حملة على ميقاتي لـ«تعديه» على صلاحيات رئيس الجمهورية

بعد رده 3 قوانين أصدرها مجلس النواب

رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي (د.ب.أ)
رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي (د.ب.أ)
TT

حملة على ميقاتي لـ«تعديه» على صلاحيات رئيس الجمهورية

رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي (د.ب.أ)
رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي (د.ب.أ)

أثار قرار مجلس الوزراء اللبناني، يوم الجمعة، والقاضي برد 3 قوانين صدرت عن مجلس النواب، استياءً عارماً، لدى القوى المسيحية التي رأت أن رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، يتعدى على صلاحيات رئيس الجمهورية الشاغر منصبه منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، المخول وحده، وفق الدستور، برد القوانين.

وقال وزير الاتصالات جوني القرم، إن 5 وزراء اعترضوا على رد القوانين على أساس أن الموضوع مرتبط بمجلس النواب.

وعملاً بالمادة 51 من الدستور، يُصدر رئيس الجمهورية القوانين وفق المهل المحددة (بشهر أو 5 أيام لتلك المستعجلة)، بعد أن يكون قد وافق عليها مجلس النواب، ولا يحق له على الإطلاق أن يُدخل تعديلاً عليها. أما المادة 57 فمنحته حق طلب إعادة النظر فيها مرة واحدة، وعلى مجلس النواب إقرارها مجدداً بالغالبية المطلقة. أما في حال انقضاء المهل المنصوص عليها دون إصدار القوانين أو طلب إعادة النظر فيها، يُعد القانون نافذاً، ووجب نشره.

وعلى الرغم من تبرير ميقاتي بأن ما يقوم به يندرج في إطار تسيير أمور البلاد في غياب رئيس الجمهورية، وصف النائب في تكتل «لبنان القوي» الذي يرأسه النائب جبران باسيل، آلان عون، القرار بـ «السيئ والخطير، والذي يجسد المثل القائل: «الرزق السايب يعلّم الناس الحرام... فالفراغ الرئاسي يشجّع على استباحة صلاحيات رئيس الجمهورية، وتحديداً هذه الصلاحية في ردّ القوانين، وهي لصيقة بشخصه، وهذا انتهاك دستوري مرفوض».

وتحدث عون في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» أيضاً عن «مخالفة فاضحة في العودة عن قرار بإصدار القوانين سبق أن اتُّخذ في مجلس الوزراء، وتجري العودة عنه بعد بضعة أسابيع، بعد التخلّف عن تنفيذه، وهذا تعاطٍ بخفّة وعدم احترام للقوانين وللمؤسسات»، مؤكداً أن «هناك قلّة مسؤولية من قبل الحكومة من خلال تهرّبها من مواجهة المشكلات، وهي المدركة صعوبة التشريع في هذا الظرف السياسي الدقيق، فالحلّ ليس بترك الظلم على المعلمين أو المالكين القدامى، بل هو في إيجاد صيغ عادلة توفّق بين الحرص على المدارس وعلى حقوق المعلمين، وبين الحرص على المستأجرين وعلى حقوق المالكين القدامى، ويمكن إيجادها عبر تعديل القوانين بدل ردّها بالكامل».

ورداً على سؤال، رأى عون أنه «ليس هناك من سبيل لوقف هذه الفوضى إلا باللجوء إلى مجلس الشورى والمجلس الدستوري، لكن الأهم هو في انتخاب رئيس جمهورية لمعالجة هذا الخلل الفاضح في توازن السلطات الذي نعيشه اليوم، ويسمح بكل تلك التجاوزات»، مضيفاً: «قد لا يكفينا جميعاً بوصفنا قوى سياسية معترضة البكاء على أطلال الرئاسة بقدر أن المطلوب مقاربات واقعية وشجاعة لإبرام تسوية تضع حدّاً للشغور الرئاسي، وتحدّ من الخسائر عبر العودة إلى انتظام المؤسسات».

