هل يعوض «الحريديم» النقص العددي في الجيش الإسرائيلي؟

دعوات لإجبارهم على الخدمة الإلزامية بدلاً من التفرغ لواجباتهم الدينية

أحد اليهود الأرثوذكس يسير أمام ملصق في أحد الشوارع في حي ميا شعاريم في القدس (أرشيفية - رويترز)
أحد اليهود الأرثوذكس يسير أمام ملصق في أحد الشوارع في حي ميا شعاريم في القدس (أرشيفية - رويترز)
TT

هل يعوض «الحريديم» النقص العددي في الجيش الإسرائيلي؟

أحد اليهود الأرثوذكس يسير أمام ملصق في أحد الشوارع في حي ميا شعاريم في القدس (أرشيفية - رويترز)
أحد اليهود الأرثوذكس يسير أمام ملصق في أحد الشوارع في حي ميا شعاريم في القدس (أرشيفية - رويترز)

يغادر مردخاي بورات منزله كل صباح مرتدياً بدلة وقبعة سوداء اللون، متوجهاً إلى قاعدة عسكرية وسط إسرائيل دون لباس الجيش. وبورات، وهو يهودي أرثوذكسي، لا يريد أن تراه عائلته أو جيرانه في بني براك وهو يرتدي الزي العسكري ويكتشفوا سره: لقد تجند في جيش الدفاع الإسرائيلي.

يعدُّ بورات (36 عاماً) واحداً من عدد متزايد من اليهود الأرثوذكس أو الحريديم، الذين ردوا على هجوم «حماس» في 7 أكتوبر بالانضمام إلى الجيش الإسرائيلي، فيما يفضل بعض الحريديم الإعفاء من الخدمة العسكرية، حسبما أفاد في تقرير لصحيفة «واشنطن بوست».

كان بورات يعتقد أنه بصفته «إختصاصياً اجتماعياً» يمكنه دعم الجنود. أخبرته زوجته أنه مجنون. وتوقعت أن التجنيد سيضر بمكانة الأسرة في المجتمع. لكنه انضم في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) للجيش. أكمل أسبوعين من التدريب العسكري وتم تكليفه بتقديم الاستشارة النفسية للجنود الذين يتعاملون مع جثث الموتى.

ويعارض الحريديم بشدة إجبارهم على الخدمة، على أساس أنهم يجب أن يقضوا كل الوقت المتاح في دراسة التوراة. فهم يشعرون بالقلق من أن الشباب الحريديم الذين تم إرسالهم إلى الجيش قد لا يعودون أبداً إلى واجباتهم الدينية.

وعلى مدى عقود، ناضل الحريديم للحفاظ على الإعفاء، مما أثار غضب الإسرائيليين العلمانيين؛ لأنه يسمح للحريديم بالاستفادة من المال العام، بينما لا يفعلون سوى القليل لحماية البلد. لكن مع تصاعد وتيرة الحرب، تطالب المعارضة في إسرائيل من أبناء الحريديم أن يقدموا «تضحية» بالانضمام إلى الجيش.

مطالب من المعارضة

«نحن بحاجة إلى مزيد من الجنود»... كلمات قالها زعيم المعارضة الإسرائيلي يائير لابيد، موجهاً خطابه إلى الإسرائيليين كافة، وإلى اليهود الأرثوذكس المتطرفين، مضيفاً في تصريحات نقلتها صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن مشروع قانون الخدمة العسكرية الذي كشفت عنه الحكومة مؤخراً: «الجيش صغير جداً في مواجهة كل التحديات التي يواجهها».

وفي إعلان أن الوضع الراهن القديم غير قابل للاستمرار في أعقاب هجوم 7 أكتوبر، طالب لابيد الحكومة بالبدء في تجنيد اليهود المتشددين من أجل ضمان «المساواة في العبء» في الخدمة الوطنية.

