بوتين متمسك بأهدافه… والإنتاج الحربي زاد أضعافاً عدّة لمواجهة «تهديدات جديدة»

روسيا نشرت حقول ألغام على 7 آلاف كيلومتر لمنع تقدم الأوكرانيين

بوتين وشويغو قبل الاجتماع الموسع (رويترز)
بوتين وشويغو قبل الاجتماع الموسع (رويترز)
TT

بوتين متمسك بأهدافه… والإنتاج الحربي زاد أضعافاً عدّة لمواجهة «تهديدات جديدة»

بوتين وشويغو قبل الاجتماع الموسع (رويترز)
بوتين وشويغو قبل الاجتماع الموسع (رويترز)

عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الثلاثاء، حصيلة العام المتعلقة بالعمليات الحربية في أوكرانيا، والمواجهة المتفاقمة مع الغرب في ذلك البلد. وعكست الخلاصة التي نوقشت خلال لقاء مع القيادات البارزة وجنرالات وزارة الدفاع، أهم النتائج خلال عام على المستوى العسكري الميداني، وكذلك على مستوى عمل المجمع الصناعي العسكري الروسي، لتعويض النقص في المعدات والأسلحة من طرازات مختلفة.

وجمع اللقاء الذي استهله وزير الدفاع سيرغي شويغو بتقديم تقرير موسع عن سير المواجهات على طول خطوط التماس، مسؤولي الهيئات القيادية في الوزارة في إطار «مجلس وزارة الدفاع» إلى جانب ممثلي الشركات والمؤسسات الكبرى في المجمع الصناعي العسكري، المسؤول عن توفير احتياجات الجيش من المعدات والتقنيات المختلفة.

بوتين خلال حديثه أمام الاجتماع في موسكو (رويترز)

وعرض بوتين بشكل مسهب أمام الحاضرين، رؤيته للمواجهة بعد مرور نحو عامين على اندلاع القتال. وأكد أن «الغرب لم يتخل عن أهدافه العدوانية في أوكرانيا ونحن أيضا لا نتخلى عن أهداف عمليتنا العسكرية».

وزاد أن الغرب «يستمر في حربه الهجينة ضدنا، مستخدما كل الوسائل، بما في ذلك المستشارون والمعلومات والطائرات المسيرة والقنابل العنقودية». ولفت إلى أن حلف شمال الأطلسي «وسّع بشكل كبير» حضوره المباشر قرب الحدود الروسية، و«نشر عددا كبيرا من التشكيلات العسكرية على طول المناطق المحاذية للحدود».

برغم ذلك، قال الرئيس الروسي إن بلاده نجحت في مواجهة الحشد الغربي ضدها، وإمدادات الأسلحة والتقنيات إلى أوكرانيا، ورأى أن «أسطورة القوة الغربية التي لا تقهر قد تحطمت. تمكن الجندي الروسي من تحطيم تلك الأسطورة».

وأشاد بوتين بأداء الجيش الروسي، وقال إنه يستند إلى دعم واسع من قطاعات الشعب بأطيافه كافة... وتجنب خلال الاجتماع التطرق إلى تقييم تفصيلي للوضع على الجبهات، مكتفيا بإشارة إلى أن جيشه «يدافع حيثما يتوجب الدفاع، ويهاجم أينما كان ذلك ضروريا».

وقال بوتين، خلال الاجتماع، إن «العدو يتكبد خسائر فادحة وأهدر احتياطياته إلى حد كبير، محاولا أن يظهر لأسياده الحقيقيين، على الأقل، بعض نتائج ما يسمى بالهجوم المضاد الذي روج له كثيرا».

