فوز ترمب في آيوا أمّنه الإيفانجيليون والأرياف والمسنّون والأقل تعليماً

هل تعقّد نيوهامبشير حسم تنافس الجمهوريين على البيت الأبيض؟

ترمب يحتفل بانتصاره في آيوا (آ ف ب)
ترمب يحتفل بانتصاره في آيوا (آ ف ب)
TT

فوز ترمب في آيوا أمّنه الإيفانجيليون والأرياف والمسنّون والأقل تعليماً

ترمب يحتفل بانتصاره في آيوا (آ ف ب)
ترمب يحتفل بانتصاره في آيوا (آ ف ب)

مساء الاثنين الفائت، تكلّم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أمام حشد من المؤيدين في مدينة دي موين عاصمة ولاية آيوا، كما لو كان جميع منافسيه قد خرجوا بالفعل من السباق؛ إذ قال ساخراً من على المسرح:t «أريد أن أهنئ رون ديسانتيس ونيكي هايلي على تمضية وقت ممتع معاً». وبالفعل، أظهر الفوز الساحق الذي حققه الرئيس السابق، في التجمعات الحزبية في آيوا، التي أطلقت سباق الانتخابات الرئاسية الأميركية التمهيدية لعام 2024، مدى تماسك الحزب الجمهوري حوله. وظهر مدى صعوبة التحدّي الذي يواجه مرشحي الحزب الآخرين، والمنتقدين الذين سعوا للحصول على بدائل لترمب. فالرئيس السابق لم يجد أي مشكلة في تعزيز قاعدته، بل إنه نجح في توسيع دعمه بين الجمهوريين، ووحّد الحزب الذي كان منقسماً إزاءه إلى حد كبير. ولكن، في المقابل، أظهرت الولاية الواقعة بإقليم الغرب الأوسط، أيضاً حجم الكتلة الجمهورية التي ما زالت تقاوم سيطرته... وهي تتأهب لتوضيح المشهد أكثر، يوم الثلاثاء المقبل، في ولاية نيوهامشير (شمال شرقي الولايات المتحدة) التي ستشهد أول انتخابات تمهيدية فعلية مفتوحة في هذا السباق.

راماسوامي يعلن وقف حملته وانسحابه لصالح ترمب (آ ب)

دونالد ترمب، لم يتغلب فقط على منافسيه في آيوا، بل انتصر بفارق تاريخي على أبرزهم، أي رون ديسانتيس حاكم ولاية فلوريدا، ونيكي هايلي حاكمة ولاية ساوث كارولاينا السابقة، كما أجبر رجل الأعمال الثري فيفيك راماسوامي على الانسحاب من السباق وإعلان تأييده له.

لقد حصل ترمب على 51 في المائة من أصوات متجمّعي آيوا، أي ما يزيد بعشر نقاط على الأصوات التي حصل عليها ديسانتيس وهايلي معاً. وبالتالي، عدّ كثرة من الخبراء والاستراتيجيين والمعلقين الجمهوريين، فوزه هذا بمثابة «قطار قد يكون من الصعب اللحاق بمحطاته بعد اليوم»؛ إذ بدا الطريق أمام منافسيه ضيقاً على نحو متزايد.

السيناتور الجمهوري السابق ريك سانتوروم، المرشح الرئاسي الجمهوري مرتين، قال: «الليلة كانت كبيرة للغاية بالنسبة لما يمكن أن ينذر به هذا بالنسبة للمستقبل... ومع حصول ترمب على 50 في المائة في آيوا، بالإضافة إلى العروض التي يستعد لها في نيوهامبشير، فقد انتهى الأمر». وبالفعل، حقق ترمب ما كانت تشير إليه استطلاعات الرأي على امتداد أشهر من بيانات الاقتراع، التي أظهرت أيضاً أن معظم جمهوريي الولاية كانوا على استعداد للتغاضي عن الاتهامات القضائية التي يواجهها. وهذا ما عكسته الأرقام التي حققها لدى الإيفانجيليين (البروتستانت المتشددين). وبعدما لقي صعوبة ذات يوم في ضمان دعمهم وخسر حينذاك أمام السيناتور تيد كروز عام 2016، فإنه كسب هذه المرة تأييدهم بشكل كاسح في كل المقاطعات التي يهيمنون عليها.

