من التمثيل والغناء إلى بيع الأحذية... دونالد ترمب ومتلازمة الشهرة

دونالد ترمب مقدّماً وصلة غنائية خلال حفل جوائز «إيمي» عام 2005 (أ.ب)
دونالد ترمب مقدّماً وصلة غنائية خلال حفل جوائز «إيمي» عام 2005 (أ.ب)
TT

من التمثيل والغناء إلى بيع الأحذية... دونالد ترمب ومتلازمة الشهرة

دونالد ترمب مقدّماً وصلة غنائية خلال حفل جوائز «إيمي» عام 2005 (أ.ب)
دونالد ترمب مقدّماً وصلة غنائية خلال حفل جوائز «إيمي» عام 2005 (أ.ب)

«إذا دعمَتْ جو بايدن فستكون قليلة الوفاء للرجل الذي أتاح لها جمع كل هذا المال، بفضل إقراره قانون تحديث الموسيقى». هذه هي العبارة التي منّنَ بها دونالد ترمب تايلور سويفت؛ المغنية الأميركية المحبوبة التي يتابعها على «إنستغرام» وحدَه 280 مليون شخص، والتي تشكّل ماكينة انتخابية بحدّ ذاتها. لن يناسب ترمب بالتالي أن تعلن سويفت مساندتها لبايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما هو متوقّع.

ليست سويفت الفنانة الوحيدة التي تنفر من الرئيس الأميركي السابق، فمثلُها مئات المشاهير الأميركيين. يوم انتُخب عام 2017، لم ينجح في استقدام نجمٍ جماهيري واحد ليغنّي في حفل تنصيبه. يتناقض واقع ترمب الحالي مع بداياته التي غالباً ما كان يظهر خلالها ملتصقاً بالمشاهير، أمثال: مايكل جاكسون، وأوبرا وينفري، ومايك تايسون، وغيرهم.

جمعت ترمب صداقة امتدّت سنوات بالمغنّي الأميركي مايكل جاكسون (منصة إكس)

إيفانا كمّلت ترسانة السلطة

قبل أيّام، أعاد ترمب التذكير بأنه لا يوفّر فرصة للفت الأنظار، مُطلقاً علامته التجاريّة الخاصة بالأحذية الرياضية. وقد تَزامنَ الكشف عن الحذاء الذهبي الجديد البالغ ثمنه 399 دولاراً، مع تغريم ترمب 355 مليون دولار لإدانته في قضية احتيال.

ترمب معرّفاً الجمهور بالحذاء الرياضي الجديد الذي أطلقه (أ.ب)

لطالما احترف ترمب لعبة الأضواء، فبدا مصاباً بمتلازمة الشهرة منذ بداياته كمطوّر عقاري يعمل لصالح والده. لم تنقصه الكاريزما ولا جرأة الوقوف أمام الكاميرا من دون سابق تحضير. أما لسانه السليط وأسلوبه الهجومي فسلاحان رافقاه منذ سنوات الشباب.

صادقَ السياسيين في خطوة استباقيّة للمسيرة التي كان ينوي خوضها لاحقاً. ساعدته ثروته الآخذة في الازدياد على بناء هالة حوله؛ من القصور؛ حيث الشلّالات والنوافير، إلى الطائرات الخاصة، والمروحيّات، واليخوت، وناطحات السحاب، والكازينوهات... لم يبخل على نفسه بترسانة السلطة. وقد اكتملت الصورة البرّاقة مع زوجة تسحرها هي أيضاً حياة المشاهير.

ترمب وزوجته الأولى إيفانا (أ.ب)

ساهمت إيفانا ترمب في رسم صورة دونالد القوي والشهير. يداً بيَدٍ دخلا إلى أهمّ المناسبات في نيويورك، كعروض الأزياء الفخمة، وحفلات العشاء الخيريّة، وسهرات توزيع الجوائز العالميّة. لم يفوّتا وقفة أمام عدسة مصوّر، ولا فرصة لمصافحة شخصية معروفة. ولاحقاً، فتحا قصرهما لاستضافة حفلاتهما الخاصة؛ حيث حلّ المشاهير على رأس قائمة المدعوّين.

