مسار «فيينا 2»: سوريا موحدة غير طائفية.. ومصير الأسد إلى اجتماع ثالث

كيري: لا سبيل لحكومة موحدة مع استمرار الأسد في السلطة.. وسوريا تستحق خيارًا آخر * لافروف: اتفقنا على الحفاظ على سلامة ووحدة أراضي سوريا

جانب من الاجتماع الموسع حول سوريا الذي عقد أمس في العاصمة النمساوية (إ.ب.أ)
جانب من الاجتماع الموسع حول سوريا الذي عقد أمس في العاصمة النمساوية (إ.ب.أ)
TT

مسار «فيينا 2»: سوريا موحدة غير طائفية.. ومصير الأسد إلى اجتماع ثالث

جانب من الاجتماع الموسع حول سوريا الذي عقد أمس في العاصمة النمساوية (إ.ب.أ)
جانب من الاجتماع الموسع حول سوريا الذي عقد أمس في العاصمة النمساوية (إ.ب.أ)

اعترف المشاركون في الاجتماع الموسع حول سوريا في العاصمة النمساوية أمس بوجود «خلافات كبيرة» لا تزال قائمة، قالت مصادر مشاركة في الاجتماع لـ«الشرق الأوسط» إنها تتلخص بنقطتي تحديد المنظمات الإرهابية ومصير الأسد. لكن المجتمعين أعلنوا اتفاقهم على ضرورة «تسريع كل الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب». وطلبوا من الأمم المتحدة أن تجمع معا ممثلي الحكومة السورية والمعارضة لتدشين عملية سياسية تؤدي إلى «تشكيل حكومة جديرة بالثقة وغير طائفية ولا تقصي أحدا يعقبها وضع دستور جديد».
وقالت مصادر شاركت في الاجتماع لـ«الشرق الأوسط» إن أجواء الاجتماع غلب عليها التوتر بين الأطراف المشاركة، خصوصا مع الجانب الإيراني الذي كان متشبثًا بمواقفه، ووزع الاتهامات بدعم الإرهاب.
وأوضحت المصادر أن نقطة التباعد الأساسية لا تزال قائمة حول توصيف الإرهاب الذي اتفق الجميع على ضرورة مواجهته، مع اختلاف في النظرة إلى مواجهة هذا الإرهاب. وقال مصدر آخر لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة إقرارًا من جميع الأطراف بفكرة المرحلة الانتقالية، مع اختلاف في توصيف هذه المرحلة. وأشار المصدر إلى تشدد إيراني في وضع الرئيس السوري بشار الأسد يختلف عن الموقف الروسي الذي يوحي بإمكانية تجاوز هذه النقطة. وأشار إلى أن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف قال في الاجتماع إن مسألة رحيل الرئيس السوري «أمر يقرره السوريون وليس أي من المجتمعين»، مشيرا إلى أن إيران تدعم «ما يقرره السوريون»، ورأى المصدر أن إيران وافقت على مرجعية «جنيف 1» أساسًا للحل بموافقتها على البيان الختامي الذي ينص بشكل واضح على خريطة الطريق التي أقرت في جنيف.
وقال مصدر تركي لـ«الشرق الأوسط» إن الإصرار الروسي - الإيراني على ضم الجميع إلى عملية «مكافحة الإرهاب» لا يزال نقطة خلاف أساسية، مشيرا إلى أن وزير الخارجية التركي قال في الاجتماع إن نظام الأسد لا يقل خطوة عن بقية التنظيمات الإرهابية، مشددا على ضرورة البدء بمرحلة انتقالية «واضحة المعالم ومحددة التفاصيل»، مشددا على ضرورة عدم الركون إلى «مفاهيم عامة يمكن لأي طرف أن يفسرها وفقا لوجهة نظره لاحقا». وكان المصدر التركي لفت إلى أن الروس يبحثون عما هو أبعد من سوريا، مشيرا إلى أن الاجتماع الرباعي الذي عقد ليل الخميس حمل محاولة روسية لوضع ملفات المنطقة وملفات أخرى في خانة «التعاون الدولي».
وأشار وزير شارك في الاجتماع لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ثمة توافقا نظريا يُبنى عليه بين الأطراف المختلفة، وهو يتعلق بطبيعة النظام في سوريا في المرحلة المقبلة، وضرورة تمثيله أوسع الفئات السورية، كما أشار إلى اتفاق على وحدة الأراضي السورية وعدم القبول بتقسيمها في أي مشروع حل.
