الممثلة كاري كون أحبّت لعب دور الشريرة في مسلسل «العصر الذهبي»

سيدةٌ من أغنياء الحرب الجدد طموحٌ في زمن لا مكان فيه للمرأة

في «العصر الذهبي» تلعب كاري كون دور بيرثا راسل (إتش بي أو)
في «العصر الذهبي» تلعب كاري كون دور بيرثا راسل (إتش بي أو)
TT

الممثلة كاري كون أحبّت لعب دور الشريرة في مسلسل «العصر الذهبي»

في «العصر الذهبي» تلعب كاري كون دور بيرثا راسل (إتش بي أو)
في «العصر الذهبي» تلعب كاري كون دور بيرثا راسل (إتش بي أو)

تتذكر الممثلة الأميركية كاري كون، بوضوح، المرة الأولى التي دخلت فيها موقع تصوير مسلسل «The Gilded Age» (العصر الذهبي) في جزيرة لونغ آيلاند بولاية نيويورك، الولايات المتحدة، وهي تتجه نحو البهو الملكي للقصر الذي تسكنه في المسلسل أثناء تجسيدها دور بيرثا راسل، زوجة قطب السكك الحديدية جورج راسل (الذي يلعب دوره الممثل الأميركي مورغان سبيكتور)، قائلة: «ما فكرت فيه وقتها هو أنني يجب أن أملأ هذا المكان».

وقد حققت الممثلة كاري ذلك بالفعل، ففي الموسم الثاني من المسلسل الدرامي الذي تدور أحداثه في ثمانينات القرن الـ19 في مدينة نيويورك، تخوض بيرثا معركتها الخاصة للانضمام إلى نخبة مانهاتن في الأوبرا، فهي ترعى «أوبرا متروبوليتان» الناشئة بديلاً لأكاديمية الموسيقى التي لا تقبل أموالها الجديدة، وسواء في المشاهد العادية أو الكبيرة، استطاعت كاري تقديم أداء كامل وعميق الصوت في دور بيرثا.

وفي فترة ما بعد الظهر في أواخر شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أي قبل أسابيع قليلة من بث الحلقة الأخيرة من المسلسل، انضمت كاري إلى مكالمة بالفيديو عبر تطبيق «زووم» مرتدية رداء حمام أبيض وهي تضع مكياجاً خفيفاً، إذ كانت تستعد لحضور حفل «Met» في تلك الليلة، مع العديد من زملائها.

كاري كون في لقطة من المسلسل (إتش بي أو)

بيرثا المفضلة

وعلى الرغم من أن بقية أفراد طاقم عمل المسلسل يجيدون موهبة التمثيل، فإن كاري أصبحت هي المفضلة لدى المعجبين، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن بيرثا تبدو وكأنها تستمتع بوقتها كثيراً، إذ يتضمن دورها كل المنعطفات الميلودرامية الموجودة في النَص، سواء من خلال تدخلها في علاقات أبنائها، لاري (الذي يؤدي دوره الممثل هاري ريتشاردسون)، وغلاديس (التي تؤدي دورها الممثلة تايسا فارميجا)، أو خلافاتها مع خادمتها السابقة (التي تؤدي دورها الممثلة كيلي كوران) التي أصبحت الآن منافسة لها، إذ يبدو أن شخصية بيرثا كانت تستمتع بكل شجار تخوضه، وكذلك كاري نفسها وهي تؤدي دورها، قائلة: «أنا أحب هذا الشعور بالاستيلاء على مساحة كبيرة، إنه شعور مُرضٍ ونادر حقاً أن تشعر به امرأة».

