اللبناني جاد وهبي لـ«الشرق الأوسط»: يفتقد الإعلام مذيعين كوالدي والراحل رياض شرارة

مقتنياته الشخصية تؤلّف متحفاً صغيراً في منزله بالمختارة

جاد وهبي الذي ورث عن والده شغف الإذاعة (جاد وهبي)
جاد وهبي الذي ورث عن والده شغف الإذاعة (جاد وهبي)
TT

اللبناني جاد وهبي لـ«الشرق الأوسط»: يفتقد الإعلام مذيعين كوالدي والراحل رياض شرارة

جاد وهبي الذي ورث عن والده شغف الإذاعة (جاد وهبي)
جاد وهبي الذي ورث عن والده شغف الإذاعة (جاد وهبي)

عشيّة الاحتفال باليوم العالمي للإذاعة، تعود ذكرى المذيع الراحل حكمت وهبي إلى الواجهة. حائز لقب «نجم الإذاعة المغتربة»، وكان علامة فارقة في الإعلام المسموع. عمل بشكل المتواصل عبر الأثير خارج لبنان لنحو 17 عاماً، أمضى القسم الأكبر منها في إذاعة «مونت كارلو»، وبعدها انتقل إلى إذاعة «الشرق» ليعمل فيها لمدة سنة، قبل أن يصاب بسرطان الرأس.

حكمت وهبي في مقابلة مع فيروز (جاد وهبي)

اليوم... يكمل مشوار حكمت وهبي ابنه جاد الذي لم يشأ القدر أن يتعرف إليه، إذ كان يبلغ عمره أشهراً قليلة عندما رحل والده. يقول إنه ورث عشق الميكروفون عن والده بالجينات. درس الإعلام ومن ثم انخرط في العمل الإذاعي في دولة الإمارات العربية، في دبي. وعبر هواء إذاعة «راديو الرابعة» يمارس شغفه. التواصل بينه وبين والده يأتي بشكل لا شعوري من خلال محبي حكمت وهبي، أولاً. «إنه تواصل غير ملموس أتخيله في حياتي اليومية وأتنفس شغفه للمهنة في برنامجي الصباحي. فهو أيضاً اشتهر بتقديم هذه الفترة فكان (نجم الصباح الإذاعي). أما ردود فعل الناس المتشابهة عندما يسمعون صوتي فتجعله حاضراً دائماً وأبداً معي».

جاد الطفل مع والده الراحل حكمت وهبي (جاد وهبي)

وفي سبتمبر (أيلول) من عام 1992 رحل حكمت وهبي بصورة مفاجئة بعد أن تدهورت صحته. انتقل للعيش في بلدته المختارة في أيامه الأخيرة. وبقي فيها إلى أن عاجله الموت. أثاث منزله في فرنسا، حيث كان يقيم، إضافة إلى مقتنياته الشخصية تم شحنها برمتها إلى لبنان. منزله الزوجي في المختارة يعبق بعطر ذكرياته، وهو اليوم يؤلف متحفاً صغيراً خاصاً بحكمت وهبي. «كل شيء في بيتنا يذكّرنا به، لا سيما المكتبة الغنية التي كان يملكها. لا أعرف إذا ما قرأ جميع الكتب فيها، ولكنني قمت بذلك، وشكّلتْ أول خطوة لي للتعرف إلى الحياة».

وإضافة إلى مئات الكتب التي يملكها، كان حكمت وهبي يتمتع بهواية الرسم. ويعلق نجله الوحيد: «كان يهوى الرسم ويملك ريشة إبداعية رائعة. كما كان لديه حب كبير لجمع لوحات لرسامين مشهورين؛ منهم سلفادور دالي. غالبية هذه اللوحات يحضر فيها الخيل، إذ كان الحصان يعني له كثيراً، وكان معجباً بشكله».

