نزاعات تعصف بالفصائل المسلحة المتحالفة مع تركيا... وتساؤلات حول مصير «هيئة تحرير الشام»

نتيجة خلافات «مناطقية» وكشف خلايا استخباراتية مرتبطة بروسيا و«التحالف الدولي»

أرشيفية متداولة على مواقع التواصل للجولاني (يمين) مع أبو أحمد زكور وأبو ماريا الجبوري (يسار)
أرشيفية متداولة على مواقع التواصل للجولاني (يمين) مع أبو أحمد زكور وأبو ماريا الجبوري (يسار)
TT

نزاعات تعصف بالفصائل المسلحة المتحالفة مع تركيا... وتساؤلات حول مصير «هيئة تحرير الشام»

أرشيفية متداولة على مواقع التواصل للجولاني (يمين) مع أبو أحمد زكور وأبو ماريا الجبوري (يسار)
أرشيفية متداولة على مواقع التواصل للجولاني (يمين) مع أبو أحمد زكور وأبو ماريا الجبوري (يسار)

لم يكن الهجوم الذي شنته مجموعات عسكرية تابعة لـ«هيئة تحرير الشام» على منطقة نفوذ أحد أبرز قادة «الهيئة»، فجر الأربعاء، مفاجئاً؛ إذ تعصف بالفصيل، الذي يسيطر على معظم محافظة إدلب، خلافات حادة منذ أغسطس (آب) 2023، وهو ما يعانيه أيضاً «الجيش الوطني» المتحالف مع تركيا، الذي كشف مسؤولون فيه عملية إعادة هيكلة واسعة تُجرى داخله بدعم من أنقرة. وشهدت بلدة رأس الحصن في ريف محافظة إدلب، اقتحاماً واسعاً شنته مجموعات متحالفة مع «هيئة تحرير الشام» يقودها حسن صوفان، القيادي في «حركة أحرار الشام»، بهدف تقويض نفوذ المسؤول المالي في «الهيئة» جهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور)، الذي يتخذ من البلدة التي تعرضت للهجوم معقلاً له، لتسيطر القوات المهاجمة عليها دون وقوع اشتباكات.

وجاء الاقتحام تتويجاً لخلافات عاصفة تشهدها «الهيئة» طفت على السطح قبل 4 أشهر، مع الإعلان عن كشف خلايا استخباراتية داخلها؛ بعضها مرتبط بروسيا وأخرى على علاقة مع قوات «التحالف الدولي»، واتهام القيادي العراقي فيها «أبو ماريا الجبوري» بالتواصل مع جهات خارجية دون علم قيادة «الهيئة».

وبينما أقرت قيادة التنظيم بالاختراق وأعلنت القبض على نحو 400 من كوادرها بينهم قياديون، كشفت مصادر خاصة عن أن الفريق المهيمن داخل التنظيم تعمد الزج باسم «الجبوري» للتخلص منه، بسبب صراع ذي طابع مناطقي على السلطة.

3 كتل رئيسية

منذ إعلانها الانفصال عن تنظيم «القاعدة» عام 2016، باتت مراكز النفوذ داخل «هيئة تحرير الشام» تنقسم بين 3 كتل رئيسية، هي: «كتلة إدلب» المؤيدة لزعيم التنظيم أبو محمد الجولاني، و«كتلة الشرقية» التي تتكون من عناصر أغلبهم منحدرون من محافظتي دير الزور والحسكة (شرق وشمال شرقي سوريا)، ويتبعون العراقي «أبو ماريا الجبوري - المشهور بأبو ماريا القحطاني»، بالإضافة إلى «كتلة حلب» ويقودها «أبو أحمد زكور».

عناصر من «هيئة تحرير الشام» في إحدى مناطق شمال غربي سوريا (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

وبعد اعتقال «الجبوري» في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت «كتلة حلب» بشكل غير مباشر وقوفها إلى جانبه، حيث نشر زعيمها تغريدات على منصة «إكس (تويتر سابقاً)»، أكد فيها أن الجبوري بريء من التهم التي توجه إليه، بينما التزم قادة «كتلة الشرقية» الصمت. ومنذ ذلك الوقت تتسرب أخبار عن تفاقم الخلافات داخل «تحرير الشام» بسبب إصرار «كتلة إدلب»، التي يهيمن عليها قادة نافذون ينحدر معظمهم من بلدة بنش، ويسيطرون على المفاصل الأمنية والاقتصادية في التنظيم، على إنهاء نفوذ كل من «أبو ماريا» و «أبو أحمد زكور».

تدخل الجولاني

مصادر خاصة كشفت لـ«الشرق الأوسط» عن أنه ومنذ ذلك الوقت، حاول زعيم «الهيئة» أبو محمد الجولاني احتواء الموقف حفاظاً على استمرار كتلتي «الشرقية» و«حلب» في التنظيم، لكن جهوده فشلت، لينحاز في النهاية وكما هو متوقع إلى جانب «كتلة إدلب»، صاحبة النفوذ والتأثير الأكبر في التنظيم حالياً. وانتهى الأمر بالإيعاز للمجموعات المتحالفة معه من «حركة أحرار الشام» باقتحام بلدة رأس الحصن التابعة لبلدة حارم على الحدود مع تركيا يوم الثلاثاء.

