نزيف «إيكواس»... ضربة جديدة لنفوذ فرنسا في غرب أفريقيا

انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المجموعة يعزّز الحضور الروسي

قوات "إيكواس" أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)
قوات "إيكواس" أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)
TT

نزيف «إيكواس»... ضربة جديدة لنفوذ فرنسا في غرب أفريقيا

قوات "إيكواس" أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)
قوات "إيكواس" أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)

لم تحمل السنوات الأخيرة أخباراً سارة تطرق أبواب باريس من مستعمراتها القديمة في أفريقيا، بل توالت الضربات للنفوذ الفرنسي في القارة، التي طالما ارتبطت لعقود طويلة بسياسات الإليزيه، حتى بعد انتهاء عصر الاستعمار بصفة رسمية؛ إذ ظل النفوذ الاقتصادي والسياسي والثقافي طاغياً فيها. التحولات السياسية في غرب أفريقيا ودول الساحل والصحراء جاءت بتحديات جديدة لم يعهدها الفرنسيون من قبل، فالانقلابات تتوالى ليتواصل سقوط الأنظمة الموالية لباريس كأحجار «الدومينو»، لصالح صعود نخب عسكرية جديدة لا تحمل ذلك الود القديم للفرنسيين، بل تستخدم مشاعر العداء للمستعمِر القديم أداة لبناء شعبية في الشارع الغاضب. وبينما تهدد فرنسا وتتوعد وتلجأ لتحريك حلفائها المتبقين من دول أو منظمات، تتقلص مساحة الفعل، وتتراجع القدرة على التأثير، وذلك بعد ظهور لاعب جديد هو الدب الروسي، الذي يجيد لعبة «الشطرنج الاستراتيجي»، ويسارع لملء ما تخلّفه فرنسا من فراغ.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل نظيره التشادي الفريق أول محمد إدريس ديبي في يناير المنقضي (رويترز)

جاء انسحاب كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو من «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس)، أواخر الشهر الماضي، لا ليمثل فقط ضربة جديدة للنفوذ الفرنسي وتعزيزاً للحضور الروسي، بل ليفتح أيضاً صفحة جديدة بشأن إمكانية تفكّك «إيكواس»، التي يراها كثيرون أداة فرنسية لتحريك الأمور في الغرب الأفريقي من وراء ستار، وإمكانية ظهور منظمات إقليمية جديدة تعبر عن طبيعة التحول الإقليمي الجديد في تلك المنطقة الملتهبة.

النيجر ومالي وبوركينا فاسو أعلنت انسحابها من «إيكواس» بشكل جماعي، في بيان مشترك يوم 28 يناير (كانون الثاني) المنقضي، متهمةً المجموعة بالابتعاد عن المثل العليا التي أسست عليها، وقائلة إن انسحابها الفوري يأتي «استجابة لتوقعات وتطلعات شعوبها».

إلا أن هذه النهاية ليست سوى فصل جديد في قصة طويلة من التوتر والعداء تجاه النفوذ الفرنسي. والقصة دائماً لها ما قبلها... وسيكون لها ما بعدها، فباب الانسحاب من «إيكواس» لا يزال مفتوحاً، بحسب تقديرات العديد من الخبراء والمراقبين.

رسائل واضحة

الانسحاب «الثلاثي» حمل كذلك إشارات واضحة حول التنسيق بين الدول التي تحكمها اليوم أنظمة عسكرية في أعقاب سلسلة من الانقلابات (مالي عام 2020، وبوركينا فاسو 2022، والنيجر 2023)، التي أطاحت بأنظمة قديمة طالما ارتبطت بعلاقات وثيقة مع فرنسا.

على إثر ذلك، توترت علاقات الدول الثلاث مع «إيكواس»، وصولاً إلى حد التهديد بالتدخل العسكري، وهو ما عجزت عنه المجموعة الإقليمية، لكن ذلك التهديد ساهم بشكل واضح في دفع تلك الدول إلى المسارعة بالتنسيق المشترك، والبحث عن دعم دولي في مواجهة الضغوط الغربية والفرنسية بالأساس.

