«الشرق الأوسط» في كواليس حفل افتتاح كأس آسيا

ورودٌ تنبت في الصحراء وحيوانات «كليلة ودمنة» تسرق الأضواء

إحدى شخصيات عرض «الفصل المفقود من كليلة ودمنة» أمام استاد لوسيل في الدوحة (الشرق الأوسط)
إحدى شخصيات عرض «الفصل المفقود من كليلة ودمنة» أمام استاد لوسيل في الدوحة (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» في كواليس حفل افتتاح كأس آسيا

إحدى شخصيات عرض «الفصل المفقود من كليلة ودمنة» أمام استاد لوسيل في الدوحة (الشرق الأوسط)
إحدى شخصيات عرض «الفصل المفقود من كليلة ودمنة» أمام استاد لوسيل في الدوحة (الشرق الأوسط)

ينسى الجالس في وسط مدرّجات «استاد لوسيل» لـ25 دقيقة، أنه متواجدٌ في ملعبٍ لكرة القدم. يغيب العشب الأخضر وتتوارى شِباك المرمى وتصمت صفّارات الحُكّام، لتتقدّمَ المشهدَ صحراء نبتت في رمالها واحة من الورود، وأضاءت سماءها نجوم الأمل ودوت فيها مفرقعاتُ الترحيب بضيوف كأس آسيا لكرة القدم، التي تنظّمها دولة قطر بنسختها الـ18.

أضاءت مدرّجات الملعب أنوارا على هيئة نجوم واشتعلت سماؤه بالمفرقعات (استديوهات كتارا)

لحفل الافتتاح الذي يمتدّ نصف ساعة ويقف خلف تنفيذه 1600 شخص، أرادت الجهة المُنتجة «استوديوهات كتارا» رسائلَ إنسانية هادفة، تمتدّ من أدنى الشرق إلى أقصاه. وللغاية، فقد نهل فريق العمل من كتابٍ يضرب عميقاً في التراث الأدبيّ والفلسفيّ الآسيويّ عموماً والعربيّ خصوصاً؛ «كليلة ودمنة».

استند العرض الافتتاحي لكأس آسيا إلى كتاب «كليلة ودمنة» لكونه انعكاساً للثقافات الآسيوية جميعاً (استديوهات كتارا)

«الفصل المفقود من كليلة ودمنة»

العرضُ الموسيقيّ والبَصريّ الضخم هو امتدادٌ للحكاية، ويحمل عنوان «الفصل المفقود من كليلة ودِمنة». بحكمته المنبثقة من الهند والعابرة إلى الفُرس ثم إلى العرب والعالم من خلال الترجمات، يدور لبُّ الرسالة حول مفاهيم إنسانية كاحترام الآخر وتقبّل اختلافاته الثقافية والاحتفاء بها.

قبل الدخول إلى أرض الملعب الذي استحالَ مسرحاً ضخماً، تتحضّر الشخصيات في الكواليس. ليست مهمةً سهلة أن يعتمر 24 ممثلاً رؤوس حيوانات صُنعت خصيصاً في جنوب أفريقيا من أجل هذا العرض، وذلك على أيدي 14 حِرَفياً. كلٌ من أبطال أسطورة «كليلة ودمنة» يمثّل دولةً آسيويّة من الدول المُشارِكة، وقد تطلّبَ الأمر أبحاثاً لمعرفة الحيوانات التي ترمز إلى تلك البلاد.

صُنعت رؤوس الحيوانات وأزياؤها خصيصاً لعرض «الفصل المفقود من كليلة ودمنة» (الشرق الأوسط)

هنا أسدٌ يمازح زميله الدبّ، وهناك طاووسٌ أزرق يتباهى بجناحَيه الملوّنين، أما تنّين كومودو الإندونيسي فيأخذ قسطاً من الراحة جلوساً لأن الزيّ ثقيل. صُنعت رؤوس الحيوانات وأزياؤها بحِرَفيّة ودقّة عاليتَين، وقد استغرق تحضيرها 4 أشهر على ما يخبر أحد أعضاء الفريق «الشرق الأوسط». أما الممثلون الذين يرتدونها فآتون من مختلف أنحاء العالم؛ بعضهم من روسيا، وصربيا، وكوريا الجنوبية، فيما قدم آخرون من عدد من الدول العربية.