فرار المسؤول المالي

وأضافت المصادر أن «زكور» لم يكن موجوداً في البلدة عندما جرى اقتحامها، وأنه فر قبل ذلك مع مجموعة من قادة الكتلة ونحو مائتي عنصر إلى ريف حلب الشمالي، حيث يحظى بعلاقات قوية مع بعض المجموعات المسلحة المحلية التي كان يعمل على استقطابها لتنضم إلى «الهيئة».

وعلى مدار أكثر من عام، نجح الأخير في إقناع فصائل صغيرة تابعة لـ«الجيش الوطني»، بالانشقاق عن الفيالق الثلاثة التي يتكون منها «الجيش»؛ أبرزها تلك التي شكلت «تجمع الشهباء» الذي رفضت قيادة «الوطني» انضمامه، بتعليمات من تركيا «التي تدعم مساعي وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة المعارضة، لإعادة هيكلة (الجيش الوطني)»؛ كما يقول هشام اسكيف القيادي في «الجيش الوطني» في تصريحات لـ«الشرق الأوسط».

تعليق اسكيف جاء تعقيباً على إعلان «أبو عيسى الشيخ» قائد «لواء صقور الشام» يوم الجمعة، انسحاب «اللواء» من «الجبهة الوطنية للتحرير» إحدى تشكيلات «الجيش الوطني»؛ مما أدى إلى انقسامات داخله أيضاً. وأعلن «الشيخ» في بيان مكتوب، الاتجاه للعمل بصفة فصيل مستقل «بعد كثرة التجاوزات في (الجبهة)، إضافة إلى الاستبداد بالقرارات وتجاهل آراء المكونات، وعدم المشاورة وقبول النصائح، مما يجعل ضرر البقاء في (الجبهة) أكبر من نفعه» وفق البيان.

لكن مصادر خاصة كشفت لـ«الشرق الأوسط»، عن أن «الشيخ» عقد اتفاقاً مع «هيئة تحرير الشام» ليكون تابعاً لها ويحصل على التمويل والإمدادات منها، دون إعلان التبعية الرسمية للتنظيم، على غرار مجموعات «أحرار الشام» و«تجمع الشهباء» التي غادرت مؤسسة «الجيش الوطني» المكون من 3 فيالق رئيسية، بالإضافة إلى «الجبهة الوطنية للتحرير».

وفور صدور بيان قائد «لواء صقور الشام»، أعلنت مجموعة من الفصيل بقيادة «عبد الجبار أبو أحمد» انشقاقها عنه وبقاءها في صفوف «الجيش الوطني» تحت اسم «صقور الشام - الفرقة 40». ووفق المصادر، فإن خلافات دارت داخل «اللواء» منذ أشهر أيضاً، بسبب هيمنة القادة المنحدرين من بلدة سرجة على القرار فيه، ونيتهم الذهاب باتجاه «تحرير الشام».

إصلاح المؤسسة

الموقف من «الهيئة»؛ المصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، وكذلك البعد المناطقي، محددان رئيسيان في إذكاء الخلافات داخل الفصائل العسكرية السورية المتحالفة مع تركيا، والتي بلغت ذروتها أخيراً، مما جعل قيادة «الجيش الوطني» تتحرك لـ«إصلاح المؤسسة» كما يقول هشام اسكيف. ويضيف: «منذ أشهر يتم العمل على إعادة هيكلة (الجيش الوطني) وفق أسس جديدة تقطع مع المرحلة الماضية، وفي مقدمتها الانتقال من فكر الزعامات التقليدية والمناطقية داخل الفصائل، إلى فكر القيادة والبنية المؤسساتية؛ الأمر الذي لا يتناسب وعقلية أو مصالح بعض القادة الذين عمل بعضهم على مقاومة التغيير وإعاقته، بينما لم يتردد البعض الآخر في الانسحاب، وهؤلاء المنشقون أغلبهم كان على تنسيق مسبق مع قيادة (هيئة تحرير الشام)».

القائد العام لـ«الفيلق الثالث» حسام ياسين (وسط قميص أزرق) مع قادة «الفيلق» في مايو الماضي (إكس)

دعم تركي للمأسسة

وحول موقف أنقرة من هذه الخطوة، قال اسكيف: «تركيا تدعم بقوة هذه المساعي، وهناك تفاهم تام بين وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة (المعارضة) وبين أنقرة، من أجل الوصول إلى حالة مؤسساتية كاملة في (الجيش الوطني)، وتحقيق التماهي الفكري والعسكري داخله وفق الاعتبارات الثورية والمهنية».

