«تجربة مرعبة» لفلسطينيين اعتقلتهم إسرائيل في قطاع غزة

«الشرق الأوسط» ترصد شهادات عدد منهم... أبقوهم شبه عراة مع ضرب وشتم وإهانة وحرمان من الطعام

معتقلون فلسطينيون معصوبو الأعين خلال نقلهم في شاحنة إسرائيلية للتحقيق في قطاع غزة يوم 8 ديسمبر الحالي (أ.ب)
معتقلون فلسطينيون معصوبو الأعين خلال نقلهم في شاحنة إسرائيلية للتحقيق في قطاع غزة يوم 8 ديسمبر الحالي (أ.ب)
TT

«تجربة مرعبة» لفلسطينيين اعتقلتهم إسرائيل في قطاع غزة

معتقلون فلسطينيون معصوبو الأعين خلال نقلهم في شاحنة إسرائيلية للتحقيق في قطاع غزة يوم 8 ديسمبر الحالي (أ.ب)
معتقلون فلسطينيون معصوبو الأعين خلال نقلهم في شاحنة إسرائيلية للتحقيق في قطاع غزة يوم 8 ديسمبر الحالي (أ.ب)

يشهد قطاع غزة، منذ بدء الهجوم الإسرائيلي الواسع قبل 80 يوماً، حملات اعتقال لا تتوقف، وتطول مسنين ونساء وشباناً وأطفالاً يشكون من تعرضهم لسيل من الإهانات والتعذيب خلال التحقيق معهم، حسبما تكشف شهادات عدد من الأسرى السابقين.

وهذه «التجربة المرعبة»، كما وصفوها، لم يعتدها الغزيون الذين يرى جيل كامل منهم الجيش الإسرائيلي للمرة الأولى وجهاً لوجه، بعد الانسحاب الكامل عام 2005.

ومنذ هجوم «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، زج الإسرائيليون بآلاف العمال الغزيين الذي كانوا في إسرائيل في منشأة اعتقال، وطاردوا آخرين في الضفة واعتقلوهم، وأخضعوهم لظروف غير مسبوقة، اشتملت على تحقيق قاسٍ وتعذيب وتعرية وممارسات سادية، وهو مسار استمر بعد ذلك خلال اعتقال الغزيين من داخل القطاع. ويظهر ذلك على الأقل في صور تعمّد الجيش الإسرائيلي نشرها لمئات الفلسطينيين المعتقلين وهم شبه عراة في برد قارس.

ووثّقت «الشرق الأوسط» شهادات 3 معتقلين أُفرج عنهم، تحدثوا عن أهوال فترة اعتقالهم. قال سائد دحنون، من سكان حي الشجاعية الذي اعتقل في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، من مدرسة نزح إليها بمنطقة محيط ملعب فلسطين غرب مدينة غزة، إنه واجه معاملة فظة وقاسية، وتعرض لكثير من الضرب. وأوضح قائلاً: «طلبوا منا خلع ملابسنا بشكل شبه كامل، وأبقونا شبه عراة في طقس بارد لعدة ساعات. عزلوا النساء والأطفال، ثم اقتادونا جميعاً لجهاز التعرف على الوجوه، فإذا أعطى شعاعاً أحمر، يذهب الشخص من دون رجعة».

آليات إسرائيلية قرب الحدود مع قطاع غزة يوم 25 ديسمبر الحالي (إ.ب.أ)

«الذئب الأزرق»

تحدث دحنون عن جهاز يطلق عليه اسم «الذئب الأزرق»، ويستخدمه الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس، للتعرف على الوجوه، ويوفر للجنود في الميدان معلومات استخباراتية حول الأشخاص المطلوب اعتقالهم.

وقال دحنون: «الذين يظهرهم الجهاز مطلوبين، كانوا يُسحبون لتحقيق سريع، ثم إلى جهة مجهولة، في حين كان آخرون من المعتقلين يتعرضون لتحقيق ميداني؛ لكن ليس سريعاً... كانوا يبقوننا في وضع مزرٍ لساعات، وأحياناً لأيام، ثم يحققون معنا وفق مزاجهم ورغباتهم».

