السودان: «تقدم» تسعى لتوسيع جبهتها... والجيش يكثف التحشيد

قصف مواقع «الدعم السريع» في الخرطوم

TT

السودان: «تقدم» تسعى لتوسيع جبهتها... والجيش يكثف التحشيد

مواطنون في ولاية كسلا السودانية (الأحد) خلال تحشيد مناهض لقوات «الدعم السريع» بحضور مسؤولين من الجيش (سونا)
مواطنون في ولاية كسلا السودانية (الأحد) خلال تحشيد مناهض لقوات «الدعم السريع» بحضور مسؤولين من الجيش (سونا)

في الوقت الذي أعلنت فيه «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)» في السودان (الاثنين) أنها تسعى لتوسيع جبهتها من القوى السياسية الهادفة لوقف الحرب في البلاد، واصل الجيش التحشيد العسكري للمدنيين في الولايات الخاضعة لسلطته استعداداً لمواجهة عناصر «قوات الدعم السريع»، وقصف بالمدفعية والطائرات مواقع لـ«الدعم» في العاصمة الخرطوم.

وقال العميد مبارك بخيت، القيادي في «تقدم» وأمين شؤون رئاسة «تجمع قوى تحرير السودان»، إن التنسيقية «تسعى إلى توسيع جبهتها المدنية لتضم أطرافاً جديدة، في إطار الجهود الرامية إلى وقف الحرب بين الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع)، وبناء تحول ديمقراطي حقيقي».

وأضاف بخيت لـ«وكالة أنباء العالم العربي» (الاثنين): «أرسلنا خطابات إلى جهات عدة، من بينها (الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو)، و(حركة تحرير السودان)، و(الحزب الشيوعي)، و(حزب البعث)، كما أرسلنا خطابات إلى كيانات أخرى، سواء كانت لجان مقاومة أو إدارة أهلية أو مكونات مجتمع مدني، وغيرها من المنظمات، لكي نصل إلى حد أدنى من الاتفاق؛ الهدف الأول والأساسي منه هو إيقاف الحرب». وتابع: «حتى الآن لم تصل إلينا ردود مؤكدة من هذه الأطراف، لكنها ستصل بكل تأكيد إلى لجنة الاتصال».

رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك (يمين) وقائد «قوات الدعم السريع» خلال مباحثات في أديس أبابا (تويتر)

وأكد بخيت أن «التنسيقية» أرسلت «خطابات أيضاً إلى مكونات المجتمع المدني، ورجال الدين والطرق الصوفية وغيرها من الأطراف»، مشيراً إلى أن تنسيقية «تقدم» ستعقد «مؤتمراً تأسيسياً في نهاية فبراير (شباط) المقبل يشمل كل السودانيين، سواء في الولايات أو الأرياف أو المدن».

ورداً على سؤال بشأن التحديات التي تواجه «تقدم» في إطار مسعاها لعقد اجتماعات مع الأطراف المختلفة، قال بخيت: «التحديات تكمن بشكل أساسي في مسألة التنقل، لأن الحرب فرضت على السودانيين ظروفاً صعبة جداً، وغالبية القيادات موجودة في أماكن مختلفة وتجد صعوبة في التنقل».

«قصف الدعم»

وعلى صعيد ميداني، قال شهود (الاثنين) إن «الجيش السوداني قصف بالمدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة مواقع لقوات (الدعم السريع) في العاصمة الخرطوم، وسط استمرار معاناة السكان في أحياء أم درمان من انقطاع المياه وسوء شبكات الاتصالات».

وأفاد شهود تحدثوا لـ«وكالة أنباء العالم العربي» بأن «الجيش قصف (قوات الدعم) في منطقة السوق العربي وسط الخرطوم، كما تعرض حيا جبرة والصحافة المحيطان بسلاح المدرعات إلى ضربات مدفعية مكثفة».

وذكر الشهود أن «أعمدة دخان كثيفة تتصاعد من منطقتي الأزهري والنهضة المجاورتين لأرض المعسكرات، والمدينة الرياضية الخاضعة لسيطرة (الدعم السريع) جنوب الخرطوم، كما شوهدت أعمدة دخان في منطقة شرق النيل بمدينة الخرطوم بحري».