زعيم المعارضة الإسرائيلي يائير لابيد خلال لقاء وزير الخارجية الأميركي في تل أبيب الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

وفي حديثه في مؤتمر صحافي في تل أبيب، دعا لابيد أعضاء الائتلاف، وخاصة حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى معارضة مشروع قانون الخدمة العسكرية الذي كشفت عنه الحكومة مؤخراً، واصفاً النقاش حول التشريع بأنه «لحظة الحقيقة للمجتمع الإسرائيلي». وأضاف لابيد: «الجيش صغير جداً في مواجهة كل التحديات التي يواجهها»، عادَّاً أن المشرعين «لا يمكنهم وضع السياسة قبل الأمن».

وقال مشرعون من المعارضة إن العبء المتزايد للخدمة العسكرية يجب أن يقع على عاتق المجتمع الحريدي بدلاً من إضافته إلى أولئك الذين يخدمون بالفعل. كما اعترض المشرعون على تخصيص ميزانية 2024 المعدلة لملايين الشياقل لمنظمة تسهل الإعفاءات العسكرية لليهود الأرثوذكس.

نعيش معاً... ونموت معاً

كان لابيد يرد على خطة الجيش الإسرائيلي التي دفعت بها الحكومة، التي من شأنها زيادة مدة خدمة المجندين وجنود الاحتياط في الجيش من أجل تعويض النقص في القوى العاملة - دون أي تحركات متزامنة لإنهاء الإعفاءات الشاملة الفعلية لليهود الأرثوذكس.

وفي مناشدة مباشرة للوزيرين غادي آيزنكوت وبيني غانتس من حزب الوحدة الوطنية، أعلن لابيد أنه من المستحيل على رئيسي أركان الجيش الإسرائيلي السابقين «الاستمرار في الجلوس في حكومة ستمرر هذا». ويقول لابيد: «إذا لم نتعلم كيف نعيش هنا معاً، فسوف نموت هنا معاً»، مُعرِّفاً كلمة «معاً» بأنها تعني «أننا جميعاً لدينا الواجبات نفسها الحقوق نفسها».

يهود أرثوذكس في إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

وزعم لابيد أنه بدلاً من العمل على تجنيد اليهود الأرثوذكس الذين يشكلون جزءاً حاسماً من ائتلافه، قام نتنياهو بزيادة مزاياهم الاجتماعية حتى لا يشعروا بأي ضغط اقتصادي لمواصلة الاندماج في المجتمع الإسرائيلي.

وبموجب خطة الحكومة، سيتم زيادة شروط الخدمة العسكرية الإلزامية للذكور والمجندات في القتال والأدوار الخاصة الأخرى إلى ثلاث سنوات. ومنذ عام 2015، يخدم الرجال عامين وثمانية أشهر، وتخدم النساء حالياً لمدة عامين.

ويخطط الجيش الإسرائيلي أيضاً لرفع سن التقاعد من الخدمة الاحتياطية إلى 45 عاماً لجنود الاحتياط النظاميين، و50 عاماً للضباط و52 عاماً للذين يخدمون في مهام خاصة. كما أن مقدار الوقت الذي يتطلبه جنود الاحتياط للخدمة سنوياً سيرتفع أيضاً بموجب الخطط.

ومنذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر، استدعى الجيش الإسرائيلي ما مجموعه 287 ألف جندي احتياطي، وهو ما يمثل أكبر استدعاء لجنود الاحتياط في تاريخ إسرائيل. وهناك توقعات واسعة النطاق بأنه سيتم استدعاء بعضهم مرة أخرى مع استمرار القتال في غزة، وفقاً لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل».

نحن لسنا الأشخاص أنفسهم

ويتمتع اليهود الأرثوذكس منذ فترة طويلة بالإعفاءات من الخدمة العسكرية، حيث يرون أن الاندماج مع «العالم العلماني» بمثابة تهديد لهويتهم الدينية واستمرارية مجتمعهم.

ويحجم جزء من المجتمع الأرثوذكسي المتطرف عن الخدمة في الجيش الإسرائيلي، وهذا ما يحدث انقساماً في المجتمع قبل الحرب، لكن بعدها ظهرت مؤشرات على زيادة التقدير للقوات المسلحة -وفي بعض الحالات، المشاركة فيها.