من بين الحضور كذلك صحافيّو «التابلويد» الذين صادقَهم ترمب وأغدق الرّشَى عليهم، كي يفردوا صفحاتهم له ولأخباره وصوره. وليست عادة الاستكتاب غريبة على الملياردير الذي نشر حتى الآن نحو 20 كتاباً باسمِه، بينما هي من تأليف أشخاصٍ بقيت أسماؤهم في العتمة.

ترمب يحمل مجسّماً لنجمة هوليوود الخاصة به عام 2007 وترافقه زوجته الثالثة ميلانيا وابنه بارون (أ.ب)

مسيرة سينمائية حافلة

ما الذي قد يدفع برجل أعمالٍ صاحبِ سلطة ومال للمشاركة في عشرات الأفلام والمسلسلات، سوى جوع الشهرة؟

كانت بداية ترمب «السينمائية» عام 1989 في فيلم«Ghosts Can’t Do It»، جسّد فيه شخصيّته الحقيقية، واكتفى بمشهد واحد قال فيه: «تأكّدي يا سيدة سكوت أنّ في هذه الغرفة ما يكفي من السكاكين الحادّة لذبحك حتى العظام، وفيها ما يكفي من القلوب الباردة لأكل قلبك كمقبّلات». عن هذا المرور المثير للاشمئزاز، استحقّ جائزة أسوأ ممثّل بدور مساعد.

لم تُثنِه تلك البداية غير المشجّعة عن تكرار التجربة، فبرز مروره ضمن الجزء الثاني من فيلم «Home Alone» عام 1992. كان يملك حينها فندق «بلازا»؛ حيث جرى التصوير، وقد أطلّ لبُرهة مساعداً البطل «كيفن» في إيجاد طريقه إلى بهو الفندق.

مشاركة سريعة لدونالد ترمب في فيلم «Home Alone» عام 1992 (إنستغرام)

توالت المشارَكات الخاطفة في الأفلام والمسلسلات والوثائقيات، واستمرّت إلى ما قبل انتخابه رئيساً، وهو غالباً ما جسّد شخصيّته الحقيقية، إذ قلّما تقمّص شخصيات أخرى كما حصل عام 1994 في فيلم«The Little Rascals»؛ حيث أدّى دور والد أحد الأطفال أبطال الفيلم. ومن بين أبرز الأفلام التي شارك فيها ترمب «The Associate»، و«Zoolander»، و«Two Weeks Notice». أما على صعيد المسلسلات، فقد كان له مرور في 8 منها، أبرزها: «Sex and the City»، و«The Nanny»، و«Days of our Lives».

من مرور ترمب في فيلم «Two Weeks Notice» عام 2002 (منصة إكس)

الإعلامي الأعلى سعراً

المحطّة المفصليّة في صعود ترمب نحو النجوميّة كانت برنامج تلفزيون الواقع «The Apprentice» (المبتدئ) الذي تولّى إنتاجه وتقديمه على شبكة «NBC» ما بين عامَي 2004 و2015. تنافسَ متسابقو البرنامج من أجل الحصول على منصب إداري في إحدى شركات ترمب التجارية. يُحكى أنّ ترمب كان يتقاضى 3 ملايين دولار عن كل حلقة، كما استحقّ عنه ترشيحَين إلى جوائز «إيمي» التلفزيونية. وقد برزت آنذاك جملته الشهيرة «You’re fired» (أنت مطرود) من ضمن استراتيجية اللؤم والتحقير التي كان يعتمدها مع المتبارين.

ترمب خلال جولة إعلامية لبرنامجه «The Apprentice» عام 2015 (أ.ب)

امتدّت تجربة ترمب الإعلامية إلى تقديم برنامج إذاعي. ولمراكمة مزيد من الشهرة، لم يتردّد في الظهور ضمن إعلانات تجاريّة ما بين الثمانينات وعام 2010، وقد شملت مطاعم بيتزا وبرغر، ومشروبات غازيّة، ومحلات ملابس، وبطاقات ائتمان، وغيرها.

