«طالبان» تتعهد بتغيير كابل... والبداية بتغيير نهج الحركة

العاصمة الأفغانية شكلت تحدياً مليئاً بالإغراءات

علم «طالبان» يرفرف فوق مطار كابل (غيتي)
علم «طالبان» يرفرف فوق مطار كابل (غيتي)
TT

«طالبان» تتعهد بتغيير كابل... والبداية بتغيير نهج الحركة

علم «طالبان» يرفرف فوق مطار كابل (غيتي)
علم «طالبان» يرفرف فوق مطار كابل (غيتي)

يشعر بعض مقاتلي حركة «طالبان» الآن، بالندم على النجاح المادي الذي ضحوا به لشن حملتهم المسلحة، ويتذكر رحماني أن مقاتلاً آخر من الحركة أخبره بأنه حزين لأنه هو وشقيقه تركا دراستهما، وقال لرحماني: «لو كنا قد درسنا، لكنا نجلس في المكاتب الآن».

المبعوث الباكستاني الخاص آصف دوراني يجتمع مع وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي في كابل (متداولة)

ولا توجد علامات تشير إلى أن هذه التغييرات قد أدت إلى تخفيف سياسات «طالبان» القمعية، لا سيما حملة الحركة ضد حقوق المرأة، ومما لا شك فيه أن هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 5 ملايين نسمة، تشكل خيبة أمل بالنسبة لكثير من المقاتلين الذين هرعوا إلى العاصمة الأفغانية في شاحنات صغيرة عام 2021، ويقولون إن الحياة في المدينة أكثر إرهاقاً وأقل تديناً مما كانوا يتصورون، كما أنها تجعلهم يشعرون بالوحدة.

فتيات أفغانيات يحضرن حصة تعليمية بمدرسة في الهواء الطلق بكابل (إ.ب.أ)

وقد نشأ بعض مقاتلي «طالبان» في العاصمة قبل مغادرتهم إلى الريف الأفغاني للانضمام إلى حركة التمرد، فيما لم يغادر البعض الآخر قط وظلوا يدعمون «طالبان» كمخبرين، ولكن بالنسبة لمعظم الرجال الذين سيطروا على العاصمة الأفغانية، فإن أضواء المدينة الساطعة لم تكن مألوفة، وشكّلت كابل تحدياً مليئاً بالإغراءات.

ويحلم رحماني بأن تصبح كابل يوماً ما المعادل الأفغاني لدبي، ذلك المركز التجاري البراق في دولة الإمارات العربية المتحدة، قائلاً: «بمجرد حل المشاكل الاقتصادية، ستتغير الأمور بشكل كبير».

امرأة أفغانية ترتدي البرقع تحمل مظلة تسير على طول الرصيف أثناء تساقط الثلوج في فايز آباد بمقاطعة بدخشان الاثنين (أ.ف.ب)

وبدأ بعض أعضاء «طالبان» بالفعل في استحداث ذوق أكثر تكلفة، إذ يقول الباعة إنه في حين كان المسؤولون في الحكومة الجديدة يتسوقون في البداية لشراء الدراجات النارية، فقد باتوا الآن أكثر اهتماماً بشكل مزداد بشراء سيارات «لاند كروزر» البراقة.

ويبدو أن الحياة في المدينة قد تركت بالفعل بصمة على جندي «طالبان» عبد المبين منصور (19 عاماً) ورفاقه، إذ يتفق جميعهم على أن اتصالهم بالإنترنت، على سبيل المثال، هو أمر له أهمية مزدادة بالنسبة لهم.

مسلح من «طالبان» في أحد شوارع كابل (أ.ب)

ويقول عبد المبين ورفاقه إنهم باتوا مدمنين على كثير من المسلسلات التلفزيونية التي تكون مشاهدتها بشكل أفضل بدقة عالية، كما يفضلون حلقات دراما الجريمة التركية «وادي الذئاب» و«جومونج»، وهو مسلسل تاريخي كوري جنوبي تدور أحداثه حول أمير يغزو أراضي بعيدة، بحسب تقرير لـ«واشنطن بوست»، الاثنين.

