مصر في 2023... ضغوط اقتصادية تراوح مكانها على وقع «زلازل» إقليمية

حراك سياسي داخلي و«تصفير» مشكلات مقابل «انفجار» أخرى

السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
TT

مصر في 2023... ضغوط اقتصادية تراوح مكانها على وقع «زلازل» إقليمية

السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)

حراك سياسي داخلي، وتقاربات إقليمية لافتة، وأزمة اقتصادية ضاغطة، و«زلازل» إقليمية تحاصر أركان الخريطة المصرية... هكذا عايش المصريون مجريات عام 2023 الذي ربما حمل في بداياته أملاً في التعافي من تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية، وقبلها تأثيرات جائحة «كورونا»، لكن تفجر الأزمات ظل «عرضاً مستمراً» ليلقي بمزيد من التبعات والأعباء على مصر والمصريين.

حملت الأشهر الأولى من 2023 أملاً في عام أكثر هدوءاً، مع إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في فبراير (شباط) الماضي، بدء الدولة مرحلة جديدة بعد نجاحها في القضاء على الإرهاب، وهو ما عاد السيسي لتأكيده في أبريل (نيسان) الماضي بوضوح أكبر، عندما قال إن «الإرهاب انتهى» في مصر، مشدداً على أنه «لن نسمح برفع سلاح إلا سلاح الدولة».

شرطي وناخبون خارج مركز للتصويت في الانتخابات الرئاسية بمصر (رويترز)

هذا التطور ارتبط بحالة من الحراك السياسي الداخلي، الذي اقترن بانطلاق «الحوار الوطني» المصري في مايو (أيار) الماضي، وشهد تفاعلاً ونقاشات لم تخلُ من تباينات جوهرية بين القوى الحزبية المشاركة.

مشهد الحراك الداخلي امتد إلى الربع الأخير من العام، بعد الإعلان عن تنظيم الانتخابات الرئاسية 2024، قبل نهاية العام، وتنافس فيها أربعة مرشحين في مقدمتهم الرئيس السيسي، وبدت النتيجة، حسب كثير من المراقبين، «محسومة»، لكنَّ الرهان لم يكن على شخصية الفائز في السباق الرئاسي، بقدر ما كان الترقب منصبّاً على نسبة المشاركة في الاقتراع، التي «تجاوزت التوقعات»، وفق ما أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات.

تقاربات وأزمات إقليمية

الحراك السياسي الداخلي، تزامن كذلك مع موجة من التقاربات الإقليمية المصرية لـ«تصفير» المشكلات مع دول شهدت العلاقات معها موجات من التوتر، في مقدمتها تركيا، التي كان استئناف وترفيع العلاقات الدبلوماسية معها عنواناً بارزاً لتطورات ملف العلاقات الإقليمية للقاهرة بعد عقد كامل من الجفاء لم يخلُ من توتر.

جاء التقارب بين القاهرة وأنقرة عقب انفراجة مفاجئة في نهاية 2022، عندما التقى الرئيس المصري نظيره التركي رجب طيب أردوغان، على هامش حضورهما افتتاح كأس العالم لكرة القدم في قطر، ومن بعدها تسارعت وتيرة التقارب حتى وصلت إلى مرحلة ترفيع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير، فضلاً عن لقاءات متكررة بين رئيسي البلدين على هامش قمم إقليمية ودولية، دون أن تصل بعد إلى مرحلة تبادل «الزيارات الرسمية».

العلاقات المصرية - الإيرانية شهدت كذلك مؤشرات على «انفراجةٍ» ما تُنهي عقوداً من «الجمود»، وتكررت لقاءات وزيارات لوفود رسمية، والتقى الرئيسان المصري والإيراني على هامش القمة العربية - الإسلامية الطارئة في الرياض في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لكنّ العلاقات لم تصعد –رسمياً- درجة أكبر من «اللقاءات».

لكن بموازاة تلك «التقاربات» كانت أزمات إقليمية أخرى على موعد مع «الانفجار»، ما فاقم الضغوط على مصر، ففي أبريل من هذا العام اندلع على نحو مفاجئ اقتتال سوداني داخلي بين القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الأمر الذي تسبب في ضغوط أمنية واقتصادية وإنسانية على مصر، التي وجدت نفسها في مواجهة حرب طاحنة، على جبهتها الجنوبية.

