ليبيون لمقاضاة الدنمارك بتهمة قتل 14 مدنياً خلال إسقاط نظام القذافي

بعد إقرارها بالمشاركة في غارات الـ«ناتو» عام 2011

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
TT

ليبيون لمقاضاة الدنمارك بتهمة قتل 14 مدنياً خلال إسقاط نظام القذافي

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

طالب سياسيون وحقوقيون ليبيون بمقاضاة الدنمارك بعد حديثها عن مقتل 14 مدنياً أثناء مشاركتها في الغارات التي شنّها حلف شمال الأطلسي (ناتو) على البلاد لإسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

وكانت وزارة الدفاع الدنماركية قررت مراجعة قصفها الجوي على ليبيا خلال الغارات التي نفذها الحلف، إبان الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد عام 2011، بعدما «تبين لها تسببها في مقتل 14 مدنياً ليبياً».

واعتبر رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي، فتحي عمر الشبلي، «حديث وزارة الدفاع الدنماركية عن مقتل 14 مدنياً ليبياً يمثل إدانة صريحة للدور الذي لعبته الدنمارك في العدوان على ليبيا، وفضحاً للانتهاكات الجسمية التي تم ارتكابها بحق المدنيين والأبرياء».

القذافي (غيتي)

وأهاب الحزب بـ«نقابة المحامين الليبية بضرورة الإسراع بتحريك دعوى قضائية ضد الدنمارك في محكمة العدل الدولية، وفي المحكمة الأوروبية، للمطالبة بتعويض أسر الليبيين عن هذه الجرائم»، كما أهاب بالنائب العام المستشار الصديق الصور «لاتخاذ الإجراءات القانونية كافة حيال هذه القضية».

وفي نهاية الأسبوع الماضي، أفادت صحيفة «ذا غارديان» البريطانية بأن قرار الدنمارك جاء بعد إثبات وثيقة سرية أن قواتها الجوية شاركت في غارات على ليبيا أسفرت عن مقتل 14 مدنياً.

ويلقي كثير من الليبيين اللوم على دول الـ«ناتو» بالتسبب في تدمير البنية التحتية ومؤسسات الدولة خلال محاولاتها إسقاط نظام القذافي، كما خلّفت هذه الغارات الجوية خسائر في الأرواح، بحسب تقارير محلية ودولية.

وسبق أن طالب سياسيون ليبيون الـ«ناتو» بتحمل مسؤوليته حيال الضربات العسكرية التي شنّها على البلاد، قبل أن يتركها تواجه مصيراً مجهولاً. لكن كثيراً من القوى الليبية بدأت تتحرك راهناً في اتجاه ضرورة «محاسبة الدنمارك».

علم الناتو (رويترز)

ودافع الحزب عن التحرك القضائي الذي يطالب به، وقال إن الأمر ضروري لأسباب، من بينها أن «هذا هو السبيل الوحيد لضمان تحقيق العدالة لأهالي الضحايا الذين قضوا بشكل مأسوي في الغارات»، ورأى أن «هذه الدعوى ستساهم في إدانة العدوان على ليبيا، وكشف زيف الادعاءات التي تم استخدامها لتبرير عدوان الناتو».

ونوّه الشبلي إلى أن محاسبة الدنمارك على «جرائمها ستسهم في منع تكرار مثل هذه الانتهاكات في المستقبل، وإجبارها على دفع التعويضات المادية لأسر الضحايا». وتعهد بتقديم الدعم الكامل لنقابة المحامين الليبية في مساعيها لتحريك هذه الدعوى ضد الدنمارك، وطالبها ببذل كل الجهود «لضمان تحقيق العدالة لأسر المغدورين».

وبحسب تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، نشر في 14 مايو (أيار) 2012، فإن غارات «الناتو» الجوية تسببت في قتل 72 مدنياً، ثلثهم من الأطفال تحت 18 عاماً.

واعتبر أن الحادث «الأكثر جسامة الذي وثّقه التقرير وقع في قرية ماجر، جنوب بلدة زليطن، على مسافة 160 كيلومتراً شرق طرابلس، ليلة 8 أغسطس (آب)، حيث قُتل 34 شخصاً، وأصيب أكثر من 30 آخرين».

