نزاعات تعصف بالفصائل المسلحة المتحالفة مع تركيا... وتساؤلات حول مصير «هيئة تحرير الشام»

نتيجة خلافات «مناطقية» وكشف خلايا استخباراتية مرتبطة بروسيا و«التحالف الدولي»

أرشيفية متداولة على مواقع التواصل للجولاني (يمين) مع أبو أحمد زكور وأبو ماريا الجبوري (يسار)
أرشيفية متداولة على مواقع التواصل للجولاني (يمين) مع أبو أحمد زكور وأبو ماريا الجبوري (يسار)
TT

نزاعات تعصف بالفصائل المسلحة المتحالفة مع تركيا... وتساؤلات حول مصير «هيئة تحرير الشام»

أرشيفية متداولة على مواقع التواصل للجولاني (يمين) مع أبو أحمد زكور وأبو ماريا الجبوري (يسار)
أرشيفية متداولة على مواقع التواصل للجولاني (يمين) مع أبو أحمد زكور وأبو ماريا الجبوري (يسار)

لم يكن الهجوم الذي شنته مجموعات عسكرية تابعة لـ«هيئة تحرير الشام» على منطقة نفوذ أحد أبرز قادة «الهيئة»، فجر الأربعاء، مفاجئاً؛ إذ تعصف بالفصيل، الذي يسيطر على معظم محافظة إدلب، خلافات حادة منذ أغسطس (آب) 2023، وهو ما يعانيه أيضاً «الجيش الوطني» المتحالف مع تركيا، الذي كشف مسؤولون فيه عملية إعادة هيكلة واسعة تُجرى داخله بدعم من أنقرة. وشهدت بلدة رأس الحصن في ريف محافظة إدلب، اقتحاماً واسعاً شنته مجموعات متحالفة مع «هيئة تحرير الشام» يقودها حسن صوفان، القيادي في «حركة أحرار الشام»، بهدف تقويض نفوذ المسؤول المالي في «الهيئة» جهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور)، الذي يتخذ من البلدة التي تعرضت للهجوم معقلاً له، لتسيطر القوات المهاجمة عليها دون وقوع اشتباكات.

وجاء الاقتحام تتويجاً لخلافات عاصفة تشهدها «الهيئة» طفت على السطح قبل 4 أشهر، مع الإعلان عن كشف خلايا استخباراتية داخلها؛ بعضها مرتبط بروسيا وأخرى على علاقة مع قوات «التحالف الدولي»، واتهام القيادي العراقي فيها «أبو ماريا الجبوري» بالتواصل مع جهات خارجية دون علم قيادة «الهيئة».

وبينما أقرت قيادة التنظيم بالاختراق وأعلنت القبض على نحو 400 من كوادرها بينهم قياديون، كشفت مصادر خاصة عن أن الفريق المهيمن داخل التنظيم تعمد الزج باسم «الجبوري» للتخلص منه، بسبب صراع ذي طابع مناطقي على السلطة.

3 كتل رئيسية

منذ إعلانها الانفصال عن تنظيم «القاعدة» عام 2016، باتت مراكز النفوذ داخل «هيئة تحرير الشام» تنقسم بين 3 كتل رئيسية، هي: «كتلة إدلب» المؤيدة لزعيم التنظيم أبو محمد الجولاني، و«كتلة الشرقية» التي تتكون من عناصر أغلبهم منحدرون من محافظتي دير الزور والحسكة (شرق وشمال شرقي سوريا)، ويتبعون العراقي «أبو