ويؤيد نحو 30 في المائة من الجمهور الأرثوذكسي المتطرف فكرة الخدمة العسكرية، أعلى بـ20 نقطة عن الحال قبل الحرب، تبعاً لاستطلاع رأي أجراه في ديسمبر (كانون الأول) المعهد الحريدي للشؤون العامة (مجموعة بحثية مقرها القدس)، حسبما نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» في تقرير سابق.

أحد اليهود الأرثوذكس أمام لافتة تشير لمكتب التجنيد (أرشيفية - رويترز)

وفي استطلع لآراء الحريديم حول مواقفهم بشأن الجيش في مارس (آذار) 2022 ومرة أخرى بعد 7 أكتوبر. وفي عام 2022، وافق 35 في المائة بقوة على أنه ينبغي عليهم المساهمة في الدفاع عن إسرائيل. وبعد الهجمات ارتفعت النسبة إلى 49 في المائة، وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست».

وفي هذا السياق، قال لابيد لـ«تايمز أوف إسرائيل» إن «البلاد بأكملها تغيرت» في أعقاب 7 أكتوبر، وأضاف: «نحن لسنا الأشخاص أنفسهم الذين كنا من قبل». وقال: «هذا شيء أكبر من الجميع». وتابع: «وعلينا أن نعترف بحقيقة أننا لا نستطيع المضي قدماً بالطريقة التي اعتدنا عليها، لأن التحديات التي نواجهها مختلفة، والجيش الذي نحتاجه مختلف، وبالتالي نحن بحاجة إلى تجنيد الحريديم. هذه هي الأولوية رقم واحد الآن».

التجنيد بـ«الواتساب»

وبعد 7 أكتوبر، كلف الجيش الإسرائيلي حاخاماً حريديماً بتجنيد أفراد من الطائفة. وكان رامي رافاد (65 عاماً) قد خدم في سلاح الجو الإسرائيلي. قام بإجراء مكالمة على «واتساب». وأضاف أنه في غضون ساعات، استجاب أكثر من 400 شخص. وسرعان ما كان أكثر من 1000 شخص متحمسين للتسجيل.

وقال رافاد إن الرسائل كانت حاسمة. وأكد للمرشحين الذين ما زالوا في المدرسة الدينية، أنهم لن يضطروا إلى ترك الدراسة. وقال: «إن الآيديولوجية الحريدية ليست ضد فكرة الجيش». تتضمن التوراة روايات عن الجنود والحرب. «لكن لا يمكنك إجبارهم».

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه من بين 2000 متقدم من الحريديم منذ 7 أكتوبر، تم قبول 450 منهم. وهذا جزء صغير من الجيش، الذي يقدر عدد أفراده بنحو 170 ألف فرد في الخدمة الفعلية. وقال يافي إنه تحول كبير بالنسبة للمجتمع. وأضاف: «الآن، سيكون هناك الكثير من الضغوط لتغيير قانون الإعفاء العام».

وطرح وزير الرفاه الاجتماعي يعقوب مارغي من حزب شاس اليهودي المتطرف زيادة مشاركة اليهود الأرثوذكس في الجيش، وفي مقابلة مع موقع أخبار الحريديم كيكار هاشابات، قال مارجي إنه في حين لا ينبغي مطالبة طلاب المدارس الدينية بدوام كامل بأداء الخدمة العسكرية، يجب تجنيد أعضاء المجتمع الحريدي غير المشاركين في دراسة التوراة بدوام كامل.

وتابع مارغي: «لا أستطيع إقناع أي أم ابنها في الجبهة، والذي لم ينم ليلاً ونهاراً منذ عدة أشهر... لماذا لا يلتحق صبي أرثوذكسي متشدد»، مضيفاً أنه يعتقد ذلك أولئك الذين لم يلتحقوا بالمدرسة الدينية يمكن تجنيدهم «بالقوة».