معطيات عدة أشارت إلى قرب اتخاذ النيجر وبوركينا فاسو ومالي قرارها بالانسحاب من «إيكواس»؛ إذ وقّع قادة الأنظمة العسكرية في الدول الثلاث اتفاقاً يوم 16 سبتمبر (أيلول) 2023 في العاصمة المالية باماكو، وبموجبه تعهدت الدول الثلاث بمساعدة بعضها البعض في حالة وقوع أي تمرد أو عدوان خارجي ضد أي منها، واعتبار أي اعتداء على سيادة وسلامة طرف أو أكثر من الأطراف الموقعة عليه، عدواناً على الأطراف الأخرى.

الحضور الروسي جاء سريعاً وحاسماً. فبعد الاتفاق الثلاثي، زار باماكو نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك ييفكوروف، والتقى هناك وزراء دفاع الدول الثلاث، في رسالة دعم واضحة وعلنية. ودفع الأمر كثرة من المراقبين إلى القول بأن دعم موسكو كفيل بإجهاض تأثير أي عقوبات اقتصادية جديدة على الدول الثلاث بضغوط فرنسية، فضلاً عن إنهاء فكرة التدخل العسكري بشكل شبه نهائي في ظل التحالف الجديد.

طرد فرنسا

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأى الدكتور العابد مصطفى البشير، الباحث السياسي والمحاضر بجامعة ندجامينا في تشاد، في التقارب الأفريقي الروسي «أكبر الأخطار المحدقة بفرنسا». وذكر أن تلك التحديات التي تدفع النفوذ الفرنسي إلى التلاشي في أفريقيا «كثيرة»، ويأتي على رأسها الوعي المتنامي للشباب الأفريقي، وكذلك وجود نماذج اتجهت بكل جدّية نحو التنمية بعد طرد فرنسا، كما هو الحال في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

ووفق البشير، فإن التقارب الرسمي سواءً بين الدول الأفريقية التي تتخلص من النفوذ الفرنسي، أو بينها وبين روسيا، يقطع الطريق على فرنسا، التي «خلقت المنظمات الإرهابية وموّلتها بهدف إضعاف الحكومات الوطنية في أفريقيا». وأردف الباحث التشادي: «لا يجوز أن تكون روسيا بديلاً استعمارياً بل قوة مساندة ومستفيدة»، لافتاً إلى أنها ستوفر الإمكانات للحكومات الأفريقية في المجالات العسكرية والأمنية التي كانت تستخدمها الأجهزة الفرنسية للهيمنة على دول القارة، وبالأخص في منطقة الساحل والغرب الأفريقي. وتابع جازماً أن «فرنسا تتقهقر يوماً بعد آخر سواء على المستوى الرسمي، أو في الوجدان الشعبي الذي بدأ يتخلص من كل ميراث حقبة الاستعمار الفرنسي».

من ناحية أخرى، يعتقد البشير - وهو أيضاً مفوض في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في تشاد - أن انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر من «إيكواس» يمثل «تطوراً متوقعاً» رداً على فشل المجموعة في تحقيق التنمية، وتحولها إلى أداة فرنسية للضغط على الدول الأفريقية، وصولاً إلى التهديد بالتدخل العسكري الذي فضح طبيعة أدوار تلك المنظمة. وتوقّع، من ثم، أن يشكل الانسحاب الثلاثي سابقة لدول أخرى، وفرصة لبداية تقارب أفريقي مع الشرق تلعب فيه روسيا دوراً أساسياً، باعتبارها قادرة على سد الفراغ الأمني، إلى جانب الصين وتركيا وبعض الدول العربية.