وقال منصور إنه لا يزال يفضل الحياة في الريف، حيث يوجد بيته الذي قد يعود إليه في نهاية المطاف، مضيفاً: «لكنني آمل بشدة في أن تكون هناك كهرباء وغيرها من المرافق الحديثة الأخرى بحلول ذلك الوقت».

استنفار أمني وسط العاصمة الأفغانية (رويترز)

ويقول بعض الجنود، مثل حسام خان البالغ من العمر 35 عاماً، إنهم لا يستطيعون تخيل أنهم قد يضطرون إلى العودة للريف مرة أخرى، مشيراً إلى أنه واجه صعوبة في التكيف مع المدينة بالبداية، إذ كان يشعر بأن سكان كابل يخشونه، كما كانت عيناه تؤلمانه عندما كان يحدق في الكومبيوتر لفترة طويلة، ولكن الحصول على الكهرباء والماء، وحصوله على دروس اللغة الإنجليزية وعلوم الكومبيوتر، كل ذلك غيّر رأيه وجعله يقول: «أحب هذه الحياة».

ويقول بعض الأفغان الذين عارضوا استيلاء «طالبان» على الحكم، إنهم لاحظوا اختلافاً أيضاً، إذ يقول طارق أحمد، وهو بائع نظارات يبلغ من العمر 20 عاماً، إن لديه شعوراً مزداداً بأن «(طالبان) تحاول تبني أسلوب حياتنا نفسه»، مضيفاً: «لقد جاءوا من الجبال، ولم يتمكنوا من فهم لغتنا ولم يعرفوا شيئاً عن ثقافتنا».

وتابع: «عندما وصلوا إلى العاصمة استنكروا ارتداء الجينز والملابس الغربية الأخرى ودمروا الآلات الموسيقية»، لافتاً إلى أنه عندما وصل بالسيارة مع أصدقاؤه إلى إحدى نقاط التفتيش الأمنية، مؤخراً، وهم يسمعون الموسيقى داخل سياراتهم، لوَح لهم جنود «طالبان» بالمرور ببساطة.

عناصر من «طالبان» في جامعة كابل (أفغانستان) 14 يونيو 2023 لاستكمال تعليمهم (رويترز)

وعلى الرغم من أن الملابس المدنية الغربية أصبحت مشهداً نادراً في شوارع كابل، فقد فوجئ بعض السكان برؤية رجال «طالبان» يرتدون الزي العسكري الذي يشبه بشكل ملحوظ ذلك الذي كان يرتديه أعداؤهم السابقون.

وعدّ أكثر من 6 موظفين لدى نظام «طالبان»، من الشباب وكبار السن، في مقابلات أُجريت معهم، أن السماح لهم بالتعليم كان أكبر مكافأة لكفاحهم، وقال لال محمد ذاكر (25 عاماً)، من مؤيدي «طالبان» والذي أصبح موظفاً بوزارة المالية الأفغانية: «عندما استولينا على كابل، تعهدنا بأن نصبح نسخة أفضل من أنفسنا»، مشيراً إلى أنه قام بالتسجيل في دورة مكثفة لتعلم اللغة الإنجليزية حتى يتمكن من الدراسة في الخارج يوماً ما.

ولكن المدينة الكبيرة لا تغري الجميع، فقد كان ذبيح الله مصباح وصديقه أحمدزاي فاتح، وكلاهما يبلغ من العمر 25 عاماً، من بين أوائل المقاتلين الذين هرعوا إلى كابل عام 2021، ولكن لا يزال مصباح يربط كابل في المقام الأول بـ«الأفعال السيئة» مثل الزنا، قائلاً: «نكون أكثر ارتباطاً بالله عندما نكون في القرية، فمع وجود عدد أقل من عوامل التشتيت، غالباً ما يكون المرء مشغولاً بالصلاة».