وإلى جانب المشكلات الاقتصادية التي تعانيها، واجهت القاهرة خسارة شريك استراتيجي واقتصادي مهم تصل نسبة التبادل التجاري بينهما إلى 18.2 في المائة وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري، فضلاً عن تدفق ما يقارب نصف المليون نازح سوداني باتجاه الحدود المصرية، أُضيفوا إلى نحو 4 ملايين سوداني يقيمون منذ سنوات على الأراضي المصرية.

كما فرضت الأزمة تبعات أمنية على القاهرة التي فتحت جسراً عاجلاً برياً وبحرياً وجوياً لإجلاء رعاياها من الداخل السوداني، وأن تسهم كذلك في إجلاء آلاف من الرعايا الأجانب عبر أراضيها، وأن تستضيف في يوليو (تموز) الماضي قمة إقليمية ضمّت قادة دول جوار السودان، بحثاً عن حلول لأزمة متشابكة الأبعاد والتداعيات بالنسبة إلى مصر. وليس بعيداً عن السودان، ظلت أزمة «سد النهضة» الإثيوبي تراوح مكانها في 2023، رغم ما طرأ من اتفاق بين القاهرة وأديس أبابا في يوليو الماضي، على استئناف جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق في غضون 4 أشهر.

تحديات الدور المصري

وقبل أن ينتهي العام، وبينما كانت مصر تعيش حالة احتفالية واكبت الذكرى الـ50 لانتصارات حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، تفجرت أزمة أخرى على الجبهة الشرقية للبلاد، بعد عملية «طوفان الأقصى» التي نفّذتها حركة «حماس» في 7 أكتوبر 2023 ضد أهداف إسرائيلية، في أكبر عملية تنفّذها فصائل المقاومة الفلسطينية في تاريخها، لتجد مصر نفسها «في قلب العاصفة، وفي مواجهة تداعيات مباشرة على أمنها القومي»، كما يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، العميد السابق لمعهد البحوث العربية، الدكتور أحمد يوسف أحمد، الذي يشير إلى أن ضغوط الأزمات الإقليمية سواء في الجنوب (السودان) أو في الشرق (غزة)، كانت «كبيرة وثقيلة» على مصر.

وأضاف يوسف لـ«الشرق الأوسط»، أن تداعيات الأزمة في غزة لم تقتصر على ارتباط الوضع بجذور تاريخية بين مصر والقطاع، لكنّها مثّلت ثقلاً إضافياً بإطلاقها مخاوف من مشروع تهجير الفلسطينيين إلى أراضي سيناء، ما يمثل «خطراً مباشراً على الأمن القومي المصري، فضلاً عن تعريض البلاد لضغوط إنسانية عنيفة» عبر دفع قوات الاحتلال لنحو مليوني فلسطيني إلى التكدس في جنوب غزة بمحاذاة الحدود المصرية.

ويعتقد يوسف أن خطورة الأزمة الراهنة في غزة «تكمن في أنها تفرض تحديات على الدور المصري إقليمياً»، سواء بالمسؤولية التاريخية تجاه القضية الفلسطينية أو عبر أدوار الوساطة، إضافةً إلى تداعيات اتساع نطاق التوتر الإقليمي وامتدادها لجنوب البحر الأحمر عبر ما تقوم به جماعة الحوثي من استهداف للسفن بالمنطقة، الأمر الذي قد يؤدي للتأثير في قناة السويس.

ضغوط اقتصادية

تلك الأزمات الإقليمية تضاعفت وطأتها لتزامنها مع «ضغوط» متراكمة يعانيها الاقتصاد المصري قبل 2023 وتواصلت بوتيرة أكبر خلال العام، بعدما وافق صندوق النقد الدولي على منح مصر قرضاً بقيمة 3 مليارات دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2022، ومنذ ذلك الحين يشهد سعر الصرف الرسمي للجنيه المصري ثباتاً في حدود 30.9 جنيه مقابل الدولار، في حين يتسع الفارق بين السعر الرسمي وسعر الصرف في «السوق السوداء» لأكثر من 50 في المائة تقريباً.

