالاً رفيعة على المستوى الفني، مُدركين أن الأدب الحقيقي لا يمكن أن تصنعه العواطف الأكثر نبلاً وإنسانيةً. ثم إن الأدب الحقيقي بالنسبة لهم «يُقدّمُ الهواجس والبديهة والاستبصار على الأفكار»، وحقيقته «لا تخْضعُ لتشابهه مع الواقع، وإنما بقدرته على أن يتشكل على صورة مغايرة للنموذج وللمثال». والأدب لا يهتم بالأحداث اليومية والفورية بل هو «ينغرس في واقع دائم الاستمرار». لذا بإمكاننا أن نقرأ هوميروس أو دانتي أو سارفانتس أو أوفيد أو فرجيل كما لو أنهم مُعاصرون لنا. ومصادر الأدب تنزل بعيداً في أعماق التجربة الإنسانية الغامضة لا للدفاع عن آيدويولوجيا أو عن عقيدة أو عن دين، وإنما لتقويض أسس كل هذا لكي يكون الإنسان أكثر حريةً في اختياراته وفي أفكاره. كما أن مهمة الأدب ليست مقاومة الأنظمة الفاسدة والديكتاتورية وإنما هو نقيض لكل ما هو موجود.

وقد ابتكر البعض من كُتّاب أميركا اللاتينية ما أصبح يُسمى بـ«الواقعية السحرية». وهؤلاء الكتّاب لا يهتمون بإبراز ظواهر المظالم الاجتماعية والاقتصادية، وإنما هم يلجأون إلى الخيال في أقصى مدّ لجموحه لاستكشاف رؤى وكوابيس وأحلام وعوالم غريبة وعجائبية. لكن لا يعني ذلك هروباً من الواقع، وإنما يعني ابتكار أدوات فنية عالية وجديدة لتصوير هذا الواقع الذي غالباً ما يفلت عن أولئك الذين يتوقّفون عند السطح لأنهم لا يمتلكون القدرة للذهاب أبعد من ذلك. وقد تجسدت هذه «الواقعية السحرية» في قصص الفنزويلي سالفادور غارمانديا التي رسم فيها صورة مُرعبة للحياة في شوارع كاراكاس، وفيها كشف أوهام الطبقات المتوسطة وأحلامها الضائعة. وفي الرواية اليتيمة للمكسيكي خوان رولفو: «بيدرو باراما» تتكلم الكائنات من العالم الآخر، ومن القبور تخرج أصوات الموتى لتكشف حقائق كانت مجهولة ومُغيّبة. وقد بدا الأرجنتيني خوليو كورتثار بأعمال لا تهتم كثيراً بواقع بلاده، لكنه كان مختلفاً في روايته «كتاب مانويل»، إذ أنه يمضي فيه بعيداً في استكشافات الخيال ليبرز ما هو مظلم في واقع ظنّ القراء والنقاد أنه غير مبال به، متطرقاً إلى مواضيع مهمة مثل المنفى، والديكتاتورية، والإرهاب السياسي والآيديولوجي. أما الأرجنتيني الآخر خورخي لويس بورخيس فقد رسم لنفسه مساراً مختلفاً عن مسارات كتّاب أميركا اللاتينية. وجل قصصه تتطرق إلى مواضيع أدبية وميتافيزيقية ودينية وسايكولوجية مستكشفاً الواقع الإنساني من زوايا مختلفة سامحاً لخياله بالذهاب إلى أقصى حدوده الممكنة. وبين وقت وآخر يدلي بورخيس بتصريحات تعكس أفكاراً يعتبرها أهل اليسار «رجعية ومحافظة»، بل «مؤيدة للأنظمة الديكتاتورية وللكنيسة» إلاّ أن يوسا يعتقد أن بورخيس يرغب من خلال تلك التصريحات في التهكم والسخرية من يسار يعيش أوهاماً وأكاذيب تحجب عنه حقائق الوقع، وتُعمي بصيرته فلا يرى حركة التاريخ في مسارها الطبيعي بل في مسارها الآيديولوجي. كما أن بورخيس يرغب من خلال تلك التصريحات في أن يزداد توغلاً في وحدته، منصرفاً إلى الكتابة فلا يصرفه عنها أي موضوع آخر من أي صنف كان.


مقالات ذات صلة

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

كتب «تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
ثقافة وفنون عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة

د. آمال موسى

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».