بعض رسومات حكمت وهبي بريشته (جاد وهبي)

وحاول جاد التعرف إلى والده طيلة عمره باحثاً عن صفاته وخطوط شخصيته وعن أخباره. «لا زلت حتى اليوم أحب أن ألتقي أشخاصاً يعرفونه عن قرب، لا سيما من أفراد عائلتي. ومرات أتعرف إليه من خلال أشخاص لا أعرفهم، فيخبرونني بأنه يشكّل جزءاً لا يتجزأ من مراهقتهم وشبابهم. وأتفاجأ في كل مرة بهذا التأثير الكبير الذي كان يملكه في مستمعيه. حتى النجوم الذين أحاورهم بسبب طبيعة عملي يخبرونني عنه بحب».

ويقول جاد، إن رحيل والده المفاجئ شكّل مأساة لعائلته ولكنهم عرفوا كيف يحولونها إلى ذكرى طيبة. فأخبار حكمت وهبي بقيت تتردد على كل لسان وشفة، ولم تجف حتى اليوم. «هذه الفرص كنت أقتنصها في المدرسة وعندما أسير في الشارع أو أدق باب أحد الجيران. الجميع كان يعرف حكمت وهبي، ووهج شهرته العربية وليست المحلية فقط. فمحبة الناس له لعبت دوراً كبيراً في تعرفي إليه، من خلال أرشيف، وتسجيلات تلفزيونية وإذاعية يتداولونها».

ويستذكر جاد والده في ذكرى وفاته من كل عام، من خلال حفلات تكريمية ينظمها له. وفي الوقت نفسه يدأب دائماً على نشر مقتطفات ولقطات من حوارات مسجلة أو مصورة لوالده الراحل. «هناك أفلام وثائقية وتسجيلات وحوارات يتم نشرها في تاريخ رحيله في شهر سبتمبر. وعلى صفحتي (إنستغرام) يمكن لمحبي حكمت وهبي أن يتذكروه من خلال مقابلات أحفظها له».

ويفتخر جاد بالإرث الذي تركه له والده: «أنا ابنه الوحيد، واسمه بمثابة فخر واعتزاز لي، لم أحاول يوماً أن أستخدمه أو أن أتسلق على أكتافه، من أجل مصلحة شخصية. شاء القدر أن أكون مذيعاً مثله وأملك نبرة صوته نفسها بطبقة القرار المنخفضة. كما أخذت منه العفوية وسرعة البديهة. وعلى الرغم من أن الناس ذاكرتهم قصيرة، لا سيما بعد مرور 30 عاماً على رحيله، فإنني أتفاجأ بمدى حضوره دائماً وأبداً في أذهانهم».

يؤكد جاد أنه لن يتخلى عن مهنته يوماً (جاد وهبي)

والمعروف أن حكمت وهبي هو إعلامي وممثل لبناني. انتقل إلى العمل الإذاعي في عام 1976 في إذاعة «مونت كارلو» الدولية. قدم 300 حلقة من «ملاعب الصغار» على التلفزيون اللبناني. فدخل قلوب الأطفال بسرعة.

وشارك بالتمثيل في فيلم «حسناء وعمالقة» وغنّى «تمارا» في فيلم «آخر الصيف». وشارك في مسلسل «وبقي الحب» مع عبد المجيد مجذوب وآمال عفيش. لم يحترف الغناء، لكنه أدّى أكثر من أغنية.

وودّع مستمعيه في فبراير (شباط) 1992 عبر إذاعة «الشرق» في برنامجه «فنجان قهوة سكر زيادة»، على أمل العودة قريباً بعد فترة العلاج. ولكن الموت كان يتربص به فرحل في سبتمبر من العام نفسه.

غصة جاد كبيرة بغياب الأب عن حياته المعروف بلقب «أميغو حكمت وهبي». «هي خسارة كبيرة كوني لم أعرفه شخصياً. ليس فقط من باب الأبوة، ولكن أيضاً بصفته نجماً عربياً، ولم أواكب شهرته يوماً. أسأل دائماً بعض أصدقائه والمقربين منه عن تفاصيل في حياته وشخصيته. كيف كان يمشي ويتصرف ويضحك ويفكر؟ رغبت دائماً في معرفة الوجه الآخر له. وأعزّي نفسي أحياناً بأن المأساة كان وقعها أكبر علي، فيما لو عرفته ورحل. فالأمر كان سيشكّل صدمة عندي من دون شك».

