«حوارات أطلسية» يبحث في مراكش سبل تحقيق توازن أكبر في النظام العالمي

ركزت على مخاطر التغيرات المناخية وتحديات الثورة التكنولوجية

جانب من جلسة «مستقبل الشراكات الاستراتيجية والعمل متعدد الأطراف» (الجهة المنظمة)
جانب من جلسة «مستقبل الشراكات الاستراتيجية والعمل متعدد الأطراف» (الجهة المنظمة)
TT

«حوارات أطلسية» يبحث في مراكش سبل تحقيق توازن أكبر في النظام العالمي

جانب من جلسة «مستقبل الشراكات الاستراتيجية والعمل متعدد الأطراف» (الجهة المنظمة)
جانب من جلسة «مستقبل الشراكات الاستراتيجية والعمل متعدد الأطراف» (الجهة المنظمة)

أظهرت جلسات اليوم الأول من أشغال المؤتمر الدولي السنوي «حوارات أطلسية» في دورته الـ12، التي ينظمها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بمدينة مراكش المغربية، تحت عنوان «أطلسي أكثر حزماً: معناه للعالم»، أن الأزمة المتعددة الأبعاد، التي تطبع العلاقات الدولية الراهنة، أدت إلى تضييق الاتجاهات الجيو - سياسية العالمية، بما في ذلك المرافعة من أجل دعم التعددية، في ظل تنامي النزعات القومية والحمائية وتصاعد المنافسة بين القوى العظمى.

وشهد اليوم الأول برمجة كلمة افتتاحية وفقرتي نقاش ومحادثة، وجلستين عامتين، تناولت الأولى «مستقبل الشراكات الاستراتيجية والعمل متعدد الأطراف»، بينما تناولت الثانية مبادرة ثلاثة مراكز فكرية، جمعت مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد من المغرب، والمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، ومؤسسة «أوبزرفر» للأبحاث من الهند، حول «صعود الجنوب الشامل - الحاجة إلى توافق جديد».

كريم العيناوي يلقي كلمة في الجلسة الافتتاحية لـ«حوارات أطلسية» (الجهة المنظمة)

وانطلق المتدخلون بطرح أسئلة بخصوص التحديات، التي تواجه العمل متعدد الأطراف، وكيف يمكن لنموذج جديد للتعاون الدولي أن يساعد على تحقيق أهداف العمل متعدد الأطراف، إضافة إلى حاجة ميثاق الأمم المتحدة إلى المراجعة، والكيفية التي يمكن بها للجنوب أن يساهم في تشكيل نظام دولي أكثر توازناً، ومصالح استراتيجية متنوعة تتفاعل داخل الجنوب العالمي، علاوة على السبل التي يتعين بها للجنوب الجديد أن يتعاون بها مع الشمال لمعالجة تحديات الصالح العام العالمي.

ودعا كريم العيناوي، الرئيس التنفيذي لـ«مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد»، في كلمة افتتاحية إلى استشراف المستقبل بكثير من الأمل، مشدداً على أن العالم يتطور ويتغير، بشكل يستدعي التكيف مع المستجدات، اعتماداً على المهارات وما يتيحه التطور التكنولوجي، مركزاً على الذكاء الاصطناعي.

وأظهرت فقرة النقاش، التي سيّرها نيك غووين، المؤسس والمدير المشارك في مؤسسة «التفكير في غير المفكر فيه» من المملكة المتحدة، تزايد حجم التطلعات عبر عدد من الدول والمناطق، بخصوص ما يشهده العالم من تحولات، تدعو إلى «التفكير من خارج الصندوق»، بإعادة النظر في عدد من الممارسات والأفكار والقناعات. في حين ذهبت بعض الآراء إلى طرح قضية إعادة النظر في عدد من المفاهيم المستخدمة، من قبيل «التبادل الحر»، مع طرح سؤال جوهري مفاده: «أي تبادل حر هذا أن تستورد الدول الغنية المواد الخام من الدول الفقيرة بأسعار متدنية، قبل أن تعيدها إليها مصنعة بأثمة خيالية؟»، الشيء الذي يطرح مسألة الحاجة إلى نماذج تعامل تقوم على الاستدامة والعدالة.