ترمب عزّز قواعده

في الواقع، قبل يوم واحد من انعقاد المؤتمر الحزبي الجمهوري في آيوا، ظفر ترمب ليس فقط بتأييد السيناتور الجمهوري ماركو روبيو، الذي تنافس معه عام 2016، ولكن أيضاً حاكم ولاية نورث داكوتا دوغ بورغوم، الذي انسحب من السباق الرئاسي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. كذلك حصل رسمياً حتى الآن على تأييد 135 مشرّعاً جمهورياً في مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما يتجاوز بكثير ما حصل عليه ديسانتيس (5 نواب في مجلس النواب) ونائب واحد لهايلي.

أيضاً أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة «سي بي إس» بالتعاون مع «يوغوف» يوم الأحد، أن 70 في المائة من الناخبين الجمهوريين على المستوى الوطني يعتقدون أن ترمب، وليس هايلي أو ديسانتيس، يمثّل أفضل أمل للحزب للفوز على الرئيس جو بايدن. لكن المفارقة أن الاستطلاع نفسه أظهر أن الناخبين يعتقدون أن هايلي تتفوّق على ترمب في الانتخابات العامة.

ومع تصويت 49 في المائة من الجمهوريين في آيوا ضده (حصل ديسانتيس على 21 في المائة، وهايلي على 19 في المائة، و9 في المائة لآخرين)، وقول أكثر من 30 في المائة من المشاركين في المؤتمر الحزبي، إنه لن يكون لائقاً للرئاسة إذا أدين، يصاعد القلق لدى الجمهوريين من أن تجد أميركا نفسها أمام تكرار «سيناريو» عام 2020، بين ترمب ومنافسه الديمقراطي الرئيس الحالي جو بايدن.

آيوا لم تُقصِ هايلي... ووضع ديسانتيس صعب

هذا الأمر دفع كثيرين لاعتبار أن حصيلة آيوا ليست سبباً كافياً لانسحاب هايلي من السباق، لا سيما أن رهانها الحقيقي على المنافسة كان معقوداً منذ البداية على نيوهامبشير. وهي بعكس ديسانتيس استفادت طويلاً من استخفاف المراقبين بفرصها في آيوا، حيث لم يتوقع أحد احتلالها المركز الثاني. ولقد أصرّت هايلي - ومعها فريقها - على أن هدفها تحقيق أفضل الممكن في كل ولاية من الولايات المبكّرة، في محاولة لإبقاء التوقعات متواضعة مع بدء عملية الترشيح. ويوم الاثنين علقت هايلي، يوم الاثنين، بعد ظهور نتائج آيوا: «عندما تنظر إلى ما نفعله في نيوهامبشير وساوث كارولاينا وغيرهما، أستطيع القول مطمئنة إن آيوا حصرت هذا السباق الليلة بين شخصين» (أي بينها وبين ترمب).

في المقابل، لم يحقق ديسانتيس أكثر من توقّعات الاستطلاعات، باحتلاله المركز الثاني بعد ترمب؛ إذ لم يفز بأيّ من مقاطعات آيوا الـ99. وبدا ومعه فريقه مُحبَطون حيال مسار السباق، وبالأخص قبيل انتخابات نيوهامبشير، حيث أوقف الإنفاق الإعلامي فيها فعلياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وعليه، أجابت ولاية أيوا عن بعض الأسئلة الكبيرة، مثل ما إذا كانت «إدارة» ديسانتيس لحملته على الأرض مهمّة، وما إذا كانت استطلاعات الرأي تعكس بدقة نيات الناخبين الجمهوريين.