وفي أمدرمان، التي تشكل إلى جانب الخرطوم وبحري، العاصمة الكبرى، يسود هدوء حذر وسط استمرار معاناة المواطنين بسبب انقطاع المياه لأكثر من أسبوع إلى جانب سوء حالة خدمات الاتصالات والإنترنت.

وتوقفت محطتان رئيسيتان عن العمل بسبب نقص محاليل الكلور اللازمة لتنقية المياه، وتفقد والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، (الأحد) عدداً من الحارات والمناطق بمحلية كرري، للوقوف على تداعيات أزمة شح المياه.

مرضى يتلقون العلاج على أجهزة غسل الكلى في مستشفى القضارف بشرق السودان (أ.ف.ب)

وفي مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، وسط السودان، وجهت «لجان مقاومة مدني» اتهامات لـ«قوات الدعم السريع» بـ«سرقة ونهب سيارات المواطنين من داخل منازلهم في أحياء وقرى المدينة».

كما أشارت اللجان في بيانها (الاثنين) إلى «استمرار سرقة الأسواق والمخازن والمنازل من قبل العصابات واللصوص بمعاونة (قوات الدعم السريع)». لكن «الدعم السريع» تنفي مراراً صلتها بتلك الانتهاكات وتلقي باللائمة على من تطلق عليهم «المنفلتين» من «أذرع النظام البائد والاستخبارات العسكرية».

كما أفادت اللجان بأن «هناك العديد من الإصابات والوفيات بين المواطنين نتيجة القصف العشوائي الذي يقوم به سلاح الجو التابع للجيش السوداني في أحياء مختلفة من المدينة، حيث صار لا يفرق بين الأهداف العسكرية والمدنية»، وفق ما جاء في البيان.

وذكرت كذلك أن «كل المستشفيات العامة والخاصة والمراكز الصحية والصيدليات في مدينة ود مدني وأغلب مناطق القري المجاورة خارج الخدمة بشكل كامل وتعرضت أغلبها للنهب».

تحشيد الجيش

إلى ذلك واصل الجيش السوداني التحشيد العسكري لداعميه في الولايات الخاضعة لسيطرته، بهدف الاستعداد لمواجهة «الدعم السريع»، وأجرى ولاة الولاية الشمالية وكسلا والقضارف لقاءات عدة مع مواطنين داعمين للجيش ينشطون ضمن ما أطلق عليه «المقاومة الشعبية المسلحة» و«الهيئة الشعبية لدعم وإسناد القوات المسلحة».

والتقي والي الولاية الشمالية عابدين عوض الله وفد «الهيئة الشعبية لدعم وإسناد القوات المسلحة بوحدة الغابة الإدارية بمحلية الدبة»، واطلع الوالي (الأحد) حسب «وكالة السودان للأنباء» على «جهود الهيئة ودعمها وإسنادها للقوات المسلحة في معركتها ضد (ميليشيا الدعم السريع)».

والي ولاية القضارف السودانية (الأحد) وسط تجمع من مؤيدي الجيش (سونا)

وأشار إلى «ضرورة مواصلة الإعداد والتدريب وفتح (معسكرات الكرامة) للشباب، وكل القادرين على حمل السلاح دفاعاً عن الأرض والعرض، وحماية المواطنين وممتلكاتهم».

وفي ولاية كسلا، نقلت وكالة الأنباء السودانية أن «مواطني محلية ريف ود الحليو أكدوا وقوفهم جنباً إلى جنب مع قوات الشعب المسلحة وإعلان الجاهزية التامة من خلال تدشين (نفرة المقاومة الشعبية) لمواجهة أي عدوان يهدد الولاية عامة والمحلية خاصة».

وتكرر النهج نفسه في ولاية القضارف، الذي التقى واليها المكلف محمد محجوب بعض مواطنيها، وقال إن «الولاية آمنة ومحروسة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى»، مؤكداً حرص «حكومة الولاية على تقديم الدعم المادي والعيني للارتكازات كافة للقيام بدورها كاملاً لحفظ الأمن وحماية الولاية من أي توغل للميليشيات المتمردة».