وتابع مصباح: «الروابط الاجتماعية في القرى تكون أقوى، والحياة هناك أقل شعوراً بالوحدة»، بينما يقول فاتح: «عندما تسعى إلى الجهاد، فإنك تشعر بالارتياح، ولكن عندما وصلنا إلى هنا لم نجد هذا الارتياح».

وبينما فر كثير من الأفغان من كابل أثناء استيلاء «طالبان» عليها، إلا أنهم عادوا مرة أخرى إلى العاصمة المزدحمة التي كانت عليها في السابق، إذ يستغرق الأمر عدة ساعات لعبور المدينة المليئة بالضباب الدخاني من جانب إلى آخر.

وأقر منصور وأصدقاؤه بأن الهواء الملوث والابتعاد عن عائلاتهم في الريف الأفغاني يجعلهم يعيدون النظر في الحياة بالمدينة، وقال منصور الذي لم يتزوج بعد: «إن الذين أحضروا عائلاتهم إلى هنا هم أكثر سعادةً منا، ولكن إيجار الشقق في المدينة باهظ الثمن والشقق صغيرة للغاية».

وعندما يحتاج جنود «طالبان» إلى الهروب من حياة المدينة، فإنهم يتسلقون تلة في وسط كابل، التي قام النظام الجديد بتثبيت علم عملاق للحركة فيها، أو يتوجهون إلى خزان القرغا الذي يوجد على مشارف المدينة، حيث يتناولون الفستق في شاحناتهم الصغيرة.

وبحثاً عن علامات الاعتدال، يقول سكان كابل، الذين راقبوا بخوف وصول «طالبان» في عام 2021، إنهم يأملون في أن يفوق عدد المقاتلين السابقين الذين يعتنقون حياة المدينة الكبيرة أولئك الذين يرفضونها، وأن تصبح «طالبان» أكثر اعتدالاً.

ولكن يقول كثير من النساء إنهن لم يلاحظن مثل هذا التطور، فلا تزال الجامعات مغلقة أمامهن، كما تُمنع الفتيات فوق الصف السادس من استكمال الدراسة، وتقول الأمم المتحدة إن القيادة العليا لحركة «طالبان» حولت أفغانستان من مدينة قندهار المنعزلة إلى الدولة الأكثر قمعاً للنساء في العالم.

وتقول رقية (25 عاماً): «(طالبان) لن تتغير»، مشيرة إلى أن المبيعات في الكشك الخاص بها في سوق الملابس النسائية انخفضت فجأة الشهر الماضي، بعد أن احتجزت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تديرها «طالبان» النساء مؤقتاً بسبب مخالفة قواعد اللباس.

وتابعت رقية، التي حصلت على درجة البكالوريوس في الفيزياء قبل استيلاء «طالبان» على السلطة مباشرةً: «لم تعد فتاة من الفتيات تجرؤ على الخروج بمفردها»، لافتة إلى أنها عندما لا يكون هناك مَن ينظر إليها، تقوم بقراءة الكتب العلمية خلف مكتبها.

ولدى «طالبان» خطط كبيرة لإعادة الإعمار بعد الحرب، ولكن القيود المفروضة على النساء يمكن أن تصبح العقبة الأساسية، وقد تخلى كثير من المانحين الأجانب عن البلاد احتجاجاً على أوضاعها خلال العامين ونصف العام الماضيين، ولا يزال وجود المستثمرين من القطاع الخاص أمراً نادراً، فهل يمكن للإغراءات من ناطحات السحاب باهظة الثمن، والمساجد الجديدة والطرق الخالية من الحفر، أن تدفع «طالبان» إلى تقديم تنازلات في نهاية المطاف كما يأمل بعض الأفغان؟

في الأشهر الأخيرة، مضت «طالبان» قدماً في خططها لاستئناف العمل في مدينة نموذجية على مشارف كابل، التي تم تصميمها لأول مرة قبل أكثر من عقد من الزمن في عهد الحكومة السابقة المدعومة من الولايات المتحدة، ولكن لم يتم بناؤها، ويقول حميد الله نعماني، وزير التنمية العمرانية في حكومة «طالبان»: «سنطلق عليها اسم مدينة كابل الجديدة».