من حسن حظ دحنون أنه بقي معتقلاً ليومين فقط؛ لكنه تعرض خلالهما للتعرية والسخرية، وكل أنواع الضرب والشتم بألفاظ نابية، وتهديدات لا تتوقف بالقتل، حسبما قال. أضاف: «كانت تجربة مرعبة. كانت ساعات ثقيلة. والموت بدا قريباً جداً. كنا شبه عراة، وكانت الأجواء باردة جداً، ولم يُسمح لنا على مدار يومين بتناول أي طعام، وفقط كل ما قدموه لنا شربة ماء واحدة كل 10 ساعات».

كان الجنود يريدون أي معلومات حول علاقة الموقوفين بـ«حماس» أو أماكن وجود عناصر الحركة، وأنفاقهم، وأي معلومات عن الذين شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر.

أُفرج عن دحنون بعد يومين وهو شبه عارٍ؛ لكن الإسرائيليين أجبروه على ارتداء قميص «تي شيرت» يحمل علم إسرائيل، وتركوه بمنطقة مفتوحة قرب حي النصر بمدينة غزة، وأبلغوه بالتوجه إلى منطقة حي الرمال القريب من مكان الإفراج عنه وعن آخرين.

ووفقاً لشهادات رصدتها «الشرق الأوسط»، فإن أعداداً كبيرة ممن أُفرج عنهم، ظهروا في صور، قال جيش الاحتلال إنها لعناصر من نخبة «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، ممن استسلموا لقواته.

جانب من المواجهات بين الجنود الإسرائيليين والفصائل الفلسطينية في غزة يوم 22 ديسمبر (الجيش الإسرائيلي - أ.ف.ب)

الشاب حسين الرزاينة، من سكان بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، ظهر في مقطع فيديو بثه الإسرائيليون من داخل البلدة، مع مئات من السكان الذين ادَّعت إسرائيل أنهم من عناصر «حماس» الذين استسلموا. قال لـ«الشرق الأوسط»: «لقد أرادوا إظهار اعتقالنا على أنه انتصار كبير. كبَّلوا أيدينا وأقدامنا وعصبوا عيوننا، ونقلونا إلى ساحة مباني الشيخ زايد القريبة، ثم إلى مكان لم نعرفه كان عبارة عن ساحة مفتوحة، وهناك عرضونا على أجهزة تعرُّف على الوجوه، وبدأوا في التحقيق معنا بشكل فردي».

أضاف الرزاينة: «كنا نتعرض للضرب المبرح والإهانة اللفظية والجسدية بشكل مستمر، والجنود كانوا يستمتعون بذلك ويضحكون ويهزأون ويصوروننا».

أكد الرزاينة أن ضباطاً من الذين حققوا معه كانوا يتحدثون اللغة العربية بلهجات فلسطينية ولبنانية وسورية بكل طلاقة، وبعضهم تحدثوا بالعبرية والروسية. وقال: «ركزوا في البداية على مشاركتنا في هجوم 7 أكتوبر، ثم انتقلوا إلى محاولة الحصول على معلومات عن أي شيء له علاقة بـ(حماس) وبالقادة الناشطين المقاتلين، والمواقع، ومقدرات الحركة».

قضى الرزاينة 6 أيام شبه عارٍ في ساحة مفتوحة، تناول خلالها وجبتين فقط، وشربة ماء كل 6 ساعات. ومثل غيره، أطلق سراحه عارياً، وأجبر على ارتداء «تي شيرت» يحمل علم إسرائيل.

ولا تختلف حال أحمد حمودة، من سكان جباليا شمال قطاع غزة الذي اعتقل في آخر أيام شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عن حال غيره، فقد تعرض لكل صنوف التعذيب وبقي عارياً، وأخبره أحد الضباط بأنه سينهي حياته.

جنود إسرائيليون خلال نقل معتقلين فلسطينيين للتحقيق في قطاع غزة يوم 8 ديسمبر الحالي (رويترز)

صفع وركل وشتم

قال حمودة لـ«الشرق الأوسط»، إن جنود الاحتلال اقتحموا منزله، وطلبوا منه خلع ملابسه كاملة، أمام زوجته وأطفاله، واعتدوا عليه بالضرب، قبل أن يعزلوا زوجته وعائلته في غرفة أخرى.

وأضاف: «عانيت الأمرَّين. تشعر بأنك في طريقك للموت بأبشع طريقة، ضرب مستمر وتهديدات وشتم. منعوا الطعام والماء، وقالوا لي إنهم سيقتلونني».