مقالات ذات صلة

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

شمال افريقيا عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الأسبق (الشرق الأوسط)

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

دعا رئيس وزراء السودان السابق، «رئيس تحالف صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية واضحة لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

تحليل إخباري حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام لحظة مختلفة سياسياً وإنسانياً؛ فالإنهاك العسكري والمجاعة والضغوط الدولية تدفع أطراف الصراع نحو لحظة مفصلية.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
الخليج طغت دموع الفرح ومشاعر الوصول على مشاق الانتظار والسفر (الشؤون الإسلامية)

حجاج سودانيون: مشاعر الوصول طغت على مشاق الرحلة والسفر‏

في مشهدٍ يفيض بالروحانية والخشوع، رصدت «الشرق الأوسط» اللحظات الأولى لوصول دفعة الحجاج السودانيين إلى مقر إقامتهم في أحد الفنادق الكبرى بوسط مكة المكرمة.

عمر البدوي (مكة المكرمة)
شمال افريقيا أطفال سودانيون نزحوا مع عائلاتهم إلى ليبيا يتلقون درساً في مدرسة للاجئين في تاجوراء شمال طرابلس (أرشيفية - أ.ب)

قوى سودانية تجتمع في نيروبي لتطوير رؤية وقف الحرب

تستعد قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة سودانية، غداً الجمعة، في العاصمة الكينية نيروبي، لبدء جولة جديدة من المشاورات بشأن الاتفاق على إطار تنسيقي لوقف الحرب.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها

العيد في السودان.. الأضحية ترف في زمن الحرب

تفاقمت الأوضاع الاقتصادية في السودان، ومع دخول الحرب عامها الرابع، وحلول عيد الأضحى، فوجئ كثيرون بأسعار خرافية لخراف الأضحية، فاقت قدرات معظم الأسر.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
TT

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)

دعا رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس التحالف المدني «صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية وطنية واضحة تهدف إلى وقف الحرب، مؤكداً أن السودان يواجه «معركة وجودية... يكون أو لا يكون»، تهدد بقاء الدولة ومستقبلها. وقال إن الكارثة الإنسانية التي تشهدها البلاد تفوق، من حيث الحجم والتداعيات، ما يحدث في قطاع غزة بفلسطين، مجدداً تأكيده على أن الأزمة السودانية لا يمكن أن تُحسم عسكرياً، وأن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد لإنقاذ البلاد.

وجاءت تصريحات حمدوك خلال مخاطبته الجلسة الافتتاحية لاجتماع «قوى إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد» المنعقد في العاصمة الكينية نيروبي، حيث شدد على أهمية التوافق بين القوى المدنية والسياسية حول أهداف العملية السياسية، موضحاً أن هذه العملية ينبغي أن تبدأ بثلاثة مسارات مترابطة تشمل: الملف الإنساني، ووقف إطلاق النار، ثم إطلاق المسار السياسي، وصولاً إلى اتفاق سلام شامل ومستدام، مع ضرورة توحيد جهود الوساطات الإقليمية والدولية.

صورة جماعية للقيادات المشاركة في إعلان نيروبي (تحالف صمود)

وتركز اجتماعات «قوى نيروبي» على تنسيق العمل المشترك بين القوى السياسية والحركات المسلحة والقوى المدنية، بهدف إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار في السودان. وقال حمدوك إن «هناك العديد من المبادرات الإقليمية والدولية التي تتناول الشأن السوداني، من بينها مبادرات الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إضافة إلى منابر دولية أخرى»، لكنه قال إن أهم هذه المبادرات هي «الرباعية» التي تضم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والولايات المتحدة، «نظراً لأنها وضعت خريطة طريق واضحة تستند إلى 5 مبادئ و7 التزامات رئيسية». وأضاف أن من أهم ما يميز هذه المبادرة هو موقفها الرافض لإشراك الأطراف التي «خربت الحياة السياسية»، في إشارة إلى جماعات الإسلام السياسي.

كما أعرب حمدوك عن تقديره لدول الجوار السوداني التي استضافت ملايين اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، داعياً إلى إجراء نقاش وطني واسع حول خريطة الطريق السياسية وأهدافها والأطراف المشاركة فيها، بما يفضي إلى عملية سياسية شاملة وذات مصداقية. وحذّر من أن فشل القوى المدنية في التوافق على رؤية موحدة سيؤدي إلى فرض ترتيبات خارجية على السودان دون إرادة السودانيين.

