«باب الدروازة» توازن بين نمو شخصية البطل وصعود نجم صدام حسين

علي لفتة سعيد في رواية عن وضع سياسي متفجّر نهاية السبعينات

«باب الدروازة» توازن بين نمو شخصية البطل وصعود نجم صدام حسين
TT

«باب الدروازة» توازن بين نمو شخصية البطل وصعود نجم صدام حسين

«باب الدروازة» توازن بين نمو شخصية البطل وصعود نجم صدام حسين

رواية «باب الدروازة» للروائي علي لفتة سعيد هي سيرة روائية أو رواية سيرية لاكتشاف الذات والعالم، ولبناء وعي شخصية روائية تواجه الحياة بحذر وخوف وتردّد. فبطل الرواية وراويها المركزي «خلاوي» يقدم لنا ما يشبه السيرة الذاتية «الأوتو بيوغرافية» عن حياته وتجربة انتقاله مكانياً من بلدةٍ صغيرة وبسيطة ذات طابع ريفي، هي سوق الشيوخ في محافظة ذي قار، إلى مدينة كبيرة ومعقدة، هي بغداد. ويقدم لنا الراوي سرده على شكل مونولوجات داخلية، أو لحظات استرجاع الذاكرة، فضلاً عن بعض المدونات والمخطوطات التي كان يدونها في دفتره الصغير، الذي يكشف عن منحى ميتا سردي واضح، كما سنأتي على ذلك لاحقاً.

والرواية هي أيضاً كشف لصدمة التعرّف والانبهار بالعالم الجديد لبطل الرواية، الذي لم يكن قد اجتاز سنته الـ16 بعد، ولذا بدت له الأشياء والمرئيات والأماكن وكأنها تولد للمرة الأولى. فكلّ شيء يثير دهشته واستغرابه. فالسيارة الكبيرة الحمراء ذات الطابقين أفزعته، كما أن كثيراً من الناس والغرباء كانوا يبدون له مثل كلاب تريد أن تنهش لحمه. ولذا بدت له مدينة بغداد، وبشكل خاص حي «الدروازة» في مدينة الكاظمية ببغداد مثل عالم متوحّش يريد ابتلاعه.

وتتزامن تجربة تعرّف بطل الرواية على العالم الجديد بوضع سياسي متفجّر، ومعرّض للانفجار في أيّ لحظة. فعام 1978 في العراق، الذي وطئت قدماه مدينة بغداد، هو العام الذي شهد صعود نجم الديكتاتور صدام حسين، الذي كان حضوره يمثل كابوساً مخيفاً لمعظم الشخصيات الروائية، وبشكل خاص «سعيد» زوج خالته وصديقه «هادي» بائع السبح، خاصة اقتران هذا الصعود بانتصار الثورة الإيرانية وبزوغ نجم آية الله خميني، وتأثيره على المجتمع العراقي. ولذا فقد كان الناس يتوقّعون أن تشتعل الحرب بين الطرفين في أي لحظة، وكانت شخصية البطل تنمو داخل هذا الفضاء المطلق، الذي يؤشّر أفق توقّع أسود ودموي للبلاد. وما كان يقلق البطل وشقيقه الأكبر «سليم»، طالب الدكتوراه في كلية الإدارة والاقتصاد، احتمال دعوة مواليد «خلاوي»عند اندلاع الحرب، لأنه سيكمل الثامنة عشرة من عمره آنذاك، ما يجعله مؤهّلاً للالتحاق بخدمة العلم، وهو ما حدث فعلاً في نهاية الرواية، وقطع الطريق على أحلام البطل، وخطّته لإكمال دراسته في إعدادية الكاظمية، حالما يحصل شقيقه الأكبر على شهادة الدكتوراه. ولذا يمكن أن نلاحظ وجود توازنٍ بين نمو شخصية البطل من جهة، وصعود نجم الديكتاتور صدام حسين، الذي كان «سعيد» زوج خالته يقارنه بالإله الجديد الذي سوف يتسيّد المشهد السياسي بسرعة، ويمارس أبشع أساليب العنف ضد الناس. فالعالم الخارجي المتفجّر سياسياً كان يتحكّم إلى درجةٍ كبيرةٍ بعملية تشكّل شخصية البطل واصطدامه بالواقع الجديد.