وأثناء تناولها قضمات شطيرة وقت الغداء، تحدثت كاري عن طموحها وخياراتها الكبيرة، ولماذا لا يتعرف عليها الجمهور في الشارع حتى الآن، وفيما يلي مقتطفات مُعدَلة من مقابلة أجرتها معها صحيفة «نيويورك تايمز»:

تقول كاري رداً على سؤال تناول شخصيتها، إنها لو كانت بيرثا في زمن آخر، لكانت قد أصبحت رئيسة تنفيذية لشركة ما، أو مديرة تنفيذية، أو عضو في مجلس الشيوخ، فهي امرأة طموحة في زمن لم يكن فيه من مكان للمرأة الطموحة سوى في المجال الاجتماعي فقط، وتتابع أن شخصية بيرثا تتركّز في اهتمامها بأطفالها، فابنها في وضع جيد لأنه رجل أبيض ولديه الكثير من المال، أما ابنتها فهي بحاجة إلى الحماية.

وفيما يخصّ شخصية بيرثا ودورها، وهي التي غالباً ما تضحي بسعادة أبنائها لصالح المكانة الاجتماعية للأسرة، تجيب: «صحيح أن قِصر نظرها يبدو أمراً محبطاً حقاً لأن ما نراه في زواج راسل هو أن بيرثا تزوجته في الواقع من أجل الحب والاحترام والطموح، ولكنها تتفهم جيداً العوائق التي تواجه النساء، وحتى النساء من طبقة معينة، ولكننا لا نتطرق في المسلسل إلى ما يحدث للنساء ذوات البشرة الملونة والمهاجرين الذين يعملون جميعاً في هذا النظام الرأسمالي الذي يسحقهم، وصحيح أن بيرثا مخطئة بشأن ما تفعله، ولكن عندما يتعلق الأمر بأطفالنا، فإننا لا نرى شيئاً أمامنا، في النهاية هو يتعلّق بالحب والحماية، وهي تفعل ذلك بدقة شديدة».

الممثلة كاري كون (نيويورك تايمز)

حدود طموح شخصية «بيرثا»

هذه الحدود مفروضة عليها من جهات خارجية، تقول كاري وتوضح أنها لا تشعر أن في داخلها لديها هذا الإحساس بهذه الحدود، فقضيتها هي إثبات الجدارة بطريقة ما، وذلك لأنها تعتقد أن كل إنسان يمكنه ويجب أن يكون قادراً على كسب مكانته بنفسه.

يبدو أنك تتصرفين في العالم بتواضع أكبر من شخصية بيرثا، هل فكرة لعب دور شخصية مختلفة تماماً عنك تجعلك تشعرين بالحرية؟ تجيب: «من الممتع أن تلعب دور الشخص الشرير، ومن الممتع أن تتعامل مع قدرتك على أن تكون قاسياً. محقٌ أنت في افتراضك أن هذه ليست الطريقة التي أتصرف بها في العالم الحقيقي، وعلى الرغم من ذلك، فلكي نتمتع بأي استمرارية في أي عمل تجاري لا يرحم مثل عملنا، خصوصاً بالنسبة للنساء، يجب أن يكون لدينا بعض من تلك النباهة بشكل حقيقي، فأي شخص لا يزال في هذا المجال لا بد أن يكون لديه كثير من الطموح حتى لو لم يعترف بذلك، ولكن الأمر يمثل متعة رائعة، فقد لعبت في حياتي أدوراً كثيرة لأمهات تعيسات، ولكن المستوى الموجود في شخصية بيرثا يجعل العمل أكثر متعة».

هل تعلم «بيرثا» أنها شريرة؟

إنها ليست شريرة، ولكنها تساعد في بناء أوبرا متروبوليتان، وتعتقد أن الأبواب يجب أن تكون مفتوحة لها، ما الذي يجعل أي شخص آخر أفضل منها؟ فهي تنحدر من عائلة كانت تعمل في زراعة البطاطس، وها هي هنا في نيويورك، فلماذا لا يُفتح الباب لشخص عمل بهذا القدر من الجدية؟ هذا ما أشعر به تجاه الأشخاص الذين يلتقطون أطفالهم ويحملونهم عبر الأنهار والصحاري من أميركا الوسطى للوصول إلى هنا، فهؤلاء هم الأشخاص الذين نريدهم هنا، هؤلاء أناس مرنون ومذهلون وسيفعلون أي شيء من أجل أحبائهم.