وتوقفت آراء عدد من المتدخلين عند مستجد «الذكاء الاصطناعي»، بكونه تكنولوجيا مدمرة ستفاقم الفروق والمفارقات بين قارات العالم. كما تطرقت آراء أخرى إلى مسألة «الهوية الأفريقية»، وكيف يمكن لأفريقيا أن تنهض بما يميزها من ملامح وسمات، مع التشديد على ضرورة أن تضمن أفريقيا تنميتها المحلية قبل طرح سؤال التعاون مع الآخر.

من جانبه، تحدث أولوسيغون أوباسانجو، رئيس نيجيريا الأسبق، في فقرة «محادثة» حول «وجهات نظر من الجنوب»، عن ماضي أفريقيا الأليم، مجسَّداً في تجارة العبيد، وكيف تم استغلال أبناء هذه القارة من طرف الأوروبيين في حقول التبغ والقطن بالأميركيتين. ورأى أنه «لكي يكون هناك جنوب أطلسي نافع لنفسه، يجب أن يكون هناك تعاون متعدد الأطراف». كما تطرق أوباسانجو إلى علاقات الشمال بالجنوب، مركزاً على أفريقيا، وربط ذلك بعدم إمكانية السماح باستغلال هذه القارة كيفما كانت تمظهرات هذا الاستغلال.

جانب من المحادثة الأولى حول «وجهات نظر من الجنوب» (الجهة المنظمة)

من جهته، قال أوزفالدو هورتادو، رئيس الإكوادور السابق: إن القرن الـ21 تميز ببروز أفريقيا على الصعيد العالمي، حيث صارت عضواً فاعلاً أكثر مما كانت عليه في القرن العشرين، مشيراً إلى أن اقتصاديات بلدان القارة السمراء تمثل 5 في المائة عالمياً، مقابل 10 في المائة للصين، ورأى أن شعوب هذه القارة حسّنت من ظروف عيشها، مع التقليص من معدلات الفقر.

وجاءت جلسة «مستقبل الشراكات الاستراتيجية» لتخوض في قضايا وإشكالات عدة تشغل العالم، من قبيل التيارات المناخية، والثورة التكنولوجية المتسارعة والنزاعات العالمية، والوضعية الحالية لمنظومة الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، تحدث جون ساورس، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «نيوبريدج» الاستشارية من المملكة المتحدة، عن «شكوك» الناس بالنسبة لمحاربة التغير المناخي، وقال إنه لا يفقد الأمل بالنسبة لنتائج التعاون الإنساني. وعدّد ساورس جملة من المستجدات والإشكالات، بينها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وظهور نزاعات جديدة حول العالم، وقال: إن كل ذلك «لا يجب أن يدعو إلى التشاؤم».

وجواباً على سؤال حول إمكانية أن تقوّض «الهوية» مسألة تعدد الأطراف، قالت آنا بلاسيو، وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة: إن تعددية أطراف مبنية على السلام كهدف مشترك لا تتم إلا من خلال الرفاهية. مضيفة: «علينا أن نفهم كيف تغير العالم، وتغيرت القواعد التي تم عليها بناء تعاوننا السابق». ومشددة على أن حل النزاعات بالطرق السلمية يتعين أن يكون هدفاً.

من جانبها، قالت إليزابيت غيغو، رئيسة جمعية الشركاء الأوروبيين، ووزيرة العدل الفرنسية السابقة: إن العالم يواجه تحديات، أبرزها التغيرات المناخية وتداعيات الثورة الرقمية، الشيء الذي يفرض تعاوناً دولياً. ورأت أن ما حدث في مؤتمر المناخ الأخير «يمثل تقدماً لا يستهان به، والهدف اليوم يبقى الانتقال نحو اقتصاديات غير مرتكزة على الكربون، الشيء الذي يفرض ابتكار سبل جديدة، مع عدم الاستمرار في شراكات غير متوازنة بين الشمال والجنوب، الذي يريد مشاركة في اتخاذ القرار، بشكل يؤدي إلى شراكة مبنية على المساواة وعمل ملموس».