وكان الاجتماع الموسع حول سوريا عقد أمس في فيينا بمشاركة 17 دولة، في مقدمتها الدول الأربع التي تقود عملية الحوار، وهي الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وتركيا، بالإضافة إلى الوافد الجديد إيران، التي تخوض لأول مرة مفاوضات حول الوضع السوري بعدما تم استثناؤها من كل الجهود الدولية والإقليمية السابقة. وتوافقت الأطراف على اجتماع ثالث يعقد في فيينا بعد أسبوعين لمتابعة المساعي. وفي بيان مشترك عقب المحادثات قال المشاركون إن «خلافات كبيرة لا تزال قائمة» رغم اتفاقهم على ضرورة «تسريع كل الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب». وجاء في البيان أن المشاركين في المحادثات يطلبون من الأمم المتحدة أن تجمع معا ممثلي الحكومة السورية والمعارضة لتدشين عملية سياسية تؤدي إلى «تشكيل حكومة جديرة بالثقة وغير طائفية ولا تقصي أحدًا يعقبها وضع دستور جديد».
وإذ أكد وزير الخارجية السعودية عادل الجبير، بعد انتهاء جولة المحادثات الدولية، أن النقاط الخلافية أُرجئت إلى الموعد المقبل، قال وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف في مؤتمر صحافي تبع انتهاء المحادثات التي استمرت نحو ثماني ساعات إنهما «اتفقا على ضرورة أن تخرج سوريا من الحرب كدولة علمانية موحدة».
وقال كيري خلال مؤتمر صحافي بعد المحادثات الدولية في فيينا حول سوريا إن مؤسسات الدولة السورية يجب أن تبقى قائمة رغم أنه اختلف مع نظيره الروسي حول ما إذا كان الرئيس السوري بشار الأسد يجب أن يتنحى على الفور أم لا. فت وزير الخارجية الأميركي جون كيري على أن «الرد على الحرب بسوريا هو بدعم مبادرة لعملية انتقالية وفقا لاتفاق جنيف».
ولفت إلى أن «وجهة النظر الأميركية تجاه سوريا لم تتغير، ونحن نرى أن سوريا تستحق خيارًا آخر غير الرئيس السوري بشار الأسد، ولا يمكننا أن نسمح للاختلافات بأن تعوق الدبلوماسية وسبل إيجاد الحل». وأشار إلى «أننا نعزز حملتنا المضادة لـ(داعش)، ونعزز جهودنا الدبلوماسية لحل الأزمة السورية». وفي حين اعتبر أنه «يجب إطلاق عملية مفاوضات حقيقية بشأن سوريا»، رأى أنه «لا سبيل لحكومة موحدة مع استمرار الأسد في السلطة». وأكد «أهمية إيجاد السبل لإعادة كل الجهات السورية إلى الحوار». وأفاد بأن الحوار في فيينا «كان صعبا وصريحا ولكن رأينا إرادة والتزامًا من جميع الجهات للحديث عن الخطوات الملموسة للوصول إلى حل». ولفت إلى «أننا حققنا تقدمًا، وسنجتمع مجددًا بعد أسبوعين لاستئناف المحادثات». وأعلن: «اتفقنا على أن وحدة سوريا واستقلاليتها أساسية، وعلى أن تبقى مؤسسات سوريا سليمة»، مشددًا على أنه «من حق كل السوريين أن يحصلوا على الحماية».
وبدوره قال لافروف إن المحادثات «فشلت في التوصل لاتفاق على مصير الرئيس السوري بشار الأسد». وأوضح لافروف أنه يرى أن «الشعب السوري هو من يقرر مصير الأسد» معربًا عن أمله في المزيد من التسويات لإنهاء الحرب الأهلية السورية. ولفت إلى أنه «لأول مرة جلس في طاولة حوار واحدة كل الدول التي تؤثر على مجريات الأحداث في سوريا، وقد اقترحنا منذ البداية حل هذه المشكلة»، موضحًا أن «موضوع الكفاح ضد الإرهابيين تحدث عنه الجميع، وتوصلنا إلى هذا الموضوع اليوم، حيث اتفقنا على مكافحة المجموعات الإرهابية كلها، وسلطات روسيا ملتزمة بمكافحة الإرهاب بالاستناد إلى القانون الدولي، ويجب أن يتم تنسيق العمليات العسكرية مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن».