مقالات ذات صلة

غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)

غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

انطلقت عاصفة حادة من ردود الفعل الغاضبة عقب تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتوالت الاتهامات عليه بالكذب

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية مصلون متجمعون في ساحة مسجد قبة الصخرة بمجمع الأقصى بمدينة القدس القديمة مساء الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

مع اقتراب رمضان... إسرائيل تعزز قواتها بالضفة والقدس

تستعد إسرائيل لقرب قدوم شهر رمضان بتعزيز قواتها في الضفة والقدس ورفع الجهد الاستخباراتي، خشية أن يتحول عنف المستوطنين إلى شرارة تشعل المنطقة.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

كتاب وصحافيون يتهمون نتنياهو بنشر وثيقة مضللة حول 7 أكتوبر لأغراض شخصية وانتخابية ويرون أنها دليل على نيته تقريب الانتخابات.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي قوارب ضمن «أسطول الصمود العالمي» تبحر قبالة اليونان متجهة نحو قطاع غزة 26 سبتمبر 2025 (رويترز)

«أسطول الصمود العالمي» يعتزم تنظيم قافلة مساعدات بحرية جديدة نحو غزة

تعتزم مجموعة ناشطين مؤيدين للفلسطينيين حاولوا الوصول إلى غزة العام الماضي، تنظيم أسطول مساعدات بحرية جديد الشهر المقبل إلى القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شؤون إقليمية صورة بتسلئيل زيني شقيق رئيس الشاباك (وسائل إعلام إسرائيلية)

الجيش الإسرائيلي: قضية تهريب البضائع لغزة «خطر كبير على أمننا»

أصدر الجيش الإسرائيلي، اليوم الخميس، تعليقاً بشأن قضية تهريب بضائع لقطاع غزة، والمتهم فيها شقيق رئيس جهاز «الشاباك» و14 مشتبهاً بهم آخرين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

طهران تتمسّك بالتخصيب «حتى لو اندلعت الحرب»

عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
TT

طهران تتمسّك بالتخصيب «حتى لو اندلعت الحرب»

عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)

أكدت إيران تمسكها بتخصيب اليورانيوم «حتى لو اندلعت الحرب»، وذلك بعد يومين من أحدث جولة محادثات بين طهران وواشنطن في العاصمة العُمانية مسقط.

وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لن تقبل «التخصيب الصفري» تحت أي ظرف، مشدداً على أن أي تفاوض مشروط بالاعتراف بحق إيران في التخصيب داخل أراضيها، مع استعدادها لبحث إجراءات لبناء الثقة مقابل رفع العقوبات.

ووصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان محادثات مسقط بأنها «خطوة إلى الأمام»، في حين عبّر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي عن تشكيكه في نيات واشنطن، محذراً من استخدام المفاوضات «للمكر وكسب الوقت».

كما كشف عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، محمود نبويان، عن رسالة أميركية سبقت المفاوضات طلبت «السماح بضرب نقطتين داخل إيران»، وقال إن الرد كان بأن أي هجوم سيُقابَل بخسائر كبيرة.

في غضون ذلك، لوّحت إسرائيل بالتحرك عسكرياً ضد القدرات الصاروخية الإيرانية إذا تجاوزت طهران «الخطوط الحمراء». وقال وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، إن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران «لا قيمة له»، عادّاً أن احتمال المواجهة العسكرية مع طهران لا يزال قائماً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات.


تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، يوم الأحد، بأن المجلس الوزاري الأمني يقول: «سنواجه أي محاولة إيرانية للمساس بإسرائيل بقوة حاسمة».

ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن مصادر مطلعة قولها، يوم الأحد، إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغت إيران بأنها تتوقع من الوفد الإيراني تقديم «مقترحات جوهرية» خلال الاجتماع المقبل بين الجانبين.

ونقلت الصحيفة الإسرائيلية عن مصدرين قولهما إن الأميركيين يتوقعون من إيران تقديم «تنازلات» في الملف النووي وقضايا أخرى.

وقالت الصحيفة إن المجلس الوزاري الأمني في إسرائيل يرى أن النظام الإيراني لا يمكن الوثوق بوعوده.

ونقلت «جيروزاليم بوست» عن مصدر عسكري قوله: «النظام الإيراني أثبت مراراً وتكراراً أنه لا يمكن الوثوق بوعوده... إذا حاولت إيران المساس بسيادتنا أو مواطنينا فستكون العواقب وخيمة عليها... وسنواجهها بقوة حاسمة».