ولا يفكر جاد بالتخلي يوماً عن عمله عبر الأثير: «أصلاً الأثير والشاشة اليوم يترافقان، مع أن العمل الإذاعي يملك سحراً وغموضاً. فيستمع الناس إلى الصوت فقط ويتخيلون صاحبه. ولكنني متمسك بعملي، وسأبقى مع شغفي ما دمت أتنفس. فمن الصعب جداً أن أتخلى عنه».

ويتوجه جاد بكلمة أخيرة إلى والده الراحل: «أشكره دائماً على الإرث المشرف الذي خصّني به إنْ بشخصيتي أو بحبي للميكروفون، وعلى إرث من نوع آخر يتجلى بمحبة الناس له. وكذلك بالدور المهم الذي لعبه على الساحة الإعلامية كلها. فكان الأشهر في الإعلام المسموع، إضافة إلى الراحل رياض شرارة عبر الشاشة».

وأكمل: «نفتقد اليوم أشخاصاً مثلهما، إذ طوّرا العمل الإذاعي والتلفزيوني، فكسرا الحواجز التقليدية بينهما وبين متابعيهما. فوالدي أدخل العامية إلى حواراته الإذاعية، في حين هذا الأمر كان غائباً عن الميكروفون. طوّر عمله ولكنه تمسّك بهويته ومبادئه بوصفه إعلاماً مسموعاً من الطراز الرفيع. قد تكون هناك مواهب تشبههما، ولكن لم تقدم لها الفرصة اللازمة. في جميع الحالات، مَن يشبه حكمت ورياض أصبحوا نادرين».


مقالات ذات صلة

مخاطر مُحتملة لعلاج ضوئي ينتشر بين الأطفال

صحتك دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)

مخاطر مُحتملة لعلاج ضوئي ينتشر بين الأطفال

حذَّرت دراسة سريرية أميركية من المخاطر المحتملة للعلاج المتكرّر بالضوء الأحمر منخفض المستوى لعلاج قصر النظر لدى الأطفال.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)

80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

محاولة تخيُّل عدد الفوانيس التي تُعلَّق في الصين في أيّ وقت، تُشبه إلى حد بعيد محاولة إحصاء عدد الأشجار في غابات الأمازون.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

تبدأ عروض مسرحية «كذبة بيضا» في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)

بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

تُطرح المجموعة في مزاد علني بعد مسيرة اقتناء وترميم امتدت 35 عاماً، قبل أن يقرر مالكوها تسليم هذه القطع التاريخية إلى أيدٍ جديدة تقدّر قيمتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

سوسن الأبطح (بيروت)

عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
TT

عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)

يشكو كثير من الناس من الشعور الدائم بأن الوقت لا يكفي، وأن يومهم يمضي في سباق متواصل لإنجاز المهام المتراكمة. ورغم محاولات تحسين الإنتاجية عبر تنظيم الجداول أو تقليل المشتتات، قد يكون الحل أبسط مما نتخيل: موعد نوم ثابت. فحسب الكاتبة وخبيرة إدارة الوقت لورا فاندركام، فإن غياب انتظام النوم لا يحرمك من الراحة فحسب، بل قد يكون سبباً رئيسياً في الشعور بالتسرع وضيق الوقت خلال النهار.

