«المهرجان اللبناني للكتاب» ينطلق الخميس متحدياً الأزمة المالية ومخاطر تمدّد الحرب

خلال افتتاح «المهرجان اللبناني للكتاب» سنة 2020 بحضور وزير التربية اللبناني آنذاك طارق مجذوب (في الوسط إلى اليمين)... في بلدة أنطلياس بلبنان (الحركة الثقافية - أنطلياس)
خلال افتتاح «المهرجان اللبناني للكتاب» سنة 2020 بحضور وزير التربية اللبناني آنذاك طارق مجذوب (في الوسط إلى اليمين)... في بلدة أنطلياس بلبنان (الحركة الثقافية - أنطلياس)
TT

«المهرجان اللبناني للكتاب» ينطلق الخميس متحدياً الأزمة المالية ومخاطر تمدّد الحرب

خلال افتتاح «المهرجان اللبناني للكتاب» سنة 2020 بحضور وزير التربية اللبناني آنذاك طارق مجذوب (في الوسط إلى اليمين)... في بلدة أنطلياس بلبنان (الحركة الثقافية - أنطلياس)
خلال افتتاح «المهرجان اللبناني للكتاب» سنة 2020 بحضور وزير التربية اللبناني آنذاك طارق مجذوب (في الوسط إلى اليمين)... في بلدة أنطلياس بلبنان (الحركة الثقافية - أنطلياس)

ينطلق «المهرجان اللبناني للكتاب»، في دورته اﻟ41، الخميس المقبل 29 فبراير (شباط) 2024 في بلدة أنطلياس اللبنانية، ويستمرّ حتى 10 مارس (آذار). عام جديد تنظّم فيه «الحركة الثقافية - أنطلياس» معرضها الوطني السنوي، متحدية الظروف الاقتصادية الصعبة التي ما زال يعانيها لبنان ومخاطر تمدد الحرب الدائرة في جنوب البلاد.

يُفتتح المهرجان عند الساعة الرابعة بعد ظهر الخميس المقبل بتوقيت بيروت. ويفتح المعرض أبوابه كل يوم من الساعة الثالثة بعد الظهر حتى التاسعة مساء ويستمر 11 يوماً. ويحتوي المهرجان على 3 محاور؛ «معرض (بيع) الكتب، وتكريم الشخصيات الثقافية، وتواقيع كتب صادرة حديثاً».

يتوقّع الدكتور عصام خليفة، أمين إعلام المهرجان، في حديثه ﻟ«الشرق الأوسط»، أن تكون دورة هذا العام واعدة، ويتحدّث عن أهمية استمرار تنظيم المناسبة الثقافية الوطنية في ظل الظروف الحالية، قائلاً:

«من خلال استمرارنا بالمهرجان السنوي والتكريم رغم المرحلة الصعبة التي يمر بها لبنان، نحن نواجه مشروع انهيار الدولة اللبنانية والأزمة المالية، ونواجه الجريمة المنظّمة التي تواجهنا، ونظام الحرب الذي ما زال قائماً ضدنا، ونقف بوجه القمع. نقاوم كل هذا الوضع بالثقافة. هذه هي الرسالة التي نقدّمها».

صورة الدعوة للمشاركة ﺑ«المهرجان اللبناني للكتاب» لهذا العام (الحركة الثقافية - أنطلياس)

تشجيعاً للشباب على القراءة

في الجانب الخاص ببيع الكتب، تشارك دور نشر مختلفة بالمهرجان، وتبيع الكتب مع خصم بنسبة 30 في المائة. وفي المهرجان أيضاً معرض كتب للأطفال. ووفق د. عصام خليفة، «أقنعت الحركة الثقافية كثيراً من دور النشر بأن تنظم بازاراً بأسعار شبه مجانية لكتب تريد الدور تصريفها. نجحت تجربة البازار السنة الماضية، لذا سنعمل بازاراً هذه السنة أيضاً. عدد كبير من كتب البازار يبلغ سعره دولاراً واحداً فقط».

ويضيف خليفة: «يهم المهرجان من خلال هذه الحسومات أن يعيد التواصل بعد القطيعة بين الشباب والكتاب بفعل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي».

لا تقبل الحركة الثقافية مساعدات مالية من أي جهة، وتعتمد في تمويلها على الإيجارات التي تدفعها لها دور النشر لحجز مساحات لها في المعرض السنوي. هذه الإيجارات تؤمّن للحركة استقلاليتها، بحسب خليفة.

وتحدّث خليفة عن الصعوبات التي واجهها المهرجان اللبناني للكتاب في السنوات الأخيرة نتيجة جائحة «كورونا» (بدءاً من عام 2020)، التي تزامنت تقريباً مع الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان، وأشار إلى أنّ الجائحة أوقفت المهرجان السنوي سابقاً لعام ونصف عام. يقول: «السنة الأولى لـ(كورونا) بدأت بمهرجان الكتاب، لكن جاءت آنذاك الأوامر الحكومية بالإغلاق بسبب الوضع الصحي نتيجة الجائحة، فأغلقنا المعرض في منتصفه. السنة الماضية عدنا لتنظيم مهرجان الكتاب، وكانت العودة مشجعة. السنة تجربتنا أوسع. المساحة المتاحة للعرض أكبر».

