قوات برية تعزز عمليات تحرير تعز.. والميليشيات تنسحب من مناطق بعد زراعتها بالألغام

هادي يلتقي عددًا من الشخصيات الاجتماعية من أبناء المحافظة

عربة تابعة لقوات الجيش اليمني والتحالف تتفقد الأوضاع قرب ميناء عدن (أ.ف.ب)
عربة تابعة لقوات الجيش اليمني والتحالف تتفقد الأوضاع قرب ميناء عدن (أ.ف.ب)
TT

قوات برية تعزز عمليات تحرير تعز.. والميليشيات تنسحب من مناطق بعد زراعتها بالألغام

عربة تابعة لقوات الجيش اليمني والتحالف تتفقد الأوضاع قرب ميناء عدن (أ.ف.ب)
عربة تابعة لقوات الجيش اليمني والتحالف تتفقد الأوضاع قرب ميناء عدن (أ.ف.ب)

بدأت فعليًا العمليات العسكرية لتحرير محافظة تعز، ثالث كبرى المدن اليمنية وسط اليمن، بمشاركة قوات عسكرية من التحالف العربي بقيادة السعودية إلى جانب الجيش الوطني والمقاومة الشعبية.
وخلال الساعات الماضية دخلت قوات برية من التحالف إلى محافظة تعز عبر طرق مختلفة بعد عمليات إنزال مظلي لذخائر وأسلحة نوعية عبر طيران التحالف، وكذا دخول أسلحة برية نوعية تتضمن آليات عسكرية ومدرعات. في حين كان المجلس العسكري قد أعلن في وقت سابق من اليوم الأول عن بدء الترتيبات والتجهيزات لعملية معركة تحرير المدينة.
وفي غضون ذلك، التقى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، أمس، عددًا من الشخصيات السياسية والاجتماعية من أبناء محافظة تعز بحضور مستشار رئيس الجمهورية سلطان العتواني.
ووفقًا لوكالة أنباء «سبأ» اليمنية الموالية للشرعية، عبّر الجميع عن تقديرهم لجهود هادي في نجدة محافظة تعز لتجاوز ما تعيشه تحت رحى الحرب ونيران ميليشيا الحوثي وصالح الانقلابية منذ أشهر، الذين استماتوا في محاصرة المدينة ومعاقبة سكانها لوقوفهم في وجه القوى الظلامية. وأثنوا على التحولات الأخيرة التي تشهدها المدينة، وتواصل الرئيس اليمني مع المقاومة ومساندة قوات التحالف التي أشعرت الجميع بأن تباشير النصر قادمة.
ووضع هادي أمام الجميع مستجدات الأوضاع على الساحة الوطنية وتعز بدرجة رئيسية.. مؤكدًا إيلاء المحافظة الاهتمام الذي تستحقه باعتبارها لم تكن يومًا غائبة عنه.
وقال رئيس الجمهورية: «إن لتعز مكانتها الخاصة على الصعيد الجغرافي والوطني والإنساني وهي خاصرة الوطن وملاذه الآمن على مر المراحل والمنعطفات من تاريخ البلد».
وشدد على ضرورة شحذ الهمم وتوحيد الصفوف بالتعاون مع الجميع لوضع حد لمعاناة تعز وأبنائها العزل المسالمين والأبرياء أمام آلة الحرب لميليشيا الحوثي وصالح الإنقلابية.
وقال هادي: «إن تعز مدينة السلام ونحن جميعا دعاة السلام ومشروعنا وطن آمن مستقر مبني على العدالة والمساواة والحكم الرشيد بعيدا عن الإقصاء الفئوي والمناطقي، وهذا ما تجسد في مخرجات الحوار الوطني ومسودة الدستور التي انقلب عليها الحوثيون وصالح بإعلانهم الحرب على الشعب اليمني تنفيذا لأجندة دخيلة على وطننا ومجتمعنا ومحيطنا». حضر اللقاء نائب مدير مكتب رئاسة الجمهورية الدكتور عبد الله العليمي.
إلى ذلك، تستمر ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع علي عبد الله صالح بارتكاب مجازر وجرائم بحق الأهالي بتعز خاصة بعد البدء الفعلي للعمليات العسكرية لتطهير محافظة تعز بكاملها من الميليشيات الانقلابية وقوات المخلوع في مختلف جبهات القتال الشرقية والغربية.
ويقول مصدر من المقاومة الشعبية لـ«الشرق الأوسط»، إن «الميليشيات الانقلابية ارتكبت جريمة غير مسبوقة في تعز قبل انسحابها من بعض المناطق الواقعة شرق المدينة، حيث قامت بزرع ألغام على الطريق الوحيد أمام الأهالي بتعز في منطقة ثعبات، ونتج عنه انفجار حافلة ركاب يقدر عددهم بـ16 راكبًا ونتج عن الانفجار مقتلهم جميعا، بالإضافة إلى استشهاد 2 من المواطنين جراء انفجار لغم آخر بإحدى سيارات المواطنين بحي العسكري، شرق المدينة».
