قتلى غزة يتجاوزون أي خسارة للعرب في حروبهم مع إسرائيل

على مدى الأعوام الأربعين الماضية

دفن جثامين أفراد في عائلة فلسطينية قضت بالقصف الإسرائيلي على رفح الجمعة (أ.ب)
دفن جثامين أفراد في عائلة فلسطينية قضت بالقصف الإسرائيلي على رفح الجمعة (أ.ب)
TT

قتلى غزة يتجاوزون أي خسارة للعرب في حروبهم مع إسرائيل

دفن جثامين أفراد في عائلة فلسطينية قضت بالقصف الإسرائيلي على رفح الجمعة (أ.ب)
دفن جثامين أفراد في عائلة فلسطينية قضت بالقصف الإسرائيلي على رفح الجمعة (أ.ب)

تجاوز عدد سكان قطاع غزة الذين أُبْلِغَ عن مقتلهم خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ 10 أسابيع في القطاع، فعلياً عدد القتلى في أي صراع عربي آخر مع إسرائيل منذ أكثر من 40 عاماً، وربما أي صراع آخر منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948. وأعلنت وزارة الصحة في غزة، الخميس، أن عدد القتلى تجاوز 20 ألف شخص، ما يجعله أعلى من أحد أكثر التقديرات موثوقية عن القتلى في لبنان إثر الغزو الإسرائيلي عام 1982. وعلى الرغم من أن المسؤولين في غزة قالوا إن إحصاء القتلى أصبح يشكّل تحدياً متنامياً، فإن معظم الخبراء يقولون إن العدد المذكور من المرجح أن يكون أقل من العدد الحقيقي، ويعربون عن صدمتهم من ضخامة الخسارة.

وقال بعض الخبراء العسكريين إن عدد القتلى في هذه الحرب كان أسرع من عدد القتلى في المراحل الأكثر دموية من الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان أو العراق. وقال عزمي كيشاوي، محلل شؤون غزة في مجموعة الأزمات الدولية، إن هذه الحرب كانت «أكثر رعباً» من أي حرب أخرى شهدها من قبل. وقال إنه فر هو وأسرته من منزله في شمال غزة، وانتقلوا 6 مرات حتى الآن. وهم يعيشون الآن في خيمة بالقرب من ملجأ للأمم المتحدة في مدينة رفح الجنوبية.

مراسم دفن فلسطينيين من عائلة حجازي قضوا في غارات إسرائيلية على رفح يوم 10 نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

ويشن الجيش الإسرائيلي حملة جوية وبرية مكثفة للقضاء على حركة «حماس»، الجماعة الفلسطينية المسلحة التي تحكم غزة، والتي قادت الهجوم الذي وقع في 7 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، والذي قال مسؤولون إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص في إسرائيل، من بينهم مئات الجنود.

ويعكس ارتفاع عدد القتلى كيف اختارت إسرائيل شن الحرب مستخدمة آلاف الغارات الجوية والقنابل الثقيلة والمدفعية في منطقة صغيرة مكتظة بالمدنيين الذين لا يستطيعون الفرار. وقالت إسرائيل إن «حماس» بنت شبكة أنفاق واسعة تحت الأرض لحماية مقاتليها وأسلحتها، واضعة البنية التحتية المدنية والسكان على الأرض في مرمى النيران.

ومن المعتقد أن الحرب الأخيرة بين إسرائيل و«حماس» هي الصراع الأكثر دموية لدى الفلسطينيين منذ تأسست إسرائيل منذ 75 عاماً. ووفقاً للمكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني، قُتل ما يُقدر بنحو 15 ألف فلسطيني خلال الحرب التي أعقبت إنشاء إسرائيل عام 1948.

