الصومال: ما تأثير مغادرة «أتميس» على أمن «القرن الأفريقي»؟

قوات «حفظ السلام» أنهت المرحلة الثانية من انسحابها

كتيبة أوغندية ضمن قوات حفظ السلام في الصومال (وكالة أنباء الصومال)
كتيبة أوغندية ضمن قوات حفظ السلام في الصومال (وكالة أنباء الصومال)
TT

الصومال: ما تأثير مغادرة «أتميس» على أمن «القرن الأفريقي»؟

كتيبة أوغندية ضمن قوات حفظ السلام في الصومال (وكالة أنباء الصومال)
كتيبة أوغندية ضمن قوات حفظ السلام في الصومال (وكالة أنباء الصومال)

جدّد انسحاب جزئي لقوة حفظ السلام، التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال «أتميس»، مخاوف من تراجع القدرة على مواجهة الجماعات الإرهابية النشطة في المنطقة، ما قد ينعكس سلباً على أمن منطقة القرن الأفريقي التي تعاني اضطرابات أمنية وتوتراً سياسياً.

وأعلنت القوة الأفريقية، أمس (الجمعة)، استكمال المرحلة الثانية من انسحابها الذي يشمل 3000 جندي بعد تأخير دام 4 أشهر، بناء على طلب من حكومة الصومال، التي تواجه قواتها مؤخراً صعوبات في التصدي لعناصر تنظيم «الشباب»، التابع لتنظيم «القاعدة».

وكان من المخطط أن تنسحب القوات الأفريقية من الصومال في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلا أن حكومة مقديشو طلبت «تعليقاً تقنياً» مدته 3 أشهر لعملية سحب الجنود. وسلّمت «أتميس» 7 قواعد عمليات أمامية للحكومة المدعومة دولياً، وأغلقت قاعدتين أخريين.

وبموجب جدول زمني لـ«الأمم المتحدة»، ستنسحب «أتميس» بشكل كامل من الصومال بحلول نهاية العام الحالي، وتسلم المسؤولية لقوات الأمن الصومالية. وبلغ عدد الجنود الذين تم سحبهم في المرحلتين الأولى والثانية 5000 عنصر، فيما لا يزال 14600 عنصر من بوروندي وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا وأوغندا منتشرين في الصومال.

وقال قائد قوات بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، الجنرال سام أوكيدينغ: «سنبدأ قريباً الاستعدادات للمرحلة التالية، وهي المرحلة الثالثة لخفض أعدادنا بمقدار 4000 جندي في يونيو (حزيران)»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

وتثير عمليات الانسحاب التدريجي لقوات «أتميس» مخاوف دول الجوار بشأن التبعات المحتملة لهذه الخطوة على الأمن الإقليمي، وذلك في ظل تصعيد حركة «الشباب» الإرهابية هجماتها في الآونة الأخيرة داخل الأراضي الصومالية وخارجها.

وتواجه دول الجوار الصومالي كثيراً من التحديات الأمنية، وخاصة كينيا، التي كثّفت حركة «الشباب» اعتداءاتها في المناطق الشمالية الشرقية والساحلية منها على مدار الأشهر القليلة الماضية، وتزامنت هذه الهجمات مع تواصل عملية السحب التدريجي لعناصر «أتميس».

من جانبها، ترى نسرين الصباحي، الباحثة بوحدة الدراسات الأفريقية في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أنه من شأن انسحاب قوات «أتميس» بشكل كامل بنهاية عام 2024 أن يُخلف وراءه عدة «ارتدادات خطرة» على جهود مكافحة الإرهاب في منطقة القرن الأفريقي، وزيادة نشاط حركة «الشباب»، في ظل موقفها الأخير الرافض للاتفاق المبدئي بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، واستغلالها حالة العداء لإثيوبيا بين الصوماليين من أجل تعزيز حالات الاستقطاب والتجنيد، وتحديداً في جنوب الصومال.

وقالت الصباحي لـ«الشرق الأوسط» إن هناك تخوفاً من حدوث «حالة من الفراغ الأمني في البلاد، خاصة في حالة عدم قدرة الجيش الصومالي على ملء هذا الفراغ، وبالتالي تمدد حركة (الشباب) لمساحات جديدة في البلاد، التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كثيرة». لكن على جانب آخر، أشارت الباحثة المتخصصة في الشؤون الأفريقية إلى أن قرار الانسحاب قد يسمح بإعطاء فرصة للدولة الصومالية لتعزيز جهودها المحلية في مسار مكافحة الإرهاب، في ظل الإنجازات التي تحققت خلال عام 2023، وفقاً لخطة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود. بالإضافة إلى استثمار قرار مجلس الأمن الدولي بشأن رفع حظر التسلح عن الصومال لتعزيز المواجهة مع حركة «الشباب»، من خلال تقوية قدرات القوات الأمنية في البلاد، وتكثيف الدعم الإقليمي للصومال، من أجل احتواء تهديدات التنظيمات الإرهابية.