وأضاف: «بتقييم الوضع الحالي على الأرض، على خط التماس القتالي، يمكننا أن نقول بثقة إن قواتنا لديها زمام المبادرة. نحن نفعل ما نعده ضروريا، وما نريده، حيثما نحتاج إليه، وعند الضرورة نقوم بتحسين مواقعنا». وقال بوتين: «الغرب لن يتخلى عن استراتيجيته المتمثلة في احتواء روسيا وأهدافها في أوكرانيا. لذلك، لن نتخلى عن أهدافنا في العملية العسكرية الخاصة». وأضاف: «كل المحاولات، كما قالوا في الغرب، لإلحاق هزيمة عسكرية أو استراتيجية بنا، تم إحباطها بشجاعة وصمود جنودنا، واصطدمت بالقوة المتزايدة لقواتنا المسلحة، وإمكانات الصناعة المحلية والإنتاج الحربي».

وخصص الرئيس الروسي، الجزء الأوسع من خطابه، لموضوع ضرورات زيادة الإنتاج الحربي، وتطوير القدرات الروسية، وأظهرت الأرقام التي قدمها، وكذلك تلك التي عرضها وزير الدفاع بعد ذلك، أن روسيا واجهت موقفا معقدا وصعبا، دفعها إلى زيادة الإنتاج الحربي عدة أضعاف. وقال بوتين إن العمل على هذا المسار «سوف يتواصل، ولا بد من رفع إنتاج الذخائر عالية الدقة والمسيرات».

وزاد بأن بلاده تعمل أيضا على تحسين أنظمة الدفاع الجوي، موضحا: «أنظمتنا تعمل بشكل فعال، ولكن يجب العمل بشكل إضافي في هذا الاتجاه».

وتطرق إلى توسيع أوكرانيا استخدام المسيرات في الهجوم على المدن الروسية، وقال إن المجمع الصناعي العسكري «يجب أن يأخذ بعين الاعتبار استخدام العدو المكثف للمسيرات».

ورأى أن على روسيا أن تواصل التعامل بقوة مع «التحديات والتهديدات الجديدة» التي قال إنها «زادت الحاجة إلى الثالوث النووي» (الصواريخ وحاملاتها من الغواصات والسفن والطائرات والرؤوس الحربية). وخلص إلى أنه «لا بديل عن تعزيز عمل المجمع الصناعي العسكري».

في إطار هذا التعزيز، ذكر الرئيس الروسي أنه تم توسيع «استخدام أسلحة فريدة وحديثة للغاية بينها منظومتا الصواريخ (يارس) و(أفانغارد)». وذكر أنه في هذا الإطار، شارك قبل أيام في كراسنويارسك، بتدشين غواصتين متعددتي المهام، مزودتين بصواريخ «بولافا».

وعموما، أعرب بوتين عن رضاه عن أداء المجمع الصناعي العسكري. وقال إنه مع حلول نهاية 2023 قامت المنشآت والمؤسسات العسكرية بتنفيذ 98 في المائة من حقيبة الطلبات التي قدمها الجيش. وإن مؤسسات المجمع الصناعي العسكري قامت بـ«قفزة نوعية، وتعمل الشركات بثلاث ورديات، لمواجهة كل التحديات من قبل الغرب، الذي يساعد أوكرانيا بكل ما أوتي من قوة».

وأفاد في هذا الإطار، بأن «صناعة الدبابات والمدرعات زادت ثلاثة أضعاف، وزاد إنتاج الذخائر 2.7 مرة، وبعض الطرازات وصل حجم الزيادة في إنتاجها إلى 7 أضعاف».

ورغم ذلك حضّ بوتين وزارة الدفاع والمجمع الصناعي، «على مواصلة تحليل الاحتياجات وفقا لتطور الوضع على الجبهات وإمدادات الأسلحة الغربية»، وفي هذا الإطار أقر بوجود ثغرات مهمة من بينها، أن «إنتاج الدبابات زاد، إلا أننا نحتاج إلى نماذج أحدث من الدبابات والأسلحة، ولا سيما المسيرات الثقيلة، وتحسين أوساط الأعمال للتقنيات المعقدة، والتي لم تكن صناعات الدفاع توليها اهتماما في السابق، لكنها تحولت حاليا لتطويرها».