استراحة حيوانات «كليلة ودمنة» قبل انطلاق الحفل الافتتاحي لكأس آسيا (الشرق الأوسط)

ذكاء بشريّ مائة في المائة

على كثبان الرمل التي تفترش أرض الملعب وبين آلاف أوراق الورد المتناثرة فوقها، تقف الشخصيات مستعدّةً لانطلاق صفّارة العرض. العدّ العكسيّ من 10 إلى 1 يُتلى باللغة العربيّة، ليصدح بعد ذلك صوت عبير نعمة بشخصية «ثانون». عن هذه الإطلالة التي مزجت فيها الغناء والأداء التمثيلي، تقول الفنانة اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» إنها مدعاة فخر بالنسبة إليها. «لهذه المشاركة قيمة إنسانية كبيرة خصوصاً في هذه الفترة الأليمة التي تمرّ بها منطقتنا»، تضيف نعمة التي رأت في العمل رسالة عدالة وصداقة وإنسانية، في وقتٍ العالم هو أحوَج ما يكون إلى صداها الإيجابي.

الفنانة عبير نعمة مع المؤلف الموسيقي للعمل إيهاب عبد الواحد والموزع نادر حمدي (إدارة أعمال الفنانة)

صحيحٌ أن التكنولوجيا لعبت دوراً كبيراً في العرض الافتتاحيّ، إلا أنّ القيّمين عليه يؤكّدون أن الذكاء البشريّ وحده تولّى التفاصيل من ألفها إلى يائها، من دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. للأزياء مصمّموها الذين أعدّوا تصاميم سينمائيّة تذكّر بأفلام الفنتازيا، ومعظمها مستوحى من الثقافات الآسيوية القديمة. وللديكور مهندسوه الذين لم يكتفوا بكثبان الرمل وواحة الورد، بل رفعوا 5 مرايا ضخمة وسط الملعب، بشكلٍ يحاكي خشبات المسارح العالمية، هذا إلى جانب المؤثرات البصريّة والضوئيّة الخاصة.

اعتمد فريق العمل تصاميم سينمائية تذكّر بأفلام الفنتازيا (الشرق الأوسط)

في هذا الإطار، يوضح المنتج المنفّذ للعمل محمود حماقي أن مستوى العرض لا يقلّ شأناً عن حفلات افتتاح الألعاب الأولمبية. ويلفت حماقي إلى أنّ التحضير بدأ منذ سنة تحديداً، أي فور الانتهاء من فعاليات كأس العالم 2022؛ «لم نُرِد عرضاً اعتيادياً ولا تقليدياً، بل كان الهدف إحياء تراث رمزيّ مع الحفاظ على عنصر الإبهار».

كثبان الرمل وواحة الورد في وسط ملعب لوسيل في الدوحة (الشرق الأوسط)

من الملعب إلى المسرح

يمزج النص ما بين الشعر والفلسفة، وهو يستقي من روح «كليلة ودمنة» ليضفي عليها لمسةً إنسانية هادفة وعميقة. تقوم الرؤية وفكرة السيناريو التي وضعها الرئيس التنفيذي لاستوديوهات كتارا أحمد الباكر، على ابتداع فصل جديد من الكتاب الأصليّ، يشجّع الناس على الإيمان بأنفسهم وبأهدافهم، رغم غرابة ما يصادفون في الطريق. وبقلم الكاتبة الكويتية هبة مشاري حماده، تحوّلت القصة إلى «ميوزيكال» بأغانٍ على درجة عالية من الإنسانية، تعكس الرسائل بشكلٍ ترفيهيّ جذّاب.

كما تتآخى حبّات الرمل لتصنع صحراء، وكما تتلاحم أوراق الورد لتصير وردةً، يمكن للبشر أن يفعلوا. هذا ما تتمنّاه الأغنية حين تصدح: «سأصفّق لك فصفّق لي»، أو عندما تهتف: «لنقترب من بعض كتفاً إلى كتف، ولنحبّ بعضنا البعض حتى نكون الهدف».