يذكر أنه في أبريل (نيسان) 2022، وافق مجلس الأمن على أن تحل «أتميس» محل بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال «أميصوم»، التي شُكّلت عام 2007، ومُنحت «أتميس» تفويضاً معززاً لمحاربة حركة «الشباب».

وطُردت حركة «الشباب» من البلدات والمدن الرئيسية في الصومال، خلال الفترة بين 2011 و2012، لكنها لا تزال تنتشر في مساحات واسعة من المناطق الريفية. وتواصل الحركة شنّ هجمات ضد أهداف أمنية ومدنية، بما فيها العاصمة، رغم هجوم مضاد للقوات الحكومية، وضربات جوية أميركية وعمليات على الأرض لقوة الاتحاد الأفريقي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تبنّى مجلس الأمن الدولي بالإجماع قراراً أعدّته بريطانيا، ينص على رفع الحظر عن توريد الأسلحة إلى الصومال، الذي تم فرضه في عام 1992.

بدوره، أشار الأمين العام للمجلس المصري للشؤون الخارجية، ومساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية، السفير علي الحفني، إلى صعوبة ما يواجهه الصومال حالياً من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، مشيراً إلى حاجة البلد، الذي يمثل أهمية استراتيجية في منطقة القرن الأفريقي، إلى دعم مكثف من المنظمات الإقليمية والدولية، وخاصة ما يتعلق بمكافحة الإرهاب.

وأوضح الحفني لـ«الشرق الأوسط» أن انسحاب قوات «أتميس» يمكن أن يتسبب في فراغ أمني، إذا لم تسارع دول الجوار الصومالي، والدول التي لديها مصالح في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، إلى دعم ومساندة الحكومة الصومالية، التي يرى أنها حققت خطوات ملموسة في مسار استعادة الأمن والاستقرار بالبلاد، عقب عقود من الاضطرابات.

ولفت الدبلوماسي المصري السابق إلى أن التهديدات التي يعانيها الصومال، مثل الإرهاب والقرصنة والانقسامات الداخلية، «لا تزال موجودة وتتصاعد»، فضلاً عن تداعيات الاتفاق الإثيوبي مع إقليم «أرض الصومال». الأمر الذي يعتقد أنه «يضاعف من أزمات الصومال ولا يوفر الدعم المطلوب».


مقالات ذات صلة

مسؤول إريتري لـ«الشرق الأوسط»: لا نستبعد حرباً مع إثيوبيا

شمال افريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

مسؤول إريتري لـ«الشرق الأوسط»: لا نستبعد حرباً مع إثيوبيا

قال المستشار الإعلامي لسفارة إريتريا في القاهرة حبيب محمد عثمان لـ«الشرق الأوسط»، الاثنين، إن بلاده لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا.

محمد الريس (القاهرة )
أفريقيا أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات على طول أحد الشوارع مع تصاعد التوترات بعد أن شنّت القوات هجوماً كبيراً ضد الحكومة الفيدرالية في مواقع متعددة في ميكيلي بمنطقة تيغراي - 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

قوات موالية لحكومة إثيوبيا تعلن السيطرة على بلدة استراتيجية في تيغراي

قالت جماعة مسلحة موالية للحكومة الإثيوبية إن الجيش الإثيوبي ومسلحين متحالفين معه تمكنوا من السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية إلى الجنوب من عاصمة تيغراي.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)
العالم أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

تتواصل المعارك بين الحكومة وجبهة تيغراي لليوم الخامس بحسب وسائل إعلام إثيوبي، وسط توالي الدعوات الإقليمية والدولية لوقف الاضطرابات والعودة لمسار الحوار.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رسائل مصرية جديدة بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

محمد محمود (القاهرة )

مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
TT

مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)

قال مصدران أمنيان إن أكثر من 50 فرداً من قوات الأمن في النيجر لقوا حتفهم في هجومين وقعا في غرب الدولة الواقعة بمنطقة الساحل، حيث ينشط متشددون، من بينهم أعضاء في الفرع الإقليمي لتنظيم «داعش»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأفاد المصدران بأن قافلة تابعة للدرك تعرضت لكمين بالقرب من بلدة أبالا-فيلينجي يوم الأربعاء الماضي. وأضافا أن هجوماً منفصلاً وقع في بيرني-نكوني أودى بحياة أكثر من 30 جندياً يوم السبت. وأشارا إلى أن الهجومين نفّذهما إرهابيون، دون الخوض في التفاصيل.