ومن جهته، شدد عضو تكتل «القوات اللبنانية» النائب جورج عدوان، على أن «رد القوانين في ظل الشغور الرئاسي مخالف للدستور، وتعدٍّ صارخ ومرفوض على صلاحيات رئيس الجمهورية، ولن يمر».

ويختلف الخبيران الدستوريان، الدكتور سعيد مالك والدكتور أنطوان صفير، في مقاربة الملف. فبينما يرى الأول أن «صلاحية رد القوانين مختَّصة حصراً برئيس الجمهورية، وأنه حتى لو كانت السلطة التنفيذية تمارس عملاً بالإنابة عن رئيس البلاد، فلا يمكنها تعطيل عمل المجلس النيابي برد القوانين إليها بحجة المادة 57 من الدستور»، يرى الثاني «أننا في حالة استثنائية دستورياً بسبب الفراغ في سدة الرئاسة، والحكومة تقوم مقام رئيس الجمهورية في بعض الصلاحيات. وبالتالي، فإن كل ما يحدث هو استثناء، وما بُني على استثناء فهو استثناء أيضاً، لذلك يمكن لمجلس الوزراء رد القوانين لأنه يمارس صلاحيات رئيس البلاد، ومن لا يحق له القيام بذلك هو رئيس مجلس الوزراء، لأن السلطة مختصة بالحكومة».

ويشير صفير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «ما حدث ليس تعدياً على صلاحيات الرئيس، لأن هناك مساراً برلمانياً يصبح مبتوراً في حال صدر قانون عن البرلمان، وعُدّ أنه لا يحق للحكومة رده». وشدد على أن «الخرق الأساسي للدستور هو عدم انتخاب رئيس للجمهورية، وعدم وجود حكومة كاملة المواصفات، وعدم قيام مجلس النواب بدوره التشريعي بكل مكوناته وفق أحكام الدستور».

وعن مصير القوانين الثلاثة موضع الجدل، يقول مالك لـ«الشرق الأوسط»: «ستُجَمَّد وستحال بحكم الواقع إلى مجلس النواب لإجراء قراءة ثانية لها وإعادة التصويت عليها بالأكثرية الموصوفة. أما الطعن فيها أمام مجلس شورى الدولة فممكن من أي صاحب صفة أو مصلحة، شرط ألا يرى مجلس شورى الدولة أن القرار بمثابة عمل حكومي، لأن ذلك يعني خروجه عن اختصاصه، ويكون ما حدث قد حدث، والقوانين جمدت، وعادت إلى مجلس النواب».

وعلق وزير التربية عباس الحلبي على رد القوانين إلى مجلس النواب قائلاً: «مجلس الوزراء يقوم بكامل صلاحياته». وأضاف: «ليذهب المتضرر من رد القوانين إلى الطعن».


مقالات ذات صلة

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

المشرق العربي تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

كشفت مصادر سياسية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي طفل يقف على حطام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يشترط تثبيت وقف إطلاق النار لبدء المفاوضات مع إسرائيل

حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات مع إسرائيل، ويتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

ترسم إسرائيل عبر موجة إنذارات غير مسبوقة الاتساع خريطة حركة جديدة، لا تقتصر على تقييد عودة السكان، بل تمتد لتشي بإعادة توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

تتجه الأنظار إلى اللقاء الثاني الذي يجمع سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة في واشنطن؛ لتمديد وقف إطلاق النار وتحديد موعد وموقع المفاوضات المباشرة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)

إسرائيل تدمر البنى التحتية في الجنوب اللبناني منعاً لإعادة السكان إليه

تواصل إسرائيل تصعيدها في جنوب لبنان، في مسار لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يتعداه إلى اعتماد سياسة تدمير ممنهج للبنى التحتية

يوسف دياب (بيروت)

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة في جنوب لبنان، ردّاً على خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار.

وقال «حزب الله»، في بيانه، إنه استهدف مربض المدفعية المستحدث التابع لجيش العدو الإسرائيلي في بلدة البياضة بمحلّقة انقضاضية، وشوهدت النيران تشتعل في إحدى غرف إدارة النيران، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

يُذكر أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان قد أعلن عن وقف لإطلاق النار لمدة 10 أيام، بين لبنان وإسرائيل، ابتداء من منتصف ليل الخميس الماضي.

