مسؤول السياسة الخارجية الأوروبي يقترح خريطة طريق لبعد «غزة» بسلطة انتقالية

جوزيب بوريل: «أولويتنا المطلقة» منع ترحيل الفلسطينيين عنوة من القطاع

ميسرة أبو تلخ طفل أصيب في غارة إسرائيلية وانتقل مع عائلته النازحة إلى رفح جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)
ميسرة أبو تلخ طفل أصيب في غارة إسرائيلية وانتقل مع عائلته النازحة إلى رفح جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)
TT

مسؤول السياسة الخارجية الأوروبي يقترح خريطة طريق لبعد «غزة» بسلطة انتقالية

ميسرة أبو تلخ طفل أصيب في غارة إسرائيلية وانتقل مع عائلته النازحة إلى رفح جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)
ميسرة أبو تلخ طفل أصيب في غارة إسرائيلية وانتقل مع عائلته النازحة إلى رفح جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)

بعد ما يزيد على 100 يوم على حرب غزة، ما زال الاتحاد الأوروبي يبحث عن دور وسط انقسامات أعضائه وتشرذم مواقفهم. الأمر الذي يرمي ستاراً من الغموض على ما يريده الاتحاد وعلى ما هو عازم القيام به إزاء حرب تقع على أبوابه.

وحتى اليوم، ورغم ما يزيد على 24 ألف قتيل فلسطيني في غزة، وعشرات الآلاف من الجرحى، والتدمير المنهجي للبنى السكنية والتحتية الأساسية، لم يتوصل الاتحاد بعد إلى مرحلة المطالبة بصوت واحد بوقف لإطلاق النار، حيث فشل وزراء الخارجية ثم قادة الاتحاد في التوصل إلى موقف موحد مشترك، يكون له وزنه على الصعيد العالمي.

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مستقبلاً جوزيب بوريل ممثل السياسة الخارجية الأوروبية في 8 يناير لدى زيارته المملكة العربية السعودية (أ.ف.ب)

ولأن الوضع الداخلي للاتحاد هو على هذه الحال، فإن جوزيب بوريل، الممثل الأعلى للسياستين الخارجية والدفاعية للاتحاد الأوروبي، يجد صعوبة في التعبير، باسم الاتحاد، عن سياسة واضحة لـ3 أسباب، أولها الانقسامات المشار إليها، وثانيها القناعة المترسخة بأن الطرف الوحيد القادر على التأثير على إسرائيل هي الولايات المتحدة الأميركية، وثالثها التخوف من توجيه انتقادات واضحة لإسرائيل، التي تعارض منذ عقود أي دور سياسي للاتحاد بشأن النزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، الذي تعتبره داعماً للموقف العربي.

ويتبدى الضعف الأوروبي في المقال الذي نشره بوريل في صحيفة «لو موند» الفرنسية، الثلاثاء، عقب الجولة الأخيرة التي قام بها في عدد من بلدان الشرق الأوسط ، وفيه يلخص حصيلة رؤيته للنزاع، والحلول التي يراها ضرورية.

3 أولويات

يؤكد بوريل أن ثمة 3 أولويات يتعين التركيز عليها في الوقت الراهن؛ منع تمدد النزاع إلى حرب بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني، تخفيف وطأة الكارثة في غزة مع إعادة تفعيل المفاوضات لتحرير الرهائن الإسرائيليين، فتح الطريق أمام تسوية للنزاع بدءاً بوضع حد للعنف الممارس ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وفي ما خص الأولوية الأولى، ينبه بوريل مما سبق أن شدد عليه في بيروت لجهة النتائج الكارثية لحرب مفتوحة على الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية خصوصا على الشعب اللبناني الذي «سيدفع ثمناً رهيباً»، داعياً إلى تطبيق مضمون القرار الدولي رقم 1701 ومعتبراً أن أمراً كهذا يمكن أن يتم «مباشرة» متجاهلاً التعقيدات التي تحيط به. وفي أي حال، يؤكد المسؤول الأوروبي أن الاتحاد جاهز لتوفير المساعدة المطلوبة من غير توضيح ماهيتها.