دونالد يغنّي

أطلّ دونالد ترمب في فيديو كليب لبوبي براون عام 1988، إلا أنّ أحداً لم يتوقّع أن تذهب به الجرأة إلى حدّ الغناء مباشرة على مسرح جوائز الـ«إيمي» عام 2005.

وضع ترمب كل مراحل حياته تحت الضوء، حتى إنه استثمر في زيجاته وحالات طلاقه المتعدّدة. تصدّرت قصة خيانته إيفانا عام 1990 الصحافة الأميركية، ويوم وضعت زوجته الثانية مارلا مايبلز ابنتهما تيفاني، دعا صحافية إلى غرفة المستشفى حتى تنال حصريّة الخبر والصور.

بين علاقاته مع ممثلات وبطلات رياضيات، وحياته الزوجيّة المترنّحة، شكّلت خصوصيات ترمب مادّة دسمة تابعها الجمهور الأميركي بفضول، عبر الإعلام المجنّد لحسابه.

ترمب وزوجته الثانية الممثلة وعارضة الأزياء مارلا مايبلز (أ.ب)

نجم البيت الأبيض

لعبت هذه القدرة على تسلية الجماهير بحكاياته، دوراً لا يستهان به في وصول ترمب إلى البيت الأبيض. مع العلم بأنه ليس الرئيس الأميركي الأول ذا الأرشيف الحافل بلحظات الشهرة؛ إذ سبقه إلى ذلك رونالد ريغان الذي كان نجماً سينمائياً.

غير أن ترمب نقل معه حب الاستعراض وإدمان الأضواء إلى المكتب البيضاويّ. في أول اجتماع لمجلس الوزراء عام 2018، رحّب بالحاضرين قائلاً: «أهلاً بكم في الاستوديو». واستمرّ العرض من خلال حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لا سيما «تويتر».

نقل ترمب هوَسه بالشهرة إلى البيت الأبيض حيث اختلطت السياسة بالاستعراض (أ.ب)

لم يمسّه شيء من جدّيّة المنصب الرئاسي؛ بل واصل البهلوانيّات الإعلامية والاستثمار في الفضائح، فتداخل في عهده الاستعراضُ بالسياسة. أما الآن وبينما يتحضّر لجولة انتخابية جديدة، فقد عاد ترمب للرهان على الصوت المرتفع والتسويق لنفسه مستخدماً كل وسائل النجوميّة المتاحة.


مقالات ذات صلة

«إكوينور» النرويجية توسع أعمالها في قطاع الطاقة الأميركي

الاقتصاد شعار شركة «إكوينور» للنفط والغاز (رويترز)

«إكوينور» النرويجية توسع أعمالها في قطاع الطاقة الأميركي

أعلنت مجموعة «إكوينور» النرويجية للطاقة، يوم الاثنين، عن اتفاقها على شراء حصة في محطة توليد طاقة تعمل بالغاز في ولاية بنسلفانيا الأميركية.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
الولايات المتحدة​ أرشيفية من صيف 2019 للاجتماع بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون عند خط ترسيم الحدود العسكرية بين الكوريتين الشمالية والجنوبية بالمنطقة المنزوعة السلاح (أ.ف.ب)

توتر بين البَيْتين «الأبيض» و«الأزرق» بعد قرار ترمب تقليص المناورات

قلص الرئيس الأميركي دونالد ترمب المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية لرفضها المشاركة في الحرب ضد إيران ولعلاقته الجيدة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب قبل صعوده على متن الطائرة الرئاسية في نيوجيرسي 16 أغسطس الحالي (أ.ب)

تحليل إخباري ترمب في قلب معركة الانتخابات النصفية

أقل من 3 أشهر تفصل أميركا عن الانتخابات النصفية، ومعها تحتدم المعارك بين الديمقراطيين والجمهوريين لانتزاع أكبر عدد ممكن من مقاعد تضمن الأغلبية في الكونغرس.