وإذا كانت الأرقام الواردة من غزة دقيقة، فإن الوفيات في الصراع الحالي تجاوزت أيضاً التقديرات الأكثر استدلالاً للخسائر في الأشهر الثلاثة الأولى من غزو لبنان في عام 1982. ولكن كما هي الحال في غزة اليوم، يقول باحثون إن عدد القتلى في لبنان قد لا يُعرف أبداً على وجه اليقين بسبب ضبابية الحرب، حتى بعد مرور 4 عقود عليها.

فلسطينيون أصيبوا في الغارات الإسرائيلية خلال نقلهم للعلاج في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس يوم 4 ديسمبر (أ.ف.ب)

ويأتي هذا التقدير من تحليل سجلات الشرطة والمستشفيات الذي جمعته صحيفة «النهار» عام 1982، التي كانت في ذلك الوقت من بين أكثر الصحف احتراماً في العالم العربي. وقُدر عدد القتلى بنحو 17825 شخصاً. ولكن الصحيفة قالت إن هذا العدد كان على الأرجح أقل من العدد الحقيقي، وفي عام 1982 ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن «ترقيم الموتى بشكل صحيح أمر مستحيل عملياً» في لبنان. وفي حرب الشرق الأوسط عام 1967، قُدر عدد القتلى المصريين والسوريين وغيرهم بنحو 19 ألف شخص أثناء القتال ضد إسرائيل، بينما قُتل عدد مماثل — معظمهم من السوريين والمصريين — في حرب عام 1973، وفقاً لوكالة «أسوشيتد برس». وكما هي الحال في حربي غزة ولبنان، فإن عدد القتلى في هذه الحروب غير معروف أيضاً، ولكن يُعتقد أن معظم القتلى هم من المقاتلين. وفي المقابل، أعلنت وزارة الصحة في غزة، وهي جزء من الحكومة التي تديرها «حماس» في القطاع، يوم الأربعاء أن نحو 70 في المائة من القتلى هم من النساء والأطفال. ولا تعطي السلطات في غزة أي معلومات عن عدد القتلى من المقاتلين. وكانت الوزارة قد أعلنت، الخميس، أن عدد القتلى بلغ 20 ألفاً و57 شخصاً. وتزعم إسرائيل أنها قتلت نحو 7 آلاف من مقاتلي «حماس»، ولكنها لم توضح كيف توصلت إلى هذا العدد.

فلسطينيون يبكون أقارب قُتلوا في غارات إسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة الجمعة (إ.ب.أ)

ومن المتوقع أن ترتفع حصيلة القتلى في غزة بشكل كبير عندما يتمكن الفلسطينيون من انتشال الجثث إثر الدمار الهائل الذي أحدثته الحرب. وقال متحدث باسم حكومة غزة يوم الأربعاء إنه بالإضافة إلى القتلى، هناك 6700 شخص في عداد المفقودين. ويُعتقد أن كثيراً منهم ما زالوا تحت الأنقاض. قال عمر شاكر، مدير مكتب «هيومن رايتس ووتش» في إسرائيل وفلسطين: «من المرجح أن كثيراً من الأشخاص المفقودين تحت الأنقاض قد لقوا حتفهم». وأضاف أنه لهذا السبب: «من المرجح أن يرتفع عدد القتلى حتى إن توقف القصف اليوم». ولم تتمكن أي منظمة مستقلة من التحقق من عدد القتلى في غزة بسبب صعوبات العمل في القطاع. ومع استمرار الصراع، أصبح جمع أعداد الضحايا أكثر صعوبة. تجمع وزارة الصحة في غزة بيانات عدد القتلى من سجلات المستشفيات والمشارح المحلية، وفق ما ذكره مسؤولون في المنطقة. ولكن في الأسابيع الأخيرة، قال المكتب الإعلامي الحكومي إنه تدخل للمساعدة في جمع الأرقام بعد قصف منشآت وزارة الصحة، وأصبحت 27 مستشفى، من أصل 36 مستشفى في غزة، خارج الخدمة بسبب الغارات الجوية وسط حصار إسرائيلي فرض قيوداً مشددة على دخول المواد الغذائية والمياه والوقود والأدوية. كما أن الانقطاعات المتكررة في الاتصالات الناجمة عن الهجمات الإسرائيلية على أبراج الاتصالات، والسيطرة الإسرائيلية على خطوط الاتصالات في القطاع، فضلاً عن نقص الوقود، جعلت جمع المعلومات أمراً صعباً للغاية. قال محمود الفرا، المتحدث باسم المكتب الإعلامي الحكومي، إن على الأشخاص الذين يجمعون البيانات الاستفادة القصوى من «الإمكانات المتاحة» وسط القتال. وأضاف: «من الصعب إحصاء هؤلاء لأن عدد الشهداء كبير». طوال فترة الحرب، أصدرت وزارة الصحة في غزة أرقاماً محدثة للقتلى وُصفت بأنها موثوق بها على نطاق واسع من قبل منظمة الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية، ودراسة نُشرت هذا الشهر في مجلة «ذا لانسيت» الطبية البريطانية.