وهدفت جلسة «صعود الجنوب الشامل»، بمشاركة كريم العيناوي، الرئيس التنفيذي لمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، وباولو ماغري، نائب الرئيس التنفيذي للمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، وسمير ساران، رئيس مؤسسة «أوبزرفر» للأبحاث من الهند، إلى الإجابة عن سؤال يتمحور حول ما إذا كان الوقت قد حان لتحقيق توازن أكبر في النظام العالمي، خاصة وأن التشكيلات الجيو - سياسية أبانت عن مجموعة من التحديات، من حيث إن القوى الناشئة تسعى لتأكيد موقعها، والغرب يسعى للحفاظ على الوضع الحالي.

وذهب النقاش إلى أن الإحباط الناتج عن التمثيل الضعيف للجنوب في هيئات دولية، مثل صندوق النقد الدولي، يشجع على طرح يدافع على تشكيل صف متحد، مع أن هذا الطرح يظل معقداً، وذلك في ظل التنوع في المصالح الاستراتيجية بين دول الجنوب نفسها.


مقالات ذات صلة

محامون يتظاهرون في المغرب ضد مشروع قانون «يمس استقلالية» المهنة

شمال افريقيا جانب من احتجاجات المحامين أمام مقر البرلمان المغربي في الرباط (أ.ف.ب)

محامون يتظاهرون في المغرب ضد مشروع قانون «يمس استقلالية» المهنة

تظاهر آلاف المحامين المغاربة، الجمعة، أمام مقر البرلمان في الرباط للمطالبة بسحب مشروع قانون لتحديث المهنة، يرَون أنه «يمس باستقلالية وحصانة الدفاع».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عربية وليد الركراكي باق في تدريب المغرب (رويترز)

الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تنفي استقالة المدرب وليد الركراكي

نفت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم التقارير الصحافية التي قالت إن مدرب المنتخب الأول وليد الركراكي قدم استقالته من منصبه الجمعة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عربية وليد الركراكي المدير الفني لمنتخب المغرب (رويترز)

«فوت ميركاتو»: الركراكي استقال من تدريب المغرب

فجَّر تقرير صحفي، الجمعة، مفاجأة من العيار الثقيل بإعلان وليد الركراكي، المدير الفني لمنتخب المغرب، تقدمه باستقالته من تدريب أسود الأطلس.

مهند علي (الرياض)
شمال افريقيا جانب من الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير شمال المغرب (إ.ب.أ)

إجلاء أكثر من مائة ألف شخص تحسباً لفيضانات شمال غربي المغرب

ارتفعت حصيلة الأشخاص الذين تم إجلاؤهم من عدة مناطق شمال غربي المغرب، تحسباً لفيضانات محتملة وشديدة الخطورة، إلى أكثر من مائة ألف شخص.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا السلطات المغربية أجلت أكثر من 50 ألف شخص بعد أن هددت فيضانات ناجمة عن هطول أمطار غزيرة بإغراق مدينة القصر الكبير (أ.ف.ب)

إجلاء أكثر من 50 ألف شخص في المغرب بسبب خطر الفيضانات

ذكرت وسائل إعلام رسمية، اليوم الاثنين، أن السلطات المغربية أجلت أكثر من 50 ألف شخص، أي ما يقرب ​من نصف سكان مدينة القصر الكبير شمال غرب البلاد.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

«شرق ليبيا» ترفض «تحريض» الغرياني على قتال «الجيش الوطني»

منفذ «التوم» على الحدود بين ليبيا والنيجر (إعلام القيادة العامة)
منفذ «التوم» على الحدود بين ليبيا والنيجر (إعلام القيادة العامة)
TT

«شرق ليبيا» ترفض «تحريض» الغرياني على قتال «الجيش الوطني»

منفذ «التوم» على الحدود بين ليبيا والنيجر (إعلام القيادة العامة)
منفذ «التوم» على الحدود بين ليبيا والنيجر (إعلام القيادة العامة)

رفضت «اللجنة العليا للإفتاء»، التابعة للحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، «تحريض» المفتي المعزول الصادق الغرياني على قتال أفراد «الجيش الليبي» المرابطين على الحدود بجنوب البلاد، و«تأييده لما أقدمت عليه العصابات الإجرامية من تعدّ وقتل وإفساد، وإثارة أبناء الجنوب على ولاة أمورهم».