وقال أحمد عبد الحكيم حمزة، رئيس «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» في ليبيا، إنه «بعد الاعتراف الصريح لوزارة الدفاع الدنماركية، صار واجباً على السلطة الرسمية في ليبيا تحريك دعوى قضائية على الدنمارك، وجميع الدول التي اشتركت معها في قتل الأبرياء والآمنين».

تمركزات أمنية بالعاصمة الليبية طرابلس (أرشيفية - وزارة الداخلية بحكومة الوحدة)

وأضاف حمزة، في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «لا بد من المطالبة بتعويض معنوي، يتمثل في الاعتذار لأهالي الضحايا، والتعهد بعدم تكرار ما حدث، وبتعويض مادي يتمثل في تعويض المضارين من هذه الهجمات، التي لا تزال آثار دمارها وخرابها قائمة إلى اليوم».

ويعتقد حمزة أن «التحالف الدولي استخدم اليورانيوم والقنابل المحرمة دولياً في هجماته على ليبيا»، واستند في ذلك إلى «تفشّي أمراض الأورام والأوبئة السرطانية».

وانتهى إلى أهمية «تأسيس منظمة وطنية مستقلة توصل صوت الليبيين للإعلام العالمي والمنظمات الحقوقية الدولية للمطالبة بحقوق بلدنا أمام محكمة العدل الدولية».

ورصدت «رايتس ووتش» 9700 طلعة جوية شنّها الـ«ناتو» على ليبيا، أسقطت 7700 مقذوف موجه بدقة، أثناء حملة دامت 7 أشهر.

ويشار إلى أن وسائل إعلام غربية نقلت عن رئيس قسم شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، نيكولا دي سانتوس، اعترافه في عام 2018 بخطأ الـ«ناتو» في قصف ليبيا، بجانب تحدثه عن ارتكاب أخطاء خلال عملية القصف.

وكان التقرير، الذي أعدّته «هيومن رايتس ووتش» عقب الغارات على ليبيا، تضمن توصيات إلى الحلف بضرورة إجراء تحقيقات «شفافة ومحايدة في المزاعم الموثوقة بحدوث انتهاكات لقوانين الحرب، وإعلان نتائجها بحيث تشمل توصيات بإجراءات تأديبية أو تحريك دعاوى جنائية».


مقالات ذات صلة

توترات أمنية في الزاوية الليبية بعد مقتل 4 أشخاص

شمال افريقيا من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)

توترات أمنية في الزاوية الليبية بعد مقتل 4 أشخاص

جدد اغتيال أربعة أشخاص التوترات الأمنية في مدينة الزاوية، غرب ليبيا، وسط مطالبة بإخراج التشكيلات المسلحة من المدينة.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)

ليبيا: اجتماع في سرت يُقرّب بين أفرقاء السلاح

عُقد في مدينة سرت اجتماع عسكري رفيع المستوى، ضم قيادات من شرق ليبيا وغربها، برعاية البعثة الأممية لدى البلاد.

جمال جوهر (القاهرة)
تحليل إخباري حفتر مستقبلاً عاصم منير في 17 ديسمبر الماضي (القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)

تحليل إخباري تساؤلات بشأن دخول باكستان على خط الأزمة الليبية

تباينت آراء سياسيين ومحللين ليبيين بشأن الحديث عن وساطة باكستانية لحلحلة الأزمة السياسية المعقدة بالبلاد بموازاة «مبادرة أميركية» ومساعٍ أممية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا «المضغوطة» بزيه العسكري فى حفل تخريج عناصر جهاز «دعم الاستقرار» (الجهاز)

ظهور ميليشياوي في احتفالية يثير انتقادات حقوقية بليبيا

لم تهدأ ردود الفعل المستهجنة لظهور «المضغوطة» ضمن احتفال فرع الميليشيا في طرابلس بتخريج دورة تدريبية لعدد من منتسبيها.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)

ليبيون يراهنون على اتفاق سياسي يمهد للانتخابات رغم المخاوف

تتجه الأنظار في ليبيا إلى العاصمة التونسية، حيث يُنتظر أن يوقع ممثلو شرق البلاد وغربها، هذا الأسبوع الصيغة النهائية لتفاهمات لجنة «4+4» بشأن القوانين الانتخابية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

توترات أمنية في الزاوية الليبية بعد مقتل 4 أشخاص

من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)
من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)
TT

توترات أمنية في الزاوية الليبية بعد مقتل 4 أشخاص

من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)
من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)

تواصلت الاشتباكات المسلحة والتوترات الأمنية في مدينة الزاوية، غرب العاصمة طرابلس، عقب مقتل أربعة أشخاص، مساء السبت، جراء استهداف سيارتهم بوابل من الرصاص، ما دفع أهالي الضحايا إلى إغلاق بعض الشوارع وإشعال النيران في الطريق الساحلي بالمدينة.