نبرة الصوت وطريقة المشي

وعن اختلاف نبرة صوتها الحقيقية مع نبرة صوت بيرثا تقول إنه «من المؤكد أن الإيقاع خرج من الكتابة نفسها، وبعد ذلك، في الموسم الأول، عندما كنت أقول في أحد المشاهد: (يا لها من لحظة مثيرة للاهتمام بالنسبة لي) كان صوتي منخفضاً في ذلك اليوم بطريقة ما، وحينها شعرت أن هذه هي الطبقة التي يجب أن تتحدث بها هذه الشخصية». وتتابع أنه كان من الممتع العمل باستخدام هذه الطبقة من الصوت، وذلك لأنه لا يتم التعرف عليّها في الشارع أبداً بصوتها الحقيقي، حتى أن طاقم العمل نفسه لا يتعرف عليها عندما تخلع شعر بيرثا المستعار، وحتى زملاؤها في إحدى الحفلات التي حضرتها قبل بضعة أسابيع لم يتعرفوا عليها هناك أيضاً، بيد أن الناس يتعرفون على الصوت، وإن كان ذلك بشكل نادر جداً.

كاري كون في دور بيرثا زوجة قطب السكك الحديدية جورج راسل (إتش بي أو)

تشرح رداً على طريقة مشي بيرثا وإيماءاتها تقول إن أزياء الشخصية تشكلك بطريقة معينة، إذ لم يكن من المفترض أن يرى الجمهور حركة معينة لها، ولكن بيرثا ما زالت مبتدئة في مجالها، وقد شعرت أنه يجب أن يظهر ذلك الأمر في حركتها، ولكن لا أعرف مدى صحة هذا الاختيار.

في هذا الموسم، اتجه المسلسل لأن يميل إلى الميلودراما بشكل أكبر، ما هو شعورك وأنت تلعبين تلك المشاهد المسرحية الكبيرة؟ «كان الأمر مرعباً، ولكنه رائع في الوقت نفسه، إذ يبدو وكأنك تقوم بعمل من أعمال الكاتب المسرحي يوجين أونيل طوال الوقت، ولكننا كنا نستمتع حقاً بما نفعله، فهذا هو المفتاح: لا يمكنك أن تأخذ الأمور أو أن تتصرف بشكل شديد الجدية، فأنا لا أخاف من الاختيارات الكبيرة، ولا أخاف من ألّا يُعجب الناس بشخصية بيرثا، تماماً مثلما لا أخاف، بعد أن أصبح عمري الآن 42 عاماً، من ألا يُعجب بي أي شخص، فأنا أحاول أن أستمتع بوقتي، لقد كان هناك مشهد عندما رأت بيرثا تورنر (شخصية كوران) لأول مرة وقد كان الأمر مضحكاً للغاية، فقد ترنحت وأمسكت بذراع مورغان وسقطت قليلاً، وبمجرد الانتهاء من التصوير، ضحكنا كثيراً». وتستطرد: «أثناء سيرنا في ذلك اليوم الأول، لم تكن لدينا أي فكرة عما كنا نفعله، ولم نكن نعرف كيف سيكون حجم نجاح العمل، ولم نكن نعرف حجم المساحة المتوفرة لنا، ولكن بينما كنا نصور المشاهد، كنا نقول، حسناً، نعتقد أنه يمكننا التعامل مع مساحة أكبر قليلاً من الدور، ففي الموسم الثاني، حُذفت بعض المشاهد، وقد قدمنا الشخصيات والآن علينا أن نحظى بمزيد من المرح».

الحرب بالوكالة

لدى سؤالها عن هدف هذه الحرب بالوكالة، خصوصاً أن الموسم الحالي من المسلسل يركّز إلى حد كبير على المعركة الواقعية بين أكاديمية الموسيقى وأوبرا متروبوليتان الناشئة، تشرح: «نحن نقارن هذا دائماً باللحظة التي تمت فيها دعوة عائلة كارداشيان إلى حفل (Met Ball)، فعالم المشاهير وما يمكن أن يوفره لك المال هو رمز لذلك حقاً، إذ تمثل الأوبرا أيضاً النضال في هذا البلد، وهذا الشعور بالناس الذين يقاومون التغيير الحتمي ويتمسكون بشدة بأسلوب حياة أقدم».