وتعرضت ثلاث نقاط حدودية بالجنوب الليبي، تحت سيطرة «الجيش الوطني»، إلى هجوم مسلح متزامن مطلع فبراير (شباط) الحالي، هي: منفذ التوم الحدودي ونقطة وادي بغرة ونقطة السلفادور، واتهم «الجيش الوطني» مجموعات وصفها بـ«المرتزقة والعصابات الإرهابية المسلحة الخارجة عن القانون» بتنفيذها، وهي التي أدّت إلى مقتل 3 جنود وإصابة آخرين، إضافة إلى وقوع عدد من الأفراد في الأسر.

ودعا الغرياني عبر قناة «التناصح» إلى «مداهمة» مواقع تابعة لـ«الجيش الوطني» في جنوب البلاد، وثمّن مجموعات وصفها بـ«شباب أهل الجنوب»، داعياً إلى «الالتحاق بهذه المجموعات ودعمها».

وتصدت «اللجنة العليا للإفتاء» بشرق ليبيا، الأحد، لتصريحات الغرياني التي أثارت في حينها جدلاً ورفضاً في الأوساط الليبية، وقالت إنها «اطلعت على ما صدر عن المفتي المعزول المدعو الصادق الغرياني من تحريض»، وأضافت: «نستنكر هذا الخطاب التحريضي الذي اشتمل على إباحة الدماء المعصومة والحرمات المصونة».

وفيما قالت «اللجنة العليا للإفتاء» إنها تشيد «بجهود وجهاد جيشنا الوطني في تأمين البلاد وحفظ الحدود والرباط على الثغور»، تحدثت عن «خطورة هذا المسلك الوخيم والمنهج الخطير الذي ينتهجه ذاك الشخص، ومن سار على طريقته»، في إشارة إلى الغرياني.

وكان الغرياني قد عدّ ما جرى خطوة لـ«تحرير البلاد من الخوف والرعب وانتهاك الحرمات وضياع الحقوق»، مطالباً حكومة طرابلس «بدعم هذه المجموعات بالسلاح والمال والعتاد».

وليست هذه المرة الأولى التي يفتي فيها الغرياني بقتال قوات الجيش، فمنذ عام 2014 وهو يدعو إلى ذلك بفتاوى عديدة على قناة «التناصح» التي يملكها نجله.

وردت القيادة العامة للجيش على تحريض الغرياني بأن العسكريين الذين سقطوا «استشهدوا أثناء أداء واجبهم الوطني في حماية وحراسة حدود البلاد ومكافحة أنشطة التهريب والجريمة المنظمة»، مشيرة إلى أن القوات المسلحة كانت قد وجهت خلال الفترة الماضية «ضربات موجعة» لتلك الجماعات عبر قطع طرق الإمداد والتهريب.


«شرق الكونغو»... صراع النفوذ يزيد ضغوط واشنطن لإحياء مسار السلام

رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)
TT

«شرق الكونغو»... صراع النفوذ يزيد ضغوط واشنطن لإحياء مسار السلام

رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)

لا تزال واشنطن تبحث عن تعميق مسار السلام الذي بدأته قبل نحو أشهر في الكونغو الديمقراطية، بحثاً عن توسيع وجودها بالقرن الأفريقي الذي يعجّ بمنافسين كبار كالصين وروسيا.

وعقدت كينشاسا وواشنطن محادثات بشأن الأمن والاقتصاد مجدداً وسط جمود مسار السلام، وهو ما يرى خبير في الشأن الأفريقي تحدّث لـ«الشرق الأوسط» أنه يأتي وسط مساعٍ أميركية لتثبيت أركانها وسط نفوذ دولي كبير بالمنطقة، متوقعاً أن تقود مفاوضات لتهدئة خلال الربع الأول من العام الحالي.

استثمارات أميركية

وفي صورة نشرتها وزارة الخارجية الأميركية عبر منصة «إكس»، السبت، ظهر الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي متوسطاً كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، في لقاء عُقد الجمعة.

وقال بولس عبر حسابه بـ«إكس»: «حوار هام ركز على سبل تعميق الشراكة بين الولايات المتحدة وجمهورية الكونغو الديمقراطية»، مضيفاً: «ناقشنا اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، بما في ذلك فرص توسيع الاستثمارات الأميركية في جمهورية الكونغو الديمقراطية». وأضاف «تطرّقنا إلى الوضع الأمني شرقي البلاد، مع التشديد على الأهمية الحاسمة للامتثال الكامل لاتفاقات واشنطن».