وتطرق إلى خطط لتطوير احتياطات للجيش والأسطول، «من خلال توفير الأسلحة ذات الآفاق المستقبلية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي». وقال إنه يتم العمل على ذلك، من قبل لجنة التنسيق في الحكومة ووزارة الدفاع.

وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو خلال اجتماع الثلاثاء (رويترز)

بدوره ركّز وزير الدفاع خلال مداخلته على شقي الوضع الميداني العسكري، والمستويات التي وصلت إليها عمليات زيادة الإنتاج الحربي. وقال شويغو إن الجيش الأوكراني «خسر نحو 383 ألف مقاتل ما بين قتيل وجريح منذ بداية العملية العسكرية». كما أشار إلى أن خسائر كييف منذ بدء الهجوم المضاد في يونيو (حزيران) بلغت 159 ألف عسكري، وتم إسقاط 121 طائرة، وتدمير 766 دبابة، بما في ذلك 37 دبابة من طراز «ليوبارد».

ولم يتطرق شويغو إلى خسائر الجيش الروسي. وزاد أن أوكرانيا تحصل حاليا، على إمدادات ومساعدات من 15 بلدا. مذكرا بأن «كل الأموال التي تحصل عليها كييف هي قروض يتعين عليها سدادها فيما بعد».

وقال وزير الدفاع إن روسيا «نشرت على مساحة 7 آلاف كيلومتر حقول ألغام غطت كامل خطوط المواجهة مع العدو بطول يزيد على 2000 كيلومتر، وعمق يصل إلى 600 متر». ملاحظا أن هذا الإجراء منع تقدم الهجوم الأوكراني المضاد. وقال إن بلاده وفرت طرقا آمنة لاستئناف عمل سكك الحديد إلى دونباس، كما أقامت ممرات برية مع المناطق التي جرى ضمها إلى روسيا. وقال إن «عدد المرتزقة الأجانب في الجيش الأوكراني انخفض بستة أضعاف».

مدفعية أوكرانية مضادة للطائرات في منطقة زابوروجيا (إ.ب.أ)

وحول الصناعات العسكرية قال الوزير إن بلاده باتت «تنتج أسلحة أكثر من دول الناتو مجتمعة. وإن مؤسسات المجمع الصناعي رفعت من جداول عملها وأصبحت تعمل على مدار الساعة». وأعلن: «لقد تم اختبار المعدات الروسية الحديثة بدقة في العملية الخاصة، وأظهرت تفوقها على النماذج المماثلة من دول الناتو».

ووفقا للتقرير الذي قدمه شويغو أمام الحضور، فقد «زاد إنتاج الدبابات 5.6 ضعف، والمدرعات 3.6 ضعف، ومدرعات نقل الجنود 3.5 ضعف، وزاد إنتاج المسيرات 16.8 ضعف، والذخائر 17.5 ضعف».

كما أشار شويغو إلى دخول 4 غواصات جديدة و8 سفن حربية الخدمة الميدانية في الأسطول الروسي. وقال إن «قوات الصواريخ الاستراتيجية استكملت عمليات تجهيزها لنظام الصواريخ الاستراتيجية (أفانغارد)، ونواصل تجهيزها بأنظمة (يارس)».

جنود أوكرانيون على خط المواجهة في زابوروجيا (إ.ب.أ)

وأضاف أن «الثالوث النووي» يتم الحفاظ عليه حاليا عند مستوى يسمح بالردع الاستراتيجي المضمون، و«الاستعداد القتالي العالي للقوات النووية الاستراتيجية يتم ضمانه من خلال مستوى غير مسبوق من تحديث الأسلحة، ارتفع إلى 95 في المائة».

وفي هذا الإطار كشف عن تسليم أربع طائرات استراتيجية من طراز «توبوليف 160» إلى القوات النووية للطيران الاستراتيجي. ولجهة العنصر البشري، قال الوزير إن وزارته تعمل على «تنفيذ مرسوم القائد الأعلى للقوات المسلحة بزيادة تعداد القوات الروسية لأكثر من مليون و200 ألف جندي».