إلى ذلك، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات مع إسرائيل، ويتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، مشدداً على «أولوية عودة النازحين» إلى قراهم، بموازاة حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة وعدم التساهل في منع المظاهر المسلحة من أي جهة كانت.

وتعقد السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة، ندى حمادة معوض، مع سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل ليتر، لقاءً ثانياً الخميس في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بهدف التباحث في تمديد الهدنة، وتحديد موعد وموقع المفاوضات بين الوفدين المفاوضين.


الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كشفت مصادر لبنانية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله»، تمهيداً لإعادة التواصل بينهما الذي انقطع منذ أن تفلّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهده لرئيس المجلس النيابي نبيه بري بعدم التدخل بإسناد إيران، وبلغ ذروته بتنظيمه حملة سياسية إعلامية ضد رئيس الجمهورية غلبت عليها لغة التهديد والتخوين، على خلفية موافقته على مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وقالت إن المحاولات قوبلت باشتراط الحزب على عون سحب المفاوضات المباشرة من التداول، وبعدها لكل حادث حديث.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في الإليزيه الثلاثاء (أ.ب)

وأكدت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن «حزب الله» ذهب بعيداً في تخوينه وتهديده لعون، وكان حرياً به الاكتفاء بتسجيل موقف معارض أسوة بحليفه بري من دون أن يهدم جسور التواصل مع عون. ولفتت إلى تسرّع الحزب في إصدار أحكامه على النيّات من دون أن يأخذ بتمسك عون بالثوابت التي يكررها على الدوام أمام الموفدين الأجانب والقيادات التي يلتقيها، وعدم تفريطه بحقوق لبنان كأساس لرهانه على المفاوضات. وقالت إن الحزب، كما تبين لها، ماضٍ في رهانه على المفاوضات الإيرانية - الأميركية برعاية باكستانية، اعتقاداً منه بأن ربطه وحدة المسار والمصير بإيران سيشمله بالحل الذي يتوقعه من المفاوضات، ويواصل حملته برفض المفاوضات المباشرة، مع أن لبنان باقٍ على موقفه برفض أي ربط بين المسارين.

ترمب يتفهم عون

ورأت المصادر أن الحزب لم يكن مضطراً لإعلانه الاستنفار في هجومه على عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وكان يُفترض بقيادته ألا تصدر الأحكام المسبقة عليهما والتعاطي مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للقاء بين عون ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وكأنها حاصلة، رغم أن عون كان صريحاً بإبلاغه بأن اللقاء لا يُعقد بالتزامن مع بدء المفاوضات بين البلدين، وإنما يأتي تتويجاً للتوصل لاتفاق يلبي الثوابت الوطنية التي يتمسك بها لبنان

عاملو إغاثة يرافقون جرافة تعمل على إزالة الركام من موقع استهداف إسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، نقلت مصادر نيابية متعددة الاتجاهات عن عون اطمئنانه للأجواء التي سادت اتصاله بترمب وتفهمه لوجهة نظره، سواءً بما يتعلق بعدم استعجال اجتماعه بنتنياهو وتمسكه بالثوابت اللبنانية التي تجمع عليها كل القوى السياسية على اختلاف انتماءاتها، وعدم التفريط فيها تحت أي ضغط.

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن عون كان ولا يزال يبدي انفتاحاً على جميع المكوّنات السياسية بلا استثناء، ويتفهّم ما صدر عنها بموافقتها على المفاوضات أو اعتراضها عليها، شرط أن تبقى تحت سقف الاحترام المتبادل لوجهات النظر، والتقيد بأصول الخطاب السياسي على أن يخلو من التهديد والتخوين.

تشاور مع جنبلاط

وكشفت عن أن عون على تواصل مع بري وسلام ورئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط، تحضيراً لبدء المفاوضات. وقالت إن إيجاد حل لسلاح «حزب الله» يبقى من وجهة نظره لبنانياً بامتياز، وهذا ما أبلغه لأصدقاء لبنان، وهذا ما أكده سلام أيضاً، وكان بدأ حواره مع «حزب الله» حول سلاحه قبل أن ينقطع.