من جانبه، أكّد رئيس حزب البعث العربي الاشتراكي، علي الريح السنهوري، أن الأولوية الوطنية الراهنة تتمثل في وقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان، داعياً إلى توحيد صفوف القوى المدنية من أجل إعادة السلطة إلى الشعب السوداني، ومشدداً على ضرورة التصدي لأي مخططات تستهدف تقسيم البلاد. بدوره، أعلن رئيس حركة جيش تحرير السودان، عبد الواحد محمد أحمد النور، استعداد حركته للتوصل إلى خريطة طريق وآليات واضحة لوقف الحرب، مؤكداً أهمية معالجة الجذور التاريخية للأزمة السودانية وعدم الاكتفاء بالحلول الجزئية أو المؤقتة.

وفي وقت سابق، اتفقت قوى «إعلان مبادئ نيروبي» على ضرورة تطوير المبادرة وتوسيع قاعدة المشاركة لتشمل مختلف القوى السياسية والمدنية الداعمة للسلام والاستقرار، مع استثناء حزب المؤتمر الوطني المعزول. كما تضمنت المبادئ التأكيد على ضرورة الربط بين المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية ضمن حزمة واحدة تقود إلى انتقال مدني ديمقراطي، إلى جانب اشتراط عدم مشاركة الأطراف المتحاربة في ترتيبات ما بعد وقف الحرب. وشارك في الاجتماعات ممثلون عن «تحالف صمود»، وحزب الأمة القومي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة تحرير السودان، والتجمع الاتحادي، ومنسقية اللاجئين والنازحين في دارفور، وهيئة محامي دارفور، إضافة إلى عدد من الشخصيات الوطنية المستقلة.


تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)

جددت مجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا التزامها بمواصلة دعم الجهود الوطنية، الرامية إلى تطهير البلاد من مخلفات الحروب، وتعزيز سلامة المدنيين في المناطق المتضررة بمختلف أنحاء البلاد.

وقالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن مجموعة الدعم عقدت اجتماعها السنوي الثاني، حيث أكد ممثلو عشر دول أن الأعمال المتعلقة بالألغام «تشكل ركيزة أساسية لحماية المدنيين، وتعزيز الاستقرار وبناء السلام المستدام في ليبيا».

وشهد الاجتماع مشاركة ممثلين دبلوماسيين وعسكريين من الاتحاد الأوروبي، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وقطر، وجمهورية كوريا، وتونس، وتركيا، والمملكة المتحدة؛ وذلك بهدف تعزيز التنسيق الدولي، وتوحيد الدعم المقدم لجهود مكافحة الألغام في ليبيا.

واستضاف سفير إيطاليا لدى ليبيا، جيانلوكا ألبيريني، بمقر السفارة في طرابلس، الاجتماع وترأسه بالشراكة مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون.

خلال عملية سابقة لنقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

وركزت المناقشات على «التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية لمخلفات الحرب القابلة للانفجار»، إضافة إلى «مخاطر التخزين غير الآمن للذخائر، بما في ذلك التهديدات المستمرة، التي تشكلها مستودعات الذخيرة الواقعة بالقرب من المناطق السكنية على المدنيين في مختلف أنحاء البلاد».

وانفجرت مخازن ذخيرة أكثر من مرة داخل ثكنات تتبع تشكيلات مسلحة في مدن بغرب ليبيا، وخاصة مصراتة. وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تظاهر مواطنون في مصراتة للمطالبة بإخراج مخازن الأسلحة والذخائر من منطقتهم، ونقلها إلى مواقع بعيدة عن التجمعات السكنية.

وحسب تقارير المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب، تم تحديد أكثر من 688 مليون متر مربع من المناطق المؤكدة، أو المشتبه بتلوثها بمخلفات الحروب في مختلف أنحاء ليبيا منذ عام 2011؛ الأمر الذي لا يزال ينعكس سلباً على المناطق السكنية والأراضي الزراعية والبنية التحتية الحيوية.

ومنذ مايو (أيار) 2020، تسببت حوادث الألغام والذخائر المتفجرة في سقوط 487 ضحية، بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً، من ضمنهم 87 طفلاً. وأكد المشاركون في الاجتماع أهمية تكثيف التنسيق للحيلولة دون وقوع المزيد من المآسي الإنسانية، الناجمة عن الذخائر المتفجرة في ليبيا.