أما بالنسبة لغزة، فإن «الأولوية المطلقة» بنظره عنوانها منع ترحيل سكان القطاع عنوة إلى خارجه، الأمر الذي يمنعه القانون الدولي وترفضه المبادئ الأخلاقية. وإذ يذكر بوريل بأن نسبة 80 بالمائة من سكان القطاع أجبرت على النزوح من منازلها، وأن مئات الألوف من السكان «يعيشون في ظروف لا إنسانية»، فإنه يدعو إلى «تخفيف آلام الناس» من خلال زيادة إيصال المساعدات الإنسانية التي لا تصل بكميات كافية بسبب «ثقل الرقابة».

بيد أن بوريل يمتنع عن الإشارة إلى الجهة التي تمنع تسرع إيصال المساعدات، كما أنه امتنع عن الإشارة إلى أعداد القتلى الذين وقعوا نتيجة القصف الإسرائيلي متنوع الأشكال. وبدل أن يطالب، بشكل مباشر وقوي، بوقف لإطلاق النار، وهو ما جاء في قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا إلى «خفض حدة المعارك وصولاً إلى توقفها الضروري».

عائلات موظفي المنظمات الدولية ينقلون أمتعتهم إلى مركز إيواء تابع للأمم المتحدة جنوب قطاع غزة 13 أكتوبر (رويترز)

بيد أن بوريل يتبنى الموقف الإسرائيلي بتأكيده أنه «ليس من الواقعي تعليق العمليات العسكرية من غير حصول إسرائيل على ضمانات مؤكدة بشأن إطلاق (حماس) الأسرى الإسرائيليين». ويتضح ضعف موقف المسؤول الأوروبي عند اكتفائه برفض الاتهامات الموجهة لعمل المنظمات الدولية في قطاع غزة، عاداً استهدافها «عملاً خطيراً»، من غير أن ينير القارئ حول الجهة التي تعرقل عملها وتندد به.

وقال بوريل إنه «لا يجوز التركيز على الشرعية الدولية في أوكرانيا والتنديد بها في غزة» لأن من شأن ذلك تعزيز اتهامات «ازدواجية المعايير».

طرح أولمرت

يشدد المسؤول الأوروبي على ضرورة التوصل إلى الحل السياسي باعتبار أن العمل العسكري لن يحل المشكلة. وهنا، يؤكد تبنيه لطرح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، الذي اعتبر أن الأولوية في غزة يجب أن تكون انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، ولكن بعد إطلاق سراح جميع الأسرى، عقبها تقوم «سلطة فلسطينية انتقالية» تحظى بدعم دولي من خلال قرار صادر عن مجلس الأمن.

وصدور هذا القرار سيوفر لها الشرعية «على مستوى العالم» والمصداقية لدى الفلسطينيين وإسرائيل والمانحين الذين «لن ينخرطوا في عملية إعادة إعمار غزة من غير مسار واضح ومحدد سلفاً لجهة حل الدولتين».

الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في رام الله في 10 يناير الحالي (رويترز)

وعقب المرحلة الانتقالية، يتعين، وفق بوريل، انطلاق المفاوضات بين «إسرائيل والدولة الفلسطينية» من أجل حل سياسي شامل بدعم من الأسرة الدولية، ما يفترض وقف الاستيطان في الضفة الغربية. وخلاصة بوريل أن فشل اتفاقيات أوسلو لعام 1993 يستدعي التوقف عند أمثولتين؛ الأولى أنه يعني سلفاً اعتبار أن قيام الدولتين هو الحل للنزاع. والثانية أنه لا يمكن الاعتماد على الفلسطينيين والإسرائيليين فقط للتوصل إلى تفاهم، وأن شروط السلام يجب أن تطبق، وأن يضمن تطبيقها مجمل الأسرة الدولية. وفي هذا السياق، يدعو بوريل الاتحاد الأوروبي «للمساهمة في هذه العملية بشكل كامل، وألا يبقى متفرجاً».

انقسامات أوروبية

في الكلمة التي ألقاها في برشلونة يوم 3 يناير (كانون الثاني)، عبّر بوريل عن «أسفه» لعجز القادة الأوروبيين عن التوصل إلى موقف موحد بشأن وقف إطلاق النار، معتبراً أن ذلك «سيضعف الاتحاد». وبالتالي، فإن الدور الذي يريده للأوروبيين الـ27 في الدفع نحو حل سياسي لن يكون متوافراً بسبب الانقسامات نفسها.