كما واجه الاقتصاد المصري خفضاً متكرراً للتصنيف الائتماني من جانب وكالات تصنيف دولية، مثل «موديز» و«ستاندرد آند بورز»، التي خفضت في الربع الأخير من العام، التصنيف السيادي طويل الأجل لمصر إلى «- B» من «B»، مشيرةً إلى ازدياد ضغوط التمويل على البلاد.

وواكب ذلك تراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال العام المالي 2022 - 2023 بنسبة 30.8 في المائة على أساس سنوي، وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري بشأن معاملات الاقتصاد مع العالم الخارجي خلال العام المالي 2022 - 2023 «تراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال العام المالي الماضي، إلى 22.1 مليار دولار، مقابل 31.9 مليار دولار في العام المالي السابق».

عملات مصرية من فئات مختلفة أمام عملات دولية (أ.ف.ب)

وتعطلت كذلك صفقات بيع بعض الأصول الحكومية والمملوكة لجهات عامة، في ظل صعوبات تتعلق بتقييم الأصول، وهو ما أدى إلى قيام صندوق النقد الدولي بتعليق مراجعته الأولى للبرنامج، التي كان من المقرر إجراؤها في مارس (آذار) الماضي.

ومثّل التضخم واحداً من الضغوط اللافتة التي صبغت شهور عام 2023 وستظل عالقة في أذهان المصريين، كما أظهرت بيانات للبنك المركزي المصري في أكتوبر الماضي، أن «التضخم الأساسي تباطأ إلى 38.1 في المائة نزولاً من 39.7 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي». واضطر «المركزي» الذي شهد تغييراً لرئيسه في أغسطس (آب) من هذا العام، إلى مراجعة وتغيير أسعار الفائدة أكثر من مرة خلال العام لاحتواء تلك الضغوط التضخمية، كما لجأت الحكومة المصرية خلال العام مرتين إلى زيادة أسعار المحروقات، كان آخرها في نوفمبر الماضي لزيادة أسعار البنزين بنسبة بلغت 14.3 في المائة، وسط ارتفاع الأسعار العالمية للوقود، وضعف سعر الصرف.

«عام صعب»

ويذهب الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور رشاد عبده، إلى وصف عام 2023 بأنه كان من «أصعب الأعوام بالنسبة للاقتصاد المصري»، مبرراً تقييمه هذا باستمرار تراكم الأزمات والمشكلات الاقتصادية، وزيادة أعباء الدين العام، إضافةً إلى ارتفاع معدلات التضخم.

ويرى عبده في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» أن الظروف الإقليمية والدولية، تزيد من حدة الضغوط الاقتصادية على مصر، فما شهده السودان من اقتتال داخلي، وكذلك تداعيات الحرب على غزة، وقبلهما استمرار تأثيرات الحرب الروسية – الأوكرانية، تلقي بأعباء ثقيلة على مختلف مؤشرات الاقتصاد المصري، وربما تضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات اقتصادية يصفها بـ«القاسية» في ظل استمرار الفجوة الدولارية واستيراد مصر لمعظم احتياجاتها، وبخاصة من الغذاء.

وربما جاءت دعوة تجمع دول «بريكس» لمصر في أغسطس الماضي للانضمام إلى التجمع بدايةً من عام 2024، نبأ سارّاً، وسط ضغوط اقتصادية متراكمة، خصوصاً أن التجمع يضم قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل، لكنّ عبده يرى أن تحقيق مكاسب اقتصادية من هذا الانضمام كان يتطلب إجراءات واستعدادات «لم تتوفر بعد»، وفق رأيه.


مقالات ذات صلة

الربط الكهربائي السعودي - المصري يقترب من التشغيل

الاقتصاد وزير الكهرباء المصري خلال ندوة بـ«الهيئة الوطنية للصحافة» مساء الأحد (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

الربط الكهربائي السعودي - المصري يقترب من التشغيل

يقترب الربط الكهربائي السعودي - المصري أحد أكبر مشروعات الربط الكهربائي في المنطقة، من التشغيل بحسب إعلان مصري رسمي.