ندوات تناقش القضايا الوطنية

بموازاة معرض الكتب، تنظّم الحركة الثقافية أنشطة كثيرة. تُقام ندوات وحفلات تكريم لأعلام الثقافة.

وكمثال عن الندوات التي تُقام في مهرجان الكتاب لهذا العام، يعطي خليفة مثالاً الندوة الأولى في المهرجان، وذلك يوم الافتتاح الخميس 29 فبراير، بعنوان «مراجع الشيعة وقضايا الوطن الجامعة» (الساعة السادسة مساء). يقول خليفة عن الندوة: «تشارك فيها شخصيات شيعية لبنانية بارزة، ستتحدّث عن الأفكار التي تستقطب الطائفة الشيعية اللبنانية في إطار الوطن اللبناني، وليس الخروج عليه بمشاريع (إقليمية) معروفة الخلفيّة».

الدكتور عصام خليفة الأمين السابق للحركة الثقافية وأمين الإعلام في الدورة الحالية ﻟ«المهرجان اللبناني للكتاب» (متداولة)

من أبرز اللقاءات أيضاً، ندوة بعنوان «لبنان بين النزوح واللجوء، والمخاطر الكيانية والسياسات الوقائية»، تُقام الخميس 7 مارس الساعة الرابعة بعد الظهر بتوقيت بيروت، وندوة أخرى بعنوان «حرب غزة وانعكاساتها على لبنان» الجمعة 8 مارس الساعة الرابعة بعد الظهر، وندوة حول كتاب السفير الأميركي السابق في لبنان دايفيد هيل، الذي صدر بعنوان «الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان 1943 – 2023». ويشارك في تنظيم هذه الندوات خبراء وأكاديميون وسياسيون وإعلاميون.

يقول خليفة عن الندوات التي ينظّمها المهرجان: «ننظّم ندوات حول قضايا الوطن، نستقبل فيها أطرافاً من جهات متنوّعة ليتناقشوا ويتحاوروا على أساس أنّ العنف لا يؤدّي إلى حلّ. أجرينا حواراً بين الأطراف المختلفة خلال الحرب. وعندما كانت الطرق مقفلة آنذاك، كنا نذهب إلى غرب العاصمة بيروت، ونأتي بشخصيات من بيروت الغربية للمشاركة في النشاطات الثقافية، كانوا يمرّون على الحواجز، وكنا نجري حواراً بين كلّ الطوائف. وأجرينا نشاط الهيئات الثقافية في كلّ المناطق اللبنانية، في (تجمّع الهيئات الثقافية)، وقدّمنا مذكّرات، ما أثار ريبة الوصاية السورية على لبنان التي نظرت بتخوّف إلى تحرّكاتنا».

تكريم 8 من أعلام الثقافة

يشارك 78 شخصاً في تكريم 8 من أعلام الثقافة لهذا العام، ويلقي المشاركون كلمات أو شهادات بالمكرّمين.

التكريم، بحسب خليفة، هو للذين أعطوا حياتهم للثقافة: «نقدّم لهم تحية بالمهرجان. المكرّمون لبنانيون من اختصاصات متعددة؛ علمية، تاريخية، أدبية، فنّيّة، موسيقية... إلخ. ونحرص دائماً على تحقيق توازن طائفي بين المسلمين والمسيحيين في عدد الشخصيات المكرّمة في المهرجان».

المكرّمون لهذا العام هم:

أنطوان سيف (مواليد 1944). هو من مؤسسي الحركة الثقافية. أستاذ فلسفة في الجامعة اللبنانية. كان أميناً عاماً وأمين نشاطات في الحركة الثقافية. ألّف ما يقارب 70 كتاباً، وترجم كتباً كثيرة فلسفية وأبحاثاً موسّعة ومقالات، عددها يزيد على مائتين. شارك في أكثر من 120 مؤتمراً وندوة في لبنان والخارج.

لمياء المبيّض بساط (مواليد 1967). بدأت حياتها المهنية لدى مؤسسات مهنية خاصة، ثم مديرة برامج لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا. في عام 2000، سمّتها وزارة المالية الفرنسية لتكون المديرة الوطنية للمعهد المالي والجمركي من الجانب الفرنسي. انتُخبت عام 2016 عضواً في مجلس إدارة الرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة. ساهمت في إصلاح الموازنة العامة اللبنانية وشفافيتها. عززت مركز توثيق المكتبة المالية، ونشرت مجلة متخصصة في شؤون إدارة المال، وأشرفت على إنتاج كثير من الأوراق البحثية والتقارير الدورية.

خطّار أبو دياب (مواليد 1956). إعلامي لبناني في باريس. ينشط في راديو «مونتي كارلو»، وقناة «فرانس 24». كاتب بارز في مجلّة «المجلّة»، وله مؤلّفات كثيرة. صاحب شجاعة في عرض مواقفه. يقول عنه عصام خليفة: «لديه من فروسية أهل الجبل (اللبناني)».

الدكتور أنطوان سيف من الشخصيات الثقافية التي يكرّمها «المهرجان اللبناني للكتاب» لهذا العام (متداولة)

دياب يونس (مواليد 1943). رجل قانون ولغة وعمق وأناقة في الأدب والخطابة. كان مناضلاً طليعياً في الوسط الطلابي حيث تولى رئاسة رابطة الطلاب في كلية التربية بالجامعة اللبنانية سنة 1967. وتسلّم مهمات حساسة في الإدارة العامة. تميّز يونس كقائد شعبي بين الطلاب.