وقالت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان»، في بيان لها، مساء السبت، إنها وثّقت واقعة مقتل أربعة أشخاص بالقرب من «جامعة الزاوية»، إثر تعرض سيارتهم لوابل من الرصاص أطلقه مسلحون خارجون عن القانون، مما أدى إلى اشتعال النيران في المركبة بالكامل.

وفقاً للمعلومات المتداولة، فقد تم التعرف على أسماء ثلاثة من الضحايا، فيما لم تُعرف هوية الضحية الرابعة بعد، وسط مطالبة سكان المدينة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إخلائها من التشكيلات المسلحة.

ورصدت وسائل إعلام محلية مشاهد من أجواء التوتر الأمني الجاري وسط غضب شعبي متصاعد ضد الجماعات المسلحة، حيث أغلق أهالي القتلى جنوب المدينة الطرق، وأشعلوا الإطارات في الطريق الساحلي.

وطالبت «المؤسسة الوطنية»، النائب العام والأجهزة الأمنية، بفتح تحقيق شامل في ملابسات الواقعة، وتكثيف جهود البحث والتحري لضبط المتورطين، كما أعربت عن قلقها حيال تصاعد معدلات جرائم القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف، والاعتقال التعسفي، وعزت ذلك إلى «الفوضى الأمنية وغياب دور وزارة الداخلية والجهات الأمنية في ضمان سلامة المواطنين».

مدخل مدينة الزاوية (صفحات معبرة عن الزاوية)

والتقى عضو «المجلس الرئاسي»، موسى الكوني، الأحد، بعضاً من أعيان ومشايخ مدينة الزاوية الكبرى، وأفاد مكتبه بأن الحاضرين «أكدوا دعمهم الكامل للمواقف الوطنية للسيد موسى الكوني، والهادفة إلى حماية الوطن من الانقسامات والتحديات التي تستهدف وحدته، والمحافظة على مؤسساته السيادية»، مؤكدين أن «أي انقسام يطول هذه المؤسسات ستكون له انعكاسات خطيرة على وحدة ليبيا واستقرارها».

من جانبه، ثمّن الكوني «الروح الوطنية» التي أبداها بعض من أعيان ومشايخ الزاوية الكبرى، مؤكداً أن «المرحلة الراهنة تتطلب تضافر جهود جميع الليبيين والوقوف صفاً واحداً في مواجهة أي محاولات تستهدف تعميق الانقسام، والعمل على توحيد المواقف الوطنية وجمع الأطراف السياسية، بما يسهم في الوصول بليبيا إلى بر الأمان وتحقيق الاستقرار المنشود».

وتعد الزاوية، التي تقع على بعد نحو 42 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، من أبرز مدن المنطقة الغربية، وتضم ثاني أكبر مصفاة نفطية في ليبيا، وميناء تجارياً، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي على طرق الاتصال بين طرابلس والحدود التونسية، ما يجعلها هدفاً رئيسياً للمجموعات المسلحة التي تسعى للسيطرة على الموارد النفطية وطرق التهريب والنفوذ الاقتصادي.

وتشهد المدينة صراعاً متكرراً بين تشكيلات مسلحة متنافسة للسيطرة على مناطق النفوذ في غرب البلاد، بما في ذلك جولات عنف خلال الأشهر الماضية، أسفرت عن سقوط قتلى مدنيين وإغلاق مؤقت للمصفاة، وسط تحذيرات متكررة من البعثة الأممية من خطر انزلاق البلاد نحو مزيد من الفوضى، في وقت يطالب ناشطون محليون بتدخل عاجل لوقف الاقتتال، الذي يعوق أي تقدم نحو الاستقرار أو إجراء الانتخابات في ليبيا.

