المصداقيّة في النظام العالميّ... حالة أميركا

حاملة الطائرات الأميركية «دوايت إيزنهاور» مع مجموعتها القتالية خلال عبور مضيق هرمز في 25 نوفمير 2023 (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «دوايت إيزنهاور» مع مجموعتها القتالية خلال عبور مضيق هرمز في 25 نوفمير 2023 (رويترز)
TT

المصداقيّة في النظام العالميّ... حالة أميركا

حاملة الطائرات الأميركية «دوايت إيزنهاور» مع مجموعتها القتالية خلال عبور مضيق هرمز في 25 نوفمير 2023 (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «دوايت إيزنهاور» مع مجموعتها القتالية خلال عبور مضيق هرمز في 25 نوفمير 2023 (رويترز)

يرتكز النظام العالمي على توزيع القوّة بين القوى العظمى والكبرى. ويؤدّي هذا التوزيع للقوّة، إلى إنتاج منظومة يقوم عليها النظام الدوليّ. وكلّما اهتزّت موازين القوّة بين اللاعبين الكبار، عانى النظام العالميّ، وتظهّرت الفجوات في تركيبته. وعند الارتجاج، يسعى الكثير من الدول إلى تحسين وضعها، وذلك عبر استغلال انشغال رعاة النظام العالمي في أزمات متعدّدة. تتآكل مصداقيّة المهيمن على النظام العالميّ، كلّما تلكأ هذا المهيمن في حل أو حسم الخلافات الناشئة. وقد يعود سبب تلكُّئه إلى عدّة أسباب منها: التعب، وعدم القدرة، والامتداد الأقصى (Overstretch)، كما إلى عدم أهميّة الأزمة في سُلّم أولويّات المهيمن. حتى الآن، لا تزال الولايات المتحدة الأميركيّة تحتل المركز الأول في تركيبة النظام العالميّ. فهي تنتج 25 في المائة من الدخل القومي العالميّ. وهي تنفق على جيشها المبالغ الطائلة. وهي موجودة عسكريّاً في 750 قاعدة عسكريّة وفي أكثر من 80 دولة. وعندما يريد العالم فتح باب التجارة، فإنه يذهب للتعامل مع الصين. لكنَّ الحلول العسكريّة لمسائل جيوسياسيّة، هي حتى الآن من مهمّات العم سام.

قوة أوكرانية تطلق النار على الجبهة الاثنين (إ.ب.أ)

يُصنّف الخبراء أميركا على أنها الدولة الأولى بين متساوين. بكلام آخر، لا يمكن لأميركا أن تدير العالم منفردةً. ولا يمكن للعالم أن يتجاهل أميركا في إدارة النظام العالميّ.

العالم كرقعة شطرنج!

هكذا كتب عن العالم مستشارُ الأمن الأميركي الراحل زبيغنيو بريجنسكي. بكلام آخر، يشكل العالم رقعة الشطرنج. وتشكّل الدول الأحجار. لكلّ حجر وزن وأهميّة معينة. وعليه، عندما يتحرّك البيدق - الجنديّ، هو ليس كما تحريك الحصان، أو الوزير، أو القلعة، أو الملك. فتحريك القلعة، قد يُغيّر ويؤثّر في ديناميكيّة الرقعة أكثر مما يؤثر تحريك البيدق. لكن الأكيد، أنه عندما يسقط الملك، تنتهي اللعبة.

فرقاطة صينية تشارك بمناورات مع سفن حربية روسية ببحر الصين الشرقي في 27 ديسمبر 2022 (أ.ب)

في عالم اليوم، تتحرّك الأحجار - الدول على رقعة النظام العالمي القديم ومن كلّ الأحجام والأهميّة، الأمر الذي بدأ يضرب مصداقيّة الملك المهيمن. فهناك المنافس الدولي الأساسي للمهيمن. وهناك المنافس الإقليمي الذي يستغلّ التنافس بين الجبابرة. وعليه، تبدأ الدول بالاصطفاف، إن كان هروباً من التحالفات القديمة، أو السعي لتشكيل تحالفات أخرى... لكن الأكيد أن عالم اليوم هو عالم زئبقيّ.

حال المُهيمن... العم سام

كانت أميركا تخطّط دائماً للقتال عل جبهتين - حربين مرتفعتي الحدّة، والانتصار فيهما، مع إمكانية الردع على مسرح ثالث. هكذا قاتلت في الحرب العالميّة الثانية وانتصرت. لكنّ تحدّيات اليوم هي غير البارحة. فالصين، وحسب استراتيجيّة الأمن القومي الأميركيّ، تشكّل التحدي الأكبر، هذا إلى جانب روسيا، وإيران وكوريا الشماليّة. هذا بالإضافة إلى المعضلة اللوجيستية؛ من تصنيع عسكريّ، ومن أسلحة، ونقصٍ في الذخائر... التي ظهّرتها الحرب الأوكرانيّة بشكل مأساويّ.