وليس سراً أن ألمانيا تمتنع بشكل مطلق عن توجيه أي انتقاد لإسرائيل. الأمر الذي برز بوضوح تام منذ اندلاع الحرب في غزة. كذلك، فإن النمسا وتشيكيا تعدان بمثابة «حصان طروادة» إسرائيل داخل النادي الأوروبي، وثمة دول أخرى مثل الدنمارك وهولندا تدافعان تقليدياً عن المصالح الإسرائيلي، فيما دول مثل بلجيكا وآيرلندا وإسبانيا تعد أقرب إلى المقاربة الفلسطينية.

أما باريس فإنها تسعى لموقف وسطي. وبالنظر لصورة هذه الفسيفساء، فإن من الصعب على أوروبا أن تلعب الدور الذي يريد بوريل لها أن تلعبه. من هنا، فإن أوروبا تركز على العمل الإنساني الذي لا يمكن اعتباره بديلاً عن المواقف السياسية.


مقالات ذات صلة

مقترح أوروبي جديد لخفض الموازنة طويلة الأجل للاتحاد الأوروبي

الاقتصاد أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

مقترح أوروبي جديد لخفض الموازنة طويلة الأجل للاتحاد الأوروبي

تم طرح مقترح تفاوضي جديد بشأن الموازنة طويلة الأجل المقبلة للاتحاد الأوروبي، يقضي بخفضها بنحو 159 مليار يورو مقارنة بالمقترح الأصلي للمفوضية الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد سيارات معدَّة للتصدير في ميناء يانتاي بمقاطعة شاندونغ الصينية (رويترز)

الصين وأوروبا لتفادي «حرب تجارية» بعد اتفاق بشأن السيارات

اعتبرت بكين أنها والاتحاد الأوروبي بإمكانهما تفادي التصعيد في مختلف النزاعات بينهما، في ظل ازدياد المخاوف من اندلاع حرب تجارية قد تكون لها تداعيات سلبية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد آلاف الحاويات المُعدة للتصدير في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

دعوات ألمانية لتطبيق أدوات مكافحة الإغراق والدعم غير العادل ضد الصين

أوصت لجنة خبراء بتكليف من البرلمان الألماني، بإعداد تدابير تجارية أكثر صرامة ضد الصين على المستوى الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتاكوس شاركت في قص شريط افتتاح جزء من خط سكك حديدية يربط بين تركيا وأوروبا مع الرئيس رجب طيب إردوغان في ولاية إدرنة شمال غربي البلاد (الرئاسة التركية)

الاتحاد الأوروبي يؤكد ابتعاد تركيا عن هدف الانضمام إليه

أكد الاتحاد الأوروبي أن تركيا تبتعد عن هدف الانضمام إلى عضويته بسبب ممارسات تستهدف حقوق الإنسان وحرية التعبير والديمقراطية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

الاتحاد الأوروبي يمهد لبقاء قواته في لبنان بعد «اليونيفيل»

يمدد الاتحاد الأوروبي تنفيذ التزاماته بدعم المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية، بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، عبر استحداث بعثة جديدة لتقديم التدريب والاستشارات.

نذير رضا (بيروت)

الحكومة الفرنسية تسابق اتساع الحراك الطلابي بإجراءات تهدئة

جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

الحكومة الفرنسية تسابق اتساع الحراك الطلابي بإجراءات تهدئة

جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

يوماً بعد آخر، تسعى السلطات الفرنسية لـ«إطفاء» حراك تلاميذ التعليم الثانوي من خلال إعلان الاستجابة لمطالبهم الرئيسية. وأعلن وزير التربية إدوار جيفراي، ليل الخميس، في حديث تلفزيوني، أن وزارته أعدت «خطة طوارئ» نجحت في توفير «عدة آلاف» من الأساتذة لسد النقص الذي يشكو منه التلاميذ، والذي كان أحد مطالبهم الرئيسية.

وحسب جيفراي، فإن أجهزة وزارته أحصت ثلاثة آلاف معلم متوفرين وجاهزين لسدّ النقص في 514 ثانوية تشكو من الفراغ التعليمي الناتج عن غياب الأساتذة الأصيلين، فيما ثانويات عامة أخرى موجودة بشكل عام في ضواحي المدن الكبرى تشكو بشكل مزمن من هذا الغياب. كذلك، أكد الوزير المعني أنّ «المنصة الإلكترونية» التي أطلقتها وزارته لتلقي شكاوى التلاميذ والطلاب تلقى نجاحاً بارزاً، إذ إن ما لا يقل عن أربعين ألفاً منهم لجأوا إليها لهذا الغرض. وأكثر من ذلك، أفاد جيفراي بأنه سيُعطي مديري الأكاديميات القدرة على التعاقد مع أساتذة حيث تدعو الحاجة.