لقد انتهت بيرثا خلال الموسم الحالي منتصرة، فهل كان من الممكن أن ينتهي بها الأمر بأي طريقة أخرى؟ تقول: «أنا لا أعتقد ذلك، فالمسلسل يستكشف فترة خاصة جداً، واستثنائية للصناعة والتغيير والنمو، ونحن نعلم بالفعل أن أصحاب الأموال والأغنياء الجدد قد حققوا انتصاراً بالفعل، وقد بنوا أشياء جديدة من الألف إلى الياء في الأماكن التي لم يكن يُقبلون فيها، ولذا فإن صعود بيرثا كان أمراً لا مفر منه، فهي تمثل قوة لا هوادة فيها، ولم يكن هناك شيء يمكنها إيقافها».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

يوميات الشرق الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)

مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

أكدت النقابة في بيانها أن قرار إيقاف المسلسل جاء بعد توجيه أكثر من تنبيه وتحذير للمنتج بلال صبري بضرورة الالتزام بلوائح النقابة والقوانين المنظمة للعمل الفني.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق حنان مطاوع في أكثر من إطلالة خلال رمضان المقبل («فيسبوك» الفنانة)

فنانون مصريون يرفعون شعار «عمل واحد لا يكفي» في رمضان

يتّجه عدد من الفنانين المصريين إلى خوض أكثر من تجربة درامية في موسم رمضان 2026، رافعين شعار: «عمل واحد لا يكفي».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)

مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

يتعرض المسلسل المصري «مناعة»، بطولة الفنانة هند صبري، لأزمات عدة قبيل انطلاق ماراثون دراما رمضان؛ إذ شهد مشادات بين بطلاته في الكواليس.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق الملصق الترويجي للمسلسل الإذاعي «الفهلوي» (فيسبوك)

فنانون مصريون يعوّضون غيابهم التلفزيوني بالحضور الإذاعي في رمضان

الإذاعة تتحوّل إلى مساحة حقيقية للفن في رمضان، تجمع بين نجوم الفن والجمهور بعيداً عن شاشات التلفزيون.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد رمزي نجاح عبر «السوشيال ميديا» أهله للبطولة (الشركة المتحدة)

ممثلون مصريون يصعدون للبطولة للمرة الأولى في موسم رمضان

يشهد موسم الدراما الرمضاني المقبل صعود ممثلين مصريين للبطولة المطلقة لأول مرة، بفضل منتجين ومؤلفين ومخرجين أتاحوا لهم هذه الفرصة.

انتصار دردير (القاهرة )

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».


الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)
TT

الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)

إن بحثت عن الفنان السعودي خالد بن عفيف فستجده غالباً محاطاً بمجموعة من الناس أو متأملاً في الطبيعة، لكنه ليس بمعزل أبداً عن قضايا وتقنيات عصره. فهو منشغل دائماً بالتحليل والتدقيق في كل ما يمكن أن يؤثر على جودة حياة الإنسان. في هذا الحوار، اقتربت «الشرق الأوسط» من عالمه الفني والإنساني للتساؤل عن علاقته بالطين وعن آرائه حول موضوعات مثل الموروث وحياة المدينة وإعادة التدوير.

جدي والطين

تبدأ الحكاية من مكة المكرمة مع طفل يحب صناعة الأعمال الفنية والمجسمات: «كنت أكثر من ينتج أعمالاً فنية بين أقراني، أصنع مجسمات لطيارات وأجنحة متحركة، أرتديها على ظهري وأدور بها في الحارة. أتذكر الفرح الذي كنت أنشره بين أصدقائي بأعمالي». لاحقاً، اتجه بن عفيف إلى الرسم واحتراف التصوير، وعمل مدرباً للتصوير المفاهيمي، ثم انجذب للعمل بالخامات، وبشكل خاص أسره العمل بالطين، ليكتشف أن هذا الحب ليس مستحدثاً، بل موروثاً.