ويقول مقدم أمين، وهو مدير عملية البناء في المدينة (57 عاماً)، إن المناقشات الأولية بين شركته والحكومة الجديدة تشير إلى أن «طالبان» تريد مشروعاً أقل طموحاً مع خيارات سكنية أقل كلفة، ولكن يبدو أن «طالبان» الآن باتت تدعم الخطط الأصلية للمشروع، التي تشمل بناء ناطحات سحاب ومدارس وجامعات وحمامات سباحة ومتنزهات ومراكز تسوق.

وفي حال تم الانتهاء من بناء «المدينة الجديدة» في كابل، فقد يستغرق بناؤها عقوداً من الزمن، ولكن في الوقت الحالي، لا يمكن الوصول إلى المكان هناك إلا عبر طرق مؤقتة يصطف على جانبيها الطوب والأحجار، بينما يجلس المطورون العقاريون هناك على سجاد على الرمال.


مقالات ذات صلة

باكستان تتعهد بـ«القضاء على الإرهاب» مع قرب انتهاء الهدنة مع أفغانستان

آسيا عناصر من أمن «طالبان» يقفون عند نقطة تفتيش على طريق في قندهار (أ.ف.ب)

باكستان تتعهد بـ«القضاء على الإرهاب» مع قرب انتهاء الهدنة مع أفغانستان

أكد وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، اليوم الاثنين، تمسك بلاده بـ«القضاء على خطر الإرهاب»، مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار المؤقت مع أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب) p-circle 00:44

باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

قال متحدث باسم حكومة حركة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء، إن ما لا يقل عن 400 شخص لقوا حتفهم، وأصيب 250 آخرون في ضربة جوية شنتها باكستان على مستشفى.

«الشرق الأوسط» (كابول )
آسيا رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب) p-circle

أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

قالت الحكومة الأفغانية، الثلاثاء، ‌إن ‌ما ​لا ‌يقل ⁠عن ​400 شخص لقوا ⁠حتفهم وأصيب 250 آخرون في غارة شنتها ‌باكستان ‌على ​مستشفى لإعادة ‌تأهيل ‌مدمني المخدرات.

«الشرق الأوسط» (كابول)
آسيا أشخاص يتفقدون الأضرار الناجمة عن قصف منطقة متضررة في قندهار بجنوب أفغانستان الأحد (إ.ب.أ) p-circle

الصين أرسلت مبعوثاً للتوسّط في إنهاء النزاع بين أفغانستان وباكستان

زار مبعوث صيني أفغانستان وباكستان للتوسّط والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار بعد الاشتباكات الدامية على الحدود بين البلدين، وفق ما أعلنت بكين الاثنين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
آسيا أفغان يهتفون بشعارات مناهضة لباكستان خلال احتجاج على الغارات الجوية الباكستانية في أعقاب الاشتباكات عبر الحدود بين البلدين... كابل 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

طالبان تتهم باكستان بقتل ثلاثة مدنيين أفغان

أعلن نائب المتحدث باسم حكومة طالبان حمد الله فطرت، الأربعاء، عن مقتل ثلاثة مدنيين الثلاثاء في قرية بجنوب شرق أفغانستان جراء قصف نفذته القوات الباكستانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الصين تدعو لوقف الحرب على إيران وتحث على إطلاق محادثات سلام

أفراد من فرق الإنقاذ الإسرائيلية في موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)
أفراد من فرق الإنقاذ الإسرائيلية في موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)
TT

الصين تدعو لوقف الحرب على إيران وتحث على إطلاق محادثات سلام

أفراد من فرق الإنقاذ الإسرائيلية في موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)
أفراد من فرق الإنقاذ الإسرائيلية في موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)

دعت الصين، اليوم (الخميس)، إلى تكثيف الجهود الدولية لوقف التصعيد العسكري وتهيئة الأرضية لمحادثات سلام، على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، مؤكدة ضرورة تغليب الحلول السياسية عبر الحوار.