وقال المصدر إن إسرائيل متمسكة بأن تفضي المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران إلى منعها من امتلاك أسلحة نووية وفرض قيود على صواريخها الباليستية.

وفي وقت سابق من اليوم، ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست»، نقلاً عن مصادر أمنية، أن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أبلغوا الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني يمثل تهديداً وجودياً، وأن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد طهران بشكل منفرد إذا لزم الأمر.

وقال مصدر أمني: «أبلغنا الأميركيين بأننا سنضرب منفردين إذا تجاوزت إيران الخط الأحمر الذي حددناه بشأن الصواريخ الباليستية»، مضيفاً أن إسرائيل لم تصل بعد إلى تلك النقطة، لكنها تتابع التطورات داخل إيران عن كثب.

واستضافت مسقط، صباح الجمعة، جولة مفاوضات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


حملة اعتقالات تطول التيار الإصلاحي في إيران

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

حملة اعتقالات تطول التيار الإصلاحي في إيران

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

أفادت وسائل إعلام إصلاحية إيرانية، مساء الأحد، باعتقال آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات» والأمينة العامة لحزب «اتحاد ملت إيران»، في إطار حملة اعتقالات طالت شخصيات بارزة في التيار الإصلاحي، بعد أسابيع من الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد.

وذكر موقع «امتداد»، القريب من «جبهة الإصلاحات»، أن منصوري اعتُقلت بموجب أوامر قضائية على يد عناصر من جهاز استخبارات «الحرس الثوري»، خلال مداهمة منزلها في بلدة قرتشك ورامين، الواقعة على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب شرقي طهران.

وفي وقت لاحق، أكدت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مصادر أمنية وقضائية، اعتقال منصوري إلى جانب إبراهيم أصغرزاده، النائب الأسبق، والشخصية الإصلاحية البارزة وعضو اللجنة المركزية لـ«جبهة الإصلاحات»، ومحسن أمين‌زاده، نائب وزير الخارجية في حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي.

بزشكيان عقد ثالث اجتماع مع أعضاء «جبهة الإصلاحات» منذ توليه الرئاسة بعد أيام من انتهاء الحرب مع إسرائيل أغسطس 2025 (الرئاسة الإيرانية)

وحسب المصادر نفسها، شملت الاتهامات الموجّهة إلى المعتقلين «استهداف التماسك الوطني، واتخاذ مواقف مناوئة للدستور، والتنسيق مع دعاية العدو، والترويج لنهج الاستسلام، وتحريف المسارات السياسية للجماعات، وإنشاء آليات سرية ذات طابع تقويضي».

وقال مسؤول مطّلع إن السلطات «تعاملت مع هذه المجموعة وفقاً للقانون»، رغم «تحمّل مواقفهم النقدية السابقة»، بسبب ما وُصف بـ«استمرار أنشطتهم المناهضة للأمن».

وتُعد «جبهة الإصلاحات» الإطار التنسيقي الأوسع للأحزاب الإصلاحية في إيران، وكانت من أبرز الجهات التي دعمت الرئيس مسعود بزشكيان خلال الانتخابات الأخيرة.

وتوازياً، أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، في بيان مقتضب وغامض، بأن الادعاء العام في طهران وجّه اتهامات رسمية إلى عدد من العناصر السياسية البارزة، على خلفية ما وصفه بـ«دعم النظام الصهيوني والولايات المتحدة»، في إطار التحقيقات المرتبطة بأحداث يناير، من دون الكشف عن أسماء المعنيين أو انتماءاتهم الحزبية أو ملابسات توقيفهم.

وبحسب الوكالة، فإن هذه الأحداث «الإرهابية»، أظهرت ارتباطاً عملياً وعملياتياً بـ«إسرائيل» وأجهزة «الاستكبار»، عبر شبكة تنظيمية وإعلامية عملت خلف الكواليس وفي الفضاء الافتراضي لتبرير أعمال العنف والتأثير على الأمن الداخلي.