مقالات ذات صلة

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز) p-circle

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

في ظلّ تعثّر المفاوضات واستمرار الحرب الروسية - الأوكرانية دون أفقٍ واضح للحسم، يتقدم بعضُ الطروحات غير التقليدية إلى الواجهة، في محاولة لكسر الجمود السياسي...

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

روته يطالب تركيا بزيادة القدرات الدفاعية لـ«ناتو» لمواجهة التهديدات

أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ضرورة سعي الحلف إلى زيادة قدراته الدفاعية في ظل التقلبات المتزايدة في بيئة الأمن العالمي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض يوم 7 نوفمبر 2025 (أ.ب) p-circle

بروكسل تفرض «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا

بروكسل تفرض «الحزمة 20» من العقوبات ضد روسيا وتفرج عن 100 مليار دولار لأوكرانيا بعد تفادي «الفيتو» المجري وبدء ضخ النفط عبر خط دروغبا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة من شريط فيديو لإطلاق راجمة الصواريخ الروسية «أوراغان» باتجاه هدف في أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)

موسكو تعلن السيطرة على أراض واسعة في أوكرانيا هذا العام

قال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف: «منذ بداية هذا العام صار تحت سيطرتنا 80 منطقة سكنية إجمالاً وأكثر من 1700 كيلومتر ⁠مربع من الأراضي»

«الشرق الأوسط» (موسكو)

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

توصلت السلطات الفرنسية والبريطانية إلى اتفاق جديد لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش بشكل غير قانوني، إلا أن لندن ربطت جزءا من تمويلها بمدى فعالية التدابير المتخذة لردع المهاجرين.

وبعد مفاوضات شاقة استمرت أشهرا، توصل البلدان إلى اتفاق لتجديد معاهدة ساندهيرست لثلاث سنوات. وكان من المقرر أن تنتهي صلاحية الاتفاق الموقع عام 2018 والذي مدد عام 2023، في 2026.

وستقدم بريطانيا تمويلا يصل إلى 766 مليون يورو (897 مليون دولار) لكن نحو ربع هذا المبلغ سيكون مشروطا ولن يدفع إلا إذا نجحت الإجراءات الفرنسية.

وتتنازع لندن وباريس منذ أشهر حول تجديد معاهدة ساندهيرست التي تحدد المساهمة المالية للمملكة المتحدة في الجهود الفرنسية لوقف المهاجرين الذين يحاولون عبور القناة المحفوف بالخطر إلى بريطانيا.

ولطالما اتهمت المملكة المتحدة فرنسا بأنها لا تفعل الكثير لمنع طالبي اللجوء المحتملين من الانطلاق من الشواطئ الفرنسية حيث يخاطر المهربون والمهاجرون بشكل متزايد لتجنب اكتشافهم.

ونتيجة لذلك، أصرت لندن على أنها لن تجدد معاهدة ساندهيرست إلا إذا تمكنت من فرض شروط على طريقة استخدام الحكومة الفرنسية لأموال دافعي الضرائب البريطانيين.

وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن السلطات البريطانية، وصل 41472 شخصا إلى المملكة المتحدة بطريقة غير نظامية في قوارب صغيرة عام 2025. ويُعد هذا الرقم ثاني أعلى رقم منذ بدء هذه الرحلات عام 2018. ووفقا لإحصاءات وكالة فرانس برس استنادا إلى مصادر فرنسية وبريطانية رسمية، لقي 29 مهاجرا على الأقل حتفهم في البحر عام 2025.


«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
TT

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)

في ظلّ تعثّر المفاوضات واستمرار الحرب الروسية - الأوكرانية دون أفقٍ واضح للحسم، يتقدم بعضُ الطروحات غير التقليدية إلى الواجهة، في محاولة لكسر الجمود السياسي وفتح نافذة نحو تسوية محتملة. ومن بين هذه الأفكار اللافتة، برز مقترح يحمل طابعاً رمزياً وسياسياً في آنٍ معاً، يعكس سعي كييف إلى استمالة الدعم الأميركي، وتحديداً من الرئيس دونالد ترمب.