وقالت المصادر إن حالة من القلق سيطرت لساعات على لبنان، وتحديداً ليل الثلاثاء - الأربعاء من جراء إطلاق «حزب الله» صلية من الصواريخ مدعومة بمسيّرة على موقع عسكري في شمال إسرائيل بذريعة الرد على خروق إسرائيل لوقف النار، لكنها سرعان ما تبددت بامتناع تل أبيب عن الرد، وربما بتدخل مباشر من الولايات المتحدة للحفاظ على التهدئة استعداداً للقاء سفيري البلدين، الذي يُفترض أن ينتهي إلى تحديد موعد لبدء المفاوضات في واشنطن وتمديد سريان مفعول الهدنة.

ورأت أن لا عودة عن تكليف السفير السابق سيمون كرم بترؤسه الوفد اللبناني المفاوض. وقالت إنه لم يتقرر حتى الساعة من سينضم إليه، وما إذا كان في عداده ضابط متخصص في ترسيم الحدود إلى جانب من يُنتدب لتدوين محاضر المفاوضات.

ورداً على سؤال، أكدت أن عون يتحدث بارتياح عن علاقته ببري، وهذا ما خرج به النواب الذين التقوه في اليومين الأخيرين، رغم أنهما يقاربان المفاوضات من موقع الاختلاف، ولكن على قاعدة تمسكهما بالثوابت اللبنانية وعدم التفريط بها. وقالت إن بري لن يكون منزعجاً في حال أدت المفاوضات لتحقيق ما يصبو إليه لبنان، مع أن لا عودة عن حصرية السلاح بيد الدولة التي التزمت بتطبيقه، وهي تحظى بتأييد محلي وعربي ودولي، وهي تترك للسلطة اللبنانية إيجاد حل لسلاح «حزب الله»، وهذا ما تبلّغته الولايات المتحدة التي تتفهم الموقف اللبناني وأبعاده حفاظاً على الاستقرار.

رهان «حزب الله» على مفاوضات إيران

وأضافت المصادر أن المأخذ على «حزب الله» يكمن في أنه لا يتّبع وحدة المعايير في موقفه من المفاوضات، وإلا فكيف يمنع على لبنان التفاوض المباشر، فيما ينزل بكل ثقله تأييداً للتفاوض بين إيران والولايات المتحدة برعاية باكستانية، وتتصرف قيادته بلا أي تردد وكأنها معنية بها وتواكب الاتصالات لمعاودتها؟

فموافقة «حزب الله» على الهدنة، يفتح الباب أمام سؤال الحزب: ماذا بعد هذا التمديد؟ وهل يستعيد الجنوب استقراره من دون الدخول في مفاوضات تؤدي، بإصرار من الجانب اللبناني، إلى انسحاب إسرائيل للحدود الدولية، خصوصاً أن عون لا يخفي اطمئنانه لما سمعه من ترمب؟

نساء يبكين خلال تشييع جماعي لمقاتلين من «حزب الله» قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

لذلك تستغرب المصادر رهان «حزب الله» على إيران، وربط مصيره بها، بذريعة أنها الأقدر على شموله بالحل، رغم إصرار لبنان على عدم الربط بين المسارين، وهذا ما أبلغه إلى الإدارة الأميركية. وهي تسأل، أي المصادر، ما إذا كان الحزب قرر وضع أوراقه في السلة الإيرانية، بما فيها سلاحه باعتبارها مصدره الوحيد، لعلها تتمكن من تحسين شروطها في المفاوضات، فيما يمتنع عن وضعه بعهدة الدولة، وأن لا مجال أمامه لشراء الوقت بعد أن جرب الحل العسكري وبات محكوماً بوقوفه خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لعل المفاوضات تؤدي لانسحاب إسرائيل في إطار اتفاق ترعاه واشنطن، وهذا لن يتحقق ما لم يوافق على تسليم سلاحه؛ لأنه لا حل إلا بتطبيق حصريته على كافة الأراضي اللبنانية.