رنا أبتر (واشنطن)
الاقتصاد دونالد ترمب الابن وإريك ترمب خارج مبنى بورصة ناسداك في نيويورك (رويترز)

«وورلد ليبرتي» المدعومة من ترمب تتعاون مع منصة ذكاء اصطناعي صينية تثير مخاوف أمنية

تتعاون شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» المدعومة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع مشروع مقرّه هونغ كونغ يتيح نماذج للذكاء الاصطناعي طورتها شركات صينية.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
شؤون إقليمية إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ) p-circle

«الحرس الثوري» يلوِّح بتوسيع الحرب

لوَّح قيادي في «الحرس الثوري» بأن العمليات العسكرية الإيرانية قد تتحول مستقبلاً إلى الهجوم، بالتزامن مع رصد تحركات لـ«الحرس» وحلفائه في العراق واليمن ولبنان.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)

من يرقد تحت الحجر؟ لغز عمره ألف عام في جزر فارو

نقوش رُونية (إنستغرام)
نقوش رُونية (إنستغرام)
TT

من يرقد تحت الحجر؟ لغز عمره ألف عام في جزر فارو

نقوش رُونية (إنستغرام)
نقوش رُونية (إنستغرام)

في اكتشاف أثري نادر، عثر علماء آثار في جزر فارو، الواقعة شمال المحيط الأطلسي، على حجر أرضية يحمل نقوشاً رُونية، ويرجح أن يكون شاهداً على قبر يعود إلى نحو ألف عام، وقد يساعد في الكشف عن جانب من الحياة الدينية في الأرخبيل خلال بدايات انتشار المسيحية فيه، وفقاً لموقع «بوبيلار ميكانكس».

وعُثر على الحجر في موقع «آ.سوندوم (Á.Sondum)» الأثري بجزيرة ساندوي، الواقعة شمال المحيط الأطلسي بين آيسلندا وأسكوتلندا. ويضم الموقع بقايا مستوطنة يعود تاريخها إلى القرن الرابع على الأقل، كما كشفت الحفريات أساسات حجرية لمبنى يُعتقد أنه كان كنيسة صغيرة أو مكاناً للصلاة.

وتكمن أهمية الحجر في نقوشه الرونية، وهي حروف ذات أشكال بزوايا استُخدمت في المناطق الإسكندنافية قبل انتشار الأبجدية اللاتينية. وعلى الرغم من انتشار الأحجار الرونية في «العالم النوردي (أو الاسكندنافي)»، فإنها نادرة في جزر فارو؛ مما يجعل هذا الاكتشاف لافتاً.

ولا يزال الباحثون غير متأكدين مما إذا كان الحجر قد أعيد استخدامه من فترة وثنية أقدم، أم إنه نُقش خلال السنوات الأولى لانتشار المسيحية في الجزر. وتمكن عالم الآثار في «المتحف الوطني»، هيلغي ميكيلسن، من قراءة جزء من النقش باللغة النوردية القديمة، ويبدو أنه يقول: «Her hvílur»؛ أي: «هنا يرقد».

وقد تشير العبارة إلى أن الحجر كان شاهداً على قبر في مقبرة تابعة للكنيسة. لكن الكلمات التي تليها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والترجمة. ويشبه النقش كتابات ظهرت على أحجار رونية أخرى عُثر عليها في جزر فارو، بينها حجر «ساندافاغور» الشهير.

ويشير تصميم المبنى إلى أنه كان يمتد من الشرق إلى الغرب، مع مدخل في الجهة الغربية، وهي سمة معمارية شائعة في الكنائس وأماكن الصلاة خلال العصور الوسطى المبكرة.

وتعزز مكتشفات أخرى أهمية الموقع؛ فقد عثر علماء الآثار على أجزاء من تمثال صغير للسيدة مريم العذراء، إضافة إلى «كولا»، وهو مصباح صغير كان يُستخدم لحرق الزيت أو الدهون الحيوانية. كما كشفت الحفريات أسفل الكنيسة الحالية في ساندور عن مبانٍ كنسية أقدم، وعُثر في المنطقة على عملات تعود إلى القرن الـ11.

ويبقى السؤال الأهم: من يرقد تحت الحجر؟

وتشير الأدلة إلى أن بعض القبور في تلك الحقبة كانت مخصصة لجنود سقطوا في المعارك أو لكبار السن، مع استخدام أحجار لتحديد موضع الدفن. وقد يكون النقش صلاة أو دعاء للمتوفى، لكن ذلك لن يتضح قبل استكمال قراءة النص.