الإصغاء إلى الملاحظات الأخيرة قبل الدخول إلى أرض الملعب (الشرق الأوسط)

منذ انطلاق النغمة الأولى، تتّضح الضخامة الموسيقيّة. يقرّ المؤلّف والمنتج الموسيقي المصري إيهاب عبد الواحد، الذي تعاون توزيعاً مع الفنان نادر حمدي، وعزفاً مع أوركسترا قطر الفلهارمونية، بأنّ «افتتاح حدثٍ عالميّ خاص بكرة القدم بواسطة قصة مثل (كليلة ودمنة) شكّل تحدياً صعباً». بسرعةٍ قياسية تطلّبت سهراً وتفرّغاً كاملاً، أُنجزت الموسيقى خلال شهرَين. ويلفت عبد الواحد إلى أن «التركيز انصبّ على صناعة ألحان ذات مستوى عالمي تستطيع أن تلمس المتفرّجين أينما أتوا، شرط أن تبقى وفيّة للروح العربية».

شكّل حفل الافتتاح لقاءً جامعاً لمواهب عربية، فإضافةً إلى عبير نعمة من لبنان قدّم عددٌ من الفنانين أصواتهم وأداءهم التمثيلي لـ«الفصل المفقود من كليلة ودمنة»؛ في طليعتهم حمود الخضر من الكويت، وفهد الحجاجي وناصر الكبيسي ومشعل الدوسري من قطر.

وبما أن «جمال الحكاية يضاهي روعة الأهداف»، على ما يقول أحد المقاطع المغنّاة، فإنّ العرض لن يتوقّف عند حدود استاد لوسيل. يكشف القيّمون على استديوهات كتارا أنّهم في صدد تطوير العرض إلى مسرحية موسيقية متكاملة، تمتدّ لساعتَين من الوقت. حُدّد موعد الافتتاح المبدئي في الربع الأول من عام 2025، على أن تنطلق المسرحية من الدوحة إلى عواصم خليجية وعربية وأجنبية. أما الهدف الأساسي من ذلك، فهو سرد حكاياتٍ شرقية وعربية من منظور عربي، وبصناعةٍ محلّية.

أزهار الصحراء خلال التدريبات النهائية للحفل الافتتاحي (الشرق الأوسط)

تحيّة لفلسطين

قبل أن تنسحب الرمال وتتطاير أوراق الورد استعداداً لبدء المباراة، قُدّمت باقة الختام إلى غزّة وفلسطين. بصوت الفنانة القطرية الشابة دانة المير، صدحت «الملالة» الفولكلورية، بمرافقة أوركسترالية عصرية إلى جانب الرقصة الفلسطينية التقليدية.

اختتام العرض الافتتاحي بلوحة مغنّاة من أداء دانة المير تحيّة لفلسطين (استديوهات كتارا)

«لطالما حلمت بأن أقدّم صوتي لفلسطين، وعظيم جداً أن يتحقق الحلم ضمن حدث كرويّ عالمي في الدوحة». هكذا تختصر المير تأثّرها بالمُشاركة، هي التي افتتحت بصوتها الأوبرالي كأس العالم 2022.


مقالات ذات صلة

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)

مسرحية «تقبرني»... بين تراجيديا الإغريق وسخرية الواقع اللبناني

يُسلَّم الجمهور عند مغادرته منشوراً كتبه إدمون حدّاد يوضح فيه فلسفة المسرحية ورسالتها الشخصية حول أنتيغون والبحث عن متنفس قبل الموت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض استعاد مسيرة الفنان نجيب الريحاني (المركز القومي للمسرح المصري)

«صاحب السعادة نجيب الريحاني»... مسرحية تبرز مسيرة رائد الكوميديا المصرية

تحت عنوان «صاحب السعادة... نجيب الريحاني» استضاف مسرح الغد بالقاهرة عرضاً فنياً إحياء لذكرى رائد الكوميديا المصرية الراحل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

«ابن الأصول»... كوميديا استعراضية تبرز الصراع بين الحب والمال

تضع مسرحية «ابن الأصول» أبطالها في لحظة اختيار فاصلة، لتكشف ماذا يفعل الإنسان الفقير حين تهبط عليه ثروة مفاجئة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق العرض المسرح «على كيفك ميل» بمسرح نهاد صليحة (أكاديمية الفنون)

«على كيفك ميل»... مسرحية كوميدية تحتفي بـ«نوستالجيا» التسعينات في مصر

في حالة تستدعي نوستالجيا فترة التسعينات في مصر، جاء العرض المسرحي «على كيفك ميل» ليقدم لنا حالة فنية تمزج بين الكوميديا وتراجيديا الحياة اليومية للأسر المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.