بحث عن ناجين بين الأنقاض في رفح يوم 20 ديسمبر الحالي (أ.ب)

وفي هذا الشهر، عندما قالت الوزارة إن عدد القتلى قد تجاوز 15 ألفاً، قال بعض المسؤولين الإسرائيليين إنهم يعتقدون أن هذا الرقم دقيق تقريباً. غير أن الجيش الإسرائيلي قال أيضاً إن عدد القتلى المُعلن عنه في غزة لا يمكن الوثوق به لأن المنطقة تخضع لإدارة «حماس». وفي 26 أكتوبر، أصدرت الوزارة قائمة بأسماء وأرقام بطاقات الهوية لعدد 6747 شخصاً قالت إنهم قُتلوا حتى تلك اللحظة جراء القصف الإسرائيلي - وهو إحصاء عزز مصداقية هذه الأرقام. ويضم موظفو الوزارة كثيراً من موظفي الخدمة المدنية الذين سبقوا سيطرة «حماس» على غزة عام 2007، وقد دافع مسؤولو الجماعات الإنسانية عن سجل الوزارة وقالوا إن لديها تاريخاً من الإبلاغ بحسن نية وتقديم معلومات موثوق بها. لكن الوزارة تعرضت لانتقادات بعد انفجار في 17 أكتوبر في المستشفى الأهلي في مدينة غزة، عندما أصدرت الحكومة على الفور تقريباً أرقام الخسائر التي تراوحت بين 500 قتيل و833 قتيلاً. وبعد أيام، أعلنت عن إحصاء نهائي قدره 471 قتيلاً. وبعد الانفجار، وصف جون كيربي، المتحدث باسم البيت الأبيض، الوزارة بأنها «واجهة لـ(حماس)»، وقال الرئيس جو بايدن للصحافيين إنه «ليست لديه فكرة أن الفلسطينيين يقولون الحقيقة حول عدد القتلى». أضاف بايدن: «إنني متأكد من أن الأبرياء قد قتلوا، وهذا هو ثمن شن الحرب». وقد تسببت الحرب بتعقيدات أخرى لا تعد ولا تحصى في جمع أرقام دقيقة لعدد الضحايا. وقد فر ما يُقدر بنحو 85 في المائة من سكان غزة البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة من منازلهم، بعد أن أمرت إسرائيل بإخلاء جزء كبير من الأراضي، في محاولة للهروب من الغارات الجوية والغزو البري الذي تقوم به إسرائيل. وتحوّل أكبر مركز سكاني فيها، مدينة غزة، إلى أنقاض؛ إذ ينام الآلاف في الشوارع، ويعيش آخرون في ملاجئ مكتظة عن آخرها تعج بالأمراض. ولم تتوافر الكهرباء تقريباً منذ أكثر من شهرين. والطعام والماء النظيف نادران. وتقول الأمم المتحدة إن نصف السكان معرّضون لخطر المجاعة، وإن 90 في المائة منهم لا يحصلون على الطعام لمدة يوم كامل.