كان الضباط يبحثون عن شقيقه بدعوى أنه على علاقة بنشاطات «حماس» في جباليا. قال حمودة إنه طيلة الوقت كان يتعرض للصفع والركل والشتم، ويتلقى شتائم نابية ومستفزة، قبل أن يطلق سراحه بعد أيام. ولا يُعرف حتى الآن عدد دقيق للمعتقلين من غزة.

وطالب «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان»، في بيان، الثلاثاء، المجتمع الدولي، بالضغط على إسرائيل لإنهاء حالة «الإخفاء القسري» التي تطول -كما قال- نحو 3 آلاف من المعتقلين والمعتقلات من قطاع غزة، وضمنهم أطفال قُصَّر. وقال «المرصد» إنه تلقى معلومات عن اعتقال الجيش الإسرائيلي مئات الفلسطينيين خلال الأيام الماضية من حي الشيخ رضوان في مدينة غزة، من ضمنهم عشرات النساء اللواتي تم اقتيادهن إلى ملعب اليرموك، وجرى نزع الحجاب عن رؤوسهن وتفتيشهن. وشكَت معتقلات من تعرضهن للتحرش الصريح والضرب والتنكيل. كما جرى -وفق البيان- إجبار الذكور، بمن فيهم أطفال قُصَّر لا تتجاوز سنهم 10 سنوات على التعري الكامل، باستثناء اللباس الداخلي السفلي.

ويقول الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، إن إجمالي عدد الذين تم اقتيادهم للتحقيق داخل إسرائيل من قطاع غزة يبلغ «أكثر من 700 عنصر من المنظمات الإرهابية»، حسب وصفه. ويوضح أن الجيش الإسرائيلي، بالتعاون مع جهاز «الشاباك»، اعتقل خلال الأسبوع الماضي «مئات المشتبه فيهم بالتورط بنشاطات إرهابية في القطاع، ومن بينهم تم تحويل أكثر من 200 عنصر من (حماس) و(الجهاد الإسلامي) لمواصلة التحقيق في إسرائيل».


مقالات ذات صلة

7 قتلى بضربات إسرائيلية على قطاع غزة

المشرق العربي فلسطينيون يتفقّدون منزلاً مدمّراً إثر غارة إسرائيلية غرب مدينة غزة يوم 20 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

7 قتلى بضربات إسرائيلية على قطاع غزة

قُتل سبعة فلسطينيين، الثلاثاء، في ضربات إسرائيلية على قطاع غزة، وفقاً لما أفاد الدفاع المدني المحلي ومستشفيات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نساء يواسين ابنة ناشط في «حماس» بعد مقتله وزوجته في غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

قوة إسرائيلية تختطف ناشطاً في «القسام» من خان يونس

اختطفت قوة خاصة إسرائيلية، بدعم وإسناد من عناصر العصابات المسلحة، ناشطاً في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، بخان يونس جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني يحمل ألواحاً معدنية يمر بأطلال مبانٍ دُمرت خلال الحرب يوم الأحد (أ.ب) p-circle

أزمات غزة تتصاعد... شح في البضائع ووقف المساعدات عن نصف مليون شخص

تتفاقم الأزمات الإنسانية في قطاع غزة، من يوم إلى آخر، بفعل القيود والإجراءات الإسرائيلية، بالإضافة إلى إعلان منظمات دولية تراجع الدعم المقدم للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)

برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، اليوم (الاثنين)، أنه سيوقف تقديم المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف شخص في قطاع غزة بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مراسم تشييع جماعية في حي الدرج بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تشييع 75 جثماناً انتُشلوا في غزة... و8 آلاف لا يزالون تحت الأنقاض

شيَّع فلسطينيون اليوم (الأحد) رفات 75 جثماناً انتشلوا من تحت أنقاض مبانٍ في حي الدرج بمدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

هاجس عودة الحرب يؤرق اللبنانيين

عناصر من الجيش اللبناني في مركبة عسكرية خلال زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى زوطر الغربية الثلاثاء (أ.ب)
عناصر من الجيش اللبناني في مركبة عسكرية خلال زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى زوطر الغربية الثلاثاء (أ.ب)
TT

هاجس عودة الحرب يؤرق اللبنانيين

عناصر من الجيش اللبناني في مركبة عسكرية خلال زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى زوطر الغربية الثلاثاء (أ.ب)
عناصر من الجيش اللبناني في مركبة عسكرية خلال زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى زوطر الغربية الثلاثاء (أ.ب)

عاد هاجس الحرب ليؤرق اللبنانيين في ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة بالمنطقة. ورأى نائب رئيس الحكومة طارق متري أن هناك «مخاوف جدية من حرب شاملة في المنطقة يكون لبنان إحدى ساحاتها»، إلا أنه شدد على أن «الأمور لا تزال في إطار التحليل والاحتمالات... بحيث إن المعنيين مباشرة بالوساطة بين واشنطن وطهران لا يملكون أجوبة حاسمة في هذا المجال».