توضح فاندركام أن معظم الناس يستيقظون في وقت ثابت نسبياً بسبب التزامات العمل أو الدراسة، لكن قلة منهم يلتزمون بموعد نوم محدد. ونتيجة لذلك، قد يتمكن الشخص من الحفاظ على مستوى عام من الإنتاجية، لكنه يواجه صعوبة في التركيز المستمر طوال اليوم. ومع تراجع التركيز، تبدأ المهام في التراكم، ما يدفع إلى إنجازها على عجل. وعندما يسود التسرع، تزداد الأخطاء، فيضطر الشخص إلى إعادة العمل أو محاولة تدارك ما فاته، ليُهدر بذلك الوقت الذي كان يسعى إلى توفيره.

وتشير فاندركام، مؤلفة ثمانية كتب في إدارة الوقت، إلى أن المشكلة لا تكمن في قلة ساعات النوم على مدار الأسبوع، بل في عدم انتظامها. فقد يسهر الشخص لوقت متأخر في إحدى الليالي ويستيقظ مبكراً جداً، ثم يعوّض ذلك في الليلة التالية بالنوم في وقت عشوائي، بينما تكون عطلات نهاية الأسبوع غير منتظمة تماماً. هذا التذبذب المستمر، في رأيها، ينعكس سلباً على الأداء الذهني والتنظيم اليومي.

في ربيع عام 2021، أجرت فاندركام استطلاعاً شمل أكثر من 150 مشاركاً، أمضوا تسعة أسابيع في تطبيق تسع قواعد محددة مسبقاً لتعزيز الإنتاجية، من بينها الالتزام بموعد نوم ثابت. وتقول إن أحد المشاركين وصف تحديد موعد النوم بأنه «القاعدة الأقل جاذبية، لكنها الأكثر تأثيراً على الإطلاق»، في إشارة إلى الدور الكبير الذي يلعبه انتظام النوم في تحسين الأداء اليومي.

وتدعم نتائج علمية حديثة هذا الطرح؛ إذ توصلت دراسة نُشرت في يوليو (تموز) 2025 في مجلة «نيتشر» الطبية إلى نتيجة مماثلة. فقد تابع الباحثون أكثر من 79 ألف بالغ عامل في اليابان، ووجدوا أن عدم انتظام مواعيد النوم يرتبط بانخفاض الإنتاجية وزيادة الشعور بالانفصال عن العمل.

وترى فاندركام أن موعد النوم «يُحدد مسار اليوم بأكمله»؛ لأنه يساعد الفرد على معرفة عدد ساعات العمل المتاحة أمامه، ما يُسهّل تنظيم المهام بصورة واقعية. وتوضح أن الناس يدركون أن لليوم بداية واضحة، لكنهم غالباً ما يتعاملون مع نهايته على أنها مفتوحة وغير محددة. والحقيقة، كما تقول، أن اليوم له نهاية فعلية، وكل ما نخطط لإنجازه يجب أن يتناسب مع هذا الإطار الزمني، في عملية تشبه ترتيب قطع أحجية بحيث تتلاءم مع المساحة المتاحة.

وتشير فاندركام إلى أنها حددت لنفسها موعداً ثابتاً للنوم عند الساعة الحادية عشرة مساءً منذ سنوات، مؤكدة أن هذا الروتين يمكّنها من اتخاذ قرارات أكثر عقلانية بشأن كيفية استثمار وقتها خلال النهار.

من جانب آخر، توضح راشيل سالاس، اختصاصية طب الأعصاب وأستاذة في جامعة جونز هوبكنز، أن اضطراب النوم قد يؤثر سلباً في إيقاع الساعة البيولوجية، أي النمط الطبيعي للنوم والاستيقاظ في الجسم. وتنصح سالاس بمراقبة الوقت الذي يستيقظ فيه الجسم تلقائياً من دون منبه لبضعة أيام، ثم إجراء تعديلات تدريجية بمقدار 30 دقيقة عند الحاجة للوصول إلى جدول أكثر اتساقاً.

وتشدد سالاس على أن النوم حاجة إنسانية أساسية، وأن تأثيره يمتد إلى مختلف جوانب الصحة، من الإدراك والذاكرة إلى الهضم. وتؤكد أنه من الصعب التفكير في جانب من جوانب الصحة لا يتأثر بجودة النوم وكفايته.