وأشار لافروف إلى أن «موقفنا لم يتغير ونريد أن نستمر بمكافحة الإرهاب بالتفاهم المشترك مع أميركا، وقد اتفقنا على الحفاظ على سلامة أراضي سوريا موحدة لتكون دولة فيها حكم غير ديني، وينبغي حماية حقوق كل السوريين على الرغم من انتماءاتهم الدينية والسياسية، وينبغي السماح بوصول المساعدات الإنسانية وحشد الزخم لمساعدة اللاجئين والمهجرين». وأوضح أنه «من بين أهم اتفاقات اجتماع اليوم هو أن هذه المجموعة تطلب من الأمم المتحدة القيام بدعوة أصحاب المصالح من حكومة سوريا والمعارضة لإطلاق العملية السياسية، هذه المجموعة السياسية الشاملة، حيث يجب أن تعمل على بناء أسس لأداة شاملة من شانها أن تضع الدستور الجديد والمؤسسات الجديدة» .وشدد بقوله: «اتفقنا على أن الانتخابات الجديدة ينبغي أن تقام تحت مراقبة الأمم المتحدة وبمشاركة اللاجئين في الدول المجاورة ودول أخرى، كذلك ناقشنا مسألة وقف إطلاق النار بالتوازي مع العملية السياسية وينبغي أن يتم ذلك بالتشاور مع الأمم المتحدة»، مؤكدًا أنه «يحق للشعب السوري أن يقرر مستقبل سوريا ومصير الرئيس السوري بشار الأسد، كما أن العملية السياسية يجب أن يقودها الشعب السوري، وأن يقرر هو مستقبل بلاده».
وفي حين أكد كيري أن توقيت إعلان واشنطن أنها سترسل عشرات من عناصر القوات الخاصة إلى شمال سوريا لتقديم المشورة لقوات معارضة في القتال ضد تنظيم داعش هو محض مصادفة، رأى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن هذا القرار «سيزيد من أهمية التعاون بين القوات المسلحة للبلدين». وقال لافروف إن المناقشات بشأن التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الحرب السورية ستستمر، لكنه ذكر أن محاربة الجماعات الإرهابية لن تتوقف.
وقال وزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير إنه لم يكن هناك اتفاق خلال المحادثات بشأن مصير الرئيس السوري بشار الأسد في نهاية عملية انتقال سياسي، فيما قال وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل لـ«الشرق الأوسط» إنه متفائل بالعملية الدبلوماسية، رغم اعترافه بأنها لا يزال أمامها «مسار طويل وصعب». وقال باسيل: «مشاركتنا في اللقاءات تسهيلية لحل الأزمة السورية التي تؤثر علينا مباشرة في لبنان على جميع الأصعدة». وأضاف: «قدمنا أفكارا تجمع ولا تفرق حول مواضيع كمحاربة الإرهاب وقضية اللاجئين والديمقراطية وكيفية المشاركة في السلطة»، كما تحدث عن تقديمه «صيغًا لإعادة بناء سوريا سياسيا تمهيدا لإعادة بنائها فعليا»، مشيرا إلى أن هذه الصيغ تنطلق من التجربة اللبنانية.
وأكد باسيل أن الحل في نهاية المطاف في يد السوريين، ونحن نرى أن الأهم فيما جرى (أمس) هو مشاركة الجميع على الرغم من أجواء الاحتقان التي سادت. وقال: «هذه بداية مسار جديد، لكنه صعب وطويل». وأضاف: «إنها بداية طريق جديدة قائمة على مشاركة الجميع في الحرب ضد الإرهاب ومشاركة السوريين في الحل».
وكانت إيران لمحت أمس إلى أنها تفضل مرحلة انتقالية في سوريا مدتها ستة أشهر تعقبها انتخابات لتحديد مصير الرئيس بشار الأسد. وقالت مصادر إن الاقتراح يرقى إلى حد تنازل طهران عن التمسك ببقاء الأسد في السلطة، لكن خصوم الأسد يقولون إن إجراء انتخابات جديدة سيبقيه في الحكم إذا لم تتخذ خطوات أخرى لتنحيته.
ونسبت وسائل إعلام إيرانية إلى أمير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الإيراني وعضو الوفد الإيراني في المحادثات بشأن سوريا قوله إن إيران لا تصر على بقاء الأسد في السلطة للأبد.
ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول كبير من الشرق الأوسط مطلع على الموقف الإيراني أن الأمر قد يصل إلى حد الكف عن دعم الأسد بعد المرحلة الانتقالية. وقال المسؤول: «المحادثات تدور كلها عن الحلول الوسط، وإيران مستعدة للتوصل لحل وسط بقبول بقاء الأسد ستة أشهر.. بالطبع سيرجع تحديد مصير البلاد للشعب السوري».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.