وفي هذا السياق؛ علمت «الشرق الأوسط» أن «الفيلق الثالث» التابع لـ«الجيش الوطني» بصدد اختيار قائد جديد له، وأن المنافسة تدور بين 4 مرشحين لخلافة القائد الحالي حسام ياسين؛ أبرزهم عزام الغريب (أبو العز سراقب) الذي يقود فصيل «الجبهة الشامية»؛ أكبر مكونات «الفيلق»، وعلى هذا الأساس يرى نفسه صاحب الأحقية في تسلم منصب قائد الفيلق كما جرت العادة، مما تسبب في خلافات، يرى هشام اسكيف أنها «طبيعية وبحدود العادي»، مؤكداً أن «التنافس سيحسمه (مجلس قيادة الفيلق) من خلال انتخابات ستجرى في وقت قريب».

ختاماً؛ تتباين التقديرات حول النتائج التي ستترتب على الخلافات التي عادت لتهيمن على المشهد فيما يخص الفصائل العسكرية السورية المتحالفة مع تركيا، وكذلك «هيئة تحرير الشام». فبينما يرى البعض أنها ستفضي إلى تفكك هذه الفصائل في النهاية، يرجح متابعون لملف الفصائل أن بعض الجماعات ستنتهي بالفعل لمصلحة زيادة حجم وقوة الفصائل الرئيسية، وفي مقدمتها «هيئة تحرير الشام» التي لا يبدو أن الانشقاق الأخير عنها سيؤثر عليها في المدى المنظور، خصوصاً مع المكاسب التي تحققها بزيادة عدد المجموعات التي تنضم للقوى المتحالفة معها في «مناطق الجيش الوطني».


مقالات ذات صلة

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

المشرق العربي حديث بين سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك قبل اجتماع مجلس الأمن بشأن الوضع في الشرق الأوسط الأربعاء (رويترز)

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، في كلمة هي الأولى له خلال اجتماع لمجلس الأمن، بالإنجازات التي حققتها حكومة الرئيس أحمد الشرع حتى الآن

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية السوري أنس حسن خطاب (سانا)

الأمم المتحدة: الرئيس السوري ووزيران كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة من «داعش»

أفاد الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير حول التهديدات التي يشكلها «داعش»، أن الرئيس السوري ووزير الداخلية ووزير الخارجية كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص سوريون يحتفلون في الساحات العامة بسقوط نظام الأسد 8 ديسمبر 2025 (الشرق الأوسط)

خاص معارك الظل في سوريا... محاربة «داعش» وإعادة بناء الدولة

بين واجهة احتفالية مصقولة وعمق اجتماعي منهك وتحديات أمنية هائلة تواجه سوريا سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الدولة الناشئة على التحول من حالة فصائلية إلى مفهوم الدولة.

بيسان الشيخ (دمشق)
المشرق العربي جانب من عملية تسليم جنود النظام السابق أسلحتهم لقوات الحكومة الجديدة في اللاذقية يوم 16 ديسمبر 2024 (نيويورك تايمز)

بناء الجيش أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية

يتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية الناشئة في إعادة بناء القوات العسكرية في البلاد.

رجاء عبد الرحيم (حلب، سوريا)
المشرق العربي جندي من وزارة الدفاع السورية خلال جولة داخل ما كانت يوماً قاعدة عسكرية إيرانية جنوب حلب (أ.ف.ب)

خفايا الانسحاب الإيراني من سوريا... أفرغوا المراكز وهربوا عبر «حميميم»

أبلغ قائد إيراني مسؤول عن ضباط وجنود سوريين يخدمون تحت إمرته أنه «بعد اليوم لن يكون هناك (حرس ثوري) إيراني في سوريا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
TT

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)

في تطور أمني لافت، أعلنت السلطات الأمنية السورية عن تنفيذ سلسلة عمليات ضمن حملة واسعة لملاحقة ضباط سلاح الجو السابق، أسفرت عن توقيف 16 ضابطاً، بينهم قادة، خلال أقل من شهر. وتمت عمليات التوقيف على وجه الخصوص في محافظتي اللاذقية وطرطوس، على الساحل السوري، وكذلك في محافظة حلب شمال البلاد.

ونقلت قناة «الإخبارية السورية» الرسمية، السبت، عن مصدر في إدارة مكافحة الإرهاب تأكيده القبض على الطيَّار خلدون حسين مبارك، في ريف مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية. وحسب تقارير في الإعلام المحلي، تم القبض عليه في منزله بقرية عين قيطة بريف جبلة، الجمعة.

وكان الطيار مبارك قد نجا من عملية إسقاط طائرته عام 2020، وأفاد حينها الإعلام الرسمي التابع للنظام السوري السابق بأن طائرته سقطت قرب مدينة سراقب في محافظة إدلب، جراء استهدافها من قيل الطيران التركي. وأعاد ناشطون بث مقابلة مع مبارك أكد فيها بعد نجاته مواصلة مهماته العسكرية، حتى لو تكرر استهدافه أكثر من مرة.

