أنقرة تحذر أميركا وروسيا من دعم فصيل كردي في سوريا

«داعش» يعيد تموضعه في الرقة استعدادًا للمعركة.. وأهالي المدينة قلقون من وصول الأكراد

طفل يحمل شقيقه الأصغر في مخيم للنازحين من جرجناز قرب إدلب في شمال غربي سوريا (رويترز)
طفل يحمل شقيقه الأصغر في مخيم للنازحين من جرجناز قرب إدلب في شمال غربي سوريا (رويترز)
TT

أنقرة تحذر أميركا وروسيا من دعم فصيل كردي في سوريا

طفل يحمل شقيقه الأصغر في مخيم للنازحين من جرجناز قرب إدلب في شمال غربي سوريا (رويترز)
طفل يحمل شقيقه الأصغر في مخيم للنازحين من جرجناز قرب إدلب في شمال غربي سوريا (رويترز)

قال مسؤولان كبيران إن تركيا حذرت الولايات المتحدة وروسيا، من أنها لن تقبل أن يحقق مقاتلو فصيل كردي مكاسب على الأرض قرب حدودها في شمال غربي سوريا.
وقال مسؤول متحدثًا عن إمكانية عبور قوات كردية سوريا نهر الفرات لتوسع نطاق سيطرتها في مناطق على الحدود التركية انطلاقا من كردستان العراق صوب مناطق ساحلية مطلة على البحر المتوسط: «هذا خط فاصل بالنسبة لنا. لا مزاح في هذا».
وتخشى تركيا من أن التقدم الذي تحققه وحدات حماية الشعب - التي يدعمها الجناح السياسي في تركيا لحزب الاتحاد الديمقراطي - على الجانب السوري من حدودها، سيزيد التطلعات الانفصالية بين الأكراد الأتراك في جنوب شرقي البلاد. لكن واشنطن أيدت وحدات حماية الشعب الكردية كقوة فعالة في محاربة تنظيم داعش.
وقال أحد المسؤولين: «حزب الاتحاد الديمقراطي يتقرب أخيرًا من الولايات المتحدة وروسيا. نعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي جماعة إرهابية ونريد من كل الدول التمعن في تبعات تعاونها».
وتشك تركيا أن روسيا التي تشن غارات جوية في سوريا بدأتها منذ أسبوعين تقدم الدعم أيضًا لوحدات حماية الشعب الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي. وقال المسؤول: «مع تأييد روسيا، يحاول حزب الاتحاد الديمقراطي السيطرة على أراض تقع بين جرابلس وأعزاز إلى الغرب من الفرات. ولن نقبل بهذا مطلقا».
وصرح بأن تركيا عبرت عن مخاوفها هذه خلال اجتماعات رفيعة المستوى مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا.
ولم يذكر المسؤول ما يمكن أن تفعله تركيا إذا عبرت وحدات حماية الشعب الكردية الفرات. وشنت أنقرة غارات ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني ولهم قواعد في جبال بشمال العراق، لكن شن هجمات على الأكراد في سوريا سينطوي على مخاطر أكبر كثيرًا، وسيدفع أنقرة إلى مواجهة محتملة مع سلاح الجو الأميركي وأيضًا الروسي.
واتهمت تركيا القوات الكردية بالسعي إلى «تغيير التركيبة السكانية» في شمال سوريا، بإجبار السكان العرب والتركمان على النزوح من المنطقة. وتخشى أنقرة من قيام دولة كردية مستقلة على مناطق متلاصقة تمتد عبر العراق وسوريا وتركيا.
وفي وقت بدأ العد العكسي لبدء العمليات في الرقة بعد الإعلان عن تشكيل «تحالف قوات سوريا الديمقراطية»، بدأ تنظيم داعش يعيد موضعة مواقعه ومقاتليه استعدادًا للمواجهة، وانعكس هذا الأمر سلبًا على أهالي المدينة الذين باتوا يعيشون حالة من القلق من تكرار تجربة الأكراد مع العرب في تل أبيض بريف الرقة، في الوقت الذي قالت فيه منظمة العفو الدولية أمس، إن «التهجير القسري للسكان وتدمير المنازل الذي تقوم به القوات الكردية في شمال سوريا وشمال شرقها، يشكل «جرائم حرب».
ويقول أبو محمد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بعدما كان أهالي الرقة ينتظرون من يخلّصهم من (داعش) الحاكم بالحديد والنار، باتوا اليوم يفضلون بقاءه على مجيء الأكراد انطلاقًا من تجربة وحدات حماية الشعب في تل أبيض، حيث عمدوا إلى اتهام معظم أبناء المنطقة بالقتال في صفوف (داعش) واتبعوا سياسة التهجير القسري للعرب»، مضيفًا: «الناس أصيبوا بالصدمة بعد الإعلان عن تشكيل هذا التحالف الجديد بقيادة الأكراد وهو الأمر الذي يستخدمه أيضًا (داعش) لتحريض أبناء المدينة الذين باتوا يطلقون على الأكراد تسمية الحشد الشعبي السوري».