وعليه، يخطئ الحزب إذا قرر الاحتفاظ بسلاحه؛ لأنه، كما تقول المصادر، سيلقى معارضة شديدة في حال قرر استدراج لبنان لمغامرة عسكرية كان جربها، ويُدخل لبنان في أتون حرب لا قدرة له عليها بسبب الاختلال في ميزان القوى، والتي من شأنها زيادة حجم الأزمات التي ستترتب على لبنان مع ارتفاع عدد النازحين من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وبعض البلدات البقاعية الذين ينتظرون الاستقرار للعودة إلى قراهم، وهم عاينوا بأم العين التدمير الممنهج الذي ألحقته إسرائيل بمنازلهم لدى تفقدهم لها في اليوم الأول لبدء الهدنة، وهذا يتطلب من الحزب التواضع وقراءة التحولات جيداً، ومراعاة المزاج العام للشيعة الذي ينشد الاستقرار، ويتطلع لإعادة الإعمار، بعد أن جرّبوا حرب الآخرين على أرضهم، كما يقول خصومه، بقراره المنفرد بإسناده لغزة وطهران الذي حوّل الجنوب إلى أرض محروقة لا تصلح للعيش.


وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

وقفة أهالي المعتقلين المرحّلين إلى العراق عند زيارة الوفد الأممي الشدادي في الحسكة (مرصد الحسكة)
وقفة أهالي المعتقلين المرحّلين إلى العراق عند زيارة الوفد الأممي الشدادي في الحسكة (مرصد الحسكة)
TT

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

وقفة أهالي المعتقلين المرحّلين إلى العراق عند زيارة الوفد الأممي الشدادي في الحسكة (مرصد الحسكة)
وقفة أهالي المعتقلين المرحّلين إلى العراق عند زيارة الوفد الأممي الشدادي في الحسكة (مرصد الحسكة)

وصل وفد أممي، الأربعاء، إلى مدينة الشدادي بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، للقاء أهالي المعتقلين الذين رُحّلوا إلى العراق، وفق ما ذكرته «مديرية إعلام الحسكة»، ضمن جولة يجريها الوفد للاطلاع على أوضاع الأهالي وتقييم الواقع الخدمي والمعيشي في المنطقة، وسط مطالبات بخطوات عملية حيال ملف المعتقلين السوريين الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق، لإعادة أبنائهم ومحاكمتهم في سوريا.

وعقد وفد الأمم المتحدة، الأربعاء، لقاء مع ذوي المعتقلين لدى «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» ممن رُحلوا إلى العراق. وقالت مصادر أهلية في الشدادي لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المعتقلين يأملون أن تتواصل الأمم المتحدة مع الجانب الأميركي وقوات «التحالف الدولي ضد داعش»، للنظر في مصير أبنائهم الذين رُحلوا إلى العراق بتهمة الانتماء إلى التنظيم. ولم يصدر عن الوفد أي تصريح حتى نشر التقرير.

وشددت المصادر على أن المطلوب أولاً كشف بقوائم الأسماء الذين رُحلوا، مع الإشارة إلى أن «الأهالي لا يعرفون ما إذا كانت الحكومة السورية قد تسلمت من (التحالف) أو السلطات العراقية قائمة بأسماء المعتقلين المرحلين؛ إذ إن طلبات البحث عن أسماء مفقودين، غالباً، لا تلقى إجابة لدى الحكومة»، لافتة إلى «هناك من الأهالي من عرف أن ابنه ضمن المرحّلين إلى العراق من التقارير المصورة التي بثتها وسائل الإعلام، أو نقلاً عن محتجزين مفرج عنهم».

تنفيذ عمليات نقل لعناصر «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق خلال فبراير 2026 (رويترز)

ويبلغ عدد السوريين الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق بتهمة الانتماء إلى تنظيم «داعش»، في عملية قادتها «القيادة المركزية الأميركية»، نحو 3543 معتقلاً، وفق بيان من وزارة العدل العراقية صدر في فبراير (شباط) الماضي، جاء فيه أن العدد الكلي للمعتقلين المنقولين بلغ 5703 ينتمون إلى 61 دولة، بينهم 4253 عربياً و983 أجنبياً، لافتاً إلى أن عدد العراقيين بلغ 467، ويتوزع المتبقون على عدد آخر من الجنسيات.