ويضيف: «شنت ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح، أمس، هجوما عنيفا بصواريخ الكاتيوشات والهاون ومختلف أنواع الأسلحة كرد انتقامي لها لبدء العمليات العسكرية لتطهير المحافظة منهم حيث قصفت الكثير من الأحياء السكنية بما فيه قصف عنيف على جبر صبر بأكثر من 10 صواريخ كاتيوشا، والمجلية والدمغة وطريق صبر الموادم»، مؤكدا أن الميليشيات لا تزال تقصف وبشكل عنيف وعشوائي من مواقع لهم في تبة سوفتيل ومن ساحة القصر الجمهوري.
وعلى الصعيد الميداني والعسكري قتل العشرات من الميليشيات الانقلابية خلال مواجهات بين المقاومة الشعبية والجيش الوطني، من جهة، وميليشيات الحوثي وصالح، من جهة أخرى، في جبهات القتال وكذا جراء غارات التحالف العربي التي شنتها وبشكل مباشر على مواقع وتجمعات ومخازن أسلحة الميليشيات.
وتركزت غارات التحالف على مواقع الميليشيات في نقطة الثلاثين، التي تربط بين خط الضباب والحديدة، وموقع حذران، غرب المدينة، ومعسكر اللواء 22 بالجند وجامعة تعز بحبيل سليمان حيث تمكنت من تدمير دبابة متمركزة في حرم الجامعة، ومواقع أخرى وسط المدينة.
وبينما تشهد تعز كارثة إنسانية وحصار مطبق للشهر السابع على التوالي من قبل الميليشيات الانقلابية على مداخل المدينة وتمنع عليهم دخول الماء والغذاء والأدوية وحتى أسطوانات الأكسجين للمستشفيات وكل مستلزمات العيش، أعربت المنظمة العربية لحقوق الإنسان عن قلقها البالغ إزاء تطورات الأوضاع في تعز واصفة ما تتعرض له «حرب تجويع عمدية».
وقالت المنظمة في بيان لها: «لقد باتت إمدادات الغذاء المحدودة تصل إلى المدينة عبر التهريب وبأسعار باهظة تضاعفت إلى نحو 600 في المائة على صلة بالرشى التي يضطر المهربون سدادها لحواجز ودوريات الميليشيا التي تحاصر الدروب المؤدية للمدينة، في حين يتسبب القصف العشوائي في انهيار تام لإمدادات مياه الشرب النقية في المدينة وتدني الطاقة التي تؤذي استمرار الخدمات الطبية المحدودة المتوافرة وتعمق مأساة السكان».
وبدوره يقول بليغ التميمي، رئيس شبكة إنقاذ للإغاثة ومؤسسة فجر الأمل الخيرية للتنمية الاجتماعية ورئيس تنفيذية المجلس الثوري بتعز، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الوضع الإنساني في تعز يزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر بسبب الحصار المفروض على المدينة وتوقف الناس عن العمل وإغلاق أكثر من 90 في المائة من المحلات والمراكز والمنشآت الصناعية؛ الأمر الذي أدى إلى فقدان كثير من الأسر مصادر دخلها الذي تقتات منه، وهذا ينذر بكارثة ومجاعة قد بدت ملامحها تظهر».
ويضيف: «هناك انهيار للمنظومة الصحية وتوقف المستشفيات عن العمل بسبب نفاد المستلزمات الطبية وانعدام المشتقات النفطية ولم يتبقى إلا 3 مستشفيات عاملة تعاني من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات في الوقت الذي تستقبل فيه أعداد هائلة من الجرحى والمرضى بفعل القصف العشوائي المستمر والتلوث البيئي الحاصل نتيجة تراكم القمامة في الشوارع والحارات».
ويؤكد التميمي أن هناك «3285 من المنازل والمنشآت تعرضت للهدم الكلي أو الجزئي، و10 ألف من الأطفال فقدوا آباءهم ومليون و600 ألف بحاجة إلى مياه صالحة للشرب، نعم فتعز تغرق في ظلام دامس لا تكاد تسمع فيها إلا أصوات المآذن أو قذائف الهاون والهاوزر وصواريخ الكاتيوشا ورصاصات القناصة، في تعز لا ماء لا كهرباء لا غذاء لا دواء لا وقود».
وناشد رئيس شبكة إنقاذ للإغاثة ورئيس تنفيذية المجلس الثوري بتعز، عبر «الشرق الأوسط»، المنظمات ورجال الخير، القيام بواجبهم تجاه تعز. وقال: «من خلال صحيفتكم، نناشد المنظمات ورجال الخير القيام بواجبهم تجاه تعز المنكوبة، فنحن لا نريد أن نسمع بيانات وإدانات فقط، هذا وحده لا يكفي».
وأضاف: «تعز تحتاج إلى توفير ما يقارب من 500 ألف سلة غذائية وتوفير مليوني لتر من الماء يوميا وتوفير مراكز إيواء وتزويد القائمة منها بالاحتياجات الإيوائية والغذائية وتزويد المستشفيات العاملة بالأدوية والمستلزمات الطبية وفتح مستشفيات ميدانية وإقامة حملات نظافة وإعادة تأهيل الآبار وتوفير العلاجات للمرضى».



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».