وقال لين جيان، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، خلال مؤتمر صحافي دوري: «على جميع الأطراف العمل نحو هدف مشترك يتمثل في تهيئة الظروف لبدء محادثات سلام جادة وصادقة»، وذلك رداً على سؤال بشأن ما إذا كانت بكين على علم بأي مفاوضات جارية بين إيران والولايات المتحدة.

وأضاف أن «الأولوية الملحة هي العمل بنشاط على تعزيز محادثات السلام، واغتنام فرصة السلام، والتحرك لوقف الحرب».

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية جيانغ بين، في إفادة صحافية في بكين، إن بلاده «تدعو جميع الأطراف إلى وقف العمليات العسكرية» في الحرب الدائرة، مشدداً على ضرورة تجنب مزيد من التصعيد.

وأوضح أن الصين «تحث على بذل كل جهد ممكن لحل الصراع عبر الحوار والطرق السياسية، بما يسهم في تهدئة الأوضاع».


مقتل 24 شخصاً جراء غرق حافلة في نهر ببنغلاديش

الحافلة كانت تقل نحو 40 راكباً قبل سقوطها في النهر في العاصمة دكا (إ.ب.أ)
الحافلة كانت تقل نحو 40 راكباً قبل سقوطها في النهر في العاصمة دكا (إ.ب.أ)
TT

مقتل 24 شخصاً جراء غرق حافلة في نهر ببنغلاديش

الحافلة كانت تقل نحو 40 راكباً قبل سقوطها في النهر في العاصمة دكا (إ.ب.أ)
الحافلة كانت تقل نحو 40 راكباً قبل سقوطها في النهر في العاصمة دكا (إ.ب.أ)

قال مسؤولون في بنغلاديش، اليوم (الخميس)، إن 24 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم بعد سقوط حافلة ركاب تقل نحو 40 راكباً في نهر بادما في أثناء محاولتها الصعود إلى متن عبارة.

ووقع الحادث، أمس (الأربعاء)، عندما فقد السائق السيطرة على الحافلة خلال الاقتراب من العبارة في داولتديا بمقاطعة راجباري، على بُعد نحو 100 كيلومتر من داكا.

جثث ضحايا حادث الحافلة خلال نقلها إلى مستشفى راجباري الحكومي في العاصمة دكا (إ.ب.أ)

وقالت الشرطة وإدارة الإطفاء والدفاع المدني إن الحافلة انقلبت وغرقت على عمق 9 أمتار تقريباً في النهر.

تواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث عن الضحايا بعد يوم من سقوط حافلة في نهر بادما أثناء صعود ركابها إلى عبّارة في منطقة راجباري على بُعد 84 كيلومتراً من دكا (إ.ب.أ)

وذكر مسؤول في خدمة الإطفاء أن فرق الإنقاذ انتشلت 22 جثة من داخل الحافلة الغارقة، بينهم 6 رجال و11 امرأة و5 أطفال.

لا يزال عدد من الأشخاص في عداد المفقودين في حين تتواصل عمليات البحث والإنقاذ عن الحافلة المتجهة إلى دكا بعد سقوطها في النهر (إ.ب.أ)

وأضاف أنه تم تأكيد وفاة 24 شخصاً حتى الآن، من بينهم امرأتان توفيتا بعد إنقاذهما.