وقال أحمد فؤاد الخطيب، وهو من أشد نُقّاد «حماس»، والذي نشأ في غزة، لكنه يعيش الآن في كاليفورنيا، إن الغارات الجوية الإسرائيلية قتلت حتى الآن أكثر من 30 فرداً من عائلته، بمن في ذلك أشخاص في السبعينات من العمر، وأبناء العمومة الذين تتراوح أعمارهم بين 3 أشهر و9 سنوات. وقال إنه في وقت مبكر من الحرب، قُصف منزل طفولته، ما أسفر عن مقتل ابن عمه. وفي الأسبوع الماضي، تعرض منزل عمته وعمه للقصف، ما أسفر عن مقتل 31 شخصاً على الأقل. وبينما كان يجلس في كاليفورنيا، شاهد على هاتفه فيديو لمنزلهم المدمر. وأضاف أن أياً من هؤلاء الأشخاص لم يكن منتمياً أو مرتبطاً بحركة «حماس». «لقد كان منزلاً عائلياً»، كما أردف.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أطفال غزة يعودون إلى فصولهم للمرة الأولى منذ 3 سنوات

المشرق العربي طلاب فلسطينيون يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تابعة للأونروا في النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز) p-circle

أطفال غزة يعودون إلى فصولهم للمرة الأولى منذ 3 سنوات

عاد مئات الآلاف من الأطفال في ​غزة إلى الدراسة الحضورية للمرة الأولى منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، وإن كان في مبانٍ مدرسية متهدمة أو مؤقتة أو في خيام.

«الشرق الأوسط»
المشرق العربي فلسطيني نازح يقف في شرفة مبنى مدمر يُستخدم كمأوى في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

إسرائيل تصعّد الغارات قرب الخط الأصفر في غزة

واصل الجيش الإسرائيلي، الاثنين، تصعيد غاراته وهجماته قرب الخط الأصفر الافتراضي الذي يتمركز شرقه، ويحتل أكثر من 65 في المائة من مساحة غزة.

المشرق العربي رجل يبكي على جثمان بصير البرش الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يقتل 3 فلسطينيين بينهم طفل بقطاع غزة

قتل الجيش الإسرائيلي ثلاثة فلسطينيين في مناطق مختلفة من قطاع غزة، حسب ما أفادت مصادر طبية والدفاع المدني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي قوات إسرائيلية تغلق نقطة تفتيش يستخدمها الفلسطينيون بعد إطلاق النار قرب رام الله (رويترز)

مقتل إسرائيلي بإطلاق نار في الضفة الغربية... وتوقيف مشتبه به

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأحد، مقتل شخص في إطلاق نار بالقرب من مستوطنة «نفيه تسوف» قرب رام الله في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
يوميات الشرق نجم البوب البريطاني إد شيران (أ.ب)

إد شيران: حرب إسرائيل على غزة كارثية ولا يمكن تبريرها

وفي أول تعليق له على القضية، انتقد المغني البريطاني معاملة إسرائيل لسكان غزة، ووصفها بأنها «لا يمكن تبريرها».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)

تعتبر باريس أن الخلاصات التي أفضى إليها اجتماع الأسبوع الماضي الخاص بدعم الجيش اللبناني، والذي شهد مشاورات سياسية وأخرى عسكرية على مستوى رفيع للغاية، دافعاً يجب أن يمهد الطريق من أجل التحضير للمؤتمر الدولي الموعود لدعم لبنان.

وتؤكد باريس أن دعمها للجيش اللبناني ليس مشروطاً. بيد أن الجديد الذي يصر عليه الجانب الفرنسي، يتمثل في أن هدف المؤتمر الموعود لن ينحصر فقط بتوفير الدعم المالي والتجهيزي والتسليحي للجيش اللبناني بل يجب أن يتناول الإصلاحات الاقتصادية والمالية مع هدف واضح هو تعزيز السيادة اللبنانية في كل المجالات.

