تعطل «سيستم» التأمينات الاجتماعية يبرز تحديات «التحول الرقمي» في مصر

انتقادات برلمانية ومطالبات بمحاسبة المسؤولين

لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
TT

تعطل «سيستم» التأمينات الاجتماعية يبرز تحديات «التحول الرقمي» في مصر

لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)

وسط انتقادات برلمانية ومطالبات بمحاسبة المسؤولين، أبرز تعطل أنظمة (سيستم) هيئة التأمينات الاجتماعية المستمر منذ نحو شهر، تحديات «التحول الرقمي» في مصر مع تكرار المشكلات التقنية.

ويواجه النظام الإلكتروني للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عطلاً فنياً على مستوى المحافظات، ما أدى إلى تعطل عدد من الخدمات الحيوية التي يعتمد عليها المواطنون بشكل يومي، وتوقف استخراج العديد من المستندات الأساسية، بينها صرف مستحقات عدد من أصحاب المعاشات.

وأثار استمرار العطل انتقادات برلمانية، وتقدم عدد من أعضاء مجلس النواب، بينهم سحر البزار، بسؤال برلماني إلى رئيس الوزراء، مطالبين بتوضيحٍ بشأن ما تم رصده من شكاوى متزايدة حول تأخر صرف المعاشات وتعطل عدد من خدمات منظومة التأمينات الاجتماعية خلال الفترة الأخيرة، وما ترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على أصحاب المعاشات، باعتبارهم من الفئات الأكثر احتياجاً واعتماداً على هذا الدخل مصدراً أساسياً للمعيشة.

وزير الاتصالات المصري رأفت هندي خلال افتتاح أحد مراكز تطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات)

كما تقدم النائب أحمد بلال البرلس بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس النواب، موجَّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، بشأن ما وصفه بتعطل منظومة الخدمات داخل هيئة التأمينات الاجتماعية في أعقاب تطبيق نظام التحول الرقمي الجديد (CRM).

تسهيل أم تعطيل؟

يقول خبير أمن المعلومات، المهندس إسلام غانم، لـ«الشرق الأوسط»، إن أهم العناصر التي تسبب مشكلات تتعلق بالتحول الرقمي هو العامل الاقتصادي، موضحاً: «تقوم المؤسسات بشراء نظام تشغيل أقل تكلفة، وقد يتبين بعد ذلك عدم ملاءمته للاستخدامات، أو ضعف جودته».

وتابع قائلاً: «في بعض المؤسسات يقوم المحاسبون بتحديد نظام التشغيل الذي تشتريه المؤسسة بالاختيار بين عروض شركات مختلفة انطلاقاً من التكلفة، دون الالتفات لرأي خبراء التكنولوجيا والمعلومات».

واعتبر عضو مجلس النواب فريدي البياضي، في طلب إحاطة عاجل موجّه إلى رئيس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، الأربعاء، أن ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد عطل فني عابر، بل هو «فضيحة إدارية ورقمية مكتملة الأركان، دفعت ثمنها الفئات الأضعف، وفي مقدمتها أصحاب المعاشات والأسر التي تنتظر مستحقاتها، والمواطنون الذين فوجئوا بأن حقوقهم أصبحت معلقة على جملة واحدة: السيستم واقع».

وقال البياضي في طلب الإحاطة إن «التحول الرقمي لا يكون بتعطيل الناس، ولا بإغلاق أبواب المصالح العامة في وجوه المواطنين»، مضيفاً أن الحكومة «لا يجوز لها أن تنفق أموالاً طائلة على منظومات يفترض أنها لتسهيل الخدمة، ثم تكون النتيجة النهائية هي شلل كامل في الأداء ووقف حال الناس».

افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية بمحافظة الجيزة قبل أيام (وزارة الاتصالات المصرية)

العراقيل والحلول

ويرى خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، محمد حمزة، أن التحول الرقمي في مصر يواجه تحديات مركبة، أبرزها «ضعف البنية التحتية في بعض المناطق؛ فما زال الإنترنت والخدمات الرقمية غير مستقرة أو بطيئة، ما يعرقل استخدام الأنظمة الإلكترونية».