يحاول الناس التعرف على أقاربهم المتوفين في مستشفى راجباري الحكومي في اليوم التالي لسقوط حافلة ركاب في نهر بادما (أ.ب)

ويخشى المسؤولون وجود آخرين في عداد المفقودين. ويلقى المئات حتفهم كل عام في حوادث الطرق والعبارات في بنغلاديش.


استحمام مرة بالسنة ومعاناة «تفوق الماشية»... ظروف قاسية لعمال كوريين شماليين في روسيا

عمال كوريون شماليون يطلون قارباً على ضفة نهر يالو في بلدة سينويجو الكورية الشمالية (أ.ف.ب)
عمال كوريون شماليون يطلون قارباً على ضفة نهر يالو في بلدة سينويجو الكورية الشمالية (أ.ف.ب)
TT

استحمام مرة بالسنة ومعاناة «تفوق الماشية»... ظروف قاسية لعمال كوريين شماليين في روسيا

عمال كوريون شماليون يطلون قارباً على ضفة نهر يالو في بلدة سينويجو الكورية الشمالية (أ.ف.ب)
عمال كوريون شماليون يطلون قارباً على ضفة نهر يالو في بلدة سينويجو الكورية الشمالية (أ.ف.ب)

في ظل تقارير متزايدة عن استغلال العمالة العابرة للحدود، يكشف تحقيق جديد عن واقع صادم يعيشه آلاف العمال الكوريين الشماليين في الخارج، حيث تتقاطع ظروف العمل القاسية مع قيود صارمة وانتهاكات ممنهجة. وتسلّط هذه الشهادات الضوء على جانب خفي من برامج تصدير العمالة، الذي يُروَّج له رسمياً بوصفه فرصة اقتصادية، بينما يختبر المشاركون فيه معاناة يومية قاسية.

لا يستطيع غيم هيوك كيم أن يتذكّر آخر مرة حظي فيها بحمامٍ لائق. فحين أُرسل هذا العامل الكوري الشمالي إلى روسيا ضمن برنامج أطلقه الزعيم كيم جونغ أون لتصدير العمالة، لم يكن يتوقع أن ينتهي به المطاف إلى العيش داخل حاوية شحن، في ظروف يغلب عليها البؤس والقذارة، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «إندبندنت».

ويكشف التحقيق أن كيم ليس حالة فردية، بل هو واحد من بين ما لا يقل عن 100 ألف عامل كوري شمالي يُرسلون إلى الخارج ضمن هذا البرنامج، حيث يُجبرون على العمل والعيش في ظروف تنطوي على انتهاكات جسيمة. وتشمل هذه الانتهاكات تقييد حرية التنقل، ومصادرة الوثائق الشخصية، والتعرض للعنف الجسدي والجنسي، فضلاً عن الترهيب المستمر والتهديدات.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (د.ب.أ)

ويقول الشاب البالغ من العمر 29 عاماً، والمنحدر من العاصمة بيونغ يانغ: «لا توجد أي مرافق للاستحمام هنا، لذلك نكتفي بغسل وجوهنا من الصنبور». وقد أُرسل إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية عام 2024 للعمل في مشروع بناء أحد الملاعب. ويقيم حالياً على بُعد نحو 200 متر فقط من موقع العمل، حيث يتشارك غرفة ضيقة داخل حاوية شحن مع 20 عاملاً آخر من أبناء بلده.

ويضيف: «نعاني من حرمان مزمن من النوم بسبب ساعات العمل الطويلة وظروف المعيشة القاسية؛ فالحاويات تعج بالصراصير وبقّ الفراش». وبحسب تحقيق أجرته مؤسسة القانون الدولي Global Rights Compliance، التي تتخذ من لاهاي مقراً لها، فإن الاستحمام يقتصر في بعض الحالات على مرة أو مرتين فقط في السنة.