ربيعة أبي فاضل (مواليد 1950). أديب وناقد وأستاذ جامعي. صاحب ضمير مهني. حرص على الحفاظ على المستوى الأكاديمي المرموق في الجامعة. كتب في الصحافة الأدبية والنقد الأدبي، والقصة والشعر والتراث، والأدب الروحي والوجداني.

رفعت طربية (مواليد 1948). أحد أبرز الممثلين اللبنانيين. لعب دور بطولة في عدد كبير من المسرحيات. شارك بأنواع كثيرة من المسرح، وتميّز بأدائه. ورغم أنه لم يدرس المسرح، فإنه تميّز فيه عن طريق الممارسة. تتلمذ على يد منير أبو دبس وكبار المخرجين في فرنسا.

محمد جواد خليفة (مواليد 1961). طبيب، وشغل أيضاً منصب وزير صحة. أستاذ في الجامعة الأميركية، وهو أول من أجرى عملية زرع كبد في منطقة الشرق الأوسط. لديه أبحاث كثيرة. يقول عنه خليفة: «عندما تولى الوزارة، حاول محمد جواد خليفة أن يعمل ضماناً صحياً وعمل مكننة، وحاول ترخيص الدواء، لكنه أُقيل من قبل مرجعيات سياسية».

شربل روحانا (مواليد 1965). أستاذ ماهر على العود. نظم مهرجانات ومسابقات دولية، وحفلات موسيقية وندوات. عُني بمنهج لتجديد تعليم العزف على العود. اعتُمد منهجه بمعظم معاهد الموسيقى في لبنان. كون شربل روحانا من بلدة عمشيت اللبنانية، في قضاء جبيل بمحافظة جبل لبنان، يأتي تكريمه أيضاً تكريماً للبلدة، بما فيها من كفاءات وطاقات.

120 إصداراً جديداً

يشهد المهرجان سنوياً تواقيع كتب جديدة. يستقبل المعرض هذا العام تواقيع ﻟ120 كتاباً جديداً، صادرة باللغة العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية. وتتنوّع أنواع الكتب الموقّعة لتشمل المواضيع السياسية والتاريخية والعلمية والأدبية.

يتم توقيع الكتب يومياً من الساعة الثالثة بعد الظهر (بتوقيت بيروت) حتى الساعة التاسعة طوال أيام المعرض، بمعدّل توقيع كتاب كلّ ساعتين. ومن المتوقّع أن يستقطب مجموع التواقيع هذه السنة، كالعادة، آلاف الزوار للمهرجان من الذين يزورون المعرض لشراء الكتب الصادرة.

ويوقّع الدكتور عصام خليفة كتابه الجمعة في 8 مارس من الساعة 5 إلى الساعة 9 مساء (توقيت بيروت)، وعنوانه «أبحاث في تاريخ لبنان وجواره في الفترة الحديثة والمعاصرة».

إصدارات خاصة بالمهرجان

تصدر الحركة الثقافية بين 3 و4 كتب سنوياً عن «المهرجان اللبناني للكتاب» وتوزّعها مجاناً. وتصدر كتاباً ضخماً عن المهرجان السنوي، وكتاباً خاصاً بالندوات السنوية التي تنظمها الحركة، وكتاب أعلام الثقافة، وهو الكتاب الذي تخصصه الحركة الثقافية للتعريف بالشخصيات التي تكرّمها في المهرجان السنوي، يتضمّن الكلمات التي قيلت في تكريم هذه الشخصيات.

وطبعت الحركة أجزاء ضخمة خاصة بأعلام الثقافة الذين كرّمتهم، ولا تزال تستكمل عملية الطبع، رغم المشكلة المالية. يقول خليفة عن هذه المسألة: «نطبع حسب توفّر الإمكانات. هذه الكتب توزّع مجاناً على زوّار المعرض وعلى كل من يحب القراءة ويطلب هذه الكتب. الحركة الثقافية هيئة لا تبغى الربح».

جانب من برنامج «المهرجان اللبناني للكتاب» لهذا العام (الحركة الثقافية - أنطلياس)

الثقافة في مواجهة العنف

انطلق «المهرجان اللبناني للكتاب» سنة 1980 خلال الحرب التي شهدها لبنان. يتحدّث خليفة عن دوافع انطلاق الحدث الثقافي السنوي: «كان الشباب اللبناني آنذاك من كل المناطق ومن مختلف الطوائف منشغلاً بالسلاح. لذا هدفنا أن نوجّه الشباب نحو المعرفة لا نحو السلاح. فالمعرفة هي القوة لا السلاح. نهدف للتخفيف من عنف الشباب. نحن مع السلم الأهلي، والوحدة الوطنية بين اللبنانيين. ينسجم المعرض مع هدفنا وميثاقنا، لأننا مع التغيير في الثقافة ومن خلال الثقافة. من خلال الثقافة نغيّر المجتمع، وجوهر الثقافة لا نبقيه نمطاً تقليدياً بل متجدداً علمانياً ديمقراطياً».

«هكذا وُلد المهرجان اللبناني للكتاب. لا يقتصر المهرجان على بيع الكتب، لنحبّب الشباب بالمعرفة، لكن أيضاً تكريماً لأعلام الثقافة بداية في لبنان ثم أيضاً في العالم العربي»، وفق خليفة.