ويواصل ميكيلسن وفريق من علماء الآثار والطلاب من جامعة آرهوس ومتحف «موزغارد» في الدنمارك أعمال التنقيب في الموقع حتى نهاية أغسطس (آب) الحالي، أملاً في العثور على مزيد من الأدلة التي تكشف عن تفاصيل الحياة الدينية في جزر فارو قبل نحو ألف عام.


«أحمر ولا أبيض»... دراما قاتمة عن عالم لم يألفه السعوديون

تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)
تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)
TT

«أحمر ولا أبيض»... دراما قاتمة عن عالم لم يألفه السعوديون

تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)
تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)

في عالم تحكمه المصالح الضيقة وتتلاشى فيه الخطوط الفاصلة بين القرابة والعداوة، يدور المسلسل السعودي الجديد «أحمر ولا أبيض»، الذي ينغمس في أجواء الـ«نيو-نوار»، عبر الشوارع الخلفية، والصفقات المشبوهة، وصراع أبناء العمومة الذين يلتهمهم الطمع. العمل الذي يأتي في 8 حلقات لعنوانه دلالة رمزية واضحة؛ فالأحمر هو لون الدم، والقرابة، والانتقام، في حين يمثل الأبيض الهدنة المفقودة أو السلام المستحيل.

تبدأ الحكاية من لحظة خروج «ناصر» (محمد الراشد) من السجن، بعد قضائه عقوبته إثر ضبطه متلبساً بتصنيع الخمور، بعدما وشى به رفيق دربه. وبدلاً من أن يكون هذا الخروج بداية للتطهر أو العودة إلى الحياة الطبيعية، يصبح فتيل الانفجار الذي يُعيده إلى بؤرة الصراع، حيث يتتبع المسلسل التحول التراجيدي لأبناء العمومة الذين بدأوا رحلتهم بتجاوز القانون وتصنيع الخمور في مساحة صغيرة وهامشية، قبل أن تجر أحدهم الأطماع إلى خيانة صاحبه والزج به في السجن.

يتناول المسلسل العالم السري لتجارة الخمور (شاهد)

تجارة تحت الظل

وما يجعل «أحمر ولا أبيض» مختلفاً هو أن الدراما السعودية شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعاً واضحاً في الأنواع والحكايات، لكن طبيعة النشاط الذي يضعه المسلسل في قلب عالمه، والمتمثل في صناعة الخمور والاتجار بها سراً في مجتمع تُحظر فيه، تجعله يكشف الستار عن عالم سري تتشكل حوله شبكة من المصالح، ويمنح النص مساحة لمعاينة عالم يتحرك تحت السطح، بقوانينه وأسعاره وتحالفاته وخياناته.

وفي قلب هذا العالم تأتي الوصفة السرية التي صنعها ناصر وسماها «بلاك واين» أو «النبيذ الأسود»، وكانت شرارة الخيانة وكسر رابطة القرابة في آنٍ واحد، بعد أن عمد رفيقه إلى سرقة الوصفة، وتبدو هذه السرقة حدثاً مفهوماً في هذا العالم شديد القتامة؛ إذ تتلاشى الذرائع الأخلاقية، ويصبح كل شيء قابلاً للاستيلاء، من المال إلى الأسرار وحقوق الأقربين.

لذا، يتجاوز الانتقام في «أحمر ولا أبيض» حدود الثأر الشخصي، حيث يتجه ناصر فور خروجه من السجن للبحث عمّن خانه ومعاقبته، ومحاولة استعادة ما سُلب منه، في حين كان الطرف الآخر يبني نفوذه وثروته خلال سنوات سجنه، ليصبح الصراع بين أبناء العمومة أشبه بمواجهة بين ماضٍ يرفض أن يموت وحاضر مليء بالمخاطر.