ويشير الخبراء إلى أن هذا البرنامج يشمل إرسال نحو 100 ألف كوري شمالي إلى الخارج للعمل في قطاعات البناء والمصانع والمزارع، لا سيما في روسيا والصين وبعض الدول الأفريقية.

ورغم الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على تشغيل العمالة الكورية الشمالية في الخارج، تشير التقارير إلى أن البرنامج لا يزال نشطاً، بل اكتسب زخماً في بعض المدن الروسية. فقد دعا قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2017 جميع الدول إلى إعادة العمال الكوريين الشماليين إلى بلادهم بحلول 22 ديسمبر (كانون الأول) 2019، وذلك لمنع تدفق العملات الأجنبية التي قد تُستخدم في تمويل برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية.

ويؤكد الخبراء أن كثيراً من الكوريين الشماليين يقبلون بهذه الوظائف أملاً في الهروب من أوضاعهم داخل البلاد، التي وُصفت بأنها «أكبر سجن على وجه الأرض».

وبحسب نتائج التحقيق، أكد ما لا يقل عن 21 مواطناً كورياً شمالياً أنهم يعملون في ظروف خطيرة ومهددة للحياة، ويُجبرون على الوفاء بحصص إنتاج شهرية محددة «مهما كلف الأمر... أحياءً كانوا أم أمواتاً». وتهدف هذه الحصص، التي تفرضها الحكومة، إلى ضمان تحويل أكبر قدر ممكن من العملات الأجنبية إلى الدولة.

وأشار العمال إلى أنهم لم يتلقوا أي معلومات مسبقة عن طبيعة هذه الظروف قبل إرسالهم إلى روسيا، حيث صُوِّرت لهم هذه الوظائف على أنها «مرموقة ومرغوبة». بل إن بعضهم اضطر إلى دفع رشى لوسطاء للحصول على هذه الفرص، ما أدى إلى وقوعهم لاحقاً في فخ الديون.

ووفقاً لنتائج التحقيق التي شاركت بها صحيفة «إندبندنت»، يُجبر العمال على العمل لساعات تصل إلى 16 ساعة يومياً — من السابعة صباحاً وحتى منتصف الليل — ولمدة تصل إلى 364 يوماً في السنة، مقابل أجر شهري لا يتجاوز 10 دولارات (7.4 جنيه استرليني).

ويقول أحد العمال: «في كل فترة بعد الظهر، أجد نفسي مشغولاً بحساب ما إذا كنت سأتمكن من تحقيق الحصة المطلوبة لهذا الشهر».

وتُعد هذه الحصة الإلزامية، المعروفة محلياً باسم «غوكغا غيويك-بون» (Gukga Gyehoekbun)، محوراً أساسياً في حياة العمال الكوريين الشماليين في الخارج. ويشير هذا المصطلح إلى نظام تفرضه بيونغ يانغ على عمالها لضمان تحقيق أهداف مالية محددة. اللافت أن معظم العمال لم يكونوا على دراية بوجود هذا النظام قبل مغادرتهم بلادهم.

ويقول أحدهم: «غادرت بلادي دون أن أعرف كم سأكسب. كنت أظن فقط أنني سأذهب إلى روسيا لجني المال، ولم أكن أعلم بوجود شيء يُسمى حصة الدولة».

وفي شهادة أخرى، وصف أحد العمال ظروفهم بأنها «أسوأ من حياة الماشية»، موضحاً أنهم كانوا يُجبرون على التوجه إلى مواقع العمل حتى في أقسى ظروف الشتاء الروسي، من دون أي معدات حماية مناسبة.

وأضاف العمال أن المشكلات الصحية، سواء كانت إصابات أو أمراضاً، لا تُقابل بالإهمال فحسب، بل تُعتبر أيضاً «عوائق تعرقل سير العمل»، ما يزيد من معاناتهم اليومية في بيئة تفتقر إلى أبسط معايير السلامة والإنسانية.