وحسب «مايو كلينك»، يحتاج معظم البالغين إلى نحو سبع ساعات من النوم ليلاً، مع الإقرار بأن احتياجات النوم تختلف من شخص لآخر. وتنصح فاندركام بأنه بعد تحديد عدد الساعات التي تجعلك تشعر باليقظة والنشاط الذهني يومياً، يمكنك استخدام هذا الرقم لتحديد موعد نومك المثالي.

وتختم بقاعدة بسيطة: انظر إلى وقت استيقاظك اليومي، ثم اطرح منه عدد الساعات التي تحتاجها للنوم، لتحصل على موعد نوم واضح وثابت. فتنظيم نهاية اليوم، في نظرها، هو الخطوة الأولى لاستعادة السيطرة على بدايته.

الرأي


مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
TT

مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)

في الوقت الذي كانت مصر تتوقع فيه تحقيق انتعاشة سياحية لافتة في عام 2026 على غرار ما حققته في العام الماضي؛ فإن «حرب إيران» فجَّرت مخاوف من حدوث تأثيرات سلبية في هذا القطاع الحيوي، خصوصاً بعد تحذير أميركا لرعاياها من عدم السفر إلى 14 دولة بمنطقة الشرق الأوسط.

وأعرب خبراء سياحة ومرشدون سياحيون عن مخاوفهم من تأثيرات إلغاء بعض الحجوزات السياحية، خصوصاً من دول غرب ووسط آسيا التي تمر رحلاتها عادة بمنطقة الخليج العربي.

ووفق ثروت عجمي، رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر (جنوب مصر) فإن «الصراع الحالي لا بد أن يكون له تأثير في مصر، وإن كان لم يظهر حتى الآن بشكل واضح، لكن هناك مؤشرات تؤدي لمخاوف من هذه التأثيرات من بينها وضع الولايات المتحدة مصر ضمن 14 دولة حذرت من زيارتها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا الآن مجموعات من السائحين الأميركيين من المتوقع أن يكملوا برنامجهم السياحي، ويسافروا لكن بعد التحذير الأميركي أعتقد أن فرص مجيء أفواج أخرى في المدة القليلة المقبلة ستكون ضعيفة».

ونشرت السفارة الأميركية بالقاهرة بياناً على صفحتها بـ«فيسبوك» ذكرت فيه أنه «يجب على الأفراد الذين يخططون للسفر أن يكونوا على استعداد للتغييرات في خططهم؛ حيث قد تحدث إغلاقات في الأماكن الجوية في البلدان المجاورة»، وأكد البيان أنه «نظراً للتوترات العالية في المنطقة، تظل بيئة الأمن معقدة، ويمكن أن تتغير بسرعة».

حركة الطيران بالشرق الأوسط تأثرت بأحداث حرب إيران (وزارة الطيران المدني)

وأشار الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، إلى «تزايد المخاوف في القطاع السياحي المصرى من أن تلقي تداعيات الحرب في إيران بظلالها على مؤشرات الانتعاشة السياحية التي بدأت تتشكل مؤخراً».

وقال الطرانيسي لـ«الشرق الأوسط» إن «إلغاء عدد من السائحين القادمين من شرق آسيا حجوزاتهم بسبب اضطراب حركة الطيران يعكس حساسية القطاع لأي توترات إقليمية حتى إن كانت خارج الحدود المباشرة. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه شركات السياحة تعول على تنوع الأسواق لتعويض سنوات التراجع».

ووجَّه وزير السياحة المصري، شريف فتحي، رسالة طمأنة حول أوضاع السياحة المصرية مع بدء اندلاع الصراع، وقال في كلمة أمام لجنة السياحة والطيران بمجلس النواب (البرلمان المصري)، قبل يومين، إن «مصر دولة آمنة ومستقرة، وإن التطورات الإقليمية والأحداث الجيوسياسية الحالية التي تشهدها المنطقة لم تؤثر في الحركة السياحية الوافدة إليها».