محمد محمود (القاهرة )
يوميات الشرق اعتمد العرض على ممثلات غير محترفات (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)

«للسيدات فقط»... يحاول الوصول إلى ما بعد المحطة النهائية

يستلهم العرض المسرحي المصري «للسيدات فقط... حتى التاسعة مساءً» فكرته من قصص السيدات اللواتي يتنقلن عبر مترو أنفاق القاهرة يومياً.

أحمد عدلي (القاهرة )
أفريقيا أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ضغوط داخلية على إدارة ترمب للتدخل في إثيوبيا

ضغط أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأميركي على إدارة ترمب للتدخل لوقف التصعيد في إثيوبيا، محذرين من أن اتفاق السلام الذي أنهى حرب تيغراي عام 2022 بدأ يتفكك.

هبة القدسي (واشنطن)
شمال افريقيا إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

«الأحوال الشخصية»... أبرز التشريعات المرتقبة على أجندة «النواب» المصري

يستعد مجلس النواب المصري لبدء دور انعقاده الثاني خلال أيام، وسط ترقب لعودة مشروع قانون «الأحوال الشخصية» إلى صدارة المناقشات.

منى أبو النصر (القاهرة )
شمال افريقيا خطوط سكك حديدية في مصر (وزارة النقل المصرية)

سكك حديدية مصرية في سيناء تثير قلقاً في إسرائيل

بعد أيام من زيارة قام بها وزير النقل المصري كامل الوزير إلى سيناء، عبّرت تقارير عبرية عن قلق إسرائيلي من شبكات النقل الجديدة.

أحمد جمال (القاهرة)

الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
TT

الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)

أطلقت الجزائر «المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج»، برئاسة المدير الأسبق للمعاهد الوطنية الأميركية للصحة إلياس زرهوني، وتحت إشراف مباشر لرئاسة الجمهورية، بمشاركة 27 خبيراً جزائرياً.

ويهدف المسعى، وفق السلطات، إلى تعبئة كفاءات المهجر وربطها بالجامعات والمؤسسات الوطنية للاستفادة من خبراتها في ملفات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه والصحة والأمن الغذائي، بما يعزز نقل المعرفة والتكنولوجيا ويدعم التنمية والحضور الدولي للجزائر.

الرئيس الجزائري خلال إلقاء كلمة أمام أعضاء مجلس علماء الجزائر في المهجر (الرئاسة)

ونظم الرئيس عبد المجيد تبون، الأحد، أول اجتماع مع «المجلس» بحضور جميع أعضائه، مؤكداً في كلمة بثتها الرئاسة، أن مستوى التنمية الذي تنشده الجزائر «يتطلب إشراك مختلف الكفاءات والطاقات الوطنية»، ومشيداً بـ«مساهمة أفراد الجالية العلمية الوطنية المقيمة بالخارج في الارتقاء العلمي وتطوير الكفاءات في البلاد».

وجرى اللقاء بحضور عدد من أعضاء الحكومة وكبار مسؤولي الدولة.

«من الخبرة إلى القرار»

أوضح زرهوني، منسق المجلس، في تصريح للتلفزيون العمومي، أن دور الهيئة العلمية يتمثل في «تقديم دعم استراتيجي ملموس لسياسات الدولة، وتوثيق أفضل الممارسات العالمية لتجنب تكرار أخطاء الماضي، ودعم الكفاءات الشابة التي تلقت تكوينها في الجزائر».

وتضم المجموعة أسماء بارزة؛ من بينها مريم مراد متخصصة علم المناعة وعلم الأورام بمستشفى «ماونت سيناي» بنيويورك، ويوسف كمال تومي مختص الروبوتات بمعهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا»، وياسمين بلقايد مديرة معهد «باستور» بفرنسا.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع منسق مجلس علماء المهجر إلياس زرهوني (الرئاسة)

وتتعلق الفكرة الأساسية للمجلس بالاستفادة من الخبرات والكفاءات العلمية الجزائرية الموجودة في الخارج، وتوظيفها لخدمة احتياجات الجزائر وأولوياتها الوطنية، وتقديم المشورة للدولة بشأن المشروعات الكبرى ذات البعد العلمي أو التكنولوجي، وتقييم مدى جدواها.