قوة أوكرانية تطلق النار على الجبهة الاثنين (إ.ب.أ)

رُقع شطرنج متداخلة حالياً

1- تشكّل الحرب الأوكرانيّة الرقعة الأولى من الصراع الأميركي - الروسي لكنْ بالواسطة. فسقوط أوكرانيا تحت الهيمنة الروسيّة قد يعني سقوط كلّ المنظومة الأمنيّة الاستراتيجيّة لأميركا في القارة العجوز، كما يعني عودة روسيا للعب دور مشابه للدور الذي لعبه سابقاً الاتحاد السوفياتيّ. لكن الأمر الخطير والمستجدّ هو تظهُّر ذلك التحالف بين كلٍّ من روسيا والصين.

2- أدت عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) التي نفّذتها «حماس» داخل إسرائيل، إلى تحريك مفاجئ وسريع وخطير في نفس الوقت لديناميكيّة رقعة شطرنج المنطقة. استنفرت أميركا قواها الموجودة في المنطقة، كما استقدمت مزيداً من القوات البحريّة. والهدف هو دائماً ردع القوى الإقليميّة عن السعي للاستفادة من الحدث. فأميركا موجودة عسكريّاً في المنطقة وبكثرة. وهي لا تريد الغرق في الحرب الدائرة في غزّة، خصوصاً أنها كانت قد هدّدت بأنها ستتدخّل عسكرياً ومباشرةً في حال توسّعت الحرب لتشمل كلّ الإقليم. وفي حال السيناريو الأسوأ، ستقاتل أميركا بالواسطة في أوكرانيا، لكن ستقاتل مباشرةً في الشرق الأوسط، وهذا وضع يحيّدها عن الهدف الأكبر ألا وهو الصين.

غواصة نووية أميركية في قاعدة بحرية بكوريا الجنوبية الأحد الماضي (أ.ب)

3- ترى أميركا أن الرقعة الأهم في العالم هي رقعة الشرق الأقصى خصوصاً حول تايوان. هي محور ثقل التركيز الأميركيّ، وحولها تدور كل الرقع. فماذا لو حاولت الصين واستغلت الانشغال الأميركي في مسارح أخرى لتهاجم تايوان؟ من هنا الإهمال الأميركي الحالي للمسرح الأوكرانيّ، ومحاولة التعويض عبر توجيه بوصلة أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبيّ. ومن هنا السعي الأميركي الجاد لاحتواء الحرب في غزّة. وأخيراً وليس آخراً، استجدّ مسرح - رقعة جديدة يُقلق أميركا، خصوصاً أنه في المحيط الجغرافي للعم سام. وهو مسرح يخرق وينتهك عقيدة الرئيس الأميركي الراحل جيمس مونرو. ففنزويلا تريد تصحيح التاريخ الذي كتبته الإمبراطوريّة البريطانيّة –حسب ادّعائها. تريد فنزويلا ضمّ ثلثي الأرض في دولة غويانا. وهي تطمع بالنفط، في الوقت الذي تملك فيه فنزويلا أكبر احتياطيّ نفطيّ معروف في العالم. فكيف ستتعامل أميركا مع كلّ هذه المسارح والرُّقع؟ وهل ستضع الأولويّات وتصنّف أهميّة المسارح؟ وهل تملك الوسائل الكافية للتعامل معها في الوقت نفسه؟

في الشرق الأوسط، هدّدت أميركا بالتدخّل المباشر عبر استنفار قواتها في المنطقة واستقدام قوى بحرّيّة.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا قنبلة من الحرب العالمية الثانية (أ.ف.ب)

إزالة قنبلة من الحرب العالمية الثانية زنتها نصف طن من ورشة في بلغراد

أعلنت الشرطة الصربية عن إزالة قنبلة جوية تبلغ زنتها 470 كيلوغراماً تعود إلى الحرب العالمية الثانية من ورشة بناء في وسط العاصمة بلغراد.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
أوروبا المكان المخصص في مقبرة كتابوي لعائلة فرنكو بمدينة فيرول مسقط رأس الديكتاتور (رويترز)

خمسون عاماً على رحيل فرنكو

منذ خمسين عاماً، طوت إسبانيا صفحة الجنرال فرنسيسكو فرنكو الذي قاد أطول نظام ديكتاتوري في تاريخ أوروبا الغربية الحديث

شوقي الريّس (مدريد)
أوروبا الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري ميدفيديف (أرشيفية - أ.ب)