قرّر بن عفيف أن يجمع بين أساليب جدّه وتقنيات العصر الحديث عبر طابعة الطين (إنستغرام)

يحكي بن عفيف عن زيارة قام بها أخوه للاستديو الخاص به، وتركت تأثيراً على مسيرته الفنية، سأله أخوه عن سبب استخدامه للطين في أعماله، لم يستطع بن عفيف تقديم إجابة واضحة، ثم شاركه أن أحد أجداده كان يعمل بالطين، يقول: «هذه المعلومة حرّكت مشاعري، وفي ذلك اليوم حلمت أن جدي كان يوصيني». بالإضافة إلى هذا الموقف، كان بن عفيف منشغلاً بهندسة المباني الطينية ومقدرتها على الصمود وتفاعل الإنسان مع بيئته، وأيضاً كان مهتماً بتقنية طابعة البلاستيك، لذا قرر أن يجمع بين أساليب جده وتقنيات العصر الحديث، وكانت النتيجة، صناعة طابعة الطين «جمعت الرمل من مكة مسقط رأس والدتي حيث أكملت تعليمي، ونجران والمدينة المنورة والرياض مستلهماً هذه الفكرة من تكوين آدم عليه السلام، حيث خلقه الله من قبضة جمعت من شتى بقاع الأرض. كان هدفي من تصميم طابعة الطين أن أعبر عن افتخاري بالجانب الفكري والإبداعي والعلمي لما ورثناه عن أجدادنا وعن أصالة هذا الموروث».

نظريات التسويق في الفن

خلال مسيرته التعليمية، تخصص بن عفيف في الهندسة والتسويق، كما طوّر معرفته بمجال التقنية، ليسخر كل هذه المعارف في ممارسته الفنية: «استعنت بفهمي لعلوم التسويق، من سلوك المستهلك وفلسفة اتخاذ القرار ونظريات الولاء، لأطرح أعمالاً تجذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور». يشرح سبب استعانته بالتقنيات المختلفة في أعماله: «إنسان هذا العصر متطور، وعيناه مشبعتان بالألوان والجمال وتعقيدات المباني والأضواء، لذا على الفنان أن يطرح أفكاره بالأسلوب واللغة التي تتناسب مع المتلقي» ويضيف: «من المهم أن يكون العمل الإبداعي متصلاً بالفنان، بما يملكه من ثقافة ومعتقدات وهموم، وما عايشه في طفولته، وبذلك يصبح العمل صادقاً بغضّ النظر عن جماليته أو الخامات المستخدمة فيه».

عمل «ثمار من الأرض» (إنستغرام)

الحديث عن توظيف التقنيات في الفن يؤدي للسؤال؛ هل توافق على أن الأعمال المعاصرة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة باتت منشغلة بإبهار المشاهد من ناحية الشكل والتقنية المستخدمة أكثر من انشغالها بإثارة مشاعر وفكر المتلقي؟ يرى أن أسلوب الاستعانة بالتكنولوجيا في الأعمال الفنية على مستوى العالم العربي ما زال حديثاً، وفي طور التجربة، ما عدا بعض التجارب الناجحة. وأن الإشكالية من وجهة نظره، تكمن في اتساع الفجوة بين معرفة الفنان التقنية - كإلمامه بعلوم الحركة والبرمجة وغيرها - وبين انشغاله الفني والرسالة التي يسعى لإيصالها إلى جمهوره، ما يجعل التركيز ينصرف إلى الشكل الخارجي وعامل الإبهار على حساب الرسالة والمضمون، يوضح: «أنا دائماً أحرص في أعمالي الفنية أو حين أشرف على إنتاج أعمال لفنانين آخرين، على عدم إقحام التقنيات في العمل، وإنما استخدامها في إطار ما يخدم الفكرة».