وحسب وسائل إعلام محلية، فقد ارتفع عدد ضحايا جرائم القتل في المدينة إلى 62 قتيلاً منذ مطلع العام الحالي، كمؤشر على حالة الانفلات الأمني وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة.


ليبيا: اجتماع في سرت يُقرّب بين أفرقاء السلاح

قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)
قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)
TT

ليبيا: اجتماع في سرت يُقرّب بين أفرقاء السلاح

قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)
قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)

احتضنت مدينة سرت الليبية لقاءً هو الثاني من نوعه بين أطراف عسكرية متنافسة، في خطوة عدّها سياسيون ومحللون ليبيون جزءاً من جهود توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة بين شرق البلاد وغربها.

واجتمع الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي، والفريق صلاح النمروش، رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، الأحد، للمرة الأولى في مدينة سرت.

خالد حفتر مستقبلاً النمروش في سرت الأحد (من مقطع فيديو نشره مقربون من القيادة العامة بشرق ليبيا)

ووصل النمروش إلى سرت على رأس وفد عسكري؛ حيث عقد لقاءً يُنظر إليه بوصفه خطوة تُعزز الآمال في توحيد المؤسسة العسكرية وتقريب وجهات النظر بين طرفي شرق ليبيا وغربها.

ورحّب صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بلقاء خالد حفتر والنمروش في سرت، التي وصفها بأنها «مدينة الوطن الجامعة». وضم الاجتماع عدداً من القيادات العسكرية الليبية، من بينهم الأمين العام للقيادة العامة الفريق خيري التميمي، بحضور أعضاء لجنتي: العسكرية المشتركة «5+5» و«3+3»، وبمشاركة البعثة الأممية.

وأشاد صدام حفتر، في منشور عبر حساب شخصي منسوب إليه على «فيسبوك»، بـ«الأجواء الإيجابية التي سادت اللقاء، وما عكسته من روح المسؤولية الوطنية، والحرص الصادق على تغليب المصلحة العليا للوطن».

وقال إن اللقاء يأتي «في سياق المساعي الوطنية الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة الانقسام، بدعم من الشركاء الدوليين».

كما ثمّن «الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، بما في ذلك القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى جانب البعثة الأممية، في مساندة المساعي الهادفة إلى بناء مؤسسة عسكرية ليبية موحدة ومهنية، بما يُعزز أمن ليبيا واستقرارها، ويحفظ سيادتها ووحدة أراضيها».

قوات «كتيبة السلام» التابعة لـ«الجيش الوطني» خلال انتشار في جنوب شرقي ليبيا (الجيش الليبي)

وأكد أن «توحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية يُمثل هدفاً أساسياً لحماية الوطن وصون سيادته». وأضاف: «سنواصل العمل بكل جدية ومسؤولية من أجل بناء مؤسسات قوية وفاعلة، وحماية أراضي ليبيا وحدودها، وترسيخ وحدة الصف الوطني، وصولاً إلى جيش ليبي موحد وقادر على أداء مهامه في الدفاع عن الوطن والمواطن».

ويأتي اجتماع خالد حفتر والنمروش في ظل تحركات دبلوماسية وعسكرية أميركية تهدف إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية في ليبيا، وفق مبادرة يرعاها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وسبق أن تقاتل «الجيش الوطني» مع «قوات غرب ليبيا»، في حرب دامت نحو 13 شهراً، وانتهت على الأبواب الجنوبية لطرابلس، قبل أن تتراجع قوات الجيش إلى محور سرت-الجفرة، خارج الحدود الإدارية للعاصمة في منتصف 2020.

واحتفى سياسيون ليبيون ونشطاء ومدوّنون بلقاء خالد حفتر والنمروش، عادين أنه «خطوة جيدة تحمل دلالات قوية» من شأنها تعزيز فرص توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، مشيرين إلى أهمية الانتقال «من مرحلة الجفاء إلى لغة الحوار البنّاء، وقطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية».

ووصف المحلل السياسي عمر بو أسعيدة لقاء خالد حفتر والنمروش في سرت بأنه «خطوة قيادية كبرى نحو تنسيق عسكري موحد يحمي سيادة ليبيا واستقرارها».