ديسانتيس حل ثانياً في آيوا... لكن الاختبار الأصعب قادم (رويترز)

ترمب قلب التوقعات

بالنسبة إلى ترمب، لم يعُد الائتلاف الجديد الذي كان تكلّم عنه افتراضياً. فقد تمكن من قلب كل التكهّنات السلبية التي توقعت خروجه من المشهد السياسي بعد أحداث 6 يناير (كانون الثاني) 2021. وتجاوز النتائج المخيبة للآمال في انتخابات التجديد النصفي عام 2022، بعدما حُمل مسؤولية الفشل في إحداث «الموجة الحمراء» التي وعد الجمهوريون أنفسهم بها. واستند في كل ذلك إلى جهد سنة كاملة في تنظيم حملته الانتخابية والإنفاق جيداً عليها، وهو ما طرح تساؤلات عن الحدود التي يمكن أن يصل إليها منافسوه، وردود فعل الناخبين في نيوهامبشير، التي ستشكل اختباراً حقيقياً، وعادةً ما تدحض نتائج التجمعات الحزبية في آيوا.

مع هذا، لم تكن سيطرة الرئيس السابق على ناخبي آيوا الجمهوريين في آيوا كاملة، بدليل تصويت 49 في المائة لمرشحين غيره. ووفق تحليل لصحيفة «بوليتيكو»، حصل ترمب على أقل من ربع الأصوات في أكثر من 30 دائرة انتخابية في الضواحي، مقابل حصوله على نسبة تزيد على 90 في المائة من الأصوات في عدد مماثل من الدوائر الانتخابية الريفية. أيضاً، صوّت في آيوا نحو 109 آلاف جمهوري، بانخفاض كبير عن 187 الفاً صوتوا عام 2016، ما يؤكد الاتجاه الذي أربك الجمهوريين خلال الدورات الانتخابية القليلة الماضية.

"نيكي هايلي تراهن على تحالف من الليبراليين والمستقلين والرافضين لإعادة سباق 2020"

ترمب ضعيف في المدن... وبين المتعلمين

لذا، في حين تظهر نتيجة آيوا كيف تمكّن ترمب من كسب غالبية الدعم الجمهوري، فإنها تكشف أيضاً عن ضعفه النسبي بين ناخبي ضواحي المدن والناخبين المحدودي التعليم، ما يثير تساؤلات حول كيفية حصوله على دعم كتلة تصويتية لطالما نظرت إليه بتشكّك واعتُبرت وقوداً لخسارته عام 2020. وللعلم، كانت مقاطعة جونسون، وهي المقاطعة الوحيدة التي يحمل بالغوها درجة البكالوريوس، وفيها مدينة آيوا سيتي، حيث حرم جامعة آيوا، كانت المقاطعة الوحيدة التي لم يفز بها ترمب بشكل مباشر، بل تفوقت هايلي عليه فيها بفارق صوت واحد. كذلك عانى ترمب في مدينة أيمز، حيث مقرّ جامعة آيوا ستايت؛ إذ حاز نسبة 27 في المائة فقط من الأصوات في 22 دائرة انتخابية بالمدينة.

أيضاً، كان أداء ترمب أسوأ في المجالات التي فشل فيها أمام بايدن خلال انتخابات 2020، وهي الأماكن التي يميل فيها الناخبون الجمهوريون والمستقلون المتاحة لهم المشاركة في التجمّعات الحزبية من خلال الانضمام إلى الحزب في يوم التجمّع الحزبي، إلى أن يكونوا أكثر اعتدالاً من ناخبي المناطق «الحمراء». وبين مقاطعات آيوا الست التي فاز فيها بايدن عام 2020 - ومعظمها في المناطق الحضرية أو الضواحي - حصل ترمب يوم الاثنين على 50 في المائة في واحدة منها فقط.

هذا، وأظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت مع أعضاء الحزب عند وصولهم ليلة الاثنين، الانقسام الكبير نفسه، حسب التحصيل التعليمي الذي تشير إليه نتائج الدوائر؛ إذ صوّت 67 في المائة (اثنان من كل ثلاثة) من الحزبيين الجمهوريين غير الجامعيين لترمب. وكان ذلك مكسباً مهماً له مقارنة بعام 2016، عندما حصل على 28 في المائة من هؤلاء الناخبين، وهم في غالبيتهم من الإيفانجيليين.