وللعلم، لم يقتصر التنسيق الروسي والتواصل مع دول منطقة الساحل والغرب الأفريقي على الدول الثلاث المنسحبة من «إيكواس»، ففي 24 يناير الماضي، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره التشادي الفريق أول محمد إدريس ديبي في الكرملين، وحسب بيان للرئاسة التشادية كان اللقاء «أخوياً»، وجرى خلاله بحث العلاقات الروسية – التشادية، والتطرق إلى قضايا الساعة الإقليمية والدولية.

حضور روسي لافت

وحقاً، مع أن روسيا لم تعلن دعمها الصريح للتحولات الجديدة في العديد من الدول الأفريقية، لكنها سارعت إلى تقديم العون والمساندة للأنظمة الجديدة.

إذ إنها حذرت من أي تدخل عسكري في تلك الدول، ونجحت في استغلال اتساع الفجوة بين القوى الغربية ومالي، وسارعت بإرسال قوات «فاغنر» المسلحة بديلاً عن القوات الفرنسية في دول تعاني أوضاعاً أمنية سيئة وأعمال عنف ترتكبها جماعات متشددة، وظروفاً اجتماعية متردية، وهذا ما دعا الولايات المتحدة إلى اتهام مجموعة «فاغنر» باستغلال حالة اللا استقرار في تلك الدول.

ثم إن روسيا والصين تصدّتا، عبر عضويتيهما الدائمتين في مجلس الأمن، للمحاولات الغربية - والفرنسية تحديداً - لإدانة التحولات الجديدة في دول الغرب الأفريقي. فعلى سبيل المثال، حال النفوذ الروسي والصيني دون فرض مجلس الأمن عقوبات على مالي خلال يناير 2023، كما دعت بكين وموسكو المجلس إلى مساعدة مالي في حربها ضد الإرهاب.

وبالفعل، تزايد الحضور الروسي في أفريقيا، بصورة لافتة خلال السنوات الماضية؛ إذ استضافت موسكو قمتين للتعاون مع دول القارة، عامي 2019 و2023، كما وقّعت اتفاقيات للتعدين والنفط والاستثمار والطاقة النووية والتعاون العسكري بقيمة 12.5 مليار دولار مع حكومات أفريقية مختلفة.

وبينما حصد التعاون العسكري النصيب الأكبر من الاهتمام، حيث تتصدر أفريقيا قائمة مستوردي الأسلحة الروسية، عزّزت موسكو من حضورها الأمني والاقتصادي في الدول التي تشهد تحولات جوهرية، وتبحث عن ظهير دولي للتخلص من النفوذ الفرنسي. ومالياً، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلغاء 20 مليار دولار من الديون المستحقة على البلدان الأفريقية، وكشف النقاب عن خطط لمضاعفة التجارة مع البلدان الأفريقية إلى 40 مليار دولار سنوياً.

جندي نيجيري من قوات "إيكواس" (آ ف ب)

مشاعر شعبية معادية

هذه الخطوات الروسية تراها الدكتورة نرمين توفيق، الباحثة المصرية المتخصصة في الشؤون الأفريقية، «أكثر مقبولية» لدى الدول الأفريقية من تلك الإجراءات التي اتخذتها فرنسا لإنقاذ نفوذها المتراجع في دول القارة.

وتشير توفيق لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أفريقيا «تمثل أولوية في الاستراتيجية الروسية الساعية إلى كسر النظام العالمي الأحادي القطب، والتحول إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب»، تعود فيه من جديد إلى وضعها قبل انهيار الاتحاد السوفياتي. وتضيف أن التحركات الروسية أثمرت بالفعل؛ إذ أقنعت روسيا عام 2014 أكثر من نصف الحكومات الأفريقية بمعارضة أو الامتناع عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين ضم شبه جزيرة القرم، وامتنعت 17 دولة أفريقية عن التصويت على قرار يدين روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال مارس (آذار) 2022، على خلفية العملية العسكرية التي تخوضها في أوكرانيا، ومثّلت الدول الأفريقية نصف عدد الدول التي امتنعت عن التصويت آنذاك.