فهناك إشارات كثيرة عن مراحل سيطرة صدام حسين التدريجية على الدولة، وكان «سعيد» زوج خالة «خلاوي»، وهو صاحب محل بيع الثلج الذي يعمل «خلاوي» عنده عاملاً، يقوم بإيصال طلبات الزبائن إلى بيوتهم. وكان «سعيد» كثير الكلام الموجّه ضدّ الحكومة، ويحذّر من التغيّرات التي ستحصل، والتغيّرات التي حصلت في إيران. ويصرخ ويقول؛ انتبهوا إلى الآلهة الجدد (ص 95) كما كان «سعيد» يحذر الناس من الخطر القادم:

- «أيها الناس احذروا ما سيأتي، فلا تصمتوا، فقد صمتنا وحولونا إلى مجانين». (ص 99)

وفي إشارة إلى صعود صدام حسين، قال سعيد: «سنرى الموت، سنحترق شرقاً وغرباً ومن الوسط». (ص 110).

وجسّدت الرواية حالة التوتر والقلق لدى الناس، خاصة بعد أن قام صدام حسين بإعدام أعضاء قيادة حزبه، في ما سمي بمجزرة قاعة الخلد، وتنظيم مظاهرات تأييد للحكومة، كان «خلاوي» يسمع بكلمات لم يتابعها؛ قاعة الخلد... تطهير الأعضاء... إعدامهم لأنهم خونة... (ص 113)، كما اندهش «خلاوي» لأنه صار يرى صورة الرئيس الجديد، وقد ملأت الشوارع (ص 115). وقال سعيد مؤكداً: «إن الآلهة عادوا، آلهة الحرب بدأت بطرق طبولها». (ص 116). وحاول «هادي» بائع السبح أن يوضح صورة التغيير السياسي في العراق السعيد، في إشارة إلى هيمنة صدام حسين على السلطة:

- «الزمن تغيّر، لم يعد أحمد حسن البكر في السلطة، وأنت ترى منذ فترة التغيرات كبيرة، نحن الآن في تموز 1979» (ص 156).

- وفي إشاره إلى تسلّط صدام حسين، قال سعيد:

«الآلهة الموزعون على خرائط العراق، سينتحرون، وسيكون هناك إله واحد» (ص 158).

أما من الناحية السردية في الرواية، فنلاحظ هيمنة السرد المونولوجي الداخلي، وهو سرد فني مبأّر، على بنية الرواية السردية، منذ استهلالها:

«كان ذلك في صيف عام 1978 حين وطئت قدماه أرض العاصمة بغداد. كان وقتها فرحاً سعيداً، عامراً بالبهجة، كأنه تخلّص من التصاق تجمعات الحزن في قلبه وعلى جسده» (ص 5).

لكننا نفاجأ أحياناً بتدخّل المؤلّف، وتوظيف لون من السرد الكلّي العلم، الذي يضعف وحدة السرد المونولوجي الفنية المبأّرة، كما نجد ذلك في هذا المقطع الذي يخاطب فيه المؤلف القراء:

«أعلم أنكم قد تقولون، معقولة أن هذا الشاب الذي لم يبلغ سنته الثامنة عشرة، له كل هذه القدرة على التفكير» (ص 117).

وكما نجد زيادة في كلمة هنا أوهناك، تحيل إلى السرد الكلّي العام، كما الحال في كلمة طبعاً:

«طبعاً، خلاوي لم يفهم شيئاً» (ص 38)، كما نجد ذلك في هذا النص الذي يحيلنا إلى السرد الكلي العلم، لأنها تحيلنا إلى وعي المؤلف المنطقي، كما تحيلنا إلى القارئ:

«الحقيقة التي يجب ذكرها أن أم صلاح لم تكن مرتاحة لفتحية» (ص 61).

ولكن هذه الهفوات لم تؤثّر كثيراً على المستوى الفني للسرد المبأّر.

كما تمتلك الرواية من الجانب الآخر مظاهر ميتا سردية واضحة، تتمثّل في قيام البطل «خلاوي» بتدوين مذكّراته في دفتر صغير، وقد كتب في دفتره لاحقاً: «كن كما تريد، ولا تجعل عقلك يتجه نحو غاية واحدة» (ص 214).

ويتعزّز المنحى الميتا سردي في نهاية الرواية عندما يقرّر «سعيد» إهداء مكتبته إلى «خلاوي»، في إشارة إلى أنه قد يعتقل، أو يضطر إلى الاختفاء أو الهجرة، كما ترك له صندوقاً ينطوي على مخطوطاتٍ ومذكراتٍ مهمة:

«في هذا الصندوق ثمة أوراق هي عبارة عن مذكرات أعوام سجني، أعوام من العذاب» (ص 237).

وأخبره بوجود 3 دفاتر كبيرة تغطّي تاريخ العراق من عام 1958 حتى عام 1975، وهو عام خروجه من سجن «أبو غريب»، وطلب منه أن ينشر هذه المذكّرات على شكل كتاب.