المواجهة مع بايدن

من جهة أخرى، لم يفز ترمب إلا بـ37 في المائة من أصوات المشاركين الجامعيين في التجمعات الحزبية، ويعكس هذا الديناميكية السائدة بين الناخبين على المستوى الوطني؛ إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» مع كلية سيينا خلال الشهر الماضي، أن الرئيس بايدن يتقدّم على ترمب بفارق 27 نقطة مئوية بين الناخبين المحتملين الحاصلين على درجة البكالوريوس، مقابل تقدم ترمب بفارق 15 نقطة بين الناخبين الذين لا يحملون شهادة جامعية، فضلاً عن تقدمه بين الأعضاء الأكبر سناً، حيث ارتفع 32 نقطة بين كبار السن الذين تزيد أعمارهم على 65 سنة، و29 نقطة بين أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و64 سنة. أما النتيجة الأكبر فكانت فشل ترمب في تحقيق تقدّم لدى صغار السن، حيث حصل على تأييد 3 في المائة فقط ممن هو دون الـ30 سنة. وهذا قد يدحض الكثير من نتائج الاستطلاعات عن الانتخابات العامة. وبالذات، تلك التي زعمت أن ترمب يحقق مكاسب كبيرة عند الناخبين الشباب في المنافسة مع بايدن.

نيوهامبشير أكثر اعتدالاً وتعليماً... وأقل تعصباً

الآن، مع تحويل المرشحين الجمهوريين الثلاثة اهتمامهم إلى ولاية نيوهامبشير يوم الثلاثاء المقبل، لا تبدو قواعد المعركة مختلفة بعض الشيء عنها في آيوا. ففي العقود السبعة الماضية قدمت الولاية كل التجارب والنماذج، من حيث التوقّعات؛ إذ مكّنت الخاسرين في آيوا من العودة للفوز، وأفشلت الناجحين مُجبِرة إياهم على خوض معارك لأشهر طويلة.

ومراراً وتكراراً، تجاهلت «الولاية الأولية» الأولى نتائج «الولاية الحزبية» الأولى؛ إذ خسر رونالد ريغان التجمعات الحزبية في آيوا عام 1980 أمام جورج بوش الأب، لكنه فاز بغالبية ساحقة في نيوهامبشير. وعام 1988، وبعدما احتل بوش المركز الثالث في آيوا، وضعه انتصاره على منافسه السيناتور بوب دول في نيوهامبشير، على الطريق نحو الفوز بترشيح الحزب الجمهوري. وفي العام نفسه، جاء حاكم ماساتشوستس مايكل دوكاكيس ثالثاً في تجمعات آيوا للديمقراطيين، لكنه عاد وفاز في نيوهامبشير ونال ترشيح حزبه. وعام 2008 خسر السيناتور جون ماكين في آيوا، ليشق فوزه في نيوهامبشير طريقه له نحو الفوز بترشيح الحزب الجمهوري... ومواجهة المرشح الديمقراطي باراك أوباما.

في أي حال، وعلى الرغم من هامش ترمب الضخم في آيوا، فإن انتخابات نيوهامبشير التمهيدية تعطي خصومه من الجمهوريين فرصة لعرقلة زخمه؛ إذ إن هذه الولاية مختلفة جذرياً عن آيوا، فعدد المسيحيين الإيفانجيليين فيها أقل بكثير، كما أنها أكثر اعتدالاً بكثير، ونسبة بالغيها الجامعيين أيضاً أكبر بكثير... ثم إن انتخاباتها التمهيدية شبه مفتوحة، حيث يمكن للناخبين غير المنتمين إلى أي حزب أن يشاركوا في التصويت. وبالتالي، يمكن «لمعركتها» أن تعطي نتيجة مختلفة، الأمر الذي تراهن عليه على الأقل هايلي، بعدما اقتربت من ترمب بفارق ضئيل في أحد الاستطلاعات الأخيرة بفضل خطاب متماسك ضد بايدن.