في المقابل تعتقد الباحثة المصرية أن الموقف الأفريقي من الإجراءات الفرنسية كان «مغايراً تماماً»، فعلى الرغم مما اتخذه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من خطوات تصالحية هدفها تحسين صورة باريس في أفريقيا، شملت تعديلات تاريخية في العلاقات المالية بين فرنسا وأفريقيا - بحيث تتوقف فرنسا عن الاحتفاظ بنسبة 50 في المائة من الاحتياطيات في الخزانة الفرنسية - لم يسهم هذا في تخفيف حدة الحنق الشديد والغضب لدى أبناء غرب أفريقيا ضد فرنسا. وتجلّى هذا في المشاعر المُعادية لفرنسا التي انتشرت في الآونة الأخيرة في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وعلى نطاق أوسع في منطقة غرب أفريقيا.

أيضاً، ترى توفيق أن إجراءات «إيكواس» في معالجة الأزمات بالغرب الأفريقي زادت من وتيرة التصعيد والغضب ضد فرنسا، وبخاصة التهديد بالتدخل العسكري، الأمر الذي استرجع ذكريات التدخل الاستعماري... وهو ما فاقم التوتر وزاد شعبية الأنظمة الجديدة، ودفعها لمزيد من التنسيق مع روسيا كرد فعل طبيعي في مواجهة مثل هذه التهديدات.

«تحالف دول الساحل»

في سياق متصل، وفي ضوء التطورات الجارية في منطقة الغرب الأفريقي، لا يبدو مستقبل التعاون في إطار «إيكواس» مشرقاً، وفق تحليل لأحمد عسكر، الباحث المشارك في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية».

عسكر يرجّح أن يؤدي توقيع «ميثاق ليبتاكو - غورما»، في سبتمبر الماضي، لتأسيس تحالف جديد يُطلق عليه «تحالف دول الساحل»، يضم الدول الثلاث بوركينا فاسو ومالي والنيجر، إلى تضاعف عدد دوله الأعضاء خلال الفترة المقبلة. ويرى في هذا رسالة واضحة إلى كل من «إيكواس» والغرب تؤكد إصرار دول «حزام الانقلابات» على الاستغناء عن فرنسا والغرب، وبخاصة مع دخول موسكو حليفاً جديداً. ومن ثم يتشكل خط مواجهة يسعى إلى تقليص الدور الفرنسي في المنطقة، وملء الفراغ الذي ستخلفه باريس خلال المرحلة المقبلة.

هذا، ويوضح التحليل المنشور على الموقع الإلكتروني لـ«المركز» أن التراجع المستمر الذي يتجلى في انسحاب القوات الفرنسية من بعض دول الساحل مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو - وقبلها أفريقيا الوسطى خلال السنوات الأخيرة - مقابل انتشار واسع لمجموعة «فاغنر» الروسية الأمنية هناك، يعكس سياقاً إقليمياً متوتراً بفضل سياسة شدّ الأطراف التي تتبناها فرنسا و«إيكواس» ضد «دول الممانعة الجديدة» في الساحل.

ويتوقّع عسكر أن تظل موسكو المستفيد الأكبر من تدهور العلاقات الفرنسية مع دول الساحل، لا سيما، مع تحوّل المزيد من القادة العسكريين الجدد للتحالف مع موسكو على حساب باريس. وهذا يعني توسيع دائرة النفوذ الروسي في الساحل، ومنح موسكو المزيد من أوراق الضغط لتمارسها ضد الغرب في مناطق استراتيجية أخرى مثل أوكرانيا، الأمر الذي يعزّز التنافس الدولي في المنطقة... بما في ذلك تنامي «عسكرتها» خلال الفترة المقبلة.