كما تهدف الفكرة إلى ربط الباحثين والعلماء الجزائريين في المهجر بالجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية في الجزائر، وتسهيل نقل التكنولوجيا والمعرفة، ومتابعة التطورات العلمية والتكنولوجية العالمية والتكنولوجيات الناشئة، والعمل على ملفات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والصحة والطاقة والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى إعداد التوصيات والدراسات وخطط تطوير هذه المجالات، ورفعها مباشرة إلى رئاسة الجمهورية.

وأكدت وزارة التعليم العالي أن المجلس «ليس هيئة أكاديمية بالمعنى التقليدي، وإنما يُفترض أن يكون حلقة وصل بين الخبرة العلمية الدولية التي تمتلكها الكفاءات الجزائرية في الخارج والأولويات والمشروعات الفعلية للدولة الجزائرية». كما شدد زرهوني على ضرورة الانتقال من الاتصالات واللقاءات الظرفية مع الجالية العلمية إلى «تعاون مؤسساتي ومنظم ودائم».

رئيس مجلس علماء المهجر إلياس زرهوني (وزارة التعليم العالي الجزائرية)

ووضعت السلطات تصوراً لآلية عمل المجلس وهو على النحو التالي: «تحدد الدولة المشكلات والتحديات الكبرى التي تحتاج إلى حلول علمية وتكنولوجية، ثم يستعين المجلس بخبرات العلماء الجزائريين داخل الجزائر وخارجها لدراسة هذه الملفات، وتقييم الخيارات المتاحة، واقتراح الحلول والمشروعات، ثم رفع التوصيات إلى رئاسة الجمهورية، بهدف تحويل المعرفة والخبرة إلى قرارات ومشروعات عملية».

ملاحظات نقدية

اللافت أن تركيبة المجلس لا تقتصر على تخصص أكاديمي واحد أو على مجموعة من الأساتذة الجامعيين، وإنما تغطي مجموعة واسعة من المجالات المرتبطة مباشرة بالتحديات التي تواجه الجزائر؛ فهي تضم خبرات في الذكاء الاصطناعي والإعلام الآلي والهندسة الآلية بما يمكن أن يخدم التحول الرقمي وتطوير الصناعة الذكية.

ويمكن أيضاً للمتخصصين في علوم المواد والهندسة الميكانيكية والهندسة الكهربائية أن يسهموا في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية أكثر تقدماً، كما يمكن للخبرات الموجودة في مجالات المياه والبيئة والجيوفيزياء، أن تساعد في قضايا تحلية المياه وإدارة الموارد المائية وفهم الثروات والموارد الموجودة في باطن الأرض.

لكن على الرغم من الإشادة الكبيرة والحملة الدعائية التي رافقت إطلاق المشروع، فإنه واجه ملاحظات نقدية ومن أهل الاختصاص؛ ففي منشور طويل كتب أحمد ماحيجيبة، الباحث الجزائري في مركز الأرصاد الجوية الكندي: «هل ستكون هذه الكفاءات مجرد خزّان للخبرة التقنية؟ أم ستكون فعلاً شريكاً في صناعة القرار؟ والفرق بين الأمرين كبير».

وأشار إلى أن العالِم أو الخبير الذي عاش سنوات طويلة في منظومات ديمقراطية ومؤسساتية، يمكنه فيها انتقاد سياسة حكومته أو مؤسسته، ومناقشة القرارات التقنية، ومساءلة المسؤولين، «لا يحتاج فقط إلى أن يُطلب منه تقديم خبرته العلمية للجزائر، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة حدود استقلاليته عندما تختلف خبرته مع القرار السياسي أو الإداري».

رئيس المجلس العالمي لجزائريي المهجر أثناء إطلاقه بباريس في مارس 2024 (حساب المجلس بالإعلام الاجتماعي)

ويعدّ «المجلس العلمي» ثاني خطوة في اتجاه جمع المهاجرين للجزائريين حول مشروع كبير يخص تطوير البلاد؛ ففي مارس (آذار) 2024 أطلقت الجزائر «مجلساً عالمياً للهجرة»، بقيادة كريم زريبي النائب بالبرلمان الأوروبي سابقاً، يضم كفاءات بالهجرة في مجالات الصحافة والفن والتجارة والمال والأعمال، بهدف صناعة تأثير إقليمي ودولي والحفاظ على مصالح الجزائر الاستراتيجية في الخارج.


