«مخاوي الذيب»... من أحاديث المجالس إلى فيلم «بين الرمال»

يُعرض في دور السينما السعودية هذا الأسبوع... والمخرج يكشف لـ«الشرق الأوسط» رحلة العمل

يستلهم الفيلم قصته من أسطورة «مخاوي الذيب» الشهيرة (الشرق الأوسط)
يستلهم الفيلم قصته من أسطورة «مخاوي الذيب» الشهيرة (الشرق الأوسط)
TT

«مخاوي الذيب»... من أحاديث المجالس إلى فيلم «بين الرمال»

يستلهم الفيلم قصته من أسطورة «مخاوي الذيب» الشهيرة (الشرق الأوسط)
يستلهم الفيلم قصته من أسطورة «مخاوي الذيب» الشهيرة (الشرق الأوسط)

بعد طول انتظار، يتطلع الجمهور السعودي إلى عرض الفيلم الروائي «بين الرمال» في صالات السينما، الخميس 15 فبراير (شباط)، والذي يعد أول فيلم سعودي يتم تصويره بالكامل في مدينة المستقبل «نيوم»، وهو من كتابة وإخراج محمد العطاوي، ويشارك فيه طاقم تمثيل سعودي بالكامل، وهو مبني على أسطورة سعودية متداولة في الموروث الشعبي، يقدمها الفيلم بطابع سينمائي.

المخرج محمد العطاوي مع فريق الفيلم (الشرق الأوسط)

«مخاوي الذيب»

المخرج والكاتب محمد العطاوي أوضح في حديث له مع «الشرق الأوسط»، أن الفيلم مبني على القصة الأسطورية الشهيرة «مخاوي الذيب»، إحدى القصص المعروفة والمتداولة بكثرة في المحيط القبلي في أكثر من منطقة في السعودية، وأضاف: «عندما قمت بالبحث حول أحداثها، تخيّلت صورة الذئب ورجلاً بدوياً في الصحراء، هنا فقط شعرت بأنها صورة سينمائية خالصة، فقررت أن أتعمق بها أكثر، وحين أنهيت عملية البحث وجدت أن هناك أكثر من رواية لنفس القصة، غير أني لم أجد كتباً أو أفلاماً وثائقية يُعتد بها كمرجع بحثي، فهي متداولة في المجالس بصورة أكبر».

ويشير العطاوي إلى أن كل فرد كان يسرد القصة بطريقته الخاصة، مما يجعل من الصعوبة تحديد المكان الذي حدثت فيه، لكن أثناء بحثه عرف أن الذئب العربي يعيش غالباً في شمال السعودية، وهنا خمّن أن القصة حدثت في الشمال؛ لذا قرر الانطلاق من هناك، فبدأ في تدوين رؤوس أقلام عن القصة وتفريغها بطابع سينمائي. ويردف: «بدأت في كتابة النص قبل سنوات، وأكملت أول نسخة منه في عام 2019، ثم تعمقت بالتفاصيل أكثر في 2020، ما نتج عنه فوز النص بجائزة مسابقة (ضوء) للأفلام».

ومنذ البداية، تمحورت الفكرة حول نقل قصة فولكلورية سعودية بشكل سينمائي، بحسب العطاوي، الذي أجاب عند سؤاله عما إذا كانت القصة حقيقية أم هي من وحي الخيال، بأنه يميل لكونها حدثت بالفعل، مستشهداً بسؤاله مجموعة من المتخصصين بسلوك الذئاب الذين أفادوه بأن ما حصل بين الذئب والشخصية الرئيسية في القصة هو أمر وارد الحدوث، علاوة على أن القصة متداولة في عدد من القصائد وتناولها الموروث الأدبي.

أول فيلم سعودي يتم تصويره بالكامل في نيوم (الشرق الأوسط)

صحراء بجدة

الفيلم يتخذ أهميته بسبب موقع تصويره، في صحراء منطقة بجدة الواقعة في نيوم (شمال السعودية)، وبسؤال المخرج عن ذلك يقول: «الصحراء بالنسبة لي ليست مجرد مكان، بل هي جزء رئيسي في القصة»، مبيناً أنه يرى أن صحراء بجدة تطابق في تضاريسها الكثير مما في القصة، وتابع: «حاولنا تكوين هوية بصرية خالصة للصحراء السعودية، مختلفة عن الصحاري القاحلة التي تظهر كثيراً في الأفلام الأميركية، فالصحراء بالنسبة لنا كسعوديين لها سحر خاص، وهو ما حاولنا إظهاره في الفيلم».