فقد اقترح مسؤولون أوكرانيون إعادة تسمية جزء من منطقة دونباس المتنازع عليها باسم «دونيلاند (أرض دوني)»، في خطوة تهدف إلى كسب تأييد ترمب وتعزيز موقف أوكرانيا في مواجهة المطالب الإقليمية الروسية، وذلك وفقاً لتقرير نقلته صحيفة «إندبندنت».

ووفق ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن 4 مصادر مطّلعة على مجريات المفاوضات، فإن هذا الاسم طُرح أول مرة على لسان مترجم أوكراني، وكان ذلك «على سبيل المزاح جزئياً»، قبل أن يتحول إلى فكرة تُدوولت بشكل أوسع في سياق النقاشات.

ويبدو أن اختيار اسم «دونيلاند» لم يكن عشوائياً، بل جاء إشارة إلى ولع ترمب بوضع اسمه على مختلف المشروعات والممتلكات، بدءاً من الأبراج وناطحات السحاب، مروراً بالعلامات التجارية، ووصولاً إلى المنتجات التذكارية والخدمات المالية؛ مما يعكس محاولة ذكية لاستثارة اهتمامه الشخصي.

وفي سياق متصل، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصدر مطّلع على المفاوضات، بأن أحد المفاوضين الأوكرانيين صمم علماً أخضر وذهبياً، إلى جانب نشيد وطني افتراضي لمنطقة «دونيلاند»، مستخدماً برنامج «شات جي بي تي». ومع ذلك، فلم يتضح بعد ما إذا كان هذا التصور قد عُرض بالفعل على مسؤولين أميركيين أو لاقى أي تفاعل رسمي.

وتُعدّ منطقة دونباس، الغنية بالموارد المعدنية، من أهم المناطق الاستراتيجية في أوكرانيا؛ إذ تسيطر القوات الروسية على الجزء الأكبر منها؛ مما يجعلها محوراً رئيسياً في المفاوضات بين الطرفين. ويشير الواقع الحالي إلى وصول المباحثات بشأن هذه المنطقة إلى طريق مسدودة، في ظل تمسّك كل طرف بمطالبه.

وفي محاولة لتجاوز هذا الجمود، طرح المفاوضون فكرة أن تتحول «دونيلاند» إلى منطقة لا تخضع لسيطرة كاملة من أي من الطرفين، بما يسمح بتقديمها بوصفها «إنجازاً» سياسياً يمكن أن يُنسب إلى ترمب، في حال دعمه هذه الصيغة.

ورغم تداول هذا المصطلح في أروقة المحادثات، فإن التقارير أكدت أنه لم يُدرج في أي وثائق رسمية حتى الآن، بل اقتصر استخدامه على النقاشات غير الرسمية ضمن مسار المفاوضات.

كما أشار بعض المسؤولين إلى إمكانية إشراك مجلس سلام مرتبط بترمب في إدارة هذه المنطقة المقترحة، وفقاً لما أوردته التقارير.

ويأتي ذلك في وقتٍ عبّر فيه الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن استيائه من تكرار زيارات مبعوثي ترمب موسكو للقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، دون زيارات مماثلة إلى كييف؛ مما أثار تساؤلات بشأن توازن الجهود الدبلوماسية.

ورغم إقراره بأن تركيز الولايات المتحدة ينصبّ حالياً على تطورات الحرب في الشرق الأوسط، فإن زيلينسكي شدّد على أهمية استمرار التعاون مع الجانب الأميركي، قائلاً: «على أي حال، من المهم بالنسبة إلينا مواصلة التعاون مع الأميركيين».

يُذكر أن ترمب كان قد تعهّد، في سياق حملته السياسية، بإنهاء الحرب في أوكرانيا «في اليوم الأول» من ولايته الثانية.