هل يستفيد النفط الليبي من إغلاق مضيق هرمز؟

منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

هل يستفيد النفط الليبي من إغلاق مضيق هرمز؟

منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

رغم البعد النسبي لليبيا عن التداعيات السياسية والعسكرية للحرب الأميركية - الإيرانية، فإن استمرار أزمة اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز يضع النفط الليبي أمام سؤال لا ينقطع منذ أشهر حول حجم الاستفادة التي يمكن أن تحققها ليبيا من هذه التطورات، في ظل ارتفاع أسعار الخام عالمياً.

وتشير تقديرات خبراء إلى أن ليبيا تحقق «إيرادات إضافية مؤقتة»، مع دفع الاضطرابات الجيوسياسية أسعار النفط العالمية إلى مستويات أعلى، إذ يؤدي ارتفاع سعر البرميل إلى زيادة قيمة الصادرات النفطية، حتى مع بقاء مستويات الإنتاج على حالها.

وحسب تقديرات وزير النفط الليبي السابق محمد عون لـ«الشرق الأوسط»، فإن «النفط الليبي يستفيد من ارتفاع الأسعار العالمية مع أي تغيرات وأزمات عالمية قد تطرأ على الأسعار نتيجة الصراعات العالمية أو التغيرات الجيوسياسية، ومن بينها أزمة إغلاق مضيق هرمز»، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار يوفر للدولة عائداً أكبر من الكميات المصدرة.

وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة لاقتصاد يعتمد بنسبة 98 في المائة على العائدات النفطية في تمويل الإيرادات العامة، وسط تحديات مالية واقتصادية متراكمة.

استفادة «غير مباشرة»

وتنتج ليبيا نحو 1.4 مليون برميل يومياً، بعدما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في يونيو (حزيران) الماضي وصول إنتاج الخام إلى 1.438 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى تسجله منذ عام 2013.

وتظهر حساسية الإيرادات الليبية لتحركات أسعار النفط في بيانات الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، إذ بلغت مبيعات النفط نحو 96.1 مليار دينار، مقابل نحو 82.6 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة تقارب 16.3 في المائة. (الدولار يساوي 6.39 دينار في السوق الرسمية، و9.57 في الموازية).

منشأة نفطية في حقل الشرارة الليبي (شركة أكاكوس للعمليات النفطية)

لكن استفادة ليبيا من اضطراب الممرات البحرية تظل غير مباشرة، إذ إن صادراتها النفطية تخرج من موانئ تقع على البحر المتوسط، ولا تحتاج جغرافياً إلى المرور عبر مضيق هرمز، وفق محللين.

كما تمثل السوق الأوروبية الوجهة الرئيسية للخام الليبي، إذ تشير بيانات المؤسسة الوطنية للنفط إلى أن نحو 79 في المائة من صادرات الخام الليبي خلال 2025 توجهت إلى أوروبا، وكانت إيطاليا في مقدمة المستوردين.

ويرى الخبير النفطي محمد الشحاتي أن ليبيا «قد تحصل بالفعل على إيراد إضافي مؤقت إذا أدى نقص الإمدادات العالمية إلى رفع أسعار خامها»، لكنه لا يرى في ذلك «مكاسب مستدامة».

ويقول: «يمكن للأسعار المرتفعة أن تؤدي لاحقاً إلى تراجع الطلب، وتسريع الاستثمار في البدائل وكفاءة الطاقة، وتشجيع منتجين آخرين على زيادة المعروض».

أهمية «الاستقرار»

وصعدت أسعار النفط في تعاملات الاثنين، إذ ارتفع خام برنت بأكثر من واحد في المائة متجاوزاً 107 دولارات للبرميل، بينما اقترب خام غرب تكساس الوسيط من 94 دولاراً، مع استمرار المخاوف بشأن تدفقات النفط العالمية نتيجة التوترات في المنطقة، حسب «رويترز».