يُظهر الفيلم جمال تضاريس صحراء بجدة في نيوم شمال السعودية (الشرق الأوسط)

اللهجة الحائلية

وبسؤال العطاوي عن اللهجة المستخدمة في الفيلم، يقول هي اللهجة الحائلية الدارجة (شمال المملكة)، وهي ما يصفها بأحد تحديات العمل التي اشتغل عليها كثيراً، ويضيف: «تدربنا على إتقان اللهجة الحائلية لنحو 4 أشهر، وكان هناك مدقق لغوي يساعد الممثلين في ذلك»، لافتاً إلى أن طول المدة التي استغرقها إنهاء العمل يعود إلى رغبته في أن يخرج العمل بصورة تنقل السينما السعودية لمستوى جديد.

قصة الفيلم

تدور أحداث «بين الرمال» حول شخصية «سنام»، تاجر شاب يبلغ من العمر 23 عاماً، يلعب دوره الوجه الجديد رائد الشمري، يخرج في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى الصحراء، يتعرض خلالها للنهب من قبل قطّاع الطرق، فتتحوّل رحلته إلى صراع من أجل البقاء، يكوّن خلالها علاقة فريدة مع ذئب وسط الصحراء.

الذئب «نيلسون»

وبحسب المخرج، مر الفيلم بعدة مراحل، منها التصوير لأكثر من شهر في صحراء بجدة الباردة، والعمل مع ذئاب خلال التصوير. ويضيف: «أصبح الذئب الرئيسي (نيلسون) من مركز (هوركاي) من المجر، جزءاً لا يتجزأ من فريق العمل، وقد ودعناه بشكل جماعي بعد تصوير مشهده الأخير؛ إذ يعد فيلم (بين الرمال) آخر أفلام مسيرة (نيلسون) التمثيلية التي شملت أكثر من 13 فيلماً».

مشهد من فيلم «بين الرمال» الذي يُعرض في صالات السينما السعودية هذا الأسبوع (الشرق الأوسط)

ما بعد الإنتاج

أما فيما يتعلق بمرحلة ما بعد الإنتاج، التي تم تقسيمها بين لندن وفنلندا وإيطاليا، فيقول العطاوي: «ركزنا على الحفاظ على جوهر الفيلم الثقافي بمساعدة فريقنا العالمي، وتحوّل هذا التعاون إلى تبادل ثقافي مهم، نتج عنه تجربة أوركسترا أوروبية بآلات موسيقية سعودية، وأسفر هذا التعاون عن ولادة موسيقى وإيقاعات مبتكرة». مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا الفيلم حاز إعجاب النقاد؛ إذ سبق أن فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة، برئاسة المخرج الأميركي الحاصل على عدد من جوائز «الأوسكار» أوليفر ستون، كما تم اختياره في مسابقة «ضوء» لدعم الأفلام من وزارة الثقافة، ممثلة بهيئة الأفلام، مع التنويه بحصول الفيلم على دعم لوجستي كامل خلال مرحلة التصوير في صحراء بجدة في نيوم، باعتباره عملاً سينمائياً واعداً.


مقالات ذات صلة

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

يوميات الشرق واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

قال المخرج الجنوب أفريقي مايكل جيمس إن فيلمه «قضاء الرب» ولد من احتكاك مباشر بعالم المهمشين، لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع لهؤلاء الأشخاص.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق فيلم «برشامة» تصدّر الإيرادات في موسم العيد (الشركة المنتجة)

إيرادات السينما في مصر تعيد صياغة فكرة «نجم الشباك»

أعادت «إيرادات السينما» خلال موسم عيد الفطر المبارك بمصر صياغة فكرة «نجم الشباك»، بعد تصدّر أفلام «البطولة الجماعية» قائمة إيرادات «شباك التذاكر».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يعقوب الفرحان في أحد مشاهده في فيلم «القيد» (تلفاز 11)

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

تعرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية» الذي ينظمه مهرجان «مالمو السينمائي» برعاية «هيئة الأفلام السعودية».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم...

محمد رُضا (لندن)

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.