وبكلام آخر، لا تريد باريس «تجزئة» الدعم للبنان بل معالجة وضعه بكليته، علماً بأن الرئيس ماكرون كان يدفع بداية من أجل مؤتمرين: الأول، مخصص لدعم الجيش، والثاني لدعم الاقتصاد اللبناني.

التصور الجديد

لكن التصور الجديد يدمج الأمرين معاً ويربط بهما ضرورة أن تعمل الدولة اللبنانية على إقرار الإصلاحات المطلوبة منها منذ سنوات وبما فيها الإصلاحات المالية، مشيرة تحديداً إلى ما يسمى قانون الفجوة المالية المتنقل ما بين مجلسي الوزراء والنواب وصندوق النقد الدولي.

الرئيس ماكرون يتوسط العاهل الأردني «يمين» عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزيف عوف في قصر الأنفاليد بمناسبة الاجتماع المخصص لدعم الجيش اللبناني (د.ب.أ)

وتنبه باريس من أنه إذا كان اللبنانيون غير قادرين أو غير راغبين في القيام بهذه الإصلاحات، فإن الآخرين (الأطراف الخارجية) لن تحل مكانهم لا في توفير الأمن ولا في نزع سلاح «حزب الله» ولا في إعادة إيقاف المؤسسات اللبنانية على رجليها. وبنظرها، فإنه كلما تأخرت الإصلاحات، أصبح القيام بها أكثر صعوبة. وتساءلت باريس عما إذا كان لبنان يود أن يكون فقط «غسالة» للمال «الوسخ» أم أنه يطمح إلى العودة للانتظام المالي العادي المعمول به.

عرض مقنع ولكن...

ينظر الجانب الفرنسي إلى العرض الذي قدمه الرئيس جوزيف عون وقائد الجيش عن الوضع اللبناني وحاجات لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بالجيش والقوى الأمنية، على أنه جاء «مقنعاً» وأن الأطراف المشاركة في الاجتماع أكدت استعدادها لتقديم الدعم والانخراط في مساعدته، بما في ذلك الطرف الأميركي الذي تمثل في الاجتماع بوفد عسكري - دبلوماسي رفيع المستوى.

بيد أن الطرف الفرنسي ما زال يرى أن الخطة اللبنانية بحاجة «لمزيد من العمل» والبلورة، كما أنه يحث لبنان على أن يكشف «بوضوح ودقة» عن توقعاته وعما يريده تحديداً من فرنسا ومن الدول الشريكة.

وبالتوازي تدعو باريس السلطات اللبنانية إلى الإفصاح عما تنوي القيام به إن على الصعيد الأمني أو بالنسبة لانتشار الجيش بموجب القرار 1701، وأخيراً بالنسبة لما تريده وتقبل به «بديلاً» عن قوة «اليونيفيل».

والمعروف أن لبنان يرغب بأن يتم التمديد للقوة الدولية الحالية لفترة تتراوح ما بين ستة أشهر وسنة، علماً بأن انتدابها ينتهي نهاية العام الجاري. إلا أن واشنطن، بدفع من تل أبيب، ترفض التمديد كما أنها ترفض، حتى اليوم، مشروع حلول قوة متعددة الجنسيات أو قوة «يونيفيل 2»، أي تحت علم الأمم المتحدة، وبانتداب من قبلها محل القوة الحالية، وتدفع لأن تقوم اللجنة العسكرية الثلاثية المشكلة من الولايات المتحدة ولبنان وبإسرائيل بمهمات «اليونيفيل». وهذا الأمر يرفضه لبنان حتى اليوم.

ملف «اليونيفيل»

سيكون ملف «اليونيفيل» موضع تشاور إن في نيويورك، في إطار الأمم المتحدة، أو في إطار الاجتماعات التي سيعقدها رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن، وعلى رأسها مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وقالت باريس إن الوفد الفرنسي برئاسة إيمانويل ماكرون الذي وصل إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة سيكون سنداً للبنان في موضوع القوة البديلة. وتعمل فرنسا، منذ عدة أشهر، مع روما على فكرة تشكيل قوة متعددة الجنسيات في حال استحالة تشكيل قوة «يونيفيل 2».