وتقع سرت على بُعد نحو 450 كيلومتراً من طرابلس، وفي منتصف المسافة تقريباً بينها وبين بنغازي، وهي مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي. وقد سبق أن سيطر عليها تنظيم «داعش» عام 2015، واتخذها أحد أبرز معاقله في شمال أفريقيا.

وكان مصدر عسكري قد تحدث لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة الماضي، عن لقاءات عسكرية تستضيفها سرت هذا الأسبوع، من بينها اجتماع خالد والنمروش، متوقعاً لقاءً آخر يجمع قريباً صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة».

عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)

وكان اللقاء الأول الذي احتضنته سرت قد جمع صدام والزوبي على هامش تمرين «فلينتلوك 2026» في 14 أبريل (نيسان) الماضي، في خطوة غير مسبوقة لاقت تفاعلاً واسعًا بين الليبيين، الذين عدّوها «بداية محتملة» نحو توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.

كما التقى صدام والزوبي مرة ثانية في مايو (أيار)، خلال مشاركتهما في فعالية بمدينة إسطنبول التركية.

وتضم سرت مقر اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، ما يُفسر عقد لقاءات عسكرية بين طرفي شرق ليبيا وغربها في المدينة، التي تتمركز قوات لـ«الجيش الوطني» في محيطها منذ تراجعها عن دخول العاصمة طرابلس في يونيو (حزيران) 2020.

وأثار ظهور النمروش وخالد حفتر معًا في مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة، الذي عُقد في الثاني من الشهر الحالي بالعاصمة الأنغولية لواندا، واجتماعهما مع قائد «أفريكوم»، داغفين أندرسون، تكهنات بشأن الدفع بالجهود الأميركية نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وإبان «ثورة 17 فبراير (شباط)» 2011، كانت سرت آخر مدينة شهدت معركة حاسمة بين «كتائب القذافي» وقوات المعارضة، وفيها كُتبت النهاية الدامية للقذافي في أكتوبر (تشرين الأول) 2011؛ حيث قُتل في ضواحيها، ما تسبّب في تعرض أجزاء كبيرة منها لدمار واسع خلال المعارك، لكنها بدأت راهناً «تنهض عمرانياً»، وفق ما تعكسه الحكومة وأطياف مختلفة من سكانها.


صور وصول جماعي لمهاجرين سرّيين جزائريين إلى إسبانيا تثير جدلاً

مهاجرون على متن أحد «قوارب الموت» أُنقذوا من قِبل خفر السواحل الإسباني (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون على متن أحد «قوارب الموت» أُنقذوا من قِبل خفر السواحل الإسباني (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

صور وصول جماعي لمهاجرين سرّيين جزائريين إلى إسبانيا تثير جدلاً

مهاجرون على متن أحد «قوارب الموت» أُنقذوا من قِبل خفر السواحل الإسباني (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون على متن أحد «قوارب الموت» أُنقذوا من قِبل خفر السواحل الإسباني (أرشيفية - أ.ف.ب)

أثار تداول مقاطع فيديو، السبت، لظاهرة وصول دفعات من المهاجرين الجزائريين غير النظاميين إلى إسبانيا، جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي. وانصب النقاش تحديداً حول الاستخدام المتزايد للقوارب فائقة السرعة من نوع «فانتوم»، وهي نوعية متطورة تضاهي الآليات التي تعتمدها أجهزة الأمن وخفر السواحل في عملياتها.

ووصل نحو خمسين شخصاً، غالبيتهم من الجنسية الجزائرية، صباح السبت، إلى أحد شواطئ منطقة مرسيا بجنوب إسبانيا على متن قارب «فانتوم»، وهو نوع من الزوارق السريعة التي باتت تشكل البصمة المميزة لشبكات تهريب المهاجرين الناشطة انطلاقاً من الغرب الجزائري. وحلقت مروحية تابعة للحرس المدني الإسباني فوق المنطقة أثناء تقدم المهاجرين وسط المياه، وهي اللحظات التي وثقتها ونقلتها وسائل إعلام محلية إسبانية.