مشروع اعتدال بوجه التطرّف

ينظر المجتمع اللبناني بمختلف طوائفه إلى مهرجان الكتاب باحترام، إذ يوضح خليفة أن ذلك يعود إلى أن المعرض كان يعكس في الحرب وجهة النظر المعتدلة بين الأطراف.

يقول خليفة في هذا الإطار: «نحن واجهنا كل الأطراف المتشنّجة والمتعصّبة بغضّ النظر عن انتماءاتها. كان مقترحنا وطنياً، يجمع بين استقلال لبنان وسيادته من جهة، والانفتاح على العالم العربي من موقع السيادة والاستقلال، والالتزام بالقضية الفلسطينية والعدالة للشعب الفلسطيني في أن تكون له دولته، ولكن ليس على حساب الشعب اللبناني، وضد أن يعمل الفلسطينيون قتلاً واستيطاناً في لبنان».

ويضيف خليفة: «توجُّه حركتنا الثقافية هو التحالف مع العالم العربي، ولكن ضمن سيادة الدولة اللبنانية واستقلالها. لذا تعاطفت معنا كل الفئات اللبنانية. اعتبرتنا الفئات التي لم تدخل في الحرب والأحزاب أننا سند لها. فحركتنا لم تكن لها أهداف سياسية مباشرة، بل سياستنا وطنية عليا، للدفاع عن حقوق الإنسان اللبناني والعربي».


مقالات ذات صلة

«المعرض الفني الجماعي»... حكايات بصرية معلّقة بين الحلم واليقظة

يوميات الشرق يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)

«المعرض الفني الجماعي»... حكايات بصرية معلّقة بين الحلم واليقظة

بتقنيات تتراوح بين الأكريليك والزيت والنحت و«الميكسد ميديا»، يأخذ المعرض زواره في رحلة بصرية تتنقل بين الواقع والخيال.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ما سقط من الحسابات دخل في النسيج (الشرق الأوسط)

«(In) Seam» لديما يوسف ربيز: الدَرْزة فلسفةُ بقاء

الدَرْزة هي الأثر الظاهر لفعل الاحتفاظ. عندما تتمزَّق قطعة ما، تصبح الدَرْزة إعلاناً عن قرار بعدم التخلّي عنها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من معرض الفنانة سهير عثمان (وزارة الثقافة المصرية)

«الهوية وأنا»... معرض مصري يردد أصداء الحضارة القديمة

تحت عنوان «الهوية... وأنا» افتتحت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، معرضاً للفنانة سهير عثمان، عميدة كلية الفنون التطبيقية سابقاً.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق معرض «بدايات جديدة» يستمر لغاية 27 يونيو الحالي (الشرق الأوسط)

«بدايات جديدة»... لقاء الروح بالحب في معرض ترايسي شمعون

وجدت ترايسي شمعون في أحضان الطبيعة السكينة والطمأنينة، ومنها استمدّت الإلهام الذي تحوّل إلى لوحات تحتفي بالحياة والحرية والتجدّد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)

«خزفة من أجل طفل»... السيراميك يُداوي جراح الطفولة

راكمت «دار الطفل اللبناني» تجارب آلاف المسارات الإنسانية التي عَبَرَت برامجها خلال العقود الـ5 الماضية ثم شقَّت الطُرق نحو حياة مختلفة...

فاطمة عبد الله (بيروت)

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية
TT

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة. حدث ذلك في ستينات القرن الماضي. لم تفكر هيسه في القماش إلا باعتباره مادة خاماً يمكن استعمالها في خلق مساحات وكتل تعبيرية. أما الإسبانية إيما ألونسو (1962) فهي لا تجد ما يمنعها من أن تضع فنها الصافي في خدمة النسيج بصيغته الاستهلاكية كأن تقيم حواراً بين لوحاتها وآخر ما ابتكرته مخيلة الخياطين من أشكال لفساتين النساء المترفة. ذلك ما يكشف عنه معرضها «بين الأقمشة» الذي يربط بين الفن والتصميم من خلال حوار بين الرسم والأزياء. يجمع هذا المشروع لوحات الفنانة إيما ألونسو وإبداعات علامة «إيكلا غاون» ضمن سياق معاصر في صالة لوتو ببرشلونة. لمَن يرى بشكل مباشر تبدو لوحات ألونسو كما لو أنها خلفيات للدمى التي ترتدي الأزياء الفاخرة لولا أن الرسامة كانت حريصة على صياغة عالم بصري مشاكس، لا يتعارض صفاؤه مع ما ينطوي عليه من أسئلة تتعلق بالرسم. لمَن يملك ذائقة بصرية فإن تلك الرسوم لا يمكن التعامل معها إلا من جهة خصوصيتها، بوصفها أعمالاً مستقلة ومتحررة من الوظيفة التي عُرضت من أجلها. لذلك فإن التأمل العميق في ذلك المعرض لا بد أن يقودنا إلى حقيقة مقاصده. إنه يقدم بحثاً في الأنوثة، باعتبارها قوة إبداعية مُغيّرة. «من منظور أوروبي منفتح على الحوار مع الثقافة الصينية، لا تُقدّم الأنوثة كقوة مُعارضة، بل كطاقة مُرتبطة بالإدراك والحساسية والجسد والعاطفة والمادة. تقوم هذه الرؤية على العلاقة والتوازن والتغيير» ذلك ما ينص عليه بيان القاعة.