وقالت مجموعة «سايت إنتليجنس غروب»، اليوم (الاثنين)، إن الفرع التابع لتنظيم «داعش» في غرب أفريقيا، والمعروف باسم «تنظيم داعش - ولاية الساحل»، أصدر أمس (الأحد) بيانين أعلن فيهما مسؤوليته عن الهجومين.

وهاجم التنظيم المطار المدني وقاعدة جوية عسكرية في العاصمة نيامي في يناير (كانون الثاني)، ما يسلط الضوء على عدم إحراز الحكومة تقدماً يُذكر في مواجهة الجماعات المتمردة. ويقود الجيش الحكومة التي استولت على السلطة في انقلاب 2023.

وهاجم جنود متمردون في النيجر المطار ومقر الرئاسة في الشهر الماضي، ما أدى إلى اندلاع مواجهة مع القوات الموالية للحكومة التي كانت مدعومة بقوات من «فيلق أفريقيا»، وهي قوة شبه عسكرية يسيطر عليها الكرملين.

ويقول محللون ومصادر أمنية إن الإحباط يتزايد داخل وحدات الجيش في الخطوط الأمامية بعد الخسائر المتكررة أمام المتمردين، لا سيما في غرب النيجر.


الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلنت قوات موالية للحكومة الإثيوبية، يوم الاثنين، السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في إقليم تيغراي، شمال البلاد، في تطور ميداني قد يغيّر موازين القوى مع تجدّد المواجهات بين الجيش الاتحادي و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». ويتزامن التقدم العسكري مع اتساع رقعة القتال إلى إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي ومخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى حرباً أهلية دامية قبل أقل من أربع سنوات.

ألاماتا في قبضة القوات الموالية للحكومة

قالت «قوة سلام تيغراي»، وهي جماعة مسلحة موالية للحكومة الإثيوبية، يوم الاثنين، إن الجيش الاتحادي والقوات المتحالفة معه تمكنوا من السيطرة على بلدة ألاماتا، الواقعة جنوب عاصمة الإقليم ميكيلي بنحو 120 كيلومتراً، بعد هجوم شنّته قوات المعارضة الأسبوع الماضي.

ونشرت الجماعة مقطعاً مصوراً عبر صفحتها على «فيسبوك» يُظهر جنوداً يسيرون في شوارع البلدة ويلوّحون بالأعلام الإثيوبية. وأكد مصدران دبلوماسيان السيطرة على البلدة، في حين قال مصدر ثالث إن القوات الموالية للحكومة دخلتها، دون أن يتضح ما إذا كانت قد أحكمت سيطرتها عليها بالكامل، وفق ما ذكرت وكالة «رويترز».

وتكتسب ألاماتا أهمية استراتيجية باعتبارها مركزاً رئيسياً لإمداد القوات بالغذاء والوقود، فضلاً عن موقعها بالقرب من الحدود الجنوبية لتيغراي مع إقليم أمهرة. ومن شأن السيطرة عليها أن تتيح للقوات الاتحادية تعزيز تقدمها شمالاً باتجاه ميكيلي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى احتواء الهجوم الذي تشنه قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي».

هجوم المعارضة يمتد إلى عفر وأمهرة

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (أرشيفية - رويترز)

وكانت قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» قد أطلقت هجوماً واسعاً يوم الأربعاء الماضي، تمكنت خلاله من السيطرة على مطار ميكيلي ومطارَين آخرَين، قبل أن تتقدم باتجاه إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، معلنة أن عملياتها تأتي في إطار ما وصفته بـ«حرب دفاعية» ضد الحكومة الاتحادية برئاسة آبي أحمد.

وأفاد مصدر بأن مقاتلي «الجبهة» سيطروا يوم الأحد على بلدة إريبتي في إقليم عفر، بالقرب من حدود تيغراي، وأنهم يتقدمون باتجاه بلدة أفديرا، الواقعة على مسافة نحو 100 كيلومتر إلى الشرق. وقدّر المصدر عدد النازحين في عفر بنحو 150 ألف شخص، مشيراً إلى صعوبة تحديد حصيلة دقيقة في ظل استمرار المعارك.