ترمب يحتفل بانتصاره في آيوا (رويترز)

السنّ... مشكلة ترمب وبايدن المشتركة

كثفت نيكي هايلي التي تعد أكبر تهديد لدونالد ترمب في نيوهامبشير هجماتها على سنه المتقدمة بينما يضع هو نُصب عينيه تحقيق فوز حاسم ثانٍ على التوالي في ولاية مبكرة استطلاعات الرأي هنا تشير إلى أن تقدم ترمب في أدنى مستوياته. ولذا كثفت هايلي ضغطها، وقالت إن أميركا لا تستطيع تحقيق أهدافها المتمثلة في تأمين الحدود، وخفض الدَّين الوطني، وتحسين نظامها التعليمي، إذا تحولت الانتخابات العامة إلى مباراة إعادة بين بايدن وترمب. وأردفت: «لا يمكنك فعل ذلك إذا كان لديك شخصان يبلغان من العمر 80 سنة» (بايدن 81 سنة وترمب 78 سنة). ثم تابعت: «لا يمكننا أن نفعل ذلك إذا قال 70 في المائة من الأميركيين إنهم لا يريدون إعادة المباراة بين ترمب وبايدن. لا يمكنك أن تفعل ذلك إذا قال غالبية الناس إنهم لا يفكرون بلطف في هذين الاثنين». وهكذا، سعت هايلي إلى وضع نفسها بديلاً رئيسياً لترمب، وأعلنت عزوفها عن أي مناظرة رئاسية، إلّا معه أو مع بايدن.لكنّ نتائج آيوا، شجّعت ترمب، الذي حضر -من دون أن يكون مُلزماً- جلسة محاكمته، يوم الثلاثاء، في قضية التشهير التي رفعتها الكاتبة السابقة آي جين كارول، ضده. وكذلك حضر نشاطاً انتخابياً في نيوهامبشير في اليوم نفسه، مؤكداً مضيه قدماً في استخدام تحدياته القانونية لتعزيز الدعم والتعاطف بين قاعدته الانتخابية.

هايلي سعيدة بالتغلب على ترمب بفارق صوت واحد في مقاطعة جونسون (آ ب)

تحالف «ليبرالي» وحاكم نيوهامبشير مع هايلي

تعرّضت نيكي هايلي مجدّداً لهجمات دونالد ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع كسبها مزيداً من التأييد قبل انتخابات نيوهامبشير؛ إذ سخر ترمب منها لحلولها ثالثةً في تجمعات آيوا على الرغم من تلقيها دعماً مالياً من منظمة «أميركيون من أجل الازدهار»، وهي المجموعة السياسية التي يموّلها الملياردير المحافظ تشارلز كوخ.وهي تحظى الآن أيضاً بدعم بعض الديمقراطيين؛ إذ دعا جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك «جيه بي مورغان تشيس، الديمقراطيين الليبراليين إلى دعمها. كذلك جذبت الانتباه تحركات بعض المانحين الديمقراطيين، مثل ريد هوفمان، المؤسس المشارك لموقع «لينكد إن»، الذي قدّم 250 ألف دولار لحملتها. لذا سلط ترمب وحلفاؤه الضوء على هذا الدعم، بالزعم أنها ليست «محافظة بالقدر الكافي». وقال ترمب، الثلاثاء، إنه لن يضيع وقته في الكلام عن ديسانتيس - الذي بدا مستسلماً في نيوهامبشير - بل أراد التكلم عن هايلي «بسبب التصوّر بأنها صعدت».لكن مواجهة ترمب - هايلي في نيوهامبشير لن تكون سهلة. فهي تحظى بتأييد حاكم الولاية الجمهوري كريس سونونو، الذي قارن أخيراً أسلوب حملتها مع أسلوب ترمب، قائلاً إن الرئيس السابق سيصل لحضور التجمع ثم يعود على متن «طائرته الصغيرة الفاخرة» إلى فلوريدا. وللعلم، يتمتع سونونو بشعبية كبيرة في الولاية، وحصل على تأييد 75 في المائة منهم في انتخابات التجديد للمرة الرابعة. وفي المقابل، نجحت هايلي حقاً في تضييق الهوة مع ترمب في الولاية، محوّلة السباق إلى منافسة مباشرة معه، عبر بناء ائتلاف من ناخبي الحزب الجمهوري المستعدين للتخلي عنه، بجانب المستقلين الذين يرفضون ما يعدّونه «أجندته وسياساته المتطرفة وسلوكه المتهّور».


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.