الطيارون التسعة الذين قُبض عليهم في اللاذقية (صفحة مراسل الأمن الداخلي في اللاذقية)

ويُعد الطيار خلدون حسين مبارك الطيار السادس عشر الذي تم توقيفه خلال أقل من شهر. فقد أعلن قائد الأمن الداخلي بمحافظة طرطوس العقيد عبد العال محمد عبد العال، يوم 18 سبتمبر (أيلول) الجاري، تنفيذ سلسلة من العمليات الأمنية الدقيقة، بالتعاون مع إدارة مكافحة الإرهاب، أفضت إلى إلقاء القبض على 5 من كبار الضباط في سلاح الجو السابق، وهم: اللواء محمد فجر علي، والعميد الركن الطيار عبد الله علي معلا، والعقيد الركن الطيار نضال حسين صالح، والعقيد محمد علي سليم، والمقدم الطيار طالب عبد الكريم حسن. وجاء توقيفهم بناء على الاشتباه بتورطهم في التخطيط وإدارة وتنفيذ عمليات قصف جوي استهدف «مناطق مأهولة» خلال الحرب، حسبما أعلنه قائد الأمن الداخلي؛ مشيراً إلى أن التحقيقات تتواصل لحصر مسؤولياتهم الجنائية عن الغارات والانتهاكات المنسوبة إليهم، تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء المختص وفق الأصول القانونية.

وسبق ذلك إعلان الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، في العاشر من الشهر ذاته، توقيف 9 طيارين، هم: العميد الركن منهل أنور صالح، والعميد سامي إبراهيم محمود، والعميد غياث علي الرحية، والعقيد عيسى عز الدين خضور، والعقيد مروان صلاح نافش، والعقيد بشار سمير ونوس، والمقدم أيهم حمزة عليا، والنقيب أيهم أحمد داود، والنقيب عمار عيسى جنيدي، حسبما نشرت قوى الأمن عبر حساباتها الرسمية.

وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، إن التحقيقات أظهرت «مشاركتهم في ارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري في عدد من المحافظات، مستغلين مواقعهم العسكرية واختصاصهم في سلاح الطيران الحربي والمروحي، وما رافق ذلك من عمليات قصف واستهداف أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين قتيل وجريح، وإلحاق أضرار بالمدن والبلدات، وتهجير الأهالي وتدمير المنازل والمنشآت والمرافق المدنية».

أفراد من قوى الأمن الداخلي السورية (قوى الأمن الداخلي عبر تلغرام)

وسجل الطيارون التسعة أكثر من 3200 ‏‏‏‏ساعة طيران وطلعات جوية خلال سنوات الثورة، حسب مصدر في وزارة الداخلية السورية، قال إن التحقيقات أشارت إلى تنفيذهم غارات جوية استخدموا فيها أنواعاً مختلفة من المروحيات الهجومية والمقاتلات النفاثة التي «استهدفت كثيراً ‏‏‏‏من المناطق، ولا سيما الغوطة الشرقية، ومدينة حلب وريفها، ودير الزور وريفها، ‏‏‏‏وريف حماة»، وفق ما نقلته وكالة «سانا» الرسمية.

وفي الخامس من سبتمبر، كشفت قوى الأمن الداخلي في محافظة حلب عن تنفيذ عملية أدت إلى توقيف العميد الطيار حميدي علي مراد، وهو أحد كبار القادة في سلاح الجو السوري؛ حيث تولى خلال سنوات خدمته إدارة مطارات عسكرية عدة، منها مطار المزة في دمشق، ومطار التيفور بريف حمص الشرقي، ومطار كويرس شرق حلب. إلى جانب قيادته الكلية الجوية.

وتتهم السلطات السورية الطيارين الموقوفين بالتورط -حسب موقع كل منهم ومسؤوليته- في التخطيط لعمليات القصف الجوي وإدارتها وتنفيذها، والاستفادة من سلاح الجو والقواعد الجوية ومراكز التوجيه الميداني لتنفيذ غارات قتالية استهدفت مناطق مأهولة، ما أسفر عن تدمير أحياء سكنية وبنى تحتية، وتهجير قاطنين قسراً، إضافة إلى خسائر بشرية واسعة، وفق «الإخبارية السورية».

ويشار إلى أن وزارة الداخلية كانت قد بثت في أبريل (نيسان) الماضي مقاطع من اعترافات عدد من الطيارين الذين تم توقيفهم العام الماضي، أبرزهم الطيار عبد الكريم أحمد عليا، وميزر صوان الملقب بـ«عدو الغوطتين». وكشفت الاعترافات أن استخدام الطائرات المقاتلة ضد السوريين الثائرين على نظام بشار الأسد، بدأ عام 2013، أي بعد عامين من اندلاع الاحتجاجات. كما أكدت الاعترافات تدخل بشار الأسد بشكل مباشر في تحديد أهداف القصف الجوي.


إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)
جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)
TT

إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)
جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

كثّف الجيش الإسرائيلي إجراءاته العسكرية الهادفة إلى تحويل شريط القرى المحاذي لـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان إلى منطقة عازلة خارج الخط، وعبارة عن أرض محروقة لا يقيم فيها السكان، ولا تتضمن أي منازل أو منشآت مدنية، وسط مخاوف لبنانية بأن يكون ذلك جزءاً من خطة لاحتلال طويل الأمد.

وعلى مدى أسابيع نفذ الجيش الإسرائيلي عشرات التفجيرات في بلدات لم تكن مدرجة ضمن «الخط الأصفر» الذي رسمه لمنطقة أمنية حددها في جنوب لبنان، وتصل في بعض المناطق إلى 12 كيلومتراً في العمق اللبناني عن الحدود.

وطالت تلك التفجيرات بلدات المنصوري وبيوت السياد ومجدل زون في القطاع الغربي، وبلدات برعشيت وبيت ياحون وحداثا في القطاع الأوسط، وبلدات زوطر الشرقية، والنبطية الفوقا وكفرتبنيت في القطاع الشرقي. كما وسع الجيش الغارات الجوية، والقصف المدفعي إلى بلدات كفررمان، ومرتفعات الجبل الرفيع بمحيط النبطية، وعيتا الجبل، ووادي زبقين، وغيرها.

سكان محليون يشاهدون محلقة إسرائيلية تراقبهم في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان (رويترز)

تخطيط لاحتلال طويل

ومع أن تلك البلدات تقع خارج «الخط الأصفر»، إلا أن استهدافها وطرد السكان منها وتحويلها إلى مناطق مدمرة وخطرة «يعني أن إسرائيل تخطط لاحتلال طويل الأمد للمناطق التي تحتلها»، حسبما يقول مصدر أمني في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أن القوات الإسرائيلية «تحول المنطقة المحاذية للخط الأصفر إلى منطقة محروقة بمثابة منطقة عازلة جديدة خارج المنطقة العازلة التي استحدثها بين الحدود مع لبنان والخط الأصفر».

وقال المصدر إن إجراءً مشابهاً «يعني أن إسرائيل تسعى لإبعاد السكان، وإحباط محاولة رصد تحركات، وتموضعات قواتها داخل المنطقة المحتلة من قبل (حزب الله)»، مضيفاً أن «المخاوف من استئناف أعمال المقاومة والعمليات العسكرية الموجهة في المستقبل تدفع إسرائيل لإجراء مشابه».

وحسب المصدر: «لا تقتصر أبعاد هذه الإجراءات على الشق الأمني، إذ تنطوي على شق عسكري أيضاً يتمثل في تمهيد الطريق لقضم أي منطقة تنوي التقدم إليها بسرعة، من دون أن يترتب عليها مخاطر تُذكر في أي محاولات تقدّم يمكن أن تقدم عليها إذا حاز الجيش الإسرائيلي على موافقة سياسية»، واصفة هذه الإجراءات بـ«الخطيرة».

إفراغ البلدات وتدميرها

وأفرغ الجيش الإسرائيلي بلدة المنصوري، الواقعة جنوب مدينة صور، في شهر يونيو (حزيران) الماضي من سكانها بالكامل، إثر إلقاء منشورات تضمنت دعوة فورية للسكان للمغادرة، والإخلاء نظراً لخطورة المنطقة، علماً أن البلدة كانت تقيم فيها 37 عائلة عادت بعد وقف إطلاق النار. كما استهدفت محلقات إسرائيلية نقاط انتشار الجيش اللبناني فيها، مما دفعه للتراجع.

ومنذ ذلك الوقت نفذ الجيش الإسرائيلي أكثر من 130 تفجيراً، حسبما تقول مصادر تتحدر من المنصوري لـ«الشرق الأوسط»، مضيفة أن دبابات الجيش الإسرائيلي والآليات العسكرية «تدخل البلدة وتخرج منها بشكل شبه يومي لتنفيذ أعمال التفخيخ». وأشارت إلى أن آليات عسكرية «عبرت وسط البلدة إلى منطقة البركة الواقعة غربها قرب الطريق الساحلي، وفخخت منازل وقطعت الأشجار». وقالت إنه «بعد تدمير مسجد البلدة، لم يعد بالإمكان معرفة الأحياء المستهدفة بالتفجيرات، أو بالقصف المدفعي، باعتباره المعلم الذي كان يتم الاستناد إليه في تحديد مواقع التفجيرات».

تلامذة يقفون قرب حائط مدرسة في بلدة برج قلاويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وينسحب الأمر على بلدات حداثا وبيت ياحون التي «أخليت تماماً من سكانها إثر التوغلات الإسرائيلية، والقصف اليومي»، أما بلدة برعشيت «فباتت شبه خالية من السكان»، كما تقول مصادر محلية في القطاع الأوسط لـ«الشرق الأوسط». وتتعرض عيتا الجبل لقصف مدفعي يومي، وتوغلات في محيطها، مما دفع معظم السكان لمغادرتها «بعدما باتت منطقة خطرة».