ميدفيديف يتهم فنلندا بالاستعداد للحرب

اتهم نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف فنلندا بالمضي في مسار الحرب ضد روسيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
آسيا الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون على متن القطار متجهاً إلى الصين (رويترز)

زعيم كوريا الشمالية يدخل إلى الأراضي الصينية على قطاره الخاص

قالت وسائل إعلام كورية شمالية، الثلاثاء، إن الزعيم كيم جونغ أون عبر الحدود إلى الصين على متن قطاره الخاص، لحضور احتفال الصين بذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية

«الشرق الأوسط» (سيول)

«مجلس السلام» بلا كندا لمقاومتها «أميركا أولاً»

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يرفع ساقه في رمزية كرنفالية تقليدية في مدينة كيبيك (أ.ب)
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يرفع ساقه في رمزية كرنفالية تقليدية في مدينة كيبيك (أ.ب)
TT

«مجلس السلام» بلا كندا لمقاومتها «أميركا أولاً»

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يرفع ساقه في رمزية كرنفالية تقليدية في مدينة كيبيك (أ.ب)
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يرفع ساقه في رمزية كرنفالية تقليدية في مدينة كيبيك (أ.ب)

كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصته «تروث سوشيال» بصيغة رسالة موجهة لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني: «أرجو اعتبار هذه الرسالة بمثابة إبلاغكم بأن مجلس السلام يسحب دعوته لكم بشأن انضمام كندا إلى ما سيكون، في أي وقت، مجلس الزعماء الأكثر شهرة على الإطلاق».

وكان كارني ألقى خطاباً نارياً خلال المنتدى الاقتصادي في دافوس، اعتبر فيه أن التشدد الجديد من الولايات المتحدة والقوى العظمى الأخرى يعني أن النظام الدولي القائم على القواعد قد انتهى.

ورغم أنه لم يُوضح سبب سحبه لدعوة كارني، بدا أن الرئيس الأميركي، الذي غالباً ما ينتقد بشدة الزعماء الذين يتحدونه علناً، وكأنه يرد على تصريحات رئيس الوزراء الكندي، الذي حض الدول المتوسطة والصغيرة الحجم على التكاتف لمقاومة مبدأ «أميركا أولاً» الذي يتبناه ترمب، ومساعيه لتقويض النظام الدولي.


«تيك توك» يطوي «مرحلة الصين» في الولايات المتحدة

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
TT

«تيك توك» يطوي «مرحلة الصين» في الولايات المتحدة

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)

أعلن تطبيق «تيك توك» مساء الخميس انتقال إدارة أعماله في الولايات المتحدة إلى مشروع مشترك مملوك بأغلبية أميركية، ما يسمح للشركة بتجنب الحظر المفروض عليها بسبب ملكيتها الصينية ومخاوف {الخصوصية والأمن القومي}.

وقالت الشركة إن مشروع «تيك توك» المشترك سيخدم أكثر من 200 مليون مستخدم و7.5 مليون شركة، مع تطبيق ضمانات صارمة لحماية البيانات ومراقبة المحتوى.

ورحّب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالصفقة ونسب الفضل لنفسه فيها، لكنه شكر أيضاً الرئيس الصيني شي جينبينغ على موافقته عليها. وقال: «أنا سعيد جداً لأنني ساهمت في إنقاذ تيك توك!».

وأضاف في منشور على منصة «تروث سوشيال» مساء الخميس: «ستكون المنصة الآن مملوكة لمجموعة من الوطنيين والمستثمرين الأميركيين العظماء، الكبرى في العالم، وستكون صوتاً مؤثراً... وأود أيضاً أن أشكر الرئيس الصيني شي جينبينغ على تعاونه معنا، وموافقته النهائية على الصفقة».


البيت الأبيض يرفض انتقادات ستارمر لتصريحات ترمب بشأن تضحيات «الناتو»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)
TT

البيت الأبيض يرفض انتقادات ستارمر لتصريحات ترمب بشأن تضحيات «الناتو»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)

رفض البيت الأبيض الجمعة، انتقادات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، للرئيس دونالد ترمب، لتصريحه بأن قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) تجنبت الخطوط الأمامية في أفغانستان.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، تايلور روجرز في بيان، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية: «الرئيس ترمب مُحق تماماً، قدمت الولايات المتحدة الأميركية لحلف الناتو أكثر مما قدمته كل الدول الأخرى في الحلف مجتمعة».

وعبّر ستارمر عن استياء بريطانيا من تصريحات لترمب، ووصفها بأنها «مهينة»، مؤكداً أنه لو أخطأ هو في الكلام على هذا النحو لكان «اعتذر بالتأكيد».