في جدل الفنون المختلفة

من غير إطار خارجي تعلق إيما ألونسو لوحاتها في الهواء، كل لوحة هي قطعة قماش تهبط من السقف. طريقة عرض ليست مبتكرة ولكنها تنسجم مع فكرة، أن يؤدي العمل الفني وظيفة في سياق بصري استهلاكي، ليس الغرض منه التركيز على العمل الفني باعتباره منتجاً مقصوداً لذاته. فعلى الرغم من أن رسوم ألونسو مكتفية بذاتها، غموضها يُلزم المتلقي بالوقوف أمامها متأملاً بمتعة فإنها في هذا المعرض تحضر لكي تخلق فضاء لعرض أزياء مبتكر. هل هذا يعني أن ألونسو ارتضت لأعمالها أن تكون مجرد خلفيات لعرض تجاري لا يسلط الضوء على القيمة الجمالية التي تنطوي عليها تلك الأعمال؟

بخبرة فنية تقليدية يمكن أن نسيء الفهم لنصل إلى نتيجة من ذلك القبيل ولكن السيرة الشخصية للفنانة تشير إلى أنها كانت دائماً تميل إلى أن تضع أعمالها في اختبار، أساسه الجدل الذي ينشأ من تجاور تلك الأعمال مع أعمال فنية تأتي من مزاج فني مختلف بتقنياته وأفكاره. ذلك جدل يستند أصلاً إلى التجاور والاختراق والتداخل، بحيث تتلاشى الحدود بين الفنون التي تنتمي إلى عوالم تتباهى بخصوصياتها. قبل سنوات أقامت ألونسو معرضاً مشتركاً مع لورا بارينغو (1955) بعنوان «من الأبيض» ذلك المعرض كان الهدف منه استكشاف حدود النحت والرسم من خلال البحث عن عناصر العلاقة بين مادة الجص وكثافة اللون.

صُمّم معرض «من الأبيض» على هيئة حوار بصري، تتفاعل فيه الفنانتان مع الأشكال والأحجام والألوان لخلق لغة مشتركة بهدف تجاوز الحدود التقليدية للفن وخلق مساحة تلاقٍ بين الضوء والظلال والملامس. من خلال ذلك التفاعل كان الجمهور أمام سرد فني مشترك.

تأمل الموضة باعتبارها فناً

الآن تكرر إيما ألونسو التجربة لكن بمقاربة من نوع مختلف. ذلك لأنها تخرج من إطار الفن التشكيلي المباشر إلى الموضة من خلال المادة نفسها التي تصنع منها ألونسو لوحاتها وهي القماش. هل يشكل النسيج أساساً لهذا المعرض؟ في ذلك ما يُلهم بالنسبة للفنانة التي سبق لها أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم». الفكرة التي يقوم عليها الحوار بين رسوم ألونسو ونماذج الموضة المعروضة إلى جوارها مغرية ولكن ذلك لم يضر بجماليات التجربة الفنية للفنانة بل نفعها من خلال إضفاء نوع من الحركية القلقة عليها.

تتطور لوحات إيما ألونسو عبر طبقات متتالية من الألوان الشفافة مما يُضفي عمقاً بصرياً وأجواءً رقيقة عليها، حيث يلعب اللون دوراً محورياً. أعمالها تجريدية وتبدأ بلمسة شخصية مُحددة. تُبنى كل لوحة حول موضوع يُشكل أساساً مفاهيمياً. لهذا المعرض تم تحديد سبعة موضوعات عالمية مُرتبطة بالطبيعة والمادة والتجربة الإنسانية. وإذا ما كانت الفنانة قد أقامت معارض شخصية ومشتركة في كاتالونيا ومايوركا وهولندا وألمانيا والصين وكوريا كما أنها حصلت على إقامات فنية في فرنسا والمغرب والصين، فإن ذلك جعلها أكثر ثقة بالفن باعتباره لغة عابرة للحدود، ذلك لأنه «ربطني بعوالم أخرى، بأناس آخرين، بآفاق جديدة» كما تقول.

مقاومة التجريد المجاني

عملياً يمكن القول إن التجريد لم يكن في منجىً من أن يصبح مظلة لكثير من ذوي النزعة الفنية الانتهازية، فليس من المؤكد على الإطلاق أن العين الخبيرة ستتمكن من كشف التجاوزات الانتهازية. لقد تسلل ذوو المواهب الناقصة إلى الفن من خلال التجريد. في النهاية وبكل يسر كان من الصعب التغلب على المغالطة التي تحتمي بها الصور الرديئة. في التجريد الكثير من النفاق. بهذه الطريقة يفرض التجريد التصويري بعض الشروط الملتوية لضمان منفعة الجمهور. ذلك ما يشكل خطراً.

ذلك الواقع الزائف هو ما تقاومه إيما ألونسو بفنها الذي يستمد قوته من فهم عميق لحاجة الرسام إلى بناء لوحته مكتفياً بعناصرها الداخلية من غير اللجوء إلى الاستعانة بالعالم المادي لتمثيله على هيئة موضوعات مبسطة بهدف التودد إلى المتلقي. فن ألونسو تجريدي خالص. يكمن تأثير لغته الجديدة في ذلك المستوى الرفيع من الأداء التقني الشفاف الذي يكشف عن طبقات لونية متراكمة. هناك تناقض صريح يكشف عنه المعرض من خلال ذلك الجدل بين لغتين. لغة ألونسو التي تقع في مجال حيوي يصر على قواعده الثابتة في البحث عن الجمال ولغة الموضة التي تغير إيقاعاتها حسب مزاج السوق.