هذا الواقع يُطبق أيضاً في كفرتبنيت والنبطية الفوقا «اللتين باتتا خاليتين تماماً، وشبه مدمرتين بالكامل» على إيقاع تفجيرات في الأولى، وقصف وغارات في الثانية. وفرغت النبطية الفوقا من السكان إثر استهداف إسرائيلي لمدرّسة وأطفالها كانوا في طريقهم إلى منزلهم لإحضار بعض الامتعة في يونيو الماضي.

مناطق غير مستقرة

وتعاني المناطق المواجهة للبلدات المحتلة شرق وادي الحجير ووادي السلوقي من قصف مدفعي يومي، وغارات جوية، وتحليق متواصل للمسيرات الإسرائيلية. وقال المصدر الأمني في الجنوب إن تلك البلدات «لا تشبه أحوالها، حال البلدات الواقعة على خط التماس مع (الخط الأصفر)، لأنها بعيدة نسبياً، لذلك لم تخلُ من سكانها، لكنها باتت عرضة لقصف متواصل، مما يجعلها غير مستقرة»، في إشارة إلى استهداف بلدة شقرا، والبلدات الواقعة على الأطراف الغربية لوادي الحجير.

تفجيرات وغارات

هذا الواقع تعكسه تطورات السبت، حيث استهدف قصف مدفعي منطقة وادي السلوقي -محيط بلدة شقرا، وأطراف زوطر الشرقية. كما استهدفت سلسلة غارات عنيفة الجبل الرفيع والريحان بين إقليم التفاح وقضاء جزين سمعت أصداؤها إلى مدينة صيدا وجوارها. ورصدت 3 غارات على أطراف بلدة سجد نُفذت بصواريخ ارتجاجية وصل صداها إلى الزهراني. وفي القطاع الغربي، قصفت القوات الإسرائيلية بالمدفعية مناطق المنصوري، ومجدل زون، ووادي حسن، وهز تفجير ضخم إسرائيلي بلدة الطيري، وهز تفجير عنيف آخر مجدل زون.

وأفيد بتقدّم قوة إسرائيلية إلى الجهة الجنوبية من أطراف بلدة دير ميماس في قضاء مرجعيون، وتحديداً عند كروم الزيتون.

كما نفذت بعد منتصف ليل الجمعة – السبت تفجيرات عنيفة في برعشيت، وحداثا، ومحيط بلدة بيت ياحون.


ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

يستعد مسؤولون أردنيون للتعامل مع «هجمة» إسرائيلية محتملة على خلفية الخطاب الأخير للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي وجّه فيه انتقادات شديدة للسياسات الإسرائيلية. وقالت مصادر مطلعة في عمّان إن «الهجمة المرتقبة قد تكون على جبهات متعددة، دبلوماسية وسياسية، والأخطر إلكترونية». والأخيرة على وجه الخصوص تشكل قلقاً رسمياً لسرعة تأثر المزاج العام في البلاد بما تنشره مواقع الاتصال الاجتماعي.

ما سبق يُمهد لمحاولة تفسير عبارات ومواقف العاهل الأردني التي اعتبرها مراقبون بمثابة «طلاق» في العلاقة السياسية بين عمّان وتل أبيب، وهو ما فاجأ سلطات دستورية في البلاد استمعت إلى «خطاب سياسي على منبر أممي موجّه للداخل الأردني والجوار المكتظ بمشاهد الفوضى وعدم الاستقرار»، بحسب ما قالت مصادر مطلعة. وبرأي متابعين، فإن مواقف الملك عبد الله الثاني «لها ما بعدها» على صعيد المشهد الداخلي والإدارة اليومية لأزمات مرتقبة، مع الأخذ بالاعتبار التغيّرات الجذرية في الحياة الإسرائيلية وتأثر المملكة الأردنية المباشر بسياسات التطرف التي تنتهجها أحزاب وحكومات إسرائيلية.

الملك عبد الله الثاني بجانب الرئيس دونالد ترمب خلال لقاء ضم عدداً من القادة العرب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 22 سبتمبر (رويترز)

ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن سبب اختيار الملك عبد الله المكان والزمان لإعلان موقفه الحاد من حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، قال موظفون سابقون عملوا بالقرب من العاهل الأردني إن الملك عبد الله الثاني لا يثق برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ويصفه بالكاذب. وتابعوا أن إسرائيل تستفز الأردن من خلال استمرار الانتهاكات في المسجد الأقصى والحرم القدسي، وتتعمد بذلك إثارة الشارع الأردني.

ولفتوا إلى أن إسرائيل «تتعمد» أيضاً «نقض بروتوكول إدخال المساعدات الأردنية عن طريق الهيئة الخيرية الهاشمية والحملة الأردنية إلى قطاع غزة، وتتعمد تعطيل الإجراءات والموافقات وعمليات التسليم بهدف تقليل كميات المساعدات عن طريق المملكة الأردنية، واتهام الأردن بالتقصير بإدخال المساعدات». وأشار هؤلاء إلى أن إسرائيل رفضت بيع المياه إلى الأردن خلال العامين الماضيين بقصد خلق أزمة محلية، وهذا ما يمثّل مخالفة لمعاهدة السلام (معاهدة وداي عربة).