دعوة للتعاطف مع البلاستيك!

تُظهر أعمال بن عفيف تفاعلاً واهتماماً جلياً بالطبيعة، مع ذلك وفي حوار سابق له أبدى تعاطفاً مع البلاستيك، المادة التي تعدّ من أخطر التحديات البيئية المعاصرة. عبر عن هذا التعاطف من خلال عملين فنيين. كانت تجربته الأولى بعنوان «بين زرقتين»، حيث أعاد تشكيل قوارير الماء الفارغة، وأضاف إليها سوائل ملونة، ونسقها في تصميم أسطواني. في هذا العمل، حوّل بن عفيف قوارير الماء إلى بلورات تتوهج عند ملامستها للضوء. قدّم فكرة مقاربة في عمله الجديد «ثمار من الأرض»، الذي يتكون من هيكل حديدي على شكل شجرة كبيرة وقوارير ماء ملونة تمثل الأوراق والأغصان. يقف العمل بشموخ الشجرة المعمرة بين أحضان الطبيعة، في المزرعة التابعة لمركز الدرعية لفنون المستقبل، ضمن الأعمال المشاركة في المعرض الحالي «من الأرض». في بيانه الفني، أوضح أن العمل يحتفي بجمال المواد الطبيعية ومن ضمنها البلاستيك، كونها جزءاً من الأرض.

عمل «بين زرقتين» (إنستغرام)

بعد تأمل هذه التجارب الفنية، يبرز سؤال ملحّ، «ألا تجد تناقضاً بين اهتمامك بالبيئة والطبيعة وتعاطفك مع مادة تضرّ بها؟» يجيب بن عفيف: «أتفق تماماً، لكن إذا فكرنا في الماء على سبيل المثال، فهو من ناحية يعدّ أساساً للحياة، ومن ناحية أخرى هو قادر على إنهاء حياة إنسان. كذلك قرأت كثيراً في قضايا إعادة التدوير، ووجدت أن هذا الملف يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، تفوق كونه شأناً بيئياً محضاً». ينظر إلى البلاستيك على أنه خامة نبيلة، بل نعمة للإنسان، فهو يملك مزايا عديدة، منها انخفاض التكلفة وسهولة التشكيل والتصنيع وقدرته على خدمة مجالات متعددة، ومنها الطب. يضيف: «تعاطفت مع البلاستيك، فهو يتعرض لاتهامات مضللة، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام، وليس في المادة ذاتها».

الإنسان والمدينة

أينما نوجه الحوار يعيدنا بن عفيف للحديث عن الإنسان وتأثيره على أعماله: «كل عمل فني بالنسبة لي هو عبارة عن حالة وقضية لا تكتمل إلا بوجود الإنسان، لذا أعتبر أن جزءاً كبيراً من ممارستي الفنية هو حالة تفاعلية مع الإنسان». يجد بن عفيف في النقاشات التي تدور حول أعماله مصدر إلهام لأعمال أخرى، حتى إنه في بعض المرات يوجد قرب أعماله دون التصريح عن شخصيته، باحثاً عن جزء مفقود في فكرته قد يسد فراغه الجمهور.

عمل شارك به بن عفيف في متحف يوتا للفن المعاصر 2017 (إنستغرام)

وعن الغاية التي تحرك الفنان بداخله، يقول: «تحركني رغبة في إعادة تشكيل بعض المفاهيم المغلوطة، فالإنسان لم يخلقه الله ليشقى، بل معمراً للأرض». في السنوات الأخيرة، انشغل بن عفيف بتقديم أعمال تعكس الفرح والأمل: «أكون أكثر سعادة حين أتمكن من تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة، تلك التي وجدت أساساً من أجله، أما الآن فقد اختلف الحال بشكل كبير». يضيف: «أريد أن أذكر الناس من خلال أعمالي بأن الله قد كرمهم، وأن كل هذا الكون مسخر من أجلهم، وإن هم أيقنوا هذه الفكرة فلا أظن أنهم سيسلمون حياتهم للحزن والبؤس».