صراع تجار الخمور يجمع البتيري والعيسى والراشد (شاهد)

رهان على الممثلين

المسلسل الذي بدأ يُعرض على منصة «MBC شاهد» يستمد جزءاً كبيراً من قوته من الجرأة في خيارات طاقم التمثيل، وتحديداً في قدرته على إعادة اكتشاف طاقات الممثلين بعيداً عن الصور الذهنية المعلبة لدى الجمهور. يبرز في هذا السياق الممثل محمد العيسى الذي يقدم الأداء الأكثر لفتاً للانتباه عبر أول حلقتين من العمل؛ إذ يتخلى عن عباءته الكوميدية الشهيرة ليتقمص شخصية «عبد المحسن»، العقل المدبر الشرس والبراغماتي. يظهر العيسى في هذا الدور ببرود حاد وحذر شديد، متحركاً تحت قناع من الحكمة الزائفة والهدوء المريب الذي يضاعف من منسوب الخطر الكامن في الشخصية، مستخدماً نبرة صوت جشة، وعصا يرتكز عليها طيلة الوقت، ونظرات حادة تصنع له هيبة مقلقة بوصفه زعيم عصابة لا يرحم.

في المقابل، يُكمل فهد البتيري هذا التحدي الدرامي بذكاء لافت عبر تجسيده شخصية «فيصل»، التي تمثّل الضلع الأكثر هشاشة وتحولاً في هذه الشبكة المعقدة، وينجح البتيري في إبراز الصراع النفسي الداخلي لشخصية يلتهمها الجشع تدريجياً، متأرجحاً ببراعة بين الضعف البشري والخيانة المطلقة للصديق والزوجة ولكل من يمت له بصلة.

كما يكتسب العمل ثقلاً درامياً مع حضور الفنان إبراهيم الحساوي، الذي يُضفي بخبرته الطويلة أبعاداً تراجيدية على العلاقات الأسرية المتشابكة، رغم أن حضوره في أول حلقتين ما زال محدوداً نسبياً. في حين تقدم فتون جار الله أداءً لافتاً في شخصية نورة، التي خلعت زوجها ناصر بعد أن دخل السجن، وتزوجت بعده بالرجل القاسي الذي جسّده عبد العزيز السكيرين.

ويشارك في العمل عدد آخر من الممثلين، إذ تضم عصابة الخمور سعيد صالح وتركي الشدادي ورنا جبران وأحمد التركي، فيما تقدم أصايل محمد دور زوجة فيصل التي لا تعرف شيئاً عن خبايا زوجها وأسراره الدفينة. والمسلسل من إخراج منير الزعبي الذي صبّ تركيزه على اللقاءات الثنائية المكتومة، وتوجيه الكاميرا لالتقاط لغة العيون والتوتر النفسي المتصاعد بين الشخصيات في الغرف المغلقة، انسجاماً مع الأجواء السوداوية للموسيقى التصويرية التي صاغها الموسيقار رضوان نصري، والتي جاءت لتعزز منسوب الأدرينالين والتوتر المصاحب للتحولات الحادة في السيناريو. ويكتمل هذا المزاج القاتم بتتر البداية بصوت إبراهيم الحكمي الذي يلخص مأساة الدم والأطماع.


لعبة فيديو تحسن الصحة النفسية للمراهقين

لعبة تحاكي مواقف واقعية لتعريف المراهقين بمشكلات الصحة النفسية (كلية دارتموث)
لعبة تحاكي مواقف واقعية لتعريف المراهقين بمشكلات الصحة النفسية (كلية دارتموث)
TT

لعبة فيديو تحسن الصحة النفسية للمراهقين

لعبة تحاكي مواقف واقعية لتعريف المراهقين بمشكلات الصحة النفسية (كلية دارتموث)
لعبة تحاكي مواقف واقعية لتعريف المراهقين بمشكلات الصحة النفسية (كلية دارتموث)

أظهرت دراسة سريرية أجراها باحثون في كلية غيزيل للطب التابعة لكلية دارتموث الأميركية أن لعبة فيديو مصممة لتعزيز الوعي بالصحة النفسية يمكن أن تساعد في خفض أعراض الاكتئاب لدى المراهقين.

وأوضح الباحثون أن الألعاب السلوكية الرقمية، التي يمكن استخدامها بشكل ذاتي، قد تساعد في الوصول إلى المراهقين في بيئات مختلفة، بما في ذلك المجتمعات التي تفتقر إلى خدمات الصحة النفسية. ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «JAMA Network Open».