بينما أكد تشيسيكيدي وجود جهود مشتركة مع واشنطن لإحلال السلام في شرقي الكونغو الديمقراطية، وفق ما ذكرت «وكالة الأنباء الكونغولية»، السبت. وقال الرئيس الكونغولي خلال مائدة مستديرة عقدت في غرفة التجارة الأميركية بواشنطن، إن الرئيس دونالد ترمب قد جدد تأكيده على عزمه المساهمة في إحلال السلام في شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ بما يتيح للمستثمرين الأميركيين الاستثمار في البلاد.

وخلال المائدة المستديرة الأميركية تلقى مستثمرون أميركيون تطمينات رسمية بشأن التزام رئيسي البلدين بدعم جهود إحلال السلام في شرقي الكونغو، في خطوة تهدف إلى طمأنة المستثمرين الأميركيين وتشجيعهم على تعزيز استثماراتهم في البلاد.

وقال وكيل وزارة الاقتصاد الأميركية، جاكوب هيلبرغ، والممثل لإدارة ترمب، خلال الاجتماع نفسه، إن الولايات المتحدة والكونغو الديمقراطية أبرمتا شراكة عميقة للغاية من شأنها تحقيق فوائد ملموسة لأمن الولايات المتحدة.

مساعي ترسيخ النفوذ

«ليست واشنطن من تسعى لنفوذ في الكونغو الديمقراطية وحدها»، وفق ما يشير المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى، موضحاً أن «هذا اللقاء يعد نموذجاً لمساعي ترسيخ هذا النفوذ عبر ضخ استثمارات وحل المشاكل الأمنية».

ويمثل صراع النفوذ في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية نموذجاً لنزاع مركب، تتداخل فيه الهشاشة الداخلية مع الحسابات الإقليمية والمصالح الدولية، وفق عيسى. وأضاف: «إقليمياً، يشكل الشرق الكونغولي عمقاً أمنياً حساساً لدول الجوار، خصوصاً رواندا التي تربط تدخلها باعتبارات أمنية وحدودية، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى الحفاظ على نفوذ مباشر أو غير مباشر داخل المنطقة، بينما أوغندا وبوروندي تنخرطان بدرجات أقل، انطلاقاً من مخاوف أمنية ومصالح اقتصادية».

وبحسب عيسى: «دولياً، تزايد الاهتمام الأميركي بالصراع يعكس خشية الوجود الصيني - الروسي، إضافة إلى أهمية استقرار شرق الكونغو في سياق المنافسة على الموارد الاستراتيجية وسلاسل الإمداد العالمية، ولذلك تميل واشنطن إلى دعم مسارات دبلوماسية متعددة، والضغط على الأطراف الإقليمية لاحتواء التصعيد، دون الانخراط العسكري المباشر».

وحذر من أن تكون الضغوط أو النفوذ الأميركي أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه، خاصة أن هذا سيجعل السلام هشاً وقابلاً للانتكاس عند تغير الحسابات الاستثمارية أو السياسية.

صعوبة السلام

ومنذ نحو عام، يشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، خاصة بعدما سيطرت حركة «23 مارس»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيتَين في الإقليم.

ولم يصمد مسار السلام رغم توقيع اتفاقات رعتها واشنطن والدوحة في 2025، فضلاً عن نحو 10 محاولات سابقة منذ 2021. ورغم هذا الجمود في مسار السلام، يرجح الخبير في الشأن الأفريقي أن تعود المفاوضات في الربع الأول من هذا العام، «لكن نتائجها ليست مضمونة».

ويوضح أن المؤشرات السياسية والدبلوماسية تشي بأن الربع الأول من العام يشكل نافذة مناسبة لإعادة إطلاق المفاوضات، لعدة أسباب؛ منها تصاعد الضغوط الأميركية، وخشية الأطراف الإقليمية من انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع، وحاجة الجميع إلى تهدئة تسمح بإعادة ترتيب المصالح الاقتصادية والأمنية.

ويتوقع أن أي عودة محتملة للمفاوضات ستكون على الأرجح تقنية وتدريجية، تتمثل في لقاءات تمهيدية، ووساطات غير معلنة، أو إحياء لمسارات قائمة بصيغة معدلة، لا مفاوضات شاملة ونهائية.


تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)
TT

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

رفع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، من درجة التصعيد مع فرنسا، بينما دخلت العلاقات الثنائية منذ شهور في قطيعة معلنة، حيث اتهم حكومتها بـ«السعي لضرب المباحثات مع الاتحاد الأوروبي»، الجارية منذ عام بخصوص مراجعة «اتفاق الشراكة» الذي يربط الطرفين منذ 21 سنة.

وأشاد تبون في مقابلة صحافية بثها التلفزيون العمومي، ليل السبت - الأحد، بالعلاقة مع السعودية، مشدداً على أن «من يمسّ المملكة بسوء فكأنه مسّ بالجزائر».

ورداً على سؤال يخص العلاقات مع المملكة العربية السعودية، أجاب تبون بأنها «متينة وأخوية جداً»، مشدداً على أن «ما يمس السعودية يمس الجزائر أيضاً بحكم التاريخ المشترك والروابط القوية التي تجمع البلدين».

الرئيس عبد المجيد تبون لدى لقائه الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف (الداخلية السعودية)

وأوضح الرئيس أن الجزائر «ترتبط بعلاقات إيجابية وراسخة مع محيطها العربي، لا سيما مع مصر والكويت وقطر»، واصفاً هذه الروابط بأنها «تتجاوز الطابع الأخوي التقليدي، لتصبح علاقات استراتيجية لا نقبل أي مساس بها». وفي معرض حديثه عن العمق التاريخي لهذه العلاقات، استذكر الرئيس الموقف المصري الداعم للجزائر إبان «اعتداء 1963» (المواجهة العسكرية مع المغرب أو ما يسمى حرب الرمال)، مشيراً في المقابل، إلى مسارعة الراحل هواري بومدين لـ«مد يد العون لمصر في اللحظات الفارقة، تأكيداً على مبدأ التضامن المتبادل».

فرنسا

وتناول تبون الزيارة التي قادت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» سيغولين روايال، إلى الجزائر الشهر الماضي، والتي استقبلها في قصر الرئاسة، حيث قال رداً على سؤال بهذا الخصوص: «إذا سمحتَ وفي إطار الديمقراطية، لا أجيب فيما يخص فرنسا»، وفهم من أسلوبه في الحديث بأن الاستياء من فرنسا بلغ الذروة.

وأثنى تبون على مرشحة انتخابات الرئاسة الفرنسية لسنة 2007، روايال، بقوله : «أُكنّ لها كامل الاحترام»، مشيداً «بشجاعتها ونزاهتها الفكرية وصراحتها... وهي مرحب بها».

الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وأدت روايال دوراً أشبه بـ«الدبلوماسية الموازية»، وفق توصيف الصحافة، خلال زيارة دامت 5 أيام، في محاولة لكسر الجمود الذي يطبع العلاقات بين البلدين. وقد واجهت انتقادات حادة من بعض وسائل الإعلام الفرنسية ومن رموز اليمين واليمين المتطرف، بسبب إشادتها بـ«جزائر تتطور وتتقدم»، متسائلة عن «سبب إقامة ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا علاقات جيدة مع الجزائر دون فرنسا، رغم أن المنطق يفترض العكس، بحكم التاريخ الذي يربط البلدين».

«دول تحرّض على الكراهية ضدنا»

وفيما يخص العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، التي تمر بظرف صعب منذ شهور، اتهم تبون فرنسا، من دون تسميتها، بـ«عرقلة النقاشات بين الجانبين وشنّ حرب اقتصادية ضد الجزائر». وذكر مثال تصدير حديد البناء الجزائري إلى أوروبا، قائلاً: «لدينا علاقات جيدة مع الدول، لا سيما مع أصدقائنا الإيطاليين والإسبان والألمان ودول أخرى».

وأضاف: «لكنّ هناك بعض الدول التي تحرّض على الكراهية ضد الجزائر، معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»، دون أن يذكر أسماء. كما ندد الرئيس تبون بـ«حرب تُشنّ ضد الصلب الجزائري في أوروبا».