إجراءات لتهدئة الشارع

بعكس الكلمة المتلفزة لرئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الأربعاء، التي لم تحمل جديداً باستثناء الطلب من مديري الثانويات تخصيص نصف يوم تعليمي لـ«الحوار الديمقراطي الداخلي» مع التلامذة، وهو ما عدّه الكثير منهم بلا فائدة، فإن جيفراي لم يغلق الباب أمام احتمال زيادة الميزانية المخصصة لوزارة التربية التي ستبلغ العام المقبل 64 مليار يورو. إلا أن الميزانية الجديدة تنصّ أيضاً على إلغاء 1588 وظيفة تعليمية بسبب تناقص أعداد التلاميذ المتواصل.

وزير التربية الفرنسي إدوار جيفراي (وسط) في حوار مع التلامذة خلال زيارة إلى مدرسة ثانوية في مدينة كاشان يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

أما على المستوى الأمني، وبعد الانتقادات العنيفة التي وُجّهت إلى كيفية تعامل الشرطة والدرك مع المتظاهرين، فقد عمدت وزارة الداخلية إلى منع استخدام القنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين، فيما جهاز التفتيش الداخلي التابع للشرطة أعلن فتح 18 تحقيقاً بخصوص تجاوزات قد تكون ارتُكبت في أيام التظاهر الأخيرة. فالأنظار ما زالت تتركز على تلميذ فَقَدَ إحدى عينيه بسبب إصابته برصاصة مطاطية، وآخر يعاني من تشويه في وجهه، وثالث بُترت يده اليسرى بسبب قنبلة صوتية. لذا، أعلن لوران نونيز، وزير الداخلية، منع استخدام القنابل الصوتية في التعامل مع حراك التلاميذ والطلاب، وطلب التركيز على استخدام خراطيم المياه لتفريقهم.

تحذير مفوضية حقوق الإنسان

بيد أن هذه التدابير لم تُقنع المفوضية العليا لحقوق الإنسان التي أعلنت شابيا مانتو، الناطقة باسمها، من جنيف، عن «قلق» إزاء «الأحداث» التي شهدتها المظاهرات الأخيرة.

وزير التربية الفرنسي إدوار جيفراي خلال حوار مع التلامذة في كاشان يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وقالت هذه الناطقة إن المفوضية «تدعو جميع الأطراف إلى الإبقاء على سلمية المظاهرات والابتعاد عن اللجوء غير المتناسب للقوة من قِبل القوى الأمنية»، في انتقاد مباشر لأدائها في الأيام الأخيرة. وشددت المفوضية على ضرورة احترام المظاهرات السلمية، علماً بأن وزير الداخلية الذي يدافع دوماً عن أداء قواته، ويتهم عناصر «مشاغبة» بالتدخل، يؤكد احترام التجمعات والمظاهرات السلمية.

في المقابل، ينتقد التلاميذ والطلاب وأحزاب اليسار «القمع البوليسي» و«عنف الشرطة»، وتحديداً وحدات مكافحة الشغب. وتفيد آخر الإحصاءات بأن ما لا يقل عن 6877 شخصاً تم توقيفهم في الأيام الأخيرة، وأن 86 في المائة منهم من القاصرين. ويقول المشككون إنه من الصعوبة بمكان تصديق أن هذه النسبة المرتفعة من القاصرين تنتمي إلى فئة المشاغبين.

ووفق وزارة العدل، فإن 2376 شخصاً من الموقوفين تتم ملاحقتهم قضائياً، ومن بين هؤلاء 1923 قاصراً.

أحد المتظاهرين يعيد رمي قنبلة غاز مسيّل للدموع في اتجاه الشرطة خلال اشتباكات في باريس يوم 6 أكتوبر (د.ب.أ)

من جانبها، دعت «النقابة الفرنسية الديمقراطية للعمل» القريبة من الحزب الاشتراكي إلى مراجعة معمّقة لأساليب حفظ النظام. وقالت ماريليز ليون، أمينتها العامة، في تصريح إذاعي يوم الجمعة، إن «ما يثير القلق البالغ» أن وزارة الداخلية انتظرت أن تُبتر يد فتى يبلغ من العمر 15 عاماً قبل منع اللجوء إلى القنابل الصوتية. كما أعربت عن «تساؤلاتها» بشأن العديد من الأشخاص الذين تم توقيفهم منذ 28 سبتمبر (أيلول).