وأشار أيضاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى نقص المهارات الرقمية كأحد المعوقات، قائلاً: «يحتاج جزء كبير من المواطنين والموظفين إلى تدريب أفضل». كما تحدث عن ارتفاع تكلفة التحول الرقمي الذي قال إنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة في الأجهزة والبرامج والتدريب والصيانة والتأمين الإلكتروني.

واستطرد: «البيروقراطية ومقاومة التغيير يقفان عائقاً أمام انطلاق التحول الرقمي؛ فبعض الجهات ما زالت تعتمد على الإجراءات الورقية التقليدية مما يبطئ الانتقال، فضلاً عن مشكلة عدم تكامل البيانات بين الجهات المختلفة، ويؤدي ذلك إلى وجود قواعد بيانات منفصلة بين الجهات المختلفة ينتج عنها تكرار إدخال البيانات».

وهو يرى أن مصر في حاجة إلى تحديثات تشريعية؛ «لأن التطور التكنولوجي السريع يتطلب قوانين تنظم المعاملات الرقمية وتحمي الحقوق، وتضمن الأمن السيبراني وحماية البيانات».

وتحدث حمزة عن خسائر تتسبب فيها مشكلات التحول الرقمي، منها «تعطيل أو بطء الخدمات والأنشطة، وما يصحبه من خسائر مالية، وانخفاض الإنتاج، وزيادة تكلفة التشغيل؛ حيث تضطر الوزارات إلى العودة للنظام الورقي. وأحياناً يؤدي تكرار الأعطال إلى فقدان ثقة المستثمرين بالأنظمة التكنولوجية».

وبحسب تصريحات أدلى بها مصدر مسؤول بالهيئة القومية للتأمينات لوسائل إعلام محلية، الثلاثاء، فإنه «يتم حالياً تطبيق نظام إلكتروني جديد على مستوى الجمهورية، وهو ما صاحبه ظهور بعض التحديات التشغيلية خلال مرحلة الإطلاق الأولى»، مؤكداً أن «الفرق الفنية تبذل جهوداً مكثفة للانتهاء من تشغيل السيستم الجديد بشكل كامل»، متوقعاً عودة الخدمات تدريجياً خلال الفترة القريبة المقبلة.


مقالات ذات صلة

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

يبدو أن الساحة التشريعية المصرية ستشهد زخماً في الأسابيع المقبلة حول ملفات الأسرة المصرية، بعدما وافقت الحكومة، على مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (مجلس النواب)

تداعيات «حرب إيران» تلقي بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة

ألقت تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة، والتي استعرضها وزير المالية أحمد كجوك أمام مجلس النواب المصري اليوم الأربعاء.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر: الحكومة تتعامل مع الحرب الإيرانية «كأزمة ممتدة» وتشيد بالاستجابة لـ«الترشيد»

قدّم رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، بياناً، الثلاثاء، أمام مجلس النواب ركز على أضرار الحرب الإيرانية وآليات التعامل مع تداعياتها.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر، مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الهويرة»... منشق رابع من «الدعم السريع»


قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
TT

«الهويرة»... منشق رابع من «الدعم السريع»


قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

تشهد «قوات الدعم السريع» في السودان تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية، مع دخول الحرب مع الجيش السوداني عامها الرابع، وتحولها إلى حرب استنزاف طويلة ومعقدة.

وجاء إعلان القائد الميداني البارز علي رزق الله، المعروف بـ«السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع»، ليشكل أحدث وأبرز حلقات هذا المسار، خاصة أن الرجل يعد من أبرز القادة الميدانيين الذين لعبوا أدواراً مؤثرة في معارك دارفور وكردفان خلال السنوات الماضية. وسبقه انشقاق اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القُبة»، إضافة إلى القائد الميداني بشارة الهويرة، الذي غادر صفوف «الدعم السريع» في شمال كردفان قبل أسابيع، قبل أن ينكشف أمره بصورة أوسع خلال الساعات الماضية.

والهويرة هو الرابع في سلسلة الانشقاقات، بعد «السافنا» و«القبة» و«أبو عاقلة كيكل» قائد قوات «درع السودان»، الذي كان أول المنشقين في أواخر عام 2024.