ميدانيًا، قال رئيس المكتب السياسي في «جيش التوحيد» رامي الدالاتي: «الجيش الحر خارج معادلة هذا التحالف»، معتبرًا أن الأكراد موظفون عند أميركا وهدفهم الأول هو الوصول إلى الحكم الذاتي». وحول وقف البرنامج الأميركي لتدريب المعارضة، قال لـ«الشرق الأوسط»: «أولويتهم محاربة داعش وموقفنا كما هدفنا هو مواجهة التنظيم والنظام معا، وها هم الروس يستهدفون الحر والفصائل المعتدلة وليس داعش». وأكد الدالاتي: «عملنا العسكري مستمر كما هو في مناطق المعارك والمساعدات العسكرية لا تزال تصل إلينا». وفي ما يتعلق بإعلان أميركا عن توقف تدريب المعارضة، سأل: «من قال إنه ينقصنا التدريب؟ لدينا الخبرات القتالية الكافية للمواجهة ولا ينقصنا إلا الأسلحة النوعية».
وأضاف: «لن يكون الوضع في الرقة كما كان عليه في كوباني، هذه المعركة ليست نزهة بل قد تتحوّل إلى مذبحة يخسر فيها الأكراد الذين دخلوا في المعركة مقابل الحصول على ثمن الحكم الذاتي»، وخير مثال على ذلك أن التحالف الدولي لم يتمكن من الحد من تمدد «داعش».
وفيما يلفت أبو محمد من موقع «الرقة تذبح بصمت»، إلى أن الطائرات الأميركية ألقت أول من أمس شحنتي أسلحة وذخائر في منطقة عين عيسى تسلّمها كلّها الأكراد، أشار إلى أن «داعش ومنذ بدء الضربات الجوية الروسية ومن ثم الإعلان عن التحالف الأخير، بدأ إعادة التموضع ووضع المزيد من التحصينات في مواقعه وإجراء تبديلات في صفوفه عبر نقل عدد من المقاتلين من الرقة إلى دير الزور والعراق وبالعكس، تجنبا لقتال يخوضه أبناء المنطقة الواحدة ضد بعضهم»، في إشارة إلى مقاتلي الرقة الذين يقاتل بعضهم في لواء «ثوار الرقة» و«داعش» أيضًا. وأوضح أبو محمد: «حفر (داعش) خنادق بطول نحو 3 كلم على مقربة من (الفرقة 17) في شمال الرقة وبنى تحصينات وعوازل إسمنتية في غرب المدينة وشمالها».
ويوم أول من أمس، أعلنت «وحدات حماية الشعب الكردية» ومجموعة من الفصائل المسلحة توحيد جهودها العسكرية في المرحلة المقبلة، في إطار قوة مشتركة باسم «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم فصائل كردية وعربية وسريانية، كتمهيد للسيطرة على مدينة الرقة وقرى أخرى في محافظات حلب والحسكة.
وكانت الولايات المتحدة الأميركية أعلنت أنها ستقدم معدات وأسلحة «لمجموعة مختارة من قادة الوحدات» حتى تتمكن من تنفيذ هجمات منسقة في مناطق سيطرة تنظيم داعش، وذلك بعد فشل برنامج تدريب خمسة آلاف معارض سوري معتدل.
وحول القوات الآشورية التي انضمت إلى التحالف العسكري، قال أسامة إدوارد، مدير الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان، إنها «مجموعة لا يتجاوز عدد عناصرها الألف كحد أقصى، تنضوي تحت تجمّع يُعرف بـ(المجلس العسكري السرياني) التابع لحزب الاتحاد السرياني، وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الفصيل يخضع للتدريب والتمويل من قبل وحدات حماية الشعب الكردية. ولا تزال علاقته جيدة مع النظام، الحاكم الفعلي في الحسكة». وأضاف: «هذا الفصيل كان قد دخل في مشروع الإدارة الذاتية، حاملاً شعار حماية القرى الآشورية، في مواجهة مع العشائر العربية.. الأمر الذي نتجت عنه حالة من العداء مع الأخيرة».
في غضون ذلك، أكدت منظمة العفو الدولية أمس، قيام ما يعرف بـ«الإدارة الذاتية الكردية» بتنفيذ موجة تهجير قسري وتدمير للمنازل. وأضافت المنظمة: «إن عمليات التدمير لم تكن نتيجة معارك ضد (الجهاديين)، بل إنها تمت في سياق حملة متعمدة ومنسقة شكلت عقوبة جماعية لسكان قرى كانت تحت سيطرة داعش أو يشتبه في إيوائها أنصارًا للتنظيم». ونفى المسؤول الكردي إدريس نعسان، التقرير، واصفًا إياه بـ«الاتهامات غير الصحيحة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «نطمئن أهالي الرقة بأنّنا لم ولن نعتدي على أحد، ومن سيخضعون للمحاكمة بموجب القانون هم من قاتلوا إلى جانب (داعش) وارتكبوا جرائم واعتدوا على المواطنين». وأشار إلى أن المباحثات مع روسيا لا تزال مستمرة، بينما الاستعدادات لبدء معركة الرقة وصلت إلى مراحلها الأخيرة وستبدأ خلال أيام».



حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.