وتعمد السلطات، إلى جانب تركيزها على الاستعداد للاستماع والتجاوب مع المطالب المرفوعة، إلى الإيحاء بأن الحراك الطلابي آخذ في التراجع. ودليلها على ذلك تراجع عدد المشاركين في مظاهرات الخميس، بحيث لم يتجاوز سقف 71 ألف شخص، منهم 24 ألفاً في باريس وحدها.

تفاؤل حكومي

لكن الحقيقة أن قراءة دقيقة لما جرى في الساعات الـ72 الأخيرة تعكس واقعاً مخالفاً لنظرة الحكومة التفاؤلية.

فنقابات التلامذة، بدعم من زملائهم في التعليم الجامعي، قررت تنظيم «يوم تعبئة» خامس يوم الثلاثاء المقبل. والأمر المستجد أن الحراك الذي بدأ في ثانويات الضواحي طال نظيرتها الرسمية «المتميزة»، والواقعة في الأحياء الباريسية «الراقية»، مثل ثانوية «لويس لوغران» أو ثانوية «هنري الرابع» القريبة من «البانتيون».

طلاب في مدرسة «لوفر» يعبّرون عن تضامنهم مع حراك التلاميذ في باريس، يوم 9 أكتوبر (رويترز)

وأكثر من ذلك، فإن الحراك طال المدارس الكاثوليكية الخاصة، بحيث تعطّلت الدراسة في 61 في المائة من مؤسساتها في منطقة ليون، ثاني أكبر مدينة فرنسية وتقع وسط البلاد.

وكان لافتاً أن تلاميذ مدرسة «ماسيون» الخاصة المعروفة في باريس شاركوا بدورهم في المسيرة الطلابية إلى ساحة «لا ريبوبليك». ثم إن العنف لم يختفِ، إذ جرت اشتباكات في ساحة «الباستيل» والشوارع المتفرعة عنها عند تفريق المظاهرة، كما تم القبض على 504 من المتظاهرين الذين تعدّهم الشرطة من «المشاغبين»، فيما جرح 48 عنصراً أمنياً.

وأكثر من ذلك، فإن جميع الجامعات في باريس، بما فيها كلية العلوم السياسية، أصبحت متوقفة عن الدراسة، ما يُبيّن أن التضامن الطلابي مع تلاميذ التعليم الثانوي آخذ في الارتفاع، وهو ما تسعى السلطات إلى تفاديه.

وتراهن السلطات على قرب العطلات المدرسية، التي تبدأ يوم 17 الحالي وتمتد حتى الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث تقفل المدارس ويتفرق التلاميذ، وبالتالي تختفي المظاهرات وما يرافقها من أعمال شغب، ما يتيح للحكومة أن تكسب بعض الوقت لكي «تتنفس» قليلاً.

استحقاق 17 أكتوبر

غير أن هذه الآمال قد تصطدم بيوم «التعبئة العام» الذي دعت إليه العديد من النقابات، ومنها نقابات تلاميذ الثانوية والطلاب. وما يفاقم قلق السلطات احتمال تداخل المطالب، وتوحّد الحراك الاحتجاجي الطلابي والاجتماعي العام، ومنها الدعوات إلى استعادة حراك «السترات الصفراء» الذي اندلع في عامَي 2018 و2019 بسبب غلاء أسعار المحروقات.

جانب من المواجهات العنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن في باريس يوم 8 أكتوبر (رويترز)

وسعى رئيس الحكومة، في كلمته المتلفزة مساء الأربعاء الماضي، إلى التركيز على ما تقوم به حكومته لمحاربة ارتفاع أسعار الديزل المستخدم في القطاع الزراعي. كما قد يشمل الحراك قطاع الطيران، فيما ثمة دعوة كذلك صادرة عن نقابات قطاع النقل للتحرك يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول). وأخيراً، فقد صدرت دعوة للإضراب من نقابات رئيسية، للتنديد بغلاء المعيشة والتضخم وتراجع القوة الشرائية والمحافظة على المرتبات التقاعدية والوظيفة العمومية. وتأتي هذه المطالب مع انطلاق البحث في مشروع ميزانية العام 2027 في مجلس النواب.