في موازاة ذلك، نجحت الاتصالات السياسية التي سبقت جلسة مجلس الوزراء، أمس (الخميس)، في تخفيف حدة التوتر المحيط بملف شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر، وسط خلاف بشأن طلب إحالة القضية إلى المجلس العدلي، يتمحور حول تمسّك وزير العدل عادل نصار بالطلب، في مقابل رفض من قبل رئيس البرلمان نبيه بري و«حزب الله».

واعتراضاً على عدم إحالة القضية، انسحب وزراء «القوات» من الجلسة، معتبرين أنه لا يمكن انتظار التحقيقات خاصة أن الجهة المتورطة أعلنت عن نفسها، في إشارة إلى «حزب الله».


هل هددت «حماس» إسرائيل بتكرار 7 أكتوبر؟

فلسطينيون يملأون عبوات بلاستيكية ماءً في دير البلح بغزة (أ.ب)
فلسطينيون يملأون عبوات بلاستيكية ماءً في دير البلح بغزة (أ.ب)
TT

هل هددت «حماس» إسرائيل بتكرار 7 أكتوبر؟

فلسطينيون يملأون عبوات بلاستيكية ماءً في دير البلح بغزة (أ.ب)
فلسطينيون يملأون عبوات بلاستيكية ماءً في دير البلح بغزة (أ.ب)

دأبت صحف إسرائيلية على نشر رواية موحدة تشير إلى أن حركة «حماس» حذرت إسرائيل من أنها ستكرر هجوم بحجم هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وأن ذلك نُقل من خلال رسالة عبر مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط رامز الأكبروف، خلال زيارته إلى قطاع غزة، الأسبوع الماضي، ولقاء قادة بارزين من الحركة.

واعتمدت الصحف الإسرائيلية، وخاصةً صحيفة «يديعوت أحرونوت»، على رواية صدَّرها مكتب تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية حول ذلك، مشيرةً إلى أن المكتب وجه رسالة عاجلة للمستويين السياسي والعسكري بهذا الشأن.

وتم ربط التهديد بأعمال الجيش الإسرائيلي، الذي ما زال يحتل أكثر من نصف قطاع غزة، بعد مرور عام على إعلان وقف إطلاق النار.

ونفى حازم قاسم، الناطق باسم حركة «حماس»، في تصريح مقتضب وزعه للصحافيين بغزة، أن تكون حركته وجهت أي تهديد لتنفيذ هجوم مماثل للسابع من أكتوبر، مؤكداً التزام حركته باتفاق وقف إطلاق النار، مطالباً الوسطاء بالتحرك لوقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين وضمان تنفيذ الاتفاق.

فلسطينيون يحملون جثماني مواطنين لهم قتلا في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارة في غزة (د.ب.أ)

وحذر قاسم من التساوق مع الادعاءات الإسرائيلية واستغلالها في الصراع الانتخابي.

ولم يتطرق قاسم إلى النبأ الذي يشير إلى لقاء المسؤول الأممي مع قيادة «حماس». وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعقيب من الناطق باسم الحركة إلا أنه لم يرد على أسئلة مراسلنا.

وأصدرت «حماس» بياناً رسمياً في وقت متأخر من مساء الخميس، تنفي فيه التهديد بأي هجمات، دون الإشارة لعقد لقاء من عدمه مع المسؤول الأممي.

ولم يتطرق جدول أعمال زيارة الأكبروف التي تمت على مدار يومين هما: 11 و12 أكتوبر الحالي، إلى قطاع غزة، أي إشارة للقاء أي مسؤولين من «حماس»، وأشار الجدول الذي نشر على موقع الأمم المتحدة فقط لزيارته لعدة مواقع للاطلاع على الوضع الإنساني، منها مراكز نزوح، وعوائل متضررة، واستعدادات الفلسطينيين للشتاء، وأسر تعيلها نساء، إلى جانب لقاء واحد عقد في مركز الأونروا بمدينة غزة مع الشركاء الإنسانيين لمناقشة الاستجابات والثغرات الإنسانية.