صورة وصول المهاجرين الجزائريين (حسابات ناشطين)

وشارك عدد كبير من الناشطين صور «الوصول الجماعي» للمهاجرين، التي أثارت موجة كبيرة من التفاعل. وكتب الصحافي الجزائري فريد عليللات، الذي سبق أن أجرى تحقيقاً في مسارات الهجرة بين الجزائر وإسبانيا: «هذه ليست صورة لإنزال قوات الحلفاء في النورماندي في يونيو (حزيران) 1944، بل هم جزائريون نزلوا هذا السبت في مرسيا، جنوب إسبانيا، على متن قارب سريع من نوع (فانتوم). هنا، يوجد ما لا يقل عن 50 مهاجراً سرّياً. وبناءً على تحقيقات أجريتها حول هذا النشاط غير المشروع في ألميريا وأليكانتي (مدينتان في الجنوب الإسباني)، فإنه من المستحيل ألا يكون لمالك هذا القارب شركاء وحماة»، وهو يقصد الأجهزة المعنية بمحاربة الهجرة السرّية ومراقبة السواحل.

من جهتها، كتبت أستاذة الجامعة والناشطة السياسية المعروفة نسمية بوزمي: «المشهد ليس لعملية إنزال بحري لجنود، وإنما نقله الناشط الحقوقي الإسباني فرانشيسكو خوسيه كليمنتي مارتين على صفحته، وقال عنه إنه عملية إنقاذ خمسين شخصاً من الجزائر وصلوا إلى السواحل الإسبانية على متن قارب (فانتوم)، ولحسن حظهم فهم جميعاً بصحة جيدة».

مهاجران سرّيان يتلقيان الإسعافات بعد إنقاذهما من الغرق في عرض «المتوسط» (أرشيفية - وزارة الدفاع الجزائرية)

وتأتي عملية وصول هؤلاء بالتزامن مع صدور إحصاءات لوزارة الداخلية الإسبانية و«الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل»، المعروفة اختصاراً بـ«فرونتكس»، أظهرت قفزة نوعية في تدفقات الهجرة غير النظامية القادمة من الجزائر خلال عام 2026.

ووفق مراقبين، فإن «حادثة السبت، تجدد الشكوك بشأن وجود تسهيلات محليّة في مناطق الانطلاق، حيث تبدو قوارب (فانتوم) كأنها تحظى بغطاء وتغاضٍ لافت».

وتكشف التحقيقات التي أجرتها الصحافة الإسبانية، بناءً على بيانات الحرس المدني، أن تكلفة المقعد الواحد على متن قارب «فانتوم» تصل إلى قرابة 10 آلاف يورو. وتنفذ أكثر الشبكات نشاطاً رحلتين يومياً، ما يتيح لمالكي القوارب تحقيق أرباح تفوق المليون يورو في غضون 24 ساعة فقط.

وتؤكد الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية الإسبانية لعام 2026 تسجيل ارتفاع بنسبة 44 في المائة بشأن تدفقات الهجرة غير النظامية نحو إسبانيا خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وتضاعفت أعداد المهاجرين القادمين من الجزائر مرتين على طول الواجهة المتوسطية الإسبانية التي تشمل مرسيا، وألميريا، وأليكانتي.

الدفاع المدني الإسباني خلال عملية إنقاذ مهاجرين بـ«المتوسط» (أرشيفية - الدفاع المدني الإسباني)

وفي السياق ذاته، توضح بيانات «فرونتكس» للنصف الأول من عام 2026، أن الجزائريين يمثلون ما بين 35 في المائة إلى 40 في المائة من إجمالي الواصلين بحراً إلى جنوب إسبانيا، حيث تم رصد أكثر من 300 انطلاق لقوارب سريعة من الجزائر منذ مطلع العام، مع اعتماد متزايد على قوارب «فانتوم» القادرة على قطع المسافة البحرية في أقل من ساعتين، حسب تقديرات خبراء.

وتشهد الخريطة السياسية والأمنية لطرق الهجرة تحولاً متسارعاً، حسب الموقع المتخصص «مهاجر نيوز»؛ فبينما تظل جزر الكناري الوجهة الأساسية للمهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء، تحول المسار البحري الجزائري نحو مرسيا، وألميريا، وأليكانتي، إلى الطريق الأسرع والأكثر ربحية للشبكات الإجرامية. وتتخوف السلطات الإسبانية حالياً من زيادة احترافية شبكات التهريب، وارتفاع نسبة القاصرين بين المهاجرين، فضلاً عن توسع هذا النشاط ليمتد إلى شواطئ كتالونيا وجزر البليار.