وأضافت أن رصد سلوك السياسية البارزة في عدد من التيارات خلال ذروة التهديدات الأميركية والإسرائيلية دفع الادعاء العام إلى فتح ملفاتهم، بعد اتهامهم بتنظيم وقيادة أنشطة لإرباك الأوضاع السياسية والاجتماعية، وتبرير ما وصفته بـ«الإرهاب الميداني».

وذكرت «تسنيم» أنه بعد استكمال الإجراءات، وجهت اتهامات إلى أربعة أشخاص مرتبطين بحزب سياسي، جرى توقيف عدد منهم بتهمة العمل لصالح «إسرائيل» والولايات المتحدة، فيما استدعي آخرون للتحقيق، في إطار قضية تتهم عناصرها بالتحريض وتقويض التماسك الوطني، حسب الوكالة.

الناشطة آذري منصوري وأمين زاده على اليسار وفي يمين الصورة اصغرزاده (جماران)

وأكدت وكالة «ميزان»، التابعة للسلطة القضائية، توقيف وتوجيه الاتهام إلى «عدد من الشخصيات السياسية»، من دون الكشف عن هوياتهم.

وكانت منصوري (60 عاماً) شغلت سابقاً منصب مستشارة للرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي. وبعد اندلاع الاحتجاجات في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول)، كتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: «عندما تُغلق جميع السبل لإسماع الصوت، يخرج الاحتجاج إلى الشارع»، معتبرة أن «القمع هو أسوأ طريقة للتعامل مع المحتجين»، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

وفي إشارة إلى سقوط آلاف القتلى خلال الاحتجاجات، قالت لاحقاً: «لا يمكننا الوصول إلى الإعلام، لكننا نقول للعائلات المفجوعة: أنتم لستم وحدكم»، مضيفة أن «لا قوة ولا مبرر ولا وقت يمكن أن يطهّر هذه الكارثة الكبرى».

وسبق أن أوقفت منصوري بعد الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية عام 2009، وحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات بتهم من بينها الإخلال بالنظام العام والدعاية ضد الدولة. وفي عام 2022، وُجهت إليها تهمة «نشر الأكاذيب بقصد إيذاء الآخرين وإثارة الرأي العام عبر الإنترنت»، وصدر بحقها حكم بالسجن لمدة عام وشهرين.

ومنذ يونيو (حزيران) 2023، تتولى منصوري رئاسة جبهة الإصلاحات، وهي التحالف الرئيسي للأحزاب والمجموعات الإصلاحية التي تطالب بتوسيع الحريات الاجتماعية وتعزيز دور المجتمع المدني.

تحذيرات القضاء

وتأتي هذه الاعتقالات على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) نتيجة الأوضاع المعيشية، قبل أن تتسع سريعاً إلى حركة احتجاجية واسعة مناهضة للحكومة، بلغت ذروتها في 8 و9 يناير (كانون الثاني).

وقالت السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات بدأت بشكل سلمي قبل أن تتحول إلى «أعمال شغب» شملت القتل والتخريب، متهمةً الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف ما وصفته بـ«عملية إرهابية». وأسفرت حملة القمع اللاحقة عن إنهاء الاحتجاجات التي اعتبرت التحدي السياسي الأكبر للنظام منذ عام 1979.

وقبيل حملة الاعتقالات، وجّه رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، انتقادات حادة لشخصيات داخلية أصدرت بيانات خلال الاحتجاجات وطالبت بإصلاحات وتشكيل لجان تقصي حقائق، محذّراً من أن عدم الوقوف إلى جانب «ولي الفقيه» يؤدي إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه «أولئك الذين لجأوا إلى صدام حسين أثناء الحرب، ويلجأون اليوم إلى الصهاينة المجرمين».

وقال إجئي: «هؤلاء الذين كانوا يوماً مع الثورة واليوم يصدرون بيانات، هم أناس مساكين وبائسون».

وحسب منظمة «هرانا» الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، فقد جرى توثيق مقتل 6971 شخصاً خلال الاحتجاجات، معظمهم من المتظاهرين، إضافة إلى أكثر من 51 ألف معتقل.