بروكسل تفرض «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

بروكسل تفرض «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

يقترب الاتحاد الأوروبي من اعتماد «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا، ومن المتوقع أن تدعمها سلوفاكيا والمجر بعد إصلاح الجزء الأوكراني من خط أنابيب دروغبا والبدء في ضخ النفط الروسي من خلاله للبلدين، فيما قال دبلوماسيون إن دول التكتل وافقت على الإفراج عن قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لأوكرانيا، بعدما أشارت المجر، بعد التغيير في قيادتها السياسية نتيجة الانتخابات العامة الأخيرة وإزاحة فيكتور أوربان عن رأس السلطة، إلى أنها مستعدة للتخلي عن معارضتها المستمرة منذ أشهر للقرض ولفرض عقوبات على روسيا.

وكان الاتحاد الأوروبي يأمل في اعتماد حزمة العقوبات بالتزامن مع الذكرى السنوية الرابعة لغزو روسيا أوكرانيا في فبراير (شباط)، لكنه لم يستطع القيام بذلك دون إجماع للدول الأعضاء.

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

وأثار وقف تدفق النفط من خط أنابيب دروغبا في يناير (كانون الثاني) غضباً واسعاً في المجر وسلوفاكيا، العضوين في الاتحاد الأوروبي، واللتين لا تزالان تعتمدان على واردات النفط الروسي.

ذكر مصدر في قطاع النفط لـ«رويترز» أن أوكرانيا ستستأنف ضخ النفط عبر الخط الأربعاء. وقال المصدر: «من المقرر بدء ضخ النفط (الأربعاء) في وقت الغداء»، مضيفاً أن شركة النفط المجرية «إم أو إل» قدمت أول طلب لنقل النفط عبر خط الأنابيب. وتابع: «قدمت (إم أو إل) بالفعل طلبات لنقل الكميات الأولى التي ستوزع بنسب متساوية بين المجر وسلوفاكيا». قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء، إن خط دروغبا، الذي ينقل الخام الروسي إلى المجر وسلوفاكيا، جاهز لاستئناف عملياته.

وأدى انقطاع تدفق النفط أيضاً إلى توتر العلاقات بين زيلينسكي ومسؤولي الاتحاد الأوروبي، الذين اتهمهم «بالابتزاز» بسبب ممارسة الضغط عليه لإجراء عمليات صيانة فورية لما قالت أوكرانيا إنه جزء متضرر بشدة من خط الأنابيب. ونفت كييف بشدة اتهامات بودابست وبراتيسلافا لها بتعمد التلكؤ في أعمال صيانة خط الأنابيب.

وكان زيلينسكي قد تحدث عن إتمام أعمال الصيانة، قائلاً إنه تحدث إلى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ودعا أيضاً مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى البت في الموافقة على القرض، مؤكداً أن كييف أوفت بما «طلبه التكتل». وأضاف: «نربط هذا الأمر بالإفراج عن حزمة الدعم الأوروبي لأوكرانيا».

وكتب زيلينسكي في منشور على منصة «إكس»: «أنهت أوكرانيا أعمال إصلاح الجزء المتضرر من خط الأنابيب دروغبا بعد تعرضه لهجوم روسي. بإمكان الخط استئناف عملياته».

وأضاف: «طلب الاتحاد الأوروبي من أوكرانيا إجراء صيانة لخط الأنابيب دروغبا، الذي ألحق به الروس أضراراً. وانتهينا من ذلك بالفعل. ونأمل أيضاً أن يلتزم التكتل بالاتفاقيات».

وكان الرئيس أكثر صراحة في خطابه الليلي المصور. وقال، في إشارة إلى القرض: «لا يوجد الآن أي مبرر لعرقلته». وعرقل رئيس الوزراء فيكتور أوربان حزمة المساعدات التي وافقت عليها المفوضية الأوروبية لكييف.