وبالتوازي، يقوم الاتحاد الأوروبي بمشاورات داخلية لـ«مهمة» غرضها توفير الدعم للجيش اللبناني تدريباً وتجهيزاً وتمويلاً ومواكبة واستخبارياً، وهي منفصلة عن ملف بديل «اليونيفيل».

وقالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، عقب اجتماع لوزراء دفاع الاتحاد مؤخراً، إن عشر دول أوروبية مستعدة للمساهمة في «المهمة» المذكورة.

الجنرال الإيطالي ديوداتو أبنيارا يتفقد ثلة من قوة الأمم المتحدة المؤقتة «اليونيفيل» في جنوب لبنان يوم 21 سبتمبر (رويترز)

وبحسب الخارجية الفرنسية، فإن الاتحاد يدرس إمكانية استفادة لبنان، بالتوازي، من «الصندوق من أجل السلام» الذي منه تذهب المساعدات الأوروبية المالية إلى أوكرانيا. وما يهم لبنان وأيضاً أصدقاؤه وشركاؤه عدم قيام فراغ أمني في الجنوب بعد رحيل القوة الدولية، ما يعني غياب أي جهة يمكن أن تراقب الحدود وتسعى لمنع التعديات. وحجة واشنطن وتل أبيب أن القوة الدولية «لم تقم بمهماتها»، وبالتالي يتعين النظر في شيء آخر للحلول مكانها.

سلاح «حزب الله»

تعي فرنسا أن المطلوب من الجيش اللبناني أن يقوم بجمع السلاح من «حزب الله»، وتعي أيضاً أن هذا الجيش لن يعمد إلى الدخول في معارك معه، وهو ما أشار إليه وشدد عليه الرئيس جوزيف عون في كلمته أمام المؤتمرين. وفي هذه النقطة بالذات وكذلك بالنسبة لانتشار الجيش، تدعو باريس إلى التحلي بـ«الواقعية» لتحقيق هذين الهدفين.

وبالنظر للضغوط الشديدة التي تمارس على لبنان أميركياً وإسرائيلياً، بخصوص نزع السلاح، فإن باريس ترى أنه يتعين العمل على أمرين: الأول، «تليين» المطالب الأميركية - الإسرائيلية. والثاني، أن يعرض لبنان خطة لإعادة الانتشار ولنزع سلاح «حزب الله» تتميز بالصدقية، وأن يكون جاهزاً للعمل بموجبها. كذلك تعي باريس الصعوبة التي يعاني منها لبنان بشأن «المناطق التجريبية» التي ترفض إسرائيل السير بها بحجة أنها «غير مقتنعة» بأداء الجيش اللبناني، وأنه نجح في «تنظيفها» من سلاح «حزب الله». فضلاً عن ذلك، فإنها تعرف أن واشنطن وتل أبيب تريدان من لبنان أن يقوم بمبادرات وخطوات غير قادر على القيام بها، علماً بأن إسرائيل تتذرع بعدم نزع سلاح «حزب الله» لتبرير رفض انسحابها من الأراضي اللبنانية التي تحتلها.

وبالمقابل، فإن «حزب الله» يرفض تسليم سلاحه طالما أن إسرائيل تحتل أراضي لبنانية، ما يجعل الأمور تدور في فراغ. وبأي حال، فإن الرسالة التي تريد باريس إيصالها إلى المسؤولين اللبنانيين مفادها أنه ليس بمقدورهم المراهنة على دور خارجي لقوات أوروبية أو غير أوروبية لنزع سلاح «حزب الله»، بل عليهم القيام بذلك بأنفسهم.