وبرأي المصادر نفسها، سعى اليمين المتطرف الإسرائيلي إلى تزوير الحقائق، وتغيير الواقع، والعبث بتاريخ العلاقة الأردنية - الإسرائيلية، من خلال بث فتن بين الأردنيين تستهدف الأصول والمنابت الشرقية مقابل الأصول الفلسطينية. كذلك أشارت هذه المصادر إلى محاولة إسرائيل استذكار قرار فك الارتباط الإداري مع الضفة الغربية، وهو قرار أردني صدر عام 1988.

وتضيف المصادر نفسها أن هناك متغيراً جديداً ومهماً يتمثل بسلسلة التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، والتهديد التي تمثله تلك التوغلات على المصالح الوطنية العليا والأمن الوطني الأردني، والعبث بمصادر حصص الأردن من المياه المشتركة في نهر اليرموك وسد الوحدة، وبالتالي عودة القلق الأردني مما يحصل على حدوده الشمالية.

موقع أثري قرب مستوطنة إسرائيلية في غور الأردن تم فيه ملء بركة بمياه كانت مخصصة لري مزارع فلسطينية بالضفة الغربية يوم 19 يونيو 2026 (أ.ب)

وفي رأي هذه المصادر، فإن استمرار إسرائيل بنقض بنود قانون معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية، قد يدفع عمّان إلى اتخاذ خطوات عملية تجاه تعطيل بند أو أكثر من بنود المعاهدة.

ويُدرك الأردن حساسية «ضرب أسافين» الفتنة بين فئات الشعب الأردني، وهي الفئات التي تجاوزت تاريخاً من العلاقة المُلتبسة بفعل اضطرابات نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، والتي انتهت باعترافات كثيرة عن أخطاء ارتكبتها فصائل فلسطينية مسلحة.

الإسلاميون في ميزان المصالح والخصومة

ما سبق يمكن أن يُفسر رغبة بعض مراكز قرار في البلاد في إعادة ترتيب الأوراق المحلية، وإعادة تدوير الزوايا الحادة في العلاقة مع حزب الأمة (جبهة العمل الإسلامي سابقاً) بصفته حزباً يملك حضوراً في الشارع، وبصفته يستطيع ممارسة ترشيد خطاب الشارع واحتواء شعاراته، بشكل يدعم النظام السياسي في البلاد ولا يعارضه.

وقد ظلت تلك الفكرة حاضرة منذ عامين، في وقت كان يتم فيه تجهيز ملف يتضمن تجاوزات جماعة «الإخوان المسلمين» التي جرى تفعيل قرار قضائي بحلها ومصادرة ممتلكاتها واعتبار جميع نشاطاتها محظورة في البلاد.

وفي مقابل تحريك هذا الملف، كان آخرون يطالبون بالتأني قبل التصعيد القانوني ضد الحزب والجماعة. فقد كانت المؤشرات حينها تتحدث صراحة عن مستقبل علاقة مضطرب مع دولة الاحتلال. وفي رأي هؤلاء يمكن استخدام ورقة الإسلاميين في شكل يحمي البلاد من الضغوط الخارجية للقبول بصفقة تضر بالمصالح الأردنية، بحجة الخوف من إثارة الفوضى في الشارع الأردني الذي يتأثر بتطورات سياسات الاحتلال ضد الفلسطينيين. وقد يساعد التاريخ السياسي الأردني الحديث في معرفة تلك المساحة من التفاهمات بين الحركة الإسلامية والمؤسسة الرسمية، في أكثر من مناسبة.

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (بترا - د.ب.أ)

وفي سياق ما يمكن تفسيره على أنه «رسالة حسن نيات» في استجابة الحركة الإسلامية لفكرة التقارب مع المؤسسة الرسمية، جاءت انتخابات الأمين العام لحزب «الأمة» التي جرت السبت الماضي، حاملة رسالة تُفيد باختيار الجماعة والحزب سياسة التهدئة. فوسط منافسة صعبة، تقدّم معاذ الخوالدة على محمد القطاونة بفارق قليل من الأصوات، قبل انسحاب الأخير من منافسات الجولة الثانية.

ومثّلت تلك الانتخابات ونتائجها ما يمكن اعتباره انتصاراً لتيار «التغيير والإصلاح» داخل الحزب بعد فك الارتباط وتبعية العلاقة التنظيمية (تحت طائلة المساءلة) بجماعة «الإخوان المسلمين». وقد يستفيد الحزب نفسه من اختيار الخوالدة الذي سبق وأن كان قيادياً بارزاً في صفوف الجماعة وناطقاً رسمياً باسمها. وهو شخص كان يميل في تصريحاته إلى الدبلوماسية وعدم التصعيد مع الرسميين.