وواصلت مجموعة من أهالي المعتقلين لدى «قسد» تنفيذ اعتصامات سلمية في العاصمة دمشق لثالث يوم على التوالي، وتجمع العشرات منهم في «ساحة الأمويين»، بعد اعتصام مماثل نفذوه أمام وزارة الخارجية في اليومين السابقين، رافعين لافتات تطالب الحكومة السورية بالتحرك العاجل والتواصل مع الجهات العراقية والتحالف الدولي وكل الجهات المعنية لإعادة أبنائهم ومحاكمتهم في سوريا.

وقال الإعلامي خليل حسين، من منطقة الجزيرة السورية، لـ«الشرق الأوسط»، إن عائلته لا تزال تبحث عن شقيقه المعتقل في سجون «قسد» منذ سنوات، وأوضح أن «الأهالي يطالبون بالكشف عن قائمة أسماء المعتقلين الذين رُحلوا إلى العراق، وتوضيح التهم الموجهة إليهم والأسس القانونية لعمليات الترحيل، وضمان حماية حقوقهم ومنع تعرضهم لأي انتهاكات خارج البلاد».

تجمع لأقارب المعتقلين الذين أُفرج عنهم من سجن «الأقطان» في الرقة (رويترز)

وكشف خليل حسين عن أن السجون التي تسلمتها الحكومة السورية من «قسد»، ومنها سجن «الأقطان» الذي كان يضم نحو 1800 سجين، «لم يُعثر فيها ولا في المحاكم على أوراق ووثائق تتعلق بالمحتجزين وقضاياهم»، مؤكداً على «ضرورة معالجة هذا الملف بشفافية لمعرفة مصير المفقودين، لدواعٍ إنسانية، فهناك مئات العائلات لا تزال تنتظر تسلُّم الحكومة ما تبقى من سجون (قسد) ومراكز الاحتجاز، على أمل التوصل إلى معرفة مصير المفقودين».

مرافقة مركبات عسكرية أميركية حافلات تنقل معتقلي «داعش» من سوريا إلى العراق... يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

وكانت الحكومة قد تسلمت من «قسد» سجن الرقة المركزي «الصوامع»، وسجن الطبقة، وسجن الشدادي، وسجن دير الزور، ومؤخراً تسلمت سجن الحسكة المركزي «غويران»، وسجن «علايا» في القامشلي، في إطار «اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026» بين الحكومة و«قسد». وقال النائب العام السوري، حسان التربة، إن وزارة العدل تعمل على تسلّم إدارة السجون في المحافظة وربطها بالمنظومة القضائية، بالتنسيق مع الإدارة العامة للسجون التابعة لوزارة الداخلية.

النائب العام السوري القاضي حسان التربة زار السجن المركزي في حي غويران بالحسكة واطلع على أوضاع النزلاء تمهيداً لإنشاء مكتب قانوني لمتابعة شؤونهم (مرصد الحسكة)

وشهد تسليم الملف القضائي في محافظة الحسكة تعثراً بسبب خلافات بشأن آلية دمج الجهاز القضائي، حيث تطالب «قسد» بالاحتفاظ به ودمج كتلة واحدة، في حين تصر الحكومة على إعادة هيكلته. وقال المتحدث باسم الفريق الرئاسي لتنفيذ الاتفاق، أحمد الهلالي، إن وزارة العدل عرضت في القامشلي خطة لتسلم القصور العدلية وفق «اتفاق 29 يناير»، وطلبت قوائم موظفي وقضاة الإدارة الذاتية لدمجهم في المؤسسة القضائية، إلا إنها لم تتسلمها حتى الآن، مشيراً إلى أن الموجودين بالقصر العدلي في القامشلي رفضوا تسليم المبنى ورفضوا عودة القضاة إلى مكاتبهم دون «مسوغ مشروع».