ويُعدُّ الاكتئاب لدى المراهقين من أبرز مشكلات الصحة النفسية، وقد يظهر في صورة حزن مستمر، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، وتغيرات في النوم أو الشهية، وصعوبة التركيز، والشعور باليأس أو انعدام القيمة. وقد تؤثر هذه الأعراض في الدراسة والعلاقات الاجتماعية والحياة اليومية؛ ما يجعل اكتشافها مبكراً والحصول على الدعم المناسب أمرين مهمين للحد من تفاقمها.

وشملت الدراسة 532 طالباً في المرحلة الثانوية، تراوحت أعمارهم بين 16 و19 عاماً، وكانت واحدة من أكبر التجارب السريرية التي تختبر لعبة فيديو مصممة لتعزيز الصحة النفسية والوقاية من تعاطي المواد المخدرة لدى المراهقين.

وطوَّر الفريق لعبة «PlaySmart» التي يخوض فيها اللاعب قصة يكون هو الشخصية الرئيسية فيها، ويتعامل مع مواقف مستوحاة من تجارب حقيقية لمراهقين جمعها الباحثون خلال تطوير اللعبة.

وتتضمن اللعبة سلسلة من المهام والقرارات، مثل التعرّف على علامات الاكتئاب لدى أحد الأصدقاء، أو تحديد الوقت المناسب للجوء إلى شخص بالغ موثوق به للحصول على المساعدة في موقف صعب. وتؤدي القرارات الإيجابية إلى نتائج أفضل للشخصية والآخرين، بينما تقود القرارات غير المناسبة إلى نتائج سلبية.

كما تتيح اللعبة للاعب العودة إلى المواقف السابقة وتحليل قراراته، والتعرّف على الطرق الموصى بها لاكتشاف الاكتئاب والتعامل معه، واستكشاف النتائج المحتملة لو اتخذ قرارات مختلفة.

وقسَّم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين؛ ضمت الأولى 269 طالباً لعبوا «PlaySmart»، بينما ضمت الثانية 263 طالباً لعبوا ألعاب تقمّص أدوار تجارية لا تتضمن محتوى متعلقاً بالصحة النفسية.

ولعب الطلاب في مجموعة «PlaySmart» نحو ساعة واحدة أسبوعياً بعد انتهاء اليوم الدراسي، لمدة تصل إلى 6 أسابيع، ومن ثَمَّ تابع الباحثون المشاركين في المجموعتين لمدة عام كامل.

وأظهرت النتائج أن المراهقين الذين لعبوا «PlaySmart» سجلوا، بعد عام من انتهاء التجربة، انخفاضاً في أعراض الاكتئاب بمقدار 1.12 نقطة على مقياس «PHQ-8»، مقارنة بالمشاركين الذين لعبوا ألعاباً تجارية لا تتضمن محتوى علاجياً.

ويُستخدم مقياس «PHQ-8» لتقييم أعراض الاكتئاب، وتتراوح درجاته بين صفر و24، وتشير الدرجات الأعلى إلى أعراض أكثر شدة. وبحسب الباحثين، فإن انخفاض الأعراض بمقدار 1.12 نقطة بعد عام يقع عند الحد الأعلى للتأثيرات المسجلة سابقاً في برامج الوقاية المدرسية العامة والموجَّهة.

وتشمل هذه البرامج عادة دروساً داخل الفصول الدراسية أو مناقشات جماعية منظّمة مع المعلمين حول كيفية التعرّف على الاكتئاب والتعامل معه لدى الطلاب أو أقرانهم.

وأظهرت النتائج أيضاً أن الطلاب الذين لعبوا «PlaySmart» أصبحوا، بعد 6 أسابيع فقط، أكثر إيجابية تجاه طلب المساعدة النفسية.

ومع ذلك، يشير الفريق إلى أن النتائج لا تعني أن اللعبة يمكن أن تحل محل العلاج النفسي أو الدوائي؛ إذ اختبرت الدراسة تأثيرها بوصفها أداة للوقاية، وتعزيز الصحة النفسية، وقاست التغير في أعراض الاكتئاب عبر استبيان، وليس علاج حالات اكتئاب مشخصة.