وأشار المشاركون كذلك إلى أن جهود مكافحة الألغام في ليبيا لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية القدرات الفنية، وصعوبات الوصول إلى بعض المناطق، إضافة إلى نقص التمويل مقارنة بحجم التلوث الناتج عن مخلفات الحروب في ليبيا.

وعلى الرغم من تحرير وتسليم نحو 219 مليون متر مربع من الأراضي من خلال عمليات المسح، والتطهير منذ وقف إطلاق النار عام 2020، فإن التلوث بمخلفات الحروب لا يزال يؤثر بشكل مباشر على المدنيين في عدد من المناطق، من بينها جنوب طرابلس، ومصراتة، وسرت، وغريان ومزدة، إضافة إلى بنغازي، وطبرق، ومرزق وسبها.

وأكد المشاركون أهمية ترسيخ الملكية الوطنية، وتعزيز القيادة الليبية للأعمال المتعلقة بالألغام، إلى جانب ضمان استمرار الدعم الدولي لهذه الجهود التي تقودها ليبيا، من خلال بناء القدرات، وتعزيز التعاون الثنائي، ودعم المؤسسات الوطنية العاملة في مجالي مكافحة الألغام، والإدارة الآمنة للأسلحة والذخائر.

كما شددوا على ضرورة تنسيق الجهود الدولية وتوحيد الرسائل والمواقف الداعمة، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية، ويسهم في تعزيز فاعلية الجهود الليبية بقيادة وطنية.

وفي هذا السياق، أكد المشاركون ضرورة منح قضايا مكافحة الألغام والإدارة الآمنة للذخائر اهتماماً أكبر، ضمن أعمال مجموعة العمل الأمنية الدولية المنبثقة عن مسار برلين.

جانب من أنشطة «أونماس» التي تعمل على توعية الأطفال بمخاطر الألغام (البعثة الأممية)

وأشاد السفير ألبيريني بالجهود المبذولة للتصدي للتهديد، الذي تمثله مخلفات الحرب القابلة للانفجار والذخائر المتفجرة في مختلف أنحاء البلاد، مشيداً بالاستجابة التي قادها المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام، بالتعاون مع شركائه وبدعم من بعثة الأمم المتحدة، عقب انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة في أغسطس (آب) 2025.

وكان الانفجار قد نجم عن اشتعال ذخائر داخل مستودع ذخيرة يقع في منطقة سكنية مكتظة، محدثاً انفجاراً هائلاً. وأسفر الحادث عن أضرار امتدت ضمن نطاق يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات؛ ما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن 21 شخصاً، فضلاً عن تضرر عدد من المباني التجارية والمنازل السكنية.

وقال ألبيريني: «لقد شهدنا في موقع الانفجار قدراً كبيراً من المهنية والكفاءة في تنفيذ عمليات إزالة المخلفات المتفجرة وأنشطة التوعية بمخاطر الذخائر غير المتفجرة».

كما استحضرت نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة ريتشاردسون رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، والمساعدة في الأعمال المتعلقة بها لعام 2026 تحت شعار: «استثمروا في السلام، استثمروا في الأعمال المتعلقة بالألغام»، داعيةً إلى مواصلة الجهود الرامية إلى الحد من المخاطر الناجمة عن تخزين الذخائر داخل المناطق السكنية، وتعزيز حماية المدنيين، بمن فيهم الأطفال، وتسريع وتيرة التعافي والتنمية.

وأوقعت الألغام ضحايا كثيرين في ليبيا، وخاصة من الأطفال، لا سيما في المناطق التي شهدت حروباً واشتباكات.


التصعيد القائم في المنطقة يربك رهانات خفض الفائدة بمصر

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
TT

التصعيد القائم في المنطقة يربك رهانات خفض الفائدة بمصر

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

لا يزال التصعيد القائم في المنطقة وصعوبات التكهن بتسوية الحرب الإيرانية، يربكان رهانات خفض أسعار الفائدة في مصر، بعد أن لجأ البنك المركزي المصري لتثبيت «سعر الفائدة» للمرة الثانية على التوالي.