غموض وقلق يخيّمان على مصير البحارة المصريين المختطفين في الصومال

إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)
إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)
TT

غموض وقلق يخيّمان على مصير البحارة المصريين المختطفين في الصومال

إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)
إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)

تتزايد حالة القلق والترقب داخل أسر بحارة مصريين اختطفهم قراصنة صوماليون في أثناء وجودهم على متن ناقلة نفط قبالة السواحل اليمنية، قبل اقتيادها لاحقاً باتجاه المياه الصومالية، في واقعة يكتنف الغموض تفاصيلها، وسط تأكيدات مصرية رسمية بمواصلة الجهود للتعامل مع الأزمة.

وظهرت مخاوف عائلات المخطوفين جلياً على نبرة صوت أميرة محمد، زوجة أحد المختطفين، التي عبّرت خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» عن قلقها إزاء مصير زوجها محمد راضي المحسب وبقية أفراد الطاقم، مشيرة إلى أن شعور القلق يتصاعد يوماً بعد يوم في ظل غياب معلومات مؤكدة أو اتصالات منتظمة من جهة الخاطفين أو الشركة المالكة للسفينة.

وأضافت أن الأسرة تلقت مكالمة هاتفية واحدة قصيرة لم تتجاوز دقيقة، لكنها كانت كافية لإثارة المزيد من القلق، وقالت إن صوت زوجها كان يشوبه توتر واضح، وأنه تحدث عن وجود مسلحين على متن السفينة، وعن تخوفه على مصير الطاقم في ظل تعثر أي مسار تفاوضي.

وذكرت أن تلك المكالمة جرت قبل أسبوع، وأن الأسرة لم تتلقَ أي اتصالات لاحقة، ما فاقم الشعور بالخوف والقلق، وسط غياب أي مؤشرات واضحة حول تطورات الوضع أو مكان الاحتجاز الفعلي.

محمد راضي المحسب أحد البحارة المصريين المخطوفين (حسابه عبر فيسبوك)

والمحسب واحد من ثمانية مصريين تعرضت ناقلة النفط «M-T Eureka» التي كانوا على متنها للخطف من قبل مسلحين مجهولين في الثاني من مايو (أيار) الماضي قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية، بحسب بيانات خفر السواحل اليمني.

والمصريون الآخرون إلى جانب المحسب هم: مؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

مطالب بتحركات أسرع

طالبت زوجة المحسب بتحرك حكومي أسرع وأكثر فاعلية، مشيرة إلى ما تعانيه أُسر المحتجزين من خوف وترقب، وسط الغموض الذي يكتنف مصير ذويها.

وتقول الحكومة المصرية إنها تتابع الحادث عن كثب، مؤكدة استمرار التنسيق مع سفارتها في مقديشو، والتواصل مع السلطات الصومالية من أجل ضمان سلامة البحارة والعمل على الإفراج عنهم في أسرع وقت ممكن.

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري حداد الجوهري في تصريحات تلفزيونية، الاثنين، أن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان سابق أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم، بحسب بيان الاثنين.

وأقر أحمد المحسب، شقيق محمد راضي المحسب، بأن الوزارة تبذل جهوداً على مختلف المستويات، لكنه قال متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» إن العائلات تعيش تحت ضغط نفسي كبير نتيجة استمرار الغموض، وتكرار المناشدات التي تعكس حجم القلق على حياة ذويها.

وأشار إلى أن الأنباء المتداولة بشأن طلب القراصنة فدية مالية كبيرة تصل لملايين الدولارات لا تزال غير مؤكدة، مضيفاً أنه «لا يوجد أي تواصل مباشر مع الخاطفين، وأن كل ما يجري تداوله في هذا الشأن مصدره وسائل الإعلام فقط، بينما تتولى الشركة المالكة للسفينة، وهي شركة إماراتية، إدارة أي تواصل غير معلن، دون إشراك أسر البحارة في التفاصيل».

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وبعدما ظل الحادث بعيداً عن التغطية الإعلامية الواسعة في بدايته في مطلع الشهر الحالي، أعاد نشر استغاثة زوجة محمد المحسب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مساء الأحد، تسليط الضوء عليه، ما دفع إلى تحرك سياسي وإعلامي، ووَصَف بعض البرلمانيين والإعلاميين ما حدث بأنه «عمل إجرامي» يستوجب تحركاً دولياً عاجلاً وحاسماً.