ويعد الشحاتي، في منشور على «فيسبوك»، أن مصلحة ليبيا النفطية «لا تكمن في ارتفاع الأسعار الناتج عن الحروب أو إغلاق الممرات البحرية، وإنما في وجود سوق نفط مستقرة يمكن التنبؤ بها، بما يتيح للبلاد التخطيط لإنتاجها وصادراتها واستثماراتها».

ويضيف أن «القيمة الحقيقية للنفط الليبي ترتبط بقدرته على الوصول إلى الأسواق في ظروف مستقرة، وبقدرة الدولة على المحافظة على تدفق صادراتها، وليس بمجرد ارتفاع الأسعار نتيجة أزمة عالمية».

وتَبرُز الإغلاقات النفطية المتكررة بوصفها عاملاً يحد من قدرة ليبيا على الاستفادة من ارتفاع الأسعار، بعدما أدى إغلاق صمام على خط نقل خام حقل الشرارة في الآونة الأخيرة إلى تراجع الإنتاج بنحو 130 ألف برميل يومياً، وتوقف وحدة تكرير بمصفاة الزاوية، ما هدد إمدادات الوقود، وزاد الضغوط على القطاع.

وبلغت الكميات المفقودة خلال خمسة أيام من الإغلاق الأسبوع الماضي نحو 650 ألف برميل، فيما تجاوزت الخسائر المالية المباشرة 95 مليون دولار حتى 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، وفق البيانات المعلنة.

يشار إلى أن ملف إدارة الثروة النفطية وتوزيع عائداتها محل نزاع بين الحكومتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها، رغم اقتصار تسويق الخام رسمياً على المؤسسة الوطنية للنفط. وأفضت الخلافات بشأن الإيرادات إلى إغلاقات متكررة للحقول والموانئ، قبل أن يتوصل الطرفان إلى تهدئة في عام 2022.


شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)
صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)
TT

شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)
صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

بعدما غمرت مياه الأمطار عدداً من شوارع العاصمة الموريتانية نواكشوط في الأيام الأخيرة، عاد إلى الواجهة جدل متجدد حول غياب شبكة صرف صحي متكاملة في مدينة يزيد تعداد سكانها على 1.5 مليون نسمة، وسط مخاوف من هطول أمطار أخرى تفاقم الأزمة.

ويتجدد الحديث في الأمر مع كل موسم أمطار من كل عام، في شهرَي أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول)، وتتعالى النداءات بسرعة البحث عن حل؛ إذ تخلو البلاد من أي شبكة للصرف الصحي، سواء على مستوى المنازل والمرافق الحيوية، أو لشفط مياه الأمطار من الشوارع.

وقال المكتب الوطني للصرف الصحي، السبت، بعد أن سجلت المدينة كميات أمطار وصلت لأكثر من 45 ملليمتراً، إنه يواصل المرحلة الثانية من تدخلاته لشفط مياه الأمطار التي هطلت بكثافة يوم الخميس، وذلك عبر صهاريج كبيرة تتحرك في مختلف الأحياء، مضيفاً أنه يتحرك باتجاه «مختلف مقاطعات ومناطق العاصمة التي سجلت تجمعات لمياه الأمطار، وخاصة في المناطق الهشة».

شوارع بالعاصمة الموريتانية نواكشوط وبها تجمعات لمياه الأمطار (إعلام محلي)

وأكد المكتب أن المرحلة الأولى من التدخل لتخفيف أضرار المطر أُنجزت «في وقت قياسي»، ومكنت من فتح وتأمين محاور الطرق الرئيسية والتقاطعات والنقاط الحساسة.

الاعتماد على الصهاريج

وتواجه الحكومة الموريتانية انتقادات لاذعة بسبب غياب مشروع للصرف الصحي في العاصمة نواكشوط، وتكرار الاعتماد على الصهاريج في مواسم الأمطار، ما يثير حالة غضب واسعة بين المواطنين.

وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يصور صهريجاً يحمل شعار المكتب الوطني للصرف الصحي وهو يفرغ مياه صرف في الشارع، وسط صيحات رفض وغضب من المواطنين.