في سياق ذلك الجدل يمكن اعتبار تجربة ألونسو في هذا المعرض مجازفة كبيرة عنوانها التحدي والمغايرة. تدرك ألونسو جيداً أن ما تقوم به في هذا المعرض قد يعرض سمعتها الفنية لسوء الفهم، فهل تشي أعمالها باستعدادها لمواجهة ذلك السيناريو؟

الفن في حفلة مجاورة

ليس التجريد منعزلاً عن الحياة وليس غريباً عليها. تلك رسالة تسعى ألونسو إلى تسريبها إلى الحياة اليومية من خلال التماهي مع الموضة التي تمثل مزاج العصر في تقلب ذائقة ناسه بين الألبسة. في اللوحة ترى نفسك من الداخل أما من خلال الثياب فإنك تخفيها. تراها في مرآة. تلك معادلة تنطوي على حقيقة التعايش بين منظومتي حياة. حياة تنعم بخفائها مكتفية بمسراتها الغامضة وأخرى تسير وراء صورتها الخارجية التي تعرف كيف تتكيف مع العالم. ومثلما احتل التجريد مكانة مركزية في الفن المعاصر وبالأخص في الولايات المتحدة فإن الموضة نجحت في أن تحوز مجالاً حيوياً في مركز الحياة المباشرة.

«بين الأقمشة» عنوان مباشر لم يزعج ألونسو، ذلك لأنها استدرجته إلى مناطق غموضها. ليس سيئاً أن يقف عمل نحتي هو عبارة عن فستان عرس أمام واحدة من لوحاتها التجريدية. لا لأن ذلك سيساعد على جلب أكبر عدد من المشاهدين - وهو أمر محسوم - فحسب، بل أيضاً لأنها لا تنظر إلى الموضة بمزاج متعالٍ، مغرور. إيما ألونسو تتحرك في إطار ثقافي اجتماعي يضفي على فنها قدراً من الحياة المباشرة من خلال إشراكه في حفلة لا يتوقع الكثير من الفنانين أنهم مدعوون إليها.

سبق للفنانة أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم»


«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين
TT

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

تشغل الرواية العراقية المعاصرة موقعاً ريادياً ضمن ما يُعرف بـ(أدب الصدمة والاعتراف)؛ إذ لم يعد السرد الروائي يكتفي بنقل الأحداث أو تصويرها، بل أصبح وسيلة للكشف عن الآثار العميقة التي خلفتها الحروب والحصار، والقمع في حياة الإنسان العراقي، ولا سيما المثقف، وما تركته من جروح وتحولات في رؤيته لنفسه والعالم.

وفي رواية «خيانات صاخبة» للكاتب علي حسن الفواز، الصادرة عن مؤسسة «أبجد»، 2023، لا يكتفي السرد بتوثيق الأحداث، بل يكشف عما خلّفته التحولات العنيفة من آثار نفسية وروحية في الإنسان العراقي. والكتابة وسيلة لفهم هذا الخراب الداخلي وكشف زيف الخطاب الرسمي.السرد الخائن وتعدد الأصوات

تقوم رواية «خيانات صاخبة» على فكرة أن السرد لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله للكشف عن أبعاده الخفية. لذلك لا تبدو الخيانة في الرواية فعلاً أخلاقياً، بل وسيلة فنية لفهم الواقع وتمثيله. ويعلن السارد هذه الرؤية منذ البداية بقوله: «السرد يخون الواقع حتماً، يناقضه، يشاكه، يصطنع له نصاً خائناً» (ص 7).

كما تنتقل الرواية من السارد العليم في بدايتها إلى تعدد الأصوات في الفصول اللاحقة، حيث تمنح الشخصيات فرصة الحديث عن تجاربها وذكرياتها وآلامها، فتتحول من شخصيات يُحكى عنها إلى شخصيات تروي حكاياتها بنفسها.

وفي الملحق، يقترب السارد من القارئ، معترفاً بأن هذه الشخصيات ليست سوى أقنعة وزع عليها أجزاء من ذاكرته وتجربته، ليستعيد من خلالها ما تركته الحروب والهزائم والاغتراب من آثار عميقة. ولهذا يؤكد أن «السرد الخائن هو اللعبة التي تدفع السارد إلى الحفر في مخزن الذاكرة والمكتبة، بحثاً عن أشباح، أو أقنعة» (ص 15).

ومن هنا يصبح التخييل والحيلة الفنية وسيلتين للتعبير عن واقع معقد ومؤلم، وهو ما يوضِّحه السارد بقوله: «لا تتطلب براءة في الكتابة، بقدر ما تستدعي كثيراً من الحيل النسقية، أو حتى الكذب الذي يسوغ تمثيل تلك اليوميات المريبة» (ص 8).