ولفت رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر إلى أن السوق السياحية الأوروبية تعد مصر بعيدة عن مناطق الاضطرابات، ورغم ذلك فإن التحذير الذي أطلقته أميركا لرعاياها سيؤثر في بقية الأسواق خصوصاً الصينية منها».

وخلال اللجنة البرلمانية التي ناقشت استراتيجية وزارة السياحة للترويج للأنماط المختلفة، وتعظيم فرص الاستثمار السياحي، أكدت النائبة سحر طلعت مصطفى، رئيس لجنة السياحة والطيران المدني بمجلس النواب، أنه في ضوء المستجدات الإقليمية الراهنة بالمنطقة، تبرز أهمية تعزيز جاهزية قطاع السياحة للتعامل بكفاءة مع أي تطورات محتملة، بما يضمن الحفاظ على استقرار الحركة السياحية الوافدة لمصر.

وتعوّل مصر على قطاع السياحة كواحد من أهم مصادر الدخل القومي، حيث حققت في العام الماضي دخلاً يصل إلى 24 مليار دولار، وفق مركز معلومات مجلس الوزراء، وحصلت على جائزة أفضل وجهة تراثية من منتدى السياحة العالمي، وتطمح مصر في جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
TT

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء، وينتمي الفيلم، الذي حصد تنويهاً من لجنة تحكيم مسابقة «أجيال» بمهرجان «برلين السينمائي» في نسخته الماضية، للأعمال ذات الإنتاج المشترك مع تقديمه بشراكة هندية سنغافورية.

تدور أحداث الفيلم خلال صيف مفصلي في حياة طفل في الحادية عشرة يُدعى «ميفان»، يجد نفسه مُقتلعاً من إيقاع المدينة السريع إلى قرية أجداده البعيدة، حيث الزمن أبطأ، والعلاقات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى، لنشاهد في افتتاحية الفيلم، صدمة الانتقال لطفل اعتاد على الراحة والسرعة والاتصال الدائم، يُلقى به في فضاء لا يعترف بالعجلة ولا بالمكافآت الفورية.

حصد الفيلم تنويهاً من لجنة التحكيم في «برلين السينمائي» (إدارة المهرجان)

القرية ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي عالم مغاير بقوانينه الخاصة، حيث كل شيء يتطلب انتظاراً، وكل علاقة تحتاج إلى وقت كي تتشكل، من هنا، يبدأ الصراع الصامت بين «ميفان» والمحيط الجديد، ويتجسد في علاقته المتحفظة بعمته الشابة «باهي»، وهي علاقة مثقلة بمشاعر غير منطوقة وماضٍ لم يُحسم بعد.

تنسج المعالجة الدرامية خيوطها عبر تفاصيل الحياة اليومية، والذهاب إلى المدرسة، والاحتكاك بأطفال القرية، ومراقبة الحيوانات والطبيعة، والانخراط تدريجياً في روتين يبدو بسيطاً لكنه يحمل دروساً عميقة، فلا يعتمد الفيلم على أحداث كبرى أو تحولات درامية صاخبة، بل يراهن على التراكم البطيء للحظات الصغيرة التي تُعيد تشكيل وعي الطفل بذاته وبالآخرين.

العلاقة بين ميفان وعمته تشكل العمود الفقري العاطفي للفيلم، فالتوتر بينهما لا يُحل عبر مواجهات مباشرة، ولكن من خلال صمت طويل يسمح للمشاعر الدفينة أن تطفو تدريجياً إلى السطح، حضور «ميفان» الهادئ داخل المنزل يُعيد فتح جراح قديمة، ويكشف هشاشة الكبار بقدر ما يكشف ارتباك الصغار.