الموقف الأردني

وأكدت مصادر سياسية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» ما وصفته بـ«جدية التهديدات الأردنية لإسرائيل»، والمقصود بهذا التحذير مخاوف الأردن الرسمي إزاء أي «تهديد إسرائيلي على الحدود الشمالية» للبلاد، مضيفة أن الأردن «لن يبقى مكتوف الأيدي ومن حقه حماية مصالحه العليا»، خصوصاً أمام استمرار الاجتياحات الإسرائيلية لمناطق في الجنوب السوري، و«التهديدات المحتملة بتغيير الخرائط على الأرض، ومصادرة المياه المشتركة بين عمّان ودمشق في نهر اليرموك وسد الوحدة».

واعتبر خبراء استراتيجيون يمثّلون قطاعات عسكرية ودبلوماسية، ومسؤولون رسميون تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، أن العاهل الأردني اختار هذا العام «لغة التصعيد بخصوص تصرفات إسرائيل في المنطقة»، في ظل تطور السياسات المتطرفة لحكومة اليمين، بقيادة بنيامين نتنياهو، والتي من شأنها «قتل حل الدولتين».

ولفت هؤلاء إلى أن حدة النقد الأردني لإسرائيل «غير مسبوقة»، مشيرين إلى أن الأردن الرسمي يعتبر أن إسرائيل، في ظل بقاء حكومة اليمين المتطرف، هي «دولة مارقة» بسبب استمرار «انتهاكها للقوانين الدولية وعدم احترامها للشرعية الدولية واستعدائها لمحيطها».

ولفت مقربون من القصر، في حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الملك عبد الله الثاني «اختار استخدام لغة حادة تجاه إسرائيل»، وسط مخاوف من «تهجير فلسطينيين قسراً (من الأراضي الفلسطينية) باتجاه الأردن»، وهو ما يعتبره الأردن الرسمي «جريمة حرب». وتابعوا أن الأردن يواجه أيضاً خطراً مضاعفاً في ظل استمرار توسع إسرائيل في الجنوب السوري.

مركبات عسكرية إسرائيلية تمر في سوريا بالقرب من خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان المحتلة وسوريا... كما شوهدت من مجدل شمس بمرتفعات الجولان يوم 15 ديسمبر 2024 (رويترز)

وكان الملك الأردني قد انتقد عدم انتباه المجتمع الدولي إلى سوريا التي تمثل «إنذاراً»، مشيراً إلى أن «التوغلات الإسرائيلية المتكررة، والتوسع الجغرافي الذي يتمدد، وفرض حقائق جديدة على الأرض» عناصر يمكن أن تؤدي إلى المس بمصادر مائية حيوية للأردن.

وشدد العاهل الأردني على أن أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي هو «تهديد لأمننا القومي»، مضيفاً أن بلاده «لن تشيح بنظرها، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالحنا».

وأدرك الأردن الرسمي مبكراً أن أول ردود الفعل الإسرائيلية على خطاب الملك عبد الله الثاني، سيكون عبر هجمات مُكثفة ومنظمة على منصات التواصل الاجتماعي بهدف توجيه انتقادات لشخصيات وسياسات رسمية. وتعتبر الجهات المعنية في عمّان أن إسرائيل طورت من قدراتها في الحرب الإلكترونية في عدة مجالات، لكن الأردن يبذل جهوداً للتصدي للهجمات التي تستهدفه.

وكانت رحلة العاهل الأردني الأخيرة للصين أثارت تحفظات لدى الإدارة الأميركية التي سعت إلى إلغائها، وإحباط أي مشاريع لإبرام اتفاقات عسكرية مع بكين، بحسب مصادر «الشرق الأوسط». وجاء ذلك في وقت عزز فيه الأردن من تحالفه العسكري مع فرنسا بتوقيع اتفاقية رابعة تؤطّر وتدعم وتنظم الاتفاقات السابقة.

وتؤكد المصادر نفسها أن الأردن «ينوّع خياراته لكنه لا ينقلب على تحالفاته». وتأتي هذه التطورات في ظل حبل العلاقة المشدود بين عمّان وواشنطن، علماً بأن الدعم العسكري الأميركي للجيش الأردني مستمر.

ويتوقع سياسيون أردنيون أن مواقف العاهل الأردني الأخيرة من إسرائيل، لها ما بعدها لصالح تعميق الأزمة في العلاقة السياسية والدبلوماسية بين البلدين. وقد انتقلت العلاقة مع دولة الاحتلال من الفتور إلى التوتر إلى انقطاع مستويات الاتصال الدبلوماسي على مستويات متقدمة، في حين تظل قنوات الاتصال الأمني واحدة من المزايا المشتركة التي وفّرتها مظلة معاهدة السلام.

والسفارة الإسرائيلية في عمّان لا تزال مهجورة من العاملين منذ نهاية أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وفي حين لم تتم عودة السفراء بين البلدين، فإن السفارة الأردنية في تل أبيب يقتصر عملها على تقديم بعض الخدمات القنصلية.