وقال مسؤول في مكتب الأكبروف لـ«الشرق الأوسط»، إنه لم يلتقِ أياً من المسؤولين في حركة «حماس» خلال زيارته الأخيرة.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مسؤول محلي يعمل لصالح الأمم المتحدة، أن الأكبروف زار مجمع الشفاء يوم الأحد 11 أكتوبر، والتقى بمسؤولين عن المستشفيات والوضع الصحي للاطلاع على ظروف عمل المستشفيات. وهو أمر لم يُشر إليه في جدول الأعمال المنشور، كما لم يؤكده أو ينفيه مكتبه.

وأشار المسؤول المحلي إلى أنه خلال زيارتهم لمنطقة الزرقاء شمال شرقي مدينة غزة، القريبة من الخط الأصفر تعرضوا لقذيفة إسرائيلية دون إصابات، وغادر الوفد سريعاً المكان.

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، إلا أنه لم يرد على الاتصالات. وهو أمر تكرر مع المسؤولين عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

وعادةً ما يقوم المسؤولون الأمميون بزيارة المستشفيات ومراكز النزوح وغيرها، للاطلاع على الأوضاع الإنسانية، فيما لم يلتقِ أي منهم في فترات عديدة أياً من المسؤولين بحركة «حماس»، خاصةً في ظل الأوضاع الأمنية والملاحقات والاغتيالات المستمرة في غزة.

فلسطينيون يحاولون إطفاء سيارة دمرها القصف الإسرائيلي في جنوب مدينة غزة (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن الرواية الإسرائيلية هدفها بشكل أساسي انتخابي، في ظل الحديث المتكرر من قبل مسؤولين إسرائيليين مؤخراً، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، عن نوايا «حماس» تنفيذ هجمات مماثلة لهجوم السابع من أكتوبر، مشددين على أن إسرائيل سترد بقوة على أي هجوم في محاولة للتأثير على الانتخابات، وهو أمر أيضاً أشير فيه إلى إيران و«حزب الله».

ونفت مصادر أمنية إسرائيلية لصحيفة «هآرتس» العبرية، ما كان يتحدث عنه نتنياهو وكاتس، في الأيام الأخيرة، من رصد محاولات حثيثة من أي جهة لتنفيذ هجمات ضد إسرائيل للتأثير على الانتخابات. فيما لجأ رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير للتأكيد فقط أن قواته مستعدة للتعامل مع أي محاولات للتأثير خارجياً على الانتخابات، وأنها ستقوم بمهام دفاعية وهجومية في حال تحقُّق أي سيناريو.


الاتصالات السياسية تنزع فتيل التوتر حول شحنة متفجرات «حزب الله»

الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة (رئاسة الجمهورية)
TT

الاتصالات السياسية تنزع فتيل التوتر حول شحنة متفجرات «حزب الله»

الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة (رئاسة الجمهورية)

نجحت الاتصالات السياسية التي تكثفت في الساعات التي سبقت جلسة مجلس الوزراء، الخميس، في تخفيف حدة التوتر المحيط بملف شحنة المتفجرات التابعة لـ«حزب الله» المضبوطة في ضهر البيدر، وسط خلاف بشأن طلب إحالة القضية إلى المجلس العدلي أعلى هيئة قضائية في البلاد، يتمحور حول تمسّك وزير العدل عادل نصار بالطلب، في مقابل رفض له من قبل رئيس البرلمان نبيه بري و«حزب الله» مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات في لبنان.

وأتى ذلك في وقت أشاد فيه رئيس الجمهورية جوزيف عون بما تقوم به «الأجهزة الأمنية من جهود لضبط الأمن في مختلف المناطق وعلى كل الأصعدة»، فيما أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن لا شيء يعلو على سلامة البلد وأمن المواطنين، مؤكداً: «لا أحد يمكن أن يفرض علينا سقفاً غير السقف الذي يحدده القانون».

عون: يجب إبعاد تأثير التصعيد عن لبنان

وقال عون في مستهل جلسة الحكومة: «نثمّن موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، خصوصاً لجهة اعتبار الجيش اللبناني بمثابة خط أحمر، والحفاظ على السلم الأهلي، والانفتاح على الحوار والتفاهم؛ كونها الوسيلة الفضلى لحماية لبنان وإنقاذه».