صناع الفيلم خلال حضورهم في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

تطرح المعالجة أيضاً ثنائية لافتة بين العالم الرقمي وإيقاع القرية البطيء، فالطفل «ميفان»، ابن المدينة، يحمل داخله ضجيج التكنولوجيا وتوقعات الإنجاز السريع، بينما تفرض عليه القرية زمناً مختلفاً، بلا شاشات تُكافئه فوراً ولا مقارنات تُحفزه على السباق، هذا الاحتكاك بين السرعة والسكون لا يُدان فيه أي طرف، بل يُقدَّم بوصفه سؤالاً مفتوحاً حول ما نكسبه وما نخسره حين يتغير إيقاع حياتنا.

تقول مخرجة الفيلم ريما داس لـ«الشرق الأوسط» إن «ليس بطلاً» يمثل بالنسبة لها امتداداً لمسار فني تنشغل فيه دائماً بالطفولة بوصفها مساحة صدق خالص، مشيرة إلى أن فكرة الفيلم انطلقت من تساؤل بسيط لكنه عميق، وهو ماذا لو لم تكن البطولة مرتبطة بالإنجازات الكبرى أو التحولات الصاخبة؟ وماذا لو كانت البطولة في القدرة على البقاء، والتحمل؟

وأوضحت أن شخصية «ميفان» لم تُكتب على أنها بطل تقليدي، بل هي شخصية طفل يعيش ارتباكه بالكامل، من دون أن يملك أدوات تحليل مشاعره، بل يختبرها كما هي، بعفوية وتناقض، لافتة إلى أن اسم الفيلم «ليس بطلاً» يحمل موقفاً فكرياً واضحاً مرتبطاً بـ«مقاومة لفكرة الانتصار الدائم».

مخرجة الفيلم خلال حديثها في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأشارت إلى أنها لم تكن مهتمة بتقديم قصة نضج تقوم على التغلب أو الفوز، بل على التعلم البطيء، وعلى تقبل الفشل والانتظار والارتباك باعتباره جزءاً طبيعياً من النمو، لافتة إلى أن أكثر أشكال الشجاعة التي تلمسها في الحياة اليومية هي تلك الهادئة، التي لا تُعلن نفسها، بل تظهر في تفاصيل صغيرة متمثلة في الإصغاء، والصبر.

وعن اختيارها السرد من منظور طفل في الحادية عشرة، أوضحت أن الأطفال يرون العالم بلا فلاتر جاهزة، كما أنهم قادرون على احتضان التناقضات من دون الحاجة إلى تبريرها، مشيرة إلى أن «ميفان» لا يحلل مشاعره، بل يعيشها، وهو ما منح الفيلم مساحة لمراقبة علاقات معقدة من دون إصدار أحكام، عبر هذا المنظور الطفولي الذي سمح بأن يظهر الانتماء بوصفه تجربة تُكتسب تدريجياً، وليس مفهوماً يُشرح أو يتم فرضه.

قدم الفيلم جانباً إنسانياً (مهرجان برلين)

وتطرقت إلى حضور التكنولوجيا في الفيلم، مؤكدة أنها لم تكن تسعى إلى إدانتها، بل إلى مراقبة ما يحدث حين يلتقي إيقاع السرعة الرقمية بسكون القرية، مشيرة إلى أن الأطفال اليوم يتعرضون لضغط الضوضاء، والآراء المتدفقة، والمقارنات المستمرة، والمكافآت الفورية، حتى لو لم يدركوا أثر ذلك بشكل واعٍ.

وأوضحت أن الفيلم يحاول عكس هذه الحالة، وطرح سؤال حول ما نفقده وما نكسبه حين يتغير إيقاع الزمن من حولنا، لافتة إلى أن تجربتها في العمل مع الأطفال تغيّرت عبر السنوات، فبعدما كان الأطفال ينصتون إليها باعتبارها المخرجة التي تقود المشهد في تجاربها السابقة، أصبحت اليوم تشعر بأنها مطالبة بالإنصات إليهم أكثر، لأن عالمهم تغيّر، وأصواتهم باتت تحمل وعياً مختلفاً.