وتكتسب جبهة عفر أهمية حيوية لإثيوبيا، إذ يهدف التقدم العسكري فيها، وفق تقديرات ميدانية، إلى تهديد خطوط الإمداد القادمة من جيبوتي، التي تمر عبرها غالبية الواردات الإثيوبية، بما في ذلك الوقود والسلع الأساسية.

وكانت سبع جماعات معارضة للحكومة الاتحادية، من بينها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، قد أعلنت تشكيل تحالف جديد يهدف إلى الإطاحة بحكومة آبي أحمد. وتوعّد التحالف بشن «هجمات مضادة واسعة النطاق»، رداً على العمليات العسكرية للقوات الاتحادية.

وكانت الجبهة قد أعلنت تشكيل التحالف قبل ثلاثة أيام من بدء هجومها الأخير، في خطوة تعكس اتساع نطاق التنسيق بين الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة في مناطق مختلفة من البلاد.

استهداف التلفزيون العام

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مسيّرة في ميكيلي 27 سبتمبر (أ.ف.ب)

وفي موازاة التطورات العسكرية، تعرّض مبنى تلفزيون تيغراي، المنبر الإعلامي الرئيسي لسلطات الإقليم، لضربة بطائرة مسيّرة صباح الأحد في العاصمة ميكيلي، ما ألحق أضراراً بواجهته، وأدى إلى تعليق البث المباشر للقناة، التي يعمل فيها أكثر من 400 صحافي، وفق ما أفاد به مراسلون في المحطة «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال أحد المراسلين إن العاملين سمعوا انفجاراً قوياً ناجماً عن غارة بطائرة مسيّرة في موقع آخر، فغادروا المبنى، قبل أن يتعرض التلفزيون للقصف بعد مغادرتهم. ولم يصدر تعليق رسمي يحدد الجهة المسؤولة عن الهجوم.

ويأتي استهداف المحطة بعد إعلان السلطات الاتحادية الإثيوبية، يوم الاثنين الماضي، تعليق عمل «تيغراي تي في» ومنع وسائل الإعلام من نقل أخبارها، في وقت تتصاعد فيه المواجهات بين الجانبين.

كما شهدت مناطق في شمال إثيوبيا، منذ الجمعة، انقطاعاً في خدمات الهاتف والإنترنت، ما صعّب الحصول على معلومات مستقلة بشأن التطورات الميدانية وحجم الخسائر. وأشارت منظمة «نت بلوكس»، المعنية برصد انقطاعات الإنترنت، إلى حدوث اضطراب واسع في الاتصال بالشبكة في شمال البلاد، بالتزامن مع تقارير عن انقطاع الاتصالات في تيغراي.

وأثار ذلك مخاوف السكان من تكرار ظروف الحرب السابقة، حين فرضت الحكومة الاتحادية حصاراً على الإقليم، وانقطعت الكهرباء والخدمات المصرفية، وتراجعت قدرة المساعدات الإنسانية على الوصول إلى السكان.

اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي

مقاتلون من «جبهة تحرير تيغراي» التي خاضت حرباً أهلية ضد الحكومة الفيدرالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع اتساع المواجهات، تصاعدت الاتهامات بشأن دور دول الجوار في دعم أطراف النزاع. واتهم قائد الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، إريتريا والسودان ومصر بتقديم الدعم العسكري واللوجستي إلى قوات المعارضة، قائلاً إن بلاده تواجه مجموعات «منظمة ومتحالفة لخدمة مصالح قوى خارجية».

وفي تصريحات بثتها وسائل إعلام تابعة للجيش، قال جولا إن إريتريا، التي وصفها باسمها المحلي «شابيّا»، و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، لا تستطيعان تحقيق أهدافهما بمفردهما، حتى في حال تحالفهما، من دون دعم وإمدادات من قوى خارجية أخرى.

ورفض الجيش السوداني الاتهامات الإثيوبية، ووصفها بأنها «لا أساس لها من الصحة»، مؤكداً في بيان أن القوات المسلحة السودانية ملتزمة بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، فيما نفت إريتريا في تصريحات سابقة دعم قوات المعارضة الإثيوبية.

وتأتي هذه الاتهامات في ظل توتر متصاعد بين أديس أبابا والخرطوم، إذ تتهم السلطات السودانية إثيوبيا بمساعدة «قوات الدعم السريع» التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني منذ أبريل (نيسان) 2023، وبالسماح بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة انطلاقاً من أراضيها، لكن إثيوبيا تنفي هذه الاتهامات.