السيولة والصلابة

تقوم الرواية على تقسيم الفضاء إلى عالمين متقابلين يعكسان الصراع بين الحرية والقمع؛ الأول الفضاء السائل، ويمثله شارع أبي نواس في بغداد؛ وهو مكان يهرب إليه الفارّون من الحرب ليجدوا مساحة أقل خضوعاً للسلطة: «وحين هربوا إلى (الشارع السكران) ليدونوا سردياتهم، وجدوا فيه الفضاء الوحيد الذي لا يخدعهم ولا يطالبهم بطقوس الطاعة، فظلوا يمارسون في لياليه الغرائبية خياناتهم الصاخبة» (ص 24)

في هذا المكان، تتحول مظاهر اللهو كــ(السكر والثرثرة) إلى مقاومة صامتة ضد الحرب والخطاب الرسمي. لكنه لا يبقى آمناً؛ إذ سرعان ما تمتد إليه يد الرقابة الحكومية: «بات الحديث عن الشارع وكأنه حديث عن جبهة أخرى، فالخوف أصاب الكثيرين بهلع غريب، بعد أن قامت الحكومة بإخضاع الشارع إلى رقابتها» (ص 81). ثم يشتد القمع بقرار سياسي يغير ملامح المكان ويحجب الحياة عنه: «غيبت الحكومة، وبقرار رئاسي، ضفة الشارع الطينية لتكون ضفة أمنية ومحروسة، ومغطاة بمتاريس تحجب عنه رائحة الماء» (ص 120).

والثاني: الفضاء الصلب، وتمثله السجون ومصحة الشماعية، وهما رمزان لأجهزة الدولة القمعية التي تراقب الفرد وتعيد تشكيله بالقوة، حيث يُختزل الإنسان الأعزل في تهمة جاهزة: «الفرد هو الخائن، هكذا وجدت نفسي أمام هذا الديناصور، فالجماعة لا تخون، ربما لسهولة توريط هذا الفرد بالخيانة» (ص 31). ولا يقتصر القمع هنا على الجسد، بل يمتد لمحاكمة الفكر والنوايا داخل أقبية التحقيق: «نحن نحاسبك اليوم على النوايا، فأنت تُضمر للوطن كراهية، وأن علمانيتك الفاضحة هي موقف سلبي من الإيمان الوطني» (ص 52). ويتحول هذا الفضاء المغلق إلى أداة لإسكات المختلف عبر صناعة تهمة «الخيانة» وتعميمها لتبرير الإعدام والتصفية: «السلطة تقول كلمة الخيانة بعمومية سطحية وفجة، وتجاهر بها... فكل أوهام وحكايات الحد والقتل والزندقة والإعدام... كانت بسبب الترويج الفاضح والمجاني للعنة الخيانة» (ص 30).

التفكيك النفسي والثقافي للأقنعة

تعيش شخصيات الرواية ضياعاً واغتراباً عميقَين يجعلانها قريبة من أجواء الفلسفة الوجودية، حيث يتحول صمتها إلى عذاب وخوف دائم من القمع: «ويتحول صمتهم إلى جحيم دانتوي بعيداً عن الفرح، وقريباً من اللعنة، واستغراقاً في النفي الداخلي» (ص 23).

وقد توزّع هذا الاغتراب على أربعة أقنعة تمثل حال المثقف:

* سيف المقداد: يحتمي بالتهكم والضحك الأسود لتغطية هشاشته الداخلية؛ فالسخرية عنده ليست ترفاً، بل وسيلة وحيدة للبقاء بعد انهيار الأحلام وتعاظم الخوف.

* غالي التلف: يهرب من قسوة الواقع إلى الحلم والانتظار، ويخلط بين الحقيقة والأسطورة ليخفف عبء الحاضر: «أصرّ (غالي) على دعوته لمشاطرة الجالسين هذا الليل الدسم بالسكرة والباجة، ليعرف أن الزمن الضائع هنا، وليس هناك في باريس، فالجميع هنا ضائعون تماماً» (ص 106).

* سطوع البارد: يعيش أزمة ضعف وانكسار داخلي، ويبحث عن أمان مؤقت في علاقات عابرة (المرأة الباشا) مثلاً، لكنه يكتشف أنها امتداد آخر لتبعية السلطة.

* خالد الخالد (قمع العقل): يمثل التصفية الكاملة للمثقف؛ حيث حوّلت السلطة فكره واختلافه إلى مرض وجنون داخل المصحة النفسية، لتوجه القمع نحو العقل ذاته ومحوه كلياً.

الحرب... والجسد

تنظر الرواية إلى الحرب بوصفها سبب الخراب الأساسي، وترفض الخطاب الذي يقدّسها. فالهروب منها ليس جبناً، بل رفضاً لها. كما تسخر من الواقع السياسي الذي يقوم على الإغراء والطاعة عبر المصالح المادية التي تُستعمل لتدجين الناس.

وفي ظل القمع والخوف، يظهر الجسد بوصفه مساحة للهرب والتعويض، خاصة في فضاء (المرأة الباشا)، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة مؤقتة لمواجهة الرعب والضعف. وتكشف الرواية عن جانب خطير من القمع، حيث تُستعمل المصحات النفسية أداة لإخضاع المعارضين ومحو ذاكرتهم عبر العلاج القسري والصدمات: «وأن إخضاعهم للتعقيم، ولتخريب ذاكرتهم أهداف تأتي من جهات عليا... وبما يجعل ذاكرتهم قابلة للتآكل والمحو» (الرواية: 100 - 101).