مع أن روسيا لم تعلن دعمها الصريح للتحولات الجديدة في العديد من الدول الأفريقية، فإنها سارعت إلى تقديم العون والمساندة للأنظمة الجديدة

مقر «إيكواس» في العاصمة النيجيرية أبوجا (إيكواس)

«إيكواس»... مجموعة اقتصادية غارقة في أزمات السياسة

> على مدى سنوات، مثّلت «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس) إطاراً مهماً للتعاون بين دول الغرب الأفريقي التي عانت، ولا تزال، من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية.ومع توالي الأزمات التي تتعرض لها دول المنطقة، تزايد نفوذ «المجموعة»، وتجاوزت الأدوار الاقتصادية لتلعب أدواراً سياسية وأمنية، وترسخ جذورها عبر شبكة من المؤسسات البينية والدعم المتبادل بين الدول الأعضاء.غير أن رياح الأزمات التي كانت سبباً في تعزيز المصالح المشتركة لدول «إيكواس» تحوّلت في اتجاه لا تشتهيه سفن «المجموعة»، خاصةً مع تطاير الاتهامات بخضوعها لضغوط غربية، وفرنسية بالأساس، وهو ما تنفيه المجموعة دائماً.أسست «إيكواس» عام 1975 بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية بين أعضائها الـ15. وضمت المجموعة يوم تأسيسها عدة دول ناطقة بالفرنسية، هي: بنين (الداهومي سابقاً) وغينيا وساحل العاج (كوت ديفوار) والسنغال وتوغو، إضافة إلى بوركينا فاسو (أعالي الفولتا سابقاً) ومالي (السودان الفرنسي سابقاً) والنيجر التي أعلنت انسحابها من المجموعة أخيراً.ومن الدول الناطقة بالإنجليزية ضمت: غامبيا وغانا وليبيريا ونيجيريا وسيراليون. كما أضيفت لها دولتان ناطقتان بالبرتغالية، هما: الرأس الأخضر وغينيا بيساو. وبالمناسبة، كانت المجموعة تضم أيضاً موريتانيا، التي بانسحابها عام 2001، خلت «إيكواس» من أي حضور عربي.يقع مقر «المجموعة» في العاصمة النيجيرية أبوجا، وتهيمن نيجيريا على «المجموعة» سياسياً واقتصادياً، كيف لا وهي التي تمثل وحدها نحو ثلثي عدد سكانها، و60 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. وللعلم، يبلغ مجموع سكان «إيكواس» (قبل انسحاب الدول الثلاث) نحو 350 مليون نسمة، وفق إحصاءات 2021، وتبلغ مساحتها الإجمالية 5 ملايين كيلومتر مربع، أي 17 في المائة من إجمالي مساحة قارة أفريقيا.من جهة ثانية، تضم «المجموعة» عدداً من المؤسسات البينية؛ أبرزها: - «مجلس رؤساء الدول والحكومات» الذي يعد أعلى هيئة سياسية، وإليه ترجع القرارات الكبرى. - «المجلس الوزاري» الذي يتولى عادةً مهمة التحضير للقمم ومناقشة القرارات السياسية قبل إقرارها من قِبل مجلس الرؤساء. - «برلمان المجموعة» الذي يتمتع بسلطة إقرار النصوص التي تصدر عن المؤسسات التنفيذية. - «المجلس الاقتصادي والاجتماعي» الذي يتولّى تقديم المقترحات المتعلقة بالمشاريع التنموية المشتركة بين دول المجموعة. - «محكمة المجموعة» التي تنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة خلال الصراعات التي تنشب في المنطقة.وكما سبقت الإشارة، كانت الغاية من «إيكواس» بالأساس، إزالة الحواجز الاقتصادية والسياسية واللغوية أمام التجارة بين أعضائها؛ بغية تحقيق التكامل الاقتصادي بينها، وتعزيز التبادل التجاري بين دول المنطقة، وتحقيق الاندماج في مجالات الصناعة والنقل والاتصالات والطاقة والزراعة والمصادر الطبيعية.ولكن، مع مرور الوقت تعاظم نفوذ «المجموعة السياسي»، وتدخلت بشكل مباشر في تسوية النزاعات السياسية والعسكرية في جميع أنحاء المنطقة. وفي عام 1993 تبنت قانوناً جديداً يمنحهاً رسمياً مسؤولية منع النزاعات الإقليمية وتسويتها.وبالفعل، شكلت في يونيو (حزيران) 2004 قوة عسكرية قوامها 6500 جندي، من بينها «وحدة للتدخل السريع» في حالة نشوب أي نزاع، وأدّت القوات التابعة لـ«إيكواس» مهمات كبرى إبان الحروب الأهلية في ليبيريا وسيراليون. وتدخلت أيضاً لتسوية نزاعات واضطرابات في كل من غينيا بيساو وكوت ديفوار وغينيا وتوغو ومالي وغامبيا. وفي حين فرضت «إيكواس» عقوبات شديدة على مالي والنيجر للضغط عليهما من أجل عودة الحكم المدني، فإنها هددت بالتدخل عسكرياً لإعادة الحكم المدني بعد الانقلاب الذي حدث في النيجر، وعلقت مشاركة الدول الثلاث في مؤسساتها... وكانت تلك المحطة التي تأزم بعدها الموقف، ما أدى إلى اتخاذ بوركينا فاسو ومالي والنيجر قرارها الانسحاب من «المجموعة».