ووفق اقتصاديين، فإنه «من الصعب المراهنة على خفض أسعار الفائدة وسط حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة»، وأشاروا إلى أنه «من المرجح رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم لـ(لجنة السياسات النقدية) حال استمرار الأوضاع الإقليمية على وضعها».

وقررت «لجنة السياسات النقدية» بالبنك المركزي المصري في اجتماعها مساء الخميس «الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير»، وأشارت اللجنة في إفادة لها إلى أن «القرار جاء متسقاً مع رؤية اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته، في ظل بيئة خارجية تتسم بعدم اليقين».

وبحسب القرار، سيتم تثبيت سعرَي عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 19.00 في المائة، و20.00 في المائة، و19.50 في المائة على الترتيب، إلى جانب «الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.50 في المائة»، حسب البنك المركزي.

وهذه هي المرة الثانية التي يقرر فيها «المركزي» تثبيت سعر الفائدة بعد قرار اللجنة في أبريل (نيسان) الماضي الإبقاء على أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض، على وقع تداعيات الحرب الإيرانية، لينهي سلسلة انخفاض تدريجي لأسعار الفائدة من مستوياتها المرتفعة بدأت في أبريل (نيسان) 2025.

وتعقد «لجنة السياسات النقدية» اجتماعها الدوري كل ستة أسابيع، ويتبقى لها 5 اجتماعات خلال العام الحالي، في ظل ترقب الأسواق لتطورات التضخم وسعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.

ووفق «عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله، فإن «حالة التصعيد التي تشهدها المنطقة وعدم حسم ملف الحرب الإيرانية يسببان ارتباكاً لدى القائمين على السياسات النقدية».

وقال جاب الله لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك صعوبات في وضع معايير اقتصادية يمكن البناء عليها في خطط التوسع بالاستثمارات وفي الغذاء والأسمدة»، مشيراً إلى أن «خريطة الاقتصاد العالمي شبه متوقفة لحين وضوح الرؤية على الصعيدين الإقليمي والدولي».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على «فيسبوك»)

ورأى جاب الله أنه «من الصعب المراهنة على خفض أسعار الفائدة بمصر، في ظل حالة عدم اليقين بالمنطقة»، وأضاف أن «البنك المركزي لا يستطيع خفض الفائدة في الوقت الراهن لتأثير هذا القرار على زيادة معدلات التضخم»، مشيراً إلى أن «التضخم سيرتفع بنسب كبيرة حالة خفض الفائدة، نتيجة خروج جانب من الودائع والمدخرات في أنشطة استهلاكية».

وتراجع معدل التضخم في مصر بشكل طفيف الشهر الماضي بعد أن سجل في المدن المصرية على أساس سنوي 14.9 في المائة، مقارنة بنحو 15.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي، في حين تراجع على أساس شهري إلى 1.1 في المائة في أبريل الماضي، مقابل 3.2 في المائة في مارس الماضي، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

ويعتقد جاب الله أن قرار «المركزي» تثبيت سعر الفائدة «خيار طبيعي في ظل توقعات تباطؤ الاقتصاد العالمي»، ويشير إلى أن «(لجنة السياسات النقدية) رأت أن معدلات التضخم القائمة في الأسواق تطور عارض بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والكهرباء على وقع الحرب الإيرانية».

حركة الأسواق تتأثر في مصر بسبب زيادة الأسعار (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

ويرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أنه «لم يعد خيار خفض الفائدة مطروحاً في ظل الأضرار الاقتصادية للحرب الإيرانية، وتراجع معدلات النمو وفق تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ارتفاع معدلات التضخم نتيجة اضطراب سلاسل إمداد الطاقة دفع البنك المركزي لتثبيت الفائدة»، وأشار إلى أنه «من المرجح رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم لـ(لجنة السياسات النقدية) حال استمرار حالة عدم اليقين الحالية».

ويوضح أن «الحكومة تستهدف من تثبيت سعر الفائدة الحفاظ على مستوى التشدد النقدي لإحكام السيطرة على التضخم بالأسواق»، ويشير إلى أن «قرار التثبيت يساهم في تباطؤ حركة السيولة النقدية بالأسواق».

وعدّ بدرة أن ذلك «يساهم في عدم رفع أسعار السلع بالأسواق بشكل مبالغ فيه، وسط تحديات سلاسل الإمداد القائمة».