وكانت إثيوبيا قد اتهمت، في مايو (أيار) الماضي، الجيش السوداني بدعم مقاتلين مرتبطين بـ«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، وهو ما نفته الخرطوم، في مؤشر على اتساع دائرة الخلافات الأمنية بين البلدين.

«اتفاق بريتوريا» أمام اختبار جديد

أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ويهدد تجدد القتال اتفاق السلام الذي وُقّع في بريتوريا بجنوب أفريقيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وأنهى حرباً أهلية استمرت من عام 2020 إلى عام 2022 بين الحكومة الاتحادية و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». وأسفرت الحرب، وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي، عن مقتل ما لا يقل عن 600 ألف شخص، فضلاً عن نزوح أعداد كبيرة من السكان وتدمير واسع للبنية التحتية.

وتعود جذور الصراع إلى انهيار العلاقات بين «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» ورئيس الوزراء آبي أحمد، الذي تولى السلطة عام 2018، منهياً عقوداً من هيمنة الجبهة على المشهد السياسي الإثيوبي، بعدما كانت قد تولت الحكم عام 1991.

وعلى الرغم من أن اتفاق بريتوريا أوقف العمليات العسكرية الواسعة وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الجانبين تبادلا خلال الأشهر الماضية الاتهامات بانتهاكه. وتجددت الاشتباكات في أواخر عام 2025، مع تنفيذ القوات الاتحادية غارات بطائرات مسيّرة على إقليم تيغراي وحشد قواتها على حدود الإقليم، فيما اتهمت منظمات حقوقية الجبهة بتنفيذ حملات تجنيد قسري خلال العام الحالي استعداداً لاستئناف القتال.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الخلافات السياسية والعسكرية التي لم تُحسم بموجب اتفاق السلام لا تزال تشكّل مصدر تهديد للاستقرار في إثيوبيا، خصوصاً مع اتساع التحالفات المسلحة المعارضة للحكومة وتزايد الاتهامات بالتدخل الخارجي.

مخاوف من اتساع الصراع في القرن الأفريقي

دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير تيغراي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويثير تجدد الحرب مخاوف من امتداد المواجهات إلى نطاق إقليمي أوسع، في منطقة تعاني بالفعل من تداعيات الحرب المستمرة في السودان، والتوترات المرتبطة بالبحر الأحمر، والصراعات في الشرق الأوسط.

وتكتسب العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا أهمية خاصة في هذا السياق، في ظل التوترات المرتبطة بمساعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر، وهو ما يثير مخاوف إريترية من تداعيات أي تحرك إثيوبي بالقوة لتحقيق هذا الهدف.

ورغم التفوق العسكري الذي تتمتع به القوات الاتحادية، وما تتلقاه الحكومة الإثيوبية من دعم خارجي، فإن اتساع رقعة المواجهات وتعدد الجماعات المسلحة المنخرطة فيها قد يعقّدان جهود احتواء الصراع، ويزيدان الضغوط الإنسانية والأمنية على المناطق المتاخمة لإقليم تيغراي.

وفي ظل استمرار انقطاع الاتصالات وتضارب المعلومات بشأن السيطرة على بعض المناطق، تبقى التطورات الميدانية مرشحة لمزيد من التغير، فيما يواجه اتفاق السلام اختباراً جديداً قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود إثيوبيا إلى منطقة القرن الأفريقي بأكملها.


بوركينا فاسو: دستور جديد يعيد تنظيم «الحياة السياسية»

رئيس بوركينا فاسو إبراهيما تراوري خلال حديثه مع الصحافيين الأحد (وكالة أنباء بوركينا فاسو)
رئيس بوركينا فاسو إبراهيما تراوري خلال حديثه مع الصحافيين الأحد (وكالة أنباء بوركينا فاسو)
TT

بوركينا فاسو: دستور جديد يعيد تنظيم «الحياة السياسية»

رئيس بوركينا فاسو إبراهيما تراوري خلال حديثه مع الصحافيين الأحد (وكالة أنباء بوركينا فاسو)
رئيس بوركينا فاسو إبراهيما تراوري خلال حديثه مع الصحافيين الأحد (وكالة أنباء بوركينا فاسو)

أعلن رئيس بوركينا فاسو، الكابتن إبراهيم تراوري، أن بلاده تستعد لاعتماد «دستور جديد» يهدف إلى «إعادة تنظيم» النظام السياسي بالكامل، ودعا إلى القطيعة مع النظام السياسي القائم على التنافس بين الأغلبية والمعارضة.