وقال بهذا الخصوص أيضاً: «الاتحاد الأوروبي يمنح الجزائر حصة لكل 3 أشهر، وهي كمية تُستهلك كلياً في 12 يوماً، في حين أن 85 في المائة من مشتريات الجزائر تأتي من أوروبا، ومن المفترض أن يكون هناك تبادل حر». وأضاف: «لهذا طلبنا إعادة التفاوض حول اتفاق الشراكة. في الحقيقة هناك إجماع، ناقص واحد»، في إشارة إلى فرنسا، التي اتهمها، من دون تسميتها، بـ«تكرار أخطائها» مع الجزائر.

ودخلت الجزائر وبروكسل في مفاوضات، منذ مطلع 2025، بهدف إدخال تعديلات على «اتفاق الشراكة»، الذي تراه الجزائر «مجحفاً في حقها»، بدعوى أنه «جلب لطرف واحد فقط».

ولم يوضح تبون كيف أن باريس، أدت دوراً سلبياً في هذا المسعى، علماً بأن مفوضية الاتحاد الأوروبي لوّحت باللجوء إلى التحكيم الدولي، بسبب توقيف الجزائر الصادرات الأوروبية منذ 2022، ما يعدّ إخلالاً ببنود «اتفاق الشراكة»، في تقدير الأوروبيين.

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون (الرئاسة الجزائرية)

واستحضر الرئيس الجزائري، في تصريحاته، الحظر الفرنسي على النبيذ الجزائري غداة الاستقلال عام 1962، ما اضطر الجزائر إلى «اقتلاع كرومها»، وتعويضها بمحاصيل أخرى كالحبوب. وقال: «بعد الاستقلال، تركوا لنا مصانع لصناعة المشروبات الكحولية في المدية (جنوب العاصمة) ووهران وتلمسان (غرب الجزائر)... ثم قرروا التوقف عن شراء النبيذ الجزائري بهدف جعلنا نندم على استقلالنا. فأمر الرئيس بومدين (هواري بومدين 1965 - 1978) باقتلاع الكروم. هم لا يريدون أن يفهموا أنه لا يجب ابتزاز الجزائر». وأضاف: «الغريب أننا نتفاهم مع الكبار».

وفي سياق التوترات الشديدة، اعتبر الرئيس تبون أن مشروع وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، زيارة الجزائر «أمر يخصه ولا يخصني. إن أراد المجيء فهو مرحب به»، في إشارة ضمناً، إلى «شروط» أعلن عنها الوزير الفرنسي في صحافة بلاده، مقابل زيارة إلى الجزائر تم الإعلان عن إجرائها بنهاية 2025، لكنها لم تتم. ويأتي على رأس هذه «الشروط»، حسبه، «تعهّد الجزائر باسترجاع مهاجريها غير النظاميين محل أوامر بالطرد من التراب الفرنسي».

وبخصوص سؤال حول تدابير استثنائية تم الإعلان عنها الشهر الماضي، تخص عودة الرعايا الجزائريين «في وضعية غير نظامية وهشة بالخارج»، وما إذا كان يشمل الجزائريين الصادرة بحقهم أوامر بمغادرة التراب الفرنسي، أجاب الرئيس تبون بالنفي، قائلاً: «مشكلة أوامر مغادرة التراب تتعلق ببلدان الاستقبال».

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو تصدر الأزمة مع الجزائر منذ بدايتها (رويترز)

وأبرز تبون أنه رفض استقبال رعايا صدرت بحقهم أوامر بمغادرة التراب الفرنسي خلال تولي برونو ريتايو وزارة الداخلية (سبتمبر/ أيلول 2024 - أكتوبر/ تشرين الأول 2025)، وقال: «فيما يخص أوامر مغادرة التراب، رفضناها من وزير، لأنه كان يسمح لنفسه بأخذ جزائريين ووضعهم في طائرة وإعادتهم إلى الجزائر. هؤلاء الجزائريون لهم حقوق. يعيشون في فرنسا منذ 10 إلى 15 سنة. يجب احترام حقوقهم. إذا أمر القضاء بترحيلهم، فهناك طعن. لدينا اتفاقيات تنظم ذلك. يجب إبلاغ الجزائر، وعلى القنصل (الجزائري) أن يزور الشخص الصادر بحقه أمر مغادرة التراب... وإذا كان كل شيء قانونياً، يوقّع على رخصة المرور». وتابع بنبرة تحذيرية: «الذي يريد إهانة أو إذلال الجزائر لم يولد بعد».