 

 


مقالات ذات صلة

تصدعات تضرب «حزب الرئيس الصومالي» إثر استقالة قيادات بارزة

شمال افريقيا الرئيس الصومالي خلال مشاركته السابقة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

تصدعات تضرب «حزب الرئيس الصومالي» إثر استقالة قيادات بارزة

تلقى حزب «العدالة والتضامن» الذي أسسه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ضربة جديدة، بعد استقالات بارزة بالحزب إثر انتقادات بشأن «عدم الالتزام بالمسار القانوني».

محمد محمود (القاهرة )
أفريقيا رئيس الكونغو المنتهية ولايته دينيس ساسو نغيسو (رويترز)

الكونغو بعد الانتخابات الرئاسية... طريق إجباري لإصلاح محدود تحت ضغوط

تترقب جمهورية الكونغو (برازافيل) نتائج الانتخابات الرئاسية التي خاضها 6 مرشحين، ضد الرئيس دينيس ساسو نغيسو البالغ من العمر 82 عاماً في البلاد.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (أرشيف - رويترز)

القوات النيجيرية تتصدى لأول هجوم كبير على مايدوغوري منذ سنوات

هاجم مسلّحون اليوم (الاثنين) مركزاً عسكرياً في ضاحية مايدوغوري مركز ولاية بورنو بشمال شرق نيجيريا، في أول هجوم من نوعه منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (مايدوغوري (نيجيريا))
أفريقيا المتحدث باسم حركة «إم 23» ويلي نغوما (وسط) خلال إطلاق سراح مرتزقة قرب نقطة حدودية شرق الكونغو - 29 يناير 2025 (أ.ب)

العثور على 170 جثة في مقابر جماعية بالكونغو

قال مسؤول إنه تم العثور على ما لا يقل عن 170 جثة في مقابر جماعية في شرق الكونغو، بمنطقة انسحبت منها حركة «إم 23» مؤخراً.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أفريقيا فيستوس أوموامبا مؤسس وكالة التوظيف «غلوبال فايس للموارد البشرية» (رويترز)

اتهام كيني أرسل مواطنين للقتال في روسيا بـ«الاتجار بالبشر»

أعلن الادعاء العام في نيروبي الخميس توجيه تهمة الاتجار بالبشر لعنصر رئيسي في شبكة أرسلت أكثر من ألف كيني للقتال في صفوف الجيش الروسي.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».