وقال تراوري، في مقابلة مع صحافيين، الأحد، نشرتها وكالة الإعلام البوركينية الرسمية: «سيكون هناك دستور جديد، حتماً. سنعيد التنظيم بشكل كامل». ولم يذكر في المقتطفات التي نشرتها الوكالة موعداً لذلك، في حين أكدت صحف محلية أنه لم يحدد جدولاً زمنياً.

مهاجمة الديمقراطية

وانتقد تراوري ما وصفه بمنطق «رواد الأعمال السياسيين»، أي من يفضّلون الخطابة والمواجهة على العمل والبناء. وقال: «يجب قتل هذه الروح حتى يفهم الناس أن عليهم أن يعملوا قبل أن يأكلوا»، متهماً بعض الفاعلين السياسيين بـ«الكذب» و«خداع» السكان.

وهاجم تراوري نظام التنافس الدائم بين الأغلبية والمعارضة، عادَّاً أنه يجعل بعض الدول تهدر سنوات في الصراعات الحزبية على حساب البنى التحتية والمشاريع التنموية. وقال: «هذا هراء. أنتم تجعلون السكان يعانون. أنتم لا تتقدمون».

ودعا تراوري إلى استمرارية في عمل الدولة تتجاوز تغيّر القادة؛ لأن «الشعب استمرارية»، مستشهداً بروسيا والصين بوصفهما من الدول التي تملك رؤية بعيدة المدى للدولة. ورأى أن على الدول الأفريقية إرساء أنظمة تضمن استمرارية سياساتها العامة بدلاً من مضاعفة المواجهات بين الحكومة والمعارضة.

وتأتي هذه التصريحات كنوع من انتقاد النظام الديمقراطي، وذلك بالتزامن مع الذكرى الرابعة لوصول تراوري إلى السلطة، حين أطاح المقدم بول هنري داميبا في انقلاب وقع في 30 سبتمبر (أيلول) 2022.

ونقلت صحيفة «سيدواية» الحكومية عنه قوله إن البلاد «في ثورة» وإنها ستبني نظامها السياسي الخاص، وإن «الأمور تسير بشكل أفضل بعد أربع سنوات». وتستكمل هذه الخطوة مساراً أعاد تشكيل المشهد المؤسسي منذ الانقلاب، حيث عُلّق نشاط الأحزاب السياسية بعد استيلاء المجلس العسكري على السلطة، ثم عُدّل ميثاق المرحلة الانتقالية في مايو (أيار) 2024 بما يتيح لتراوري البقاء خمس سنوات إضافية.

وفي 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت الحكومة حل جميع الأحزاب، وصادق البرلمان الانتقالي على القرار في 9 فبراير (شباط). وأدانت أطراف دولية الخطوة بصفتها مساساً بالتعددية. وفي 27 مارس (آذار) صوّت النواب بالإجماع (70 صوتاً) على «ميثاق الثورة» الذي حلّ محل ميثاق المرحلة الانتقالية، ويضع أفق 2029 لهذا المسار، وفق تقارير صحافية أكدت أن النظام الذي يحكم بوركينا فاسو «يقرّ بأنه ليس ديمقراطياً».

اتهامات خارجية

وتتهم منظمات حقوقية، بينها «هيومن رايتس ووتش»، السلطات بالتضييق على وسائل الإعلام والمعارضة والأصوات المنتقدة، في حين تقول السلطات إن هذه الإجراءات تهدف إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية ودعم الحرب على الإرهاب.

وتواجه البلاد في المقابل هجمات متواصلة لجماعات مرتبطة بـ«القاعدة» وتنظيم «داعش»، ففي فبراير الماضي أُعلن مقتل أكثر من 130 شخصاً في هجمات خلال عشرة أيام، في حين أكد الجيش أنه يسيطر على 74 في المائة من أراضي البلاد.

وعلى الصعيد الخارجي، قطعت واغادوغو علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا في 26 يونيو (حزيران) الماضي، متهمة باريس بـ«نشاط لا يتوقف» ضد مصالحها، ووقّعت في فبراير اتفاقاً مع موسكو حول أسس العلاقات بين البلدين. ويتولى تراوري حالياً الرئاسة الدورية لكونفدرالية دول الساحل، الحلف الإقليمي المحسوب على روسيا.