تهديد برلماني للإصلاحيين

وتزامنت حملة الاعتقالات مع تصاعد الجدل الذي أثارته تصريحات علي شكوري‌راد، الرئيس السابق لـ«جبهة الإصلاحات» والبرلماني الأسبق، التي اتهم فيها القوات الأمنية بـ«افتعال القتل من صفوف عناصرها» و«إحراق المساجد» خلال الاحتجاجات.

وأثار ذلك رد فعل غاضباً من النائب أمير حسين ثابتـي، عضو كتلة «الصمود» المتشددة في البرلمان، الذي طالب شكوري‌راد بتقديم أدلة تثبت أن القوات الأمنية هي من أحرقت المساجد، محذّراً من أن عدم تقديم مستندات «يفرض على السلطة القضائية محاكمته حتماً».

وفي رسالة رسمية، اتهم ثابتـي شكوري‌راد بطرح «ادعاءات غريبة وغير موثقة»، وكتب: «إذا كانت لديكم مستندات، فسلّموها لي لمتابعتها عبر البرلمان والجهات المعنية، وإعلان النتيجة النهائية للشعب».

وأضاف محذّراً: «عدم تقديم الأدلة يُعد ظلماً كبيراً بحق النظام والقوات الأمنية، لا يجبر حتى بالاعتذار العلني».

ماذا قال شكوري‌راد؟

وكان تسجيل صوتي مسرب من شكوري‌راد قد نُشر الأسبوع الماضي، ويقدّم فيه رواية مفصلة لأحداث 8 و9 يناير، قال فيها إن «افتعال القتل من عناصرهم هو مشروع لقمع الاضطرابات»، مضيفاً أن «حرق المساجد والأضرحة والمصاحف وقتل عناصر من الباسيج والأمن يُستخدم ذريعةً للقمع»، معرباً عن رفضه الرواية الرسمية التي تتهم الموساد وفرق عمليات خارجية بالوقوف خلف تلك الأحداث.

وفي تصريحات أخرى، انتقد شكوري‌راد وصف الرئيس مسعود بزشكيان للمحتجين بـ«المشاغبين»، معتبراً أن ذلك «أحرق دوره كقوة وسطية»، وقال إن القوة الوسطية «تمثّل رأسمالاً اجتماعياً أساسياً في الأزمات».

دخان يتصاعد مع تجمع متظاهرين مناهضين للحكومة في مشهد بإيران 10 يناير 2026 في هذه اللقطة المأخوذة من فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وفي السياق نفسه، أشار شكوري‌راد إلى المؤتمر الأخير لحزب «الاتحاد»، حيث طُرح خلال إحدى جلساته اقتراح يقضي بأن يقوم المرشد الإيراني علي خامنئي، في إطار معالجة الأوضاع الراهنة، بتفويض جزء من صلاحياته إلى الرئيس بزشكيان، في خطوة قال إنها نوقشت داخل الأطر الحزبية ولم تُطرح بصيغة علنية.

«مجلس انتقالي»

وكانت قناة «إيران إنترنشنال» قد أفادت، في تقرير نشرته في 20 يناير، بأن المجلس المركزي لـ«جبهة الإصلاحات» عقد اجتماعاً طارئاً وسرياً ناقش مسودة بيان تطالب بتنحي خامنئي وتشكيل «مجلس انتقالي»، غير أن الأجهزة الأمنية تدخلت وهددت قادة الجبهة، ما أدى إلى وقف نشر البيان والتراجع عن أي دعوة علنية.

وحسب التقرير، شملت المناقشات أيضاً اقتراحات بـ«استقالات جماعية» و«دعوات لتظاهرات واسعة»، إلا أن الضغوط الأمنية، التي تضمنت تحذيرات من اعتقالات واسعة، حالت دون المضي بهذه الخطوات.

وحسب مصادر قريبة من التيار الإصلاحي، نقلت عنها القناة، فإن رد الفعل الأمني يعكس حساسية السلطة تجاه أي مؤشرات على انقسام سياسي في المستويات العليا، وسعيها لمنع تشكّل أي إجماع أو تحرّك علني داخل المشهد السياسي الإيراني.