إدانات عربية

وعلى الصعيد الإقليمي، أعربت دولة الإمارات العربية المتحدة عن إدانتها الشديدة للحادث، مؤكدة أنه يمثل تهديداً مباشراً لأمن الملاحة البحرية وسلاسل التجارة الدولية، ومعلنة تضامنها الكامل مع مصر وأسر البحارة، ودعمها للجهود الرامية إلى الإفراج عنهم.

كما أصدرت وزارة الخارجية القطرية بياناً مماثلاً، شددت فيه على أهمية ضمان أمن وسلامة الممرات الملاحية الدولية باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي والدولي، وهو الموقف ذاته الذي تبنته أيضاً المملكة الأردنية الهاشمية في بيان رسمي.

ودعا رئيس البرلمان العربي، محمد بن أحمد اليماحي، المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والتحرك العاجل لوضع حد لهذه الأعمال التي تهدد أمن الملاحة الدولية وتعرض حياة المدنيين للخطر.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات.

إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


انشقاقات تضرب «الدعم السريع»... هل بدأت مرحلة التفكك؟

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
TT

انشقاقات تضرب «الدعم السريع»... هل بدأت مرحلة التفكك؟

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

تشهد «قوات الدعم السريع» في السودان تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية، مع دخول الحرب مع الجيش السوداني عامها الرابع وتحولها إلى حرب استنزاف طويلة ومعقدة.

وجاء إعلان القائد الميداني البارز علي رزق الله، المعروف بـ«السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع»، ليشكل أحدث وأبرز حلقات هذا المسار، خاصة أن الرجل يعد من أبرز القادة الميدانيين الذين لعبوا أدواراً مؤثرة في معارك دارفور وكردفان خلال السنوات الماضية.

ويأتي انشقاق السافنا بعد سلسلة تحركات مماثلة خلال الأشهر الأخيرة، أبرزها انشقاق اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القُبة»، إضافة إلى القائد الميداني بشارة الهويرة، الذي غادر صفوف «الدعم السريع» في شمال كردفان قبل أسابيع، قبل أن يتكشف أمره بصورة أوسع خلال الساعات الماضية. وكان قبلهم أبو عاقلة كيكل قائد قوات «درع السودان» الذي كان أول المنشقين في أواخر عام 2024.

ويرى مراقبون أن انشقاق الهويرة يحمل أهمية ميدانية خاصة، بالنظر إلى موقعه في منطقة «بارا» القريبة من مدينة الأبيض، المعقل الرئيس للجيش السوداني في ولاية شمال كردفان، فضلاً عن أن المنطقة تمثل عقدة استراتيجية تربط غرب السودان بشرقه ووسطه، كما تعد ممراً حيوياً لحركة الإمداد والوقود والمقاتلين.

وتشير تقارير متداولة إلى أن الهويرة انضم إلى الجيش السوداني برفقة قوة ميدانية تضم ما بين 11 إلى 15 عربة قتالية بكامل عتادها، في خطوة اعتبرت ضربة جديدة لـ«قوات الدعم السريع»، حتى وإن حاولت قياداتها التقليل من أثرها العسكري.

النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)

وعقب انشقاق «النور القُبة» في أبريل (نيسان) الماضي، اتجهت الأنظار سريعاً نحو السافنا، باعتباره المرشح الأبرز للانشقاق التالي، خاصة بعد تداول أنباء وقتها عن مغادرته مواقع القتال واتجاهه إلى خارج البلاد، قبل أن يظهر لاحقاً في تسجيل مصور نافياً تلك الأنباء، ليعود بعدها بأسابيع ويعلن انشقاقه رسمياً.

وتفيد معلومات بأن السافنا غادر جبهات القتال قبل فترة متوجهاً إلى أوغندا، ومنها إلى الهند لتلقي العلاج، قبل أن يظهر في تسجيل مصور من مكان غير معروف يُرجح أنه في الهند، معلناً خروجه من «قوات الدعم السريع».