العراق سينفّذ حظر شركات الطيران الإيرانية امتثالاً للعقوبات الأميركية

طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية في مطار أربيل الدولي بالعراق (رويترز - أرشيفية)
طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية في مطار أربيل الدولي بالعراق (رويترز - أرشيفية)
TT

العراق سينفّذ حظر شركات الطيران الإيرانية امتثالاً للعقوبات الأميركية

طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية في مطار أربيل الدولي بالعراق (رويترز - أرشيفية)
طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية في مطار أربيل الدولي بالعراق (رويترز - أرشيفية)

أفاد مصدران حكوميان «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، بأن العراق سيعلّق رحلات شركات الطيران الإيرانية، وذلك بُعيد إعلان واشنطن وقف هذه الشركات لخدماتها في الساعات المقبلة بسبب العقوبات الأميركية عليها.

وقال مصدر حكومي عراقي إن «العراق سينفّذ حظر شركات الطيران الإيرانية امتثالاً لقرار الخزانة الأميركية، ابتداء من فجر الثلاثاء»، مشيراً إلى أن «الدول التي لا تنفّذ القرار ستتعرّض لعقوبات مماثلة».

وأكد مصدر ثانٍ امتثال العراق للقرار.


فرضيات حول تكرار انفجار مستودعات الأسلحة في سوريا

ضابط شرطة عسكرية يقف على طريق عقب انفجار في مستودع أسلحة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي (رويترز)
ضابط شرطة عسكرية يقف على طريق عقب انفجار في مستودع أسلحة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي (رويترز)
TT

فرضيات حول تكرار انفجار مستودعات الأسلحة في سوريا

ضابط شرطة عسكرية يقف على طريق عقب انفجار في مستودع أسلحة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي (رويترز)
ضابط شرطة عسكرية يقف على طريق عقب انفجار في مستودع أسلحة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي (رويترز)

عززت الانفجارات التي شهدها موقع العيس العسكري جنوب حلب، فجر الاثنين، احتمال وجود عمل تخريبي يستهدف مستودعات الأسلحة في سوريا، وفق ما قالته مصادر بدمشق، وذلك ضمن سلسلة حوادث مشابهة وقعت خلال الشهر الجاري في ريف دمشق، ودير الزور، وحلب، وإدلب، واستهدف مخازن كبيرة للأسلحة تحوي ذخائر حرب كانت سابقاً ضمن مناطق النفوذ الإيراني، بينما لا تزال الدلائل بحسب محللين عسكريين تؤكد أن أسباب هذه الحوادث تعود إلى سوء في التخزين، وضعف الخبرة.

احتمال وجود عمل تخريبي لا يمكن قراءاته دون ربطه بتسلسل عدة حوادث مع عملية استطلاع واسعة نفذها الطيران الإسرائيلي لجمع الأهداف في سوريا، ولبنان، وكان ذلك في الثامن من الشهر الجاري، بحسب الخبير العسكري عماد شحود، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه في اليوم التالي للاستطلاع وقع انفجار في سرمدا، تلاه الضمير بريف دمشق، وعياش في دير دير الزور.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأضاف أنه لا يمكن أن تأتي تلك الحوادث «مصادفة»، ولا تنتج فقط عن سوء تخزين السلاح، دون استبعاد ذلك. وبحسب تحليله، فإن هذا النوع من العمليات قد يحصل عن طريق عملاء على الأرض، مشيراً إلى وجود خطأ تنظيمي وإداري في وزارة الدفاع السورية.

وبالنظر إلى المعطيات المتوفرة هناك ثلاث فرضيات تتعلق بأسباب تكرار حوادث الانفجارات في مخازن الأسلحة، بحسب الباحث العسكري في مركز الدراسات جسور رشيد حوراني لـ«الشرق الأوسط»؛ الأولى هي أن بعض الانفجارات وقعت في مستودعات -وخاصة مستودع العيس جنوبي حلب- كانت من ضمن المستودعات التابعة لإيران عندما كانت ميليشياتها تسيطر على المنطقة، واحتمال أن تفجيره يعود لأحد المتعاملين معها «بطريقة ما». وذلك بناء على محاولات إيران المستمرة زعزعة الداخل السوري.