زيلينسكي مع فيكتور أوربان (رويترز)

وكتب رئيس المجلس الأوروبي في منشور على «إكس»: «شكراً للرئيس زيلينسكي على الوفاء بما اتفقنا عليه: إصلاح خط الأنابيب دروغبا واستئناف عملياته». وكانت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، قد توقعت، الثلاثاء، أن يصدر قرار إيجابي بشأن القرض البالغة قيمته 90 مليار يورو خلال الساعات الأربع والعشرين المقبلة، وذلك عقب اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

وذكر فالديس دومبروفسكيس، المفوض الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، أن التكتل سيرجح صرف الدفعة الأولى من القرض في نهاية مايو (أيار) أو مطلع يونيو (حزيران)، مشيراً إلى ضمان تلبية احتياجات أوكرانيا التمويلية لعام 2026.

رئيس الوزراء المجري المنتخب بيتر ماجار (أ.ب)

وقال الكرملين، الثلاثاء، إن روسيا جاهزة من الناحية التقنية لاستئناف ضخ النفط عبر خط الأنابيب. وأفادت مصادر في قطاع النفط لـ«رويترز» بأن روسيا تعتزم وقف تصدير النفط الكازاخستاني إلى ألمانيا عبر خط فرعي منفصل من خط دروغبا وذلك اعتباراً من أول مايو (أيار). ودأب زيلينسكي على دعوة أوروبا لتنويع مصادر الطاقة وعدم استئناف تدفقات النفط عبر دروغبا. وقال: «لا يمكن لأحد أن يضمن حالياً عدم تكرار روسيا الهجمات على البنية التحتية لخط الأنابيب».

ولا تزال الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء هذه الحرب تشهد مراوحة، خصوصاً أن دور الوساطة الذي تولته الولايات المتحدة بين الطرفين، وأتاح عقد جولات عدة من المفاوضات بين كييف وموسكو، توقّف بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط) الماضي.

بيتر ماجار زعيم حزب «تيسّا» يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست يوم 13 أبريل 2026 (رويترز)

قال وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، إن بلاده طلبت من تركيا استضافة لقاء بين الرئيس زيلينسكي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، في الوقت الذي تسعى فيه كييف إلى إعادة إحياء محادثات السلام المتعثرة. وذكر سيبيها أن أوكرانيا مستعدة لدراسة أي مكان آخر غير بيلاروسيا أو روسيا لعقد اجتماع مع بوتين، وهو ما يسعى إليه زيلينسكي منذ فترة طويلة من أجل الإسراع في إنهاء الحرب المستمرة، التي دخلت عامها الخامس. ولم يذكر كيف ردت أنقرة على المقترح، وذلك في تصريحات أدلى بها خلال لقاء مع الصحافيين الثلاثاء، وجرى السماح بنشرها الأربعاء.

وفي هذا السياق، قال مصدر دبلوماسي تركي، الأربعاء، إن وزير الخارجية هاكان فيدان سيقوم بزيارة رسمية إلى العاصمة البريطانية لندن هذا الأسبوع لإجراء محادثات بشأن إيران وأوكرانيا، مضيفاً أنه سيناقش أيضاً التعاون بين الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

ترحيب أوروبي بخسارة أوربان انتخابات المجر (أ.ف.ب)

وميدانياً قُتِل شخصان في أوكرانيا جرّاء ضربات روسية، حسب السلطات المحلية، في حين أعلنت روسيا أن امرأة وطفلاً لقيا حتفهما في هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على أراضيها. وقالت سلطات محلية، الأربعاء، إن جزءاً من بناية سكنية انهار في منطقة سيزران الروسية الواقعة على نهر الفولجا عقب هجوم أوكراني بطائرات مسيرة، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً. وكثفت أوكرانيا هجماتها على البنية التحتية للطاقة في روسيا خلال الأشهر القليلة الماضية، في وقت توقفت فيه محادثات السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة مع انشغال واشنطن بالصراع مع إيران. وتضم مدينة سيزران مصفاة نفط كبرى، وتبعد نحو ألف كيلومتر من الحدود مع أوكرانيا.