وأخيراً، تظهر الرواية كيف يتسرب (وحش) السلطة إلى حيوات الأبطال ليُجبرهم على الانكسار بطرق مختلفة: سيف انكسر قانونياً بتوقيع «تعهدٍ» جعله يراقب نفسه ويخاف ظله، وسطوع انكسر عاطفياً باحتماءٍ زائف في علاقةٍ سلبت استقلاله، وخالد انكسر جسدياً وعقلياً بصدماتٍ ومحوٍ للذاكرة في المصحة، بينما غالي انكسر زمنياً بهروبه من الواقع إلى الخمر والعيش في أوهام الحلم والانتظار.

بذلك، تقدم رواية «خيانات صاخبة» شهادة حيّة على مأساة جيل كامل من المثقفين الذين تآكلت أحلامهم؛ فهي تجسيد حقيقي لكيفية اشتغال الخوف الذي يقتل الإنسان ببطء ويسلبه هويته وكرامته، يرويها كاتبٌ عاصر هذه المرحلة وعاش تفاصيل رعبها بوعيه ونقده.

* ناقد عراقي


دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية
TT

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

تقدم الباحثة د. مي خالد بكليزي، في كتابها «ديوان ليلى الأخيلية: دراسة نقدية أسلوبية» قراءة في شعر «واحدة من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تحول التجربة الإنسانية بكل صراعاتها وآلامها وأحلامها إلى شعر متجذر»، وهي ليلى الأخيلية.

ولا يكتفي الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) «بتتبع سيرة ليلى الأخيلية أو جمع أخبارها، بل يتجه إلى تحليل تجربتها الشعرية من خلال منهج نقدي حديث، هو الأسلوبية التكوينية، في محاولة للكشف عن العلاقة بين اللغة الشعرية وشخصية الشاعرة وبيئتها وتجربتها الإنسانية بعامة» كما كتب الناشر.

يتضمن الكتاب مقدمة ومدخلاً وتمهيداً وأربعة فصول رئيسية، تناول أولها «الإطار اللغوي للأسلوب»، ودور الكلمات والأفعال والتراكيب في تشكيل المعنى الشعري، بينما بحث الفصل الثاني في «الأسلوب الفني» عند الشاعرة، مثل الانزياح والمفارقة والثنائيات الضدية والصورة الشعرية، بما فيها التشبيه والاستعارة والكناية، أما الفصل الثالث فتناول «الإيقاع الشعري التطبيقي» سواء الخارجي أو الداخلي، من البحور والقوافي إلى التكرار والجناس والتوازي، في حين خصص الفصل الرابع «قراءات نصية وفق منظور الأسلوب والأسلوبية» لتحليل تجربتين شعريتين لليلى؛ إحداهما في رثاء توبة، والأخرى في مدح الحجاج.

تكمن أهمية هذا الكتاب في اختيار شخصية شعرية لها أهمية كبيرة؛ فليلى الأخيلية لم تكن شاعرة تقليدية في زمنها، بل كانت امرأة ذات حضور اجتماعي وفكري، عرفت بقوة شخصيتها وفصاحتها، وعاصرت صدر الإسلام والعصر الأموي، وارتبط اسمها بقصة حبها الشهيرة مع الشاعر توبة بن الحمير، وهي القصة التي شكلت جانباً لا يُستهان به من تجربتها الشعرية.

وترى المؤلفة د. مي في كتابها أن شعر «ليلى كان فضاءً تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع قضايا المجتمع والقبيلة والسلطة والمرأة، وقد استطاعت الشاعرة أن تجعل من تجربتها الخاصة مادة شعرية واسعة، تكشف عن شخصية امرأة تواجه ظروف عصرها بصوت واضح وحضور قوي».

وتشير الباحثة إلى أن جرأة ليلى الأخيلية تمثلت في إعلان حبها لتوبة دون خوف أو تردد، وهو أمر لم يكن مألوفاً في السياق الاجتماعي آنذاك؛ إذ كان صوت الرجل العاشق غالباً هو المسيطر في قصص الحب، بينما جاءت ليلى الأخيلية لتمنح التجربة العاطفية صوتاً أنثوياً صريحاً ومباشراً أيضاً.

وتكشف بكليزي أن الشاعرة ليلى الأخيلية حازت على تقدير كبار الأدباء والنقاد قديماً، إذ أشاد بها عدد من الشعراء والعلماء، ورأى بعضهم أنها تجاوزت عدداً من الشعراء الفحول في جودة القول وقوة التعبير، ونبعت هذه المكانة من شعرها ومن حضور شخصيتها، إذ عرفت مجالس الخلفاء والأمراء، وكانت قادرة على الحوار والمواجهة بثقة، كما يظهر في مواقفها مع معاوية وعبد الملك والحجاج.

وفي جانب اللغة، تؤكد المؤلفة أن لغة ليلى الأخيلية امتلكت قدرة عالية على تحويل التجربة الشخصية إلى بناء فني متكامل، فقد وظفت البيئة من حولها في شعرها، واستحضرت المكان والطبيعة والرموز المرتبطة بحياة البادية، كما استخدمت الإيقاع بما يخدم الحالة النفسية للنص، لتثبت عبر كل ذلك حضورها الأدبي والفني وامتلاكها أدوات البلاغة العربية والقدرة على توظيفها في شعرها، إلى جانب أنها لم تترك باباً من أبواب الإبداع إلا وطرقته، سواء في الصورة الشعرية أو الموسيقى أو في بناء المعنى.