تكافح فرق الإطفاء في شمال شرقي إسبانيا، مدعومة بنحو 30 طائرة، لاحتواء حريق غابات واسع اندلع، اليوم (الجمعة)، وأتى على مساحة تعادل حجم مدينة سان فرانسيسكو، مما دفع إلى إجلاء أكثر من ألف شخص، في وقت جعلت فيه موجات الحر الأحدث الغطاء النباتي شديد الجفاف وقابلاً للاشتعال في أنحاء واسعة من أوروبا.
وأدت موجات الحر المتعاقبة التي ضربت أوروبا في بداية الصيف، التي يعزو كثير من العلماء تفاقمها إلى تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية، إلى ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة في مناطق واسعة من القارة. وتسببت هذه الظروف في نقص المياه، وتضرر المحاصيل الزراعية، واندلاع حرائق غابات، وارتفاع أعداد الوفيات إلى مستويات تفوق المعدلات الطبيعية.
ووفقاً لوكالة «رويترز»، فمن المتوقع أن يبلغ متوسط درجات الحرارة العظمى في غرب أوروبا، اليوم (الجمعة)، 27.5 درجة مئوية، بزيادة قدرها 4.2 درجة مئوية عن متوسط درجات الحرارة القصوى المسجل في 17 يوليو (تموز) خلال الفترة بين عامَي 1961 و1990.
3 موجات حر
وفي فرنسا، يزداد الجفاف حدة يوماً بعد يوم منذ نهاية مايو (أيار)، رغم انحسار موجة الحر الأحدث تدريجياً، إذ من المتوقع أن تقتصر درجات الحرارة المرتفعة بحلول مطلع الأسبوع على المناطق الجنوبية الشرقية من البلاد، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية (ميتيو فرانس).
وتجاوز معدّل الوفيات في منطقة باريس ضعف مستواه المعتاد في أثناء موجة حر قياسية في يونيو (حزيران) الماضي، حسبما أفادت وكالة الصحة الفرنسية، الجمعة.
وقال تقرير «سانتيه بوبليك فرانس»: «تمّت ملاحظة معدل وفيات زائدة مرتفع للغاية» خلال موجة الحر في منطقة إيل دو فرانس في الفترة بين 22 و28 يونيو؛ إذ تم تسجيل 3000 وفاة، بزيادة قدرها «1565 وفاة عن العدد المتوقع».
وكانت منطقة باريس من الأكثر تأثّراً لجهة معدلات الوفيات الزائدة خلال موجة الحر في يونيو التي كانت واحدة من ثلاث موجات حر ضربت فرنسا منذ مايو. ويربط العلماء بين التكرار المتزايد لعوامل الطقس القاسية والتغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.
عواصف
ورفعت السلطات الفرنسية تحذيراتها إلى ثاني أعلى مستوى في 30 من المقاطعات الإدارية الفرنسية، تحسباً لعواصف مرتقبة أعقبت موجة حر طويلة. كما انقطعت الكهرباء عن نحو 53 ألف شخص بشكل مؤقت بعد سقوط أبراج الكهرباء.
وفي إقليم أرديش جنوب شرقي البلاد، تسببت حبات برد -بعضها بحجم كرات التنس- في إتلاف مئات السيارات والأسقف وكروم العنب.
وتعطّلت خدمات السكك الحديدية بين تولوز وباريس، حيث تأخرت عدة قطارات فائقة السرعة ليلية لمدة تصل إلى ست ساعات بعد سقوط أشجار على القضبان، وفي حالة واحدة، تلف موصل كهربائي لإحدى القاطرات.
وفي ألمانيا، عاق انخفاض منسوب المياه في نهر الراين، أحد أهم الممرات المائية التجارية في البلاد، حركة الشحن النهري، مما أدى إلى زيادة تكاليف النقل. غير أن الأمطار الأخيرة أسهمت في رفع مستويات المياه، مع توقعات بهطول المزيد منها خلال الأيام المقبلة.
ومع تراجع موجة الحر اجتاحت عواصف بعض المناطق، مما أسفر عن مقتل شخصَين في وسط وشرق فرنسا، فيما تُوفي شخص آخر في ولاية بادن فورتمبيرغ بجنوب ألمانيا.
حرائق في إسبانيا
حذرت الهيئة الإسبانية للأرصاد الجوية من عودة درجات الحرارة إلى الارتفاع بدءاً من غد السبت، مع توقعات بأن تتراوح درجات الحرارة العظمى بين 42 و44 درجة مئوية في أجزاء من إقليمي الأندلس ولامانتشا خلال الأسبوع المقبل.
كما نبّه خبراء الأرصاد إلى خطر شديد لاندلاع حرائق غابات مع تقدم كتلة هوائية حارة وجافة قادمة من شمال أفريقيا عبر مساحات واسعة من البلاد.
وفي شمال شرقي إسبانيا، اتسعت رقعة حريق الغابات قرب بلدة أوريس في إقليم أراغون خلال الليل لتتجاوز 12 ألف هكتار.
ويكافح رجال الإطفاء أيضاً حرائق غابات أخرى بالقرب من مدريد وفي إقليم وادي الحجارة، حيث التهمت النيران نحو 1500 هكتار.
وقبل أسبوع، تسبّب أحد أكثر حرائق الغابات فتكاً في تاريخ إسبانيا الحديث في مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً، معظمهم من الأجانب، في إقليم ألميريا جنوب البلاد.
وفي اليونان، رفعت السلطات مستوى التأهب لمخاطر حرائق الغابات في منطقة أثينا الكبرى، حيث نشرت طائرات مسيّرة مزوّدة بكاميرات حرارية قامت بدوريات فوق الغابات. كما جرى وضع مدافع مياه خارج مواقع التخييم.
ارتفاع أعداد الوفيات
وحذّرت منظمة الصحة العالمية في وقت سابق من الشهر الحالي من أن أوروبا قد تواجه «أسابيع أكثر فتكاً» مع تشكل موجات حر جديدة فوق المحيط الأطلسي.
وقال علماء يتابعون تأثيرات موجات الحر إن آلاف الوفيات الزائدة عن المعدلات الطبيعية سُجلت خلال الموجة الحارة التي اجتاحت أوروبا وبريطانيا مؤخراً.
وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، الدكتور هانز هنري بي. كلوج: «جرى تسجيل ما يقرب من 10 آلاف وفاة زائدة عن المعدلات الطبيعية، وما زال الصيف لم ينتهِ بعد».
وانتقد الحكومات، لأنها «لا تزال تتعامل مع الحر على أنه ظاهرة جوية، وليس حالة طوارئ صحية»، رغم توافر الأدوات والإرشادات الصادرة عن المنظمة التي يمكن أن تمنع معظم هذه الوفيات.
وأفادت حصيلة أولية أعدّتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى بيانات وطنية رسمية، بأن موجة الحر الاستثنائية التي ضربت أوروبا في يونيو أسفرت عن تسجيل ما لا يقل عن 12 ألف حالة وفاة فوق المعدّل الاعتيادي في نحو عشرة بلدان أوروبية.