وتعليقاً على الحادثة، حمَّل المكتب الوطني للصرف الصحي المسؤولية لشركات خاصة تقدم خدمة تفريغ المياه، وطلب منها الالتزام بالضوابط عند التخلص من المياه، ووصف سكبها في الأماكن العامة بأنه «ممارسة مرفوضة» تنطوي على مخاطر بيئية وصحية، وقد تعرقل عمليات التصريف نفسها، محذراً من إحالة مرتكبيها إلى القانون.

صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

كما حذر المكتب من «استغلال غير مشروع» لاسم المكتب أو شعاره، عبر تقديم خدمات شفط بمقابل مالي، وأكد أن جميع عملياته مجانية بالكامل، وأن أي صهريج يحمل شعاره لا يحق له أن يتقاضى أي مبالغ من أي جهة.

المسببات والجهود

وعن مشكلة تراكم مياه المطر في الشوارع، كتب الدكتور محمد الأمين شريف أحمد، وهو كاتب رأي معروف، أن المشكلة لا تحتاج إلى أمطار استثنائية لتظهر، وإنما «تكفي أمطار معتبرة حتى تظهر في نواكشوط وبعض المدن معاناة يعرفها المواطن».

ونبّه في مقاله الذي نشرته صحف محلية إلى خطورة الوضع على المرضى، مشيراً إلى أن سيارة الإسعاف «يُفترض أن تختصر الدقائق لا أن تبحث عن منفذ بين تجمعات المياه».

وعزا الكاتب الأزمة إلى تراكم عقود من النمو الحضري السريع، وتمدد عمراني سبق البنية التحتية، إضافة إلى طبيعة الأرض، مع ارتفاع منسوب المياه الجوفية في مناطق من المدينة.

في المقابل، دافع عيسى ولد اليدالي، وهو ناشط في الحزب الحاكم ومستشار في وزارة الثقافة، عن المقاربة الحكومية، معتبراً أن تجمّع المياه «ليس مشكلة موسمية عابرة، بل انعكاس لتحدٍّ بنيوي ظل يتراكم عبر سنوات طويلة». ورأى أن «التشكيك المطلق» في جهود الحكومة «لا يعكس حقيقة ما يجري على الأرض».

جانب من مساعي شفط مياه الأمطار من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

وأكد ولد اليدالي أن «المشكلات التي تشكلت عبر عقود لا يمكن أن تُحل في سنوات قليلة»، وأن الدولة «اختارت السير في الطريق الأصعب والأطول». غير أنه أقرّ بأن المواطن الذي تحاصره المياه «من حقه أن يطالب بحلول عاجلة وفعالة».

الرهان الأكبر

ووسط هذا الجدل، يبقى الحل الجذري معلّقاً على مشروع للصرف الصحي بدأت مرحلته الأولى بعد أن وضع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حجرها الأساس في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2024، بتكلفة 177.6 مليون دولار ممولة بالكامل من ميزانية الدولة. ولكن المشروع الذي تنفذه شركة صينية تأخرت انطلاقته على الأرض، رغم أن المهلة التي حددتها الحكومة لنهايته هي 45 شهراً؛ أي إنه من المفترض أن يكون جاهزاً عام 2029، ولكن في ثلاث مقاطعات من نواكشوط هي: تفرغ زينة ولكصر والسبخة وأجزاء من الميناء وتيارت، والتي تعد الأكثر تضرراً من تجمع المياه.

ويشمل المشروع شبكة صرف منزلي في 29 محطة ضخ ورفع، ونحو 15.7 كيلومتر من قنوات تصريف مياه الأمطار، ومحطة معالجة تبلغ طاقتها الأولية 19 ألف متر مكعب يومياً قابلة للتوسعة إلى 33 ألفاً، إلا أن شريف أحمد يرى أن المشروع لا يكفي وحده، مستنداً إلى دراسة حكومية سابقة قدّرت حاجة العاصمة الفعلية إلى منظومة تعالج 50 ألف متر مكعب يومياً، وتربط 75 ألف منزل، بتكلفة تقارب 420 مليون يورو.

ويخلص الكاتب إلى أن المشروع رغم ضخامته «مرحلة أساسية من الحل وليس نهايته».