ما سبق يعكس حجم الصعوبات التي تواجه الحكومة، وعجزها عن التعاطي معها بسبب سياسات التقشف وارتفاع المديونية، ما يحرم الحكومة من الاستجابة للمطالب المرفوعة، فيما الأصوات تتعالى للتحذير من الأزمة المالية التي تضرب فرنسا ومن تأثيرها على منطقة اليورو بشكل عام.


بريطانيا تفرج بكفالة عن رجلين اعتقلا في قاعدة جوية تستخدمها أميركا

ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)
ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)
TT

بريطانيا تفرج بكفالة عن رجلين اعتقلا في قاعدة جوية تستخدمها أميركا

ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)
ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)

قالت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية، الجمعة، إنها أفرجت بكفالة عن رجلين من لاتفيا تم القبض عليهما، أمس الخميس، داخل قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي في شرق إنجلترا تستخدمها القوات الأميركية.

وأوضحت الشرطة أن الرجلين، 32 عاماً و36 عاماً، أفرج عنهما بشروط صارمة، في حين تتواصل التحقيقات، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاء القبض عليهما بعد أسابيع من الكشف عن مخطط مشتبه به لاستهداف قاعدة جوية بريطانية أخرى يستخدمها الجيش الأميركي، وهي قاعدة «فيرفورد»، مما أثار مخاوف بشأن الأمن في المواقع العسكرية في أنحاء بريطانيا.

وأوضحت الشرطة أنه لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى وجود صلة بين الواقعة التي حدثت في قاعدة «مولسوورث» الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، والمخطط المشتبه به ضد قاعدة «فيرفورد» الجوية في غرب إنجلترا، والتي استخدمها الجيش الأميركي لشن عمليات ضد إيران.

وقالت هيلين فلاناجان، رئيسة شرطة مكافحة الإرهاب في لندن التي تقود التحقيق: «يتمثل أحد محاور التحقيق الرئيسية في تحديد أي دافع محتمل وراء وجود هذين الرجلين في ذلك الموقع، بما في ذلك ما إذا كان الأمر مرتبطاً بأي نشاط إجرامي».


رئيس وزراء البرتغال يحذر القضاء من تسييس استخدام أميركا قاعدة جوية

رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)
رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)
TT

رئيس وزراء البرتغال يحذر القضاء من تسييس استخدام أميركا قاعدة جوية

رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)
رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)

دافع رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو، اليوم (الجمعة)، عن استخدام الولايات المتحدة قاعدة لاغيس الجوية خلال الحرب على إيران، وقال إنه قانوني تماماً، وحث القضاء على عدم إصدار أحكام سياسية، وذلك بعد أن فتح ممثلو الادعاء تحقيقاً الأسبوع الماضي حول سماح الحكومة باستخدام القاعدة.

وأضفى هذا التحقيق، الذي جاء بناء على شكوى من حزب معارض يساري، بُعداً قانونياً إلى قضية حساسة سياسياً. فقد قيّدت عدة دول أوروبية أو رفضت دخول الطائرات العسكرية الأميركية إلى مجالها الجوي أو قواعدها في سياق الحرب على إيران.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد انتقدت المعارضة اليسارية حكومة الأقلية المنتمية لتيار يمين الوسط، بسبب سماحها لطائرات النقل العسكري الأميركية باستخدام قاعدة لاغيس الجوية في أرخبيل الأزور بالمحيط الأطلسي خلال حرب إيران.

في المقابل، فرضت كل من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا وسويسرا قيوداً على هذه الرحلات، الأمر الذي أثار استياء واشنطن.

وقال مونتينيغرو أمام النواب خلال مناقشة برلمانية، بعد يوم من لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في لشبونة: «من الواضح أن للجميع الحق في إصدار أحكام سياسية بشأن القرارات، باستثناء السلطة القضائية، التي لا ينبغي لها إصدار أحكام سياسية».

وأضاف أنه يحترم التحقيق الجاري، وأنه «مطمئن جداً فيما يتعلق بالامتثال لجميع القواعد القانونية المعمول بها».

وقالت الحكومة إن البرتغال ليست طرفاً في الحرب، وإن استخدام قاعدة لاغيس يتوافق مع القانون الدولي، إذ لم يُسمح به إلا بعد حصول لشبونة على تأكيدات من واشنطن بأن أي عملية ستكون دفاعية وضرورية ومتناسبة، ومقتصرة على أهداف عسكرية.