«تأسيس» تقلل

ورغم تأكيده في التسجيل أنه لا ينحاز لأي طرف مسلح، فإن مصادر مقربة من الجيش السوداني تتوقع انضمامه رسمياً إلى القوات المسلحة في أي وقت، بينما تقول مصادر داخل «الدعم السريع» إن ما جرى يعود إلى «إغراءات مادية»، مؤكدة أن الانشقاق لا يمثل تهديداً حقيقياً لبنية القوات أو لمشروع «تحالف السودان التأسيسي – (تأسيس)» الذي تديره في مناطق سيطرتها.

وترى قيادات داخل «الدعم السريع» أن خروج بعض القادة لا يغير موازين القوى على الأرض، مشددة على أن القوات لا تزال تحتفظ بسيطرتها على المناطق التي استولت عليها خلال الحرب، وأن المجموعات الميدانية التابعة لأولئك القادة ما زالت تقاتل تحت رايتها. لكن مراقبين يعتقدون أن تأثير هذه الانشقاقات يتجاوز الجانب العسكري المباشر، نظراً إلى طبيعة تكوين «الدعم السريع» نفسها، التي تعتمد بدرجة كبيرة على شبكات الولاء القبلي والتحالفات المحلية والقيادات الميدانية، خصوصاً في إقليم دارفور.

وخلافاً للجيوش النظامية ذات الهيكل المركزي الصارم، اعتمدت «قوات الدعم السريع» منذ نشأتها على تحالفات عشائرية ومجموعات مسلحة ذات ولاءات متداخلة، وهو ما منحها قدرة كبيرة على الانتشار السريع وبناء النفوذ، لكنه جعلها أيضاً أكثر هشاشة أمام الانقسامات الداخلية وتبدل الولاءات مع طول أمد الحرب. ويبرز في هذا السياق اسم الزعيم القبلي موسى هلال، الذي يُعتقد أنه لعب دوراً غير مباشر في تشجيع بعض الانشقاقات الأخيرة، خاصة أن القادة الثلاثة؛ ينحدرون من عشيرة المحاميد، أحد بطون قبيلة الزريقات التي تمثل العمود القبلي الأبرز لـ«قوات الدعم السريع» وقياداتها.

وتشير تكهنات واسعة إلى أن هلال، المعروف بولائه للجيش السوداني وعدائه القديم مع قيادة «الدعم السريع»، شكل حلقة وصل بين الجيش وبعض القادة المنشقين، خصوصاً بعد الهجوم الذي شنته «قوات الدعم السريع» على بلدته «مستريحة» في شمال دارفور، الذي أسفر عن مقتل أحد أبنائه ودفعه إلى مغادرة المنطقة باتجاه مناطق سيطرة الجيش.

ويعتبر كثيرون أن الهجوم على «مستريحة» كان نقطة تحول مهمة فتحت الباب أمام تصاعد حالة التململ والانشقاقات داخل «الدعم السريع»، خاصة وسط المجموعات القبلية المرتبطة تاريخياً بموسى هلال.

وخلال لقاء جمع قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» بقيادات عسكرية في مدينة نيالا الأسبوع الماضي، تجنب الحديث بشكل مباشر عن انشقاق النور القُبة، لكنه لمح إلى وجود اختراقات داخل قواته من قبل الجيش والحركة الإسلامية. ويعزو محللون تصاعد الانشقاقات أيضاً إلى طبيعة إدارة القيادة داخل «الدعم السريع»، حيث يحتكر حميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو، القائد الميداني الأول، السيطرة على سلسلة اتخاذ القرار والتكليفات العسكرية، وسط اتهامات بتهميش بعض القيادات الميدانية وتصاعد التوترات القبلية داخل بنية القوات. ورغم أن هذه الانشقاقات قد لا تؤدي فوراً إلى انهيار موازين القوى العسكرية، فإن مراقبين يرون أنها قد تتسبب في اضطراب داخلي متزايد داخل «الدعم السريع»، وتؤثر على خطوط الإمداد وحركة المقاتلين بين الجبهات المختلفة، خصوصاً في دارفور وكردفان، بما قد ينعكس تدريجياً على تماسك القوة وتحالفاتها القبلية والسياسية.