وتكمن أهمية هذه المخطوطات في أنها قد تكون جزءاً من المتن الروائي الحالي، وأعني به رواية «باب الدروازة»، ما يجعل الرواية بكاملها تحت باب المخطوطة المضمنة داخل متن سردي أوسع هو متن الرواية الراهنة.

وإذا ما كان «سعيد» زوج خالته ملتزماً ومنتمياً إلى أحد الأحزاب السياسية اليسارية، ومثله بائع السبح «هادي»، فإن «خلاوي» كان نموذجاً للامنتمي الذي يجد نفسه ضائعاً تتلاقفه الأمواج في طوفان السياسة والكتب والأفكار، لكنه كان يحاول أن يشقّ طريقه بحذرٍ وتروٍ، وهو يتأمّل هذه التناقضات في الأفكار والمواقع والممارسات، وربما كانت نقطة التحوّل في شخصيته النامية تتمثّل في انتقاله من بلدته الريفية «سوق الشيوخ» إلى مدينةٍ عملاقةٍ ومعقّدةٍ ومثيرةٍ، هي بغداد، وموقف اللامنتمي ساعد على تقديم رؤيةٍ موضوعيةٍ وبريئةٍ للأحداث وللصراعات الفكرية والسياسية.

كان فرحه كبيراً عندما وطئت قدماه مدينة بغداد لأول مرة عام 1978، وبدأ التراكم المعرفي لديه من خلال المشاهدة والمراقبة والتأمّل فقط، ولم يكن قد تعوّد على قراءة الكتب بعد، لكنه كان يلتقط ما يقوله الناس، وما يقوله شقيقه الأكبر «سليم» طالب الدكتوراه، و«سعيد» زوج خالته، و«حسن» الطالب في كلية الفنون الجميلة:

«في غرفة حسن وحسين تفتحت قريحته لمعرفة أهمية الفن في الحياة... ومرّة شاهد لوحة امرأة ساكنة، أخبره (حسن) أن هذه المرأة اسمها الموناليزا، والذي رسمها وعشقها اسمه دافنشي» (ص 37).

وهكذا راحت أفكار «خلاوي» تتغيّر تدريجياً:

«لم يكن أحد بإمكانه إدراك ما يعانيه خلاوي خلال هذا العام الذي امتد طويلاً، فكلّ شيءٍ تغيّر فيه حتى أفكاره» (ص 90).

وخلال هذا التطوّر، صار عقل «خلاوي» أكثر وعياً وقدرةً على استقبال الأفكار (ص 97)، وأدرك أن عليه التحوّل لرؤية الأشياء، مثلما يراها زوج الخالة من الأعلى، وليس كما يراها هو من الأسفل (ص 157)، كما أدرك أنه يمضي شهوره مستمعاً فقط للآخرين، لذا فأفضل طريقة لتجريب الذات، وتخليصها من لزوجة الصمت هي الحديث (ص 175). ويمكن القول إن العالم الخارجي الجديد راح يعيد صياغة شخصية البطل:

«وجد نفسه في لحظة تماهٍ، يقول مع نفسه إن المكوث في بغداد يختلف عن أيّ منطقةٍ أخرى، إنها تعني ملاحقة تفتّح العقول على معطيات جديدة» (ص 208).

ومن خلال عملية النمو التدريجي لتطوّر الوعي عند البطل «خلاوي»، وطلبه من «سعيد» السماح له بقراءة كتبه، ندرك أن خلاوي مقبلٌ على تحوّلٍ جذري أعمق، ربما تكون فيه صورة جديدة، تدمج بين شخصيات «سعيد» زوج خالته و«سليم» شقيقه و«حسن» طالب الفن في أكاديمية الفنون الجميلة، وأنه سينتقل تدريجياً من شخصية اللامنتمي إلى شخصية المنتمي، خاصة بعد أن أهداه «سعيد» المكتبة والمخطوطات، وكأنه يسلّمه راية نضالية، يجب أن يحتفظ بها ويحميها في المستقبل. ومعنى هذا أن النضال سيتواصل ضدّ أشكال العنف والاستبداد، من خلال تكامل شخصية بطل الرواية «خلاوي»، وهي إشارة متفائلة لمستقبل النضال الاجتماعي من أجل تحقيق العدالة والحرية، خاصة أن «خلاوي» سيقوم بكتابة رواية عن حياة «سعيد» ونضاله، بتوظيف الدفاتر الثلاثة.

*ناقد عراقي



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».