كما شدد على أن «التحديات التي تواجه المنطقة كبيرة جداً، وآمل ألا يكون مسارها نحو التصعيد أو الانفجار»، داعياً «إلى أن يتحلى الأفرقاء اللبنانيون بالحكمة والوعي والروية، لإبعاد تأثير هذه التحديات على لبنان الذي يعاني أصلاً من تداعيات اقتصادية صعبة، وهذا يتطلب من الجميع - وزراء ومسؤولين سياسيين - التعامل بحكمة لتجنيب لبنان أي خضة قد تشهدها المنطقة».

سلام: حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم من الثوابت التي لم تعد تقبل النقاش

بدوره شدد رئيس الحكومة نواف سلام خلال الجلسة على أن حصرية السلاح بيد الدولة واحتكارها قرار الحرب والسلم من الثوابت التي لم تعد تقبل النقاش، مؤكداً أن هذه المبادئ تستند إلى الدستور والقوانين اللبنانية واتفاق الطائف والقرار 1701 وإعلان وقف العمليات العدائية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

وأكد سلام أن الجهات المخوّلة حمل السلاح في لبنان محصورة بالجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والجمارك والشرطة البلدية، لافتاً إلى أن هذا الحصر ورد صراحة في إعلان وقف العمليات العدائية، الذي وافقت عليه الحكومة السابقة وأكدته الحكومة الحالية في بيانها الوزاري وقراراتها اللاحقة. وقال إن المطلوب من «حزب الله» هو الالتزام بما سبق أن أعلن موافقته على مضمونه، «لا أكثر ولا أقل».

وأشار إلى أن الحكومة طلبت من الجيش إعداد خطة لتنفيذ حصرية السلاح، ورحّبت بها في سبتمبر (أيلول) الماضي، ثم أكدت في مارس (آذار) من العام الحالي ضرورة استكمال تطبيقها في جميع المناطق اللبنانية، مشدداً على أنه «لا أحد، أياً كان، له صفة أو صلاحية لإعادة النظر في ذلك غير مجلس الوزراء».

رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الحكومة)

وفيما يتعلق بملف المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر والقصر، شدد سلام على أن تخزين السلاح أو نقله من خارج الجهات المخوّلة قانوناً، تحت أي ذريعة، يشكل خرقاً للقوانين وقرارات الحكومة، ويهدد السلامة العامة وأمن المواطنين، ما يستوجب المتابعة الأمنية والملاحقة القضائية وإنزال أشد العقوبات بالمرتكبين.

وأضاف: «لا أحد يمكن أن يفرض علينا سقفاً لذلك غير السقف الذي يحدّده القانون، ولا شيء عندنا يمكن أن يعلو على سلامة البلاد وأمن المواطنين».

عناصر من الجيش اللبناني في مركبة عسكرية خلال زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى زوطر الغربية الثلاثاء (أ.ب)

اتصالات لاحتواء الخلاف ومخاوف من تحرك في الشارع

وكان نصار قد أصرّ على إحالة الملف على المجلس العدلي، بدعم من وزراء «القوات اللبنانية» و«الكتائب»، في حين أشارت معلومات إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري تلقّى وعوداً بعدم إحالة القضية، بعدما تكثفت الاتصالات لاحتواء الخلاف. وكان بري قد أعلن مساء الأربعاء أن وزراء الثنائي الشيعي سيشاركون في جلسة الحكومة، في وقت تحدثت معلومات عن احتمال أن يرد «حزب الله» على الإحالة بتحرك في الشارع.

وتكتسب مسألة الإحالة أهمية خاصة؛ نظراً إلى طبيعة المجلس العدلي، وهو هيئة قضائية جزائية استثنائية تنظر في جرائم محددة، تشمل الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي وبعض الجرائم التي تمس السلامة العامة. ولا يملك المجلس اختصاصاً عاماً تلقائياً في القضايا الجزائية، إذ يتطلب وضع أي ملف أمامه صدور مرسوم عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل، ما يجعل القرار موضع تجاذب سياسي داخل الحكومة.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزير العدل عادل نصار في القصر الجمهوري في زيارة سابقة (الرئاسة اللبنانية)