حطام ذخيرة على الأرض إثر سلسلة انفجارات في موقع للجيش السوري في محيط بلدة العيس في 21 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الفرضية الثانية، وفق حوراني، أن تكون إسرائيل وراء استهداف مستودعات خلفتها إيران، وباتت تحت سيطرة الحكومة السورية، لشكوك وجود أسلحة (قذائف مدفعية) وصل مدى بعضها في الانفجار إلى 15 كلم، وذلك لسعي إسرائيل إلى منع استفادة الحكومة السورية منها. أما الفرضية الثالثة فهي «الاختراق الأمني» من خلال ضم بعض العناصر ممن عمل مع النظام السابق، ولا تزال له ارتباطات.

وتعد الانفجارات التي وقعت في منطقة العيس بريف حلب خامس حادث من نوعه تشهده سوريا في أقل من شهر، وقتل يوم الجمعة الماضي 11 عنصراً في الجيش بانفجار مجهول المصدر في موقع عسكري بمنطقة عياش، غرب دير الزور.

وسبق أن شهدت مستودعات أسلحة في سوريا انفجارات مجهولة المصدر؛ بينها انفجار وقع في شمال غربي البلاد، في التاسع من سبتمبر (أيلول) الحالي، وأسفر عن مقتل 14 شخصاً. وقبل ذلك بعشرة أيام، أسفر انفجار سيارة محمّلة بالذخيرة عن مقتل خمسة أشخاص، على الأقل، في المنطقة نفسها.

وبحسب إحصاء لـ«رويترز»، وقع ما لا يقل عن 16 انفجاراً مماثلاً في منشآت تخزين الأسلحة منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

يشار إلى أن النظام السابق سيطر على تل العيس الاستراتيجي 35كلم جنوب حلب عام 2020 بدعم جوي روسي، ودعم بري مكثف من الحرس الثوري الإيراني، والميليشيات التابعة له. وحول الموقع إلى مربع أمني يضم مستودعاً ضخماً لجمع وتخزين الذخيرة، والعتاد الثقيل في موقع يشرف بشكل مباشر على طريق (M5) الذي يربط شمال البلاد بجنوبها.

تصاعد النيران والدخان بعد سلسلة انفجارات في موقع للجيش السوري بمحيط بلدة العيس في وقت مبكر من يوم الاثنين حيث أصيب أربعة أشخاص على الأقل (أ.ف.ب)

الباحث في الشؤون الأمنية نوار شعبان قباقيبو، تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن مؤشرات ودلائل لتكرار حوادث انفجار مخازن الأسلحة، وقال هناك مؤشر إلى وجود عمل تخريبي، لكن لا يمكن الجزم به، ونحن بانتظار البيان الرسمي الذي يوضح الكثير من الأمور. في حين أن هناك دلائل تؤكد وجود مستودعات تحوي «ذخائر حرب»، بمعنى إما أنها كانت مخزنة لمدة طويلة في مستودعات تتبع النظام السابق، دون معرفة تفاصيلها اللوجستية، والفنية، وقد تكون هذه الذخائر غنائم معارك تم نقلها من مكان إلى آخر، وربما نقلت بشكل عشوائي، وخزنت بشكل سيئ أفقدها بعضاً من المواصفات الفنية.

إضافة إلى إمكانية وجود كمية كبيرة من الذخائر هي بالأساس تالفة، ويجب إتلافها. وأضاف قباقيبو أن ما يجب القيام به هو «تدريب خبرات للتعامل مع هذه الذخائر في قسم التسليح في وزارة الدفاع، وكيفية تقييمها، وتخزينها، وفصل الذخائر الصالحة عن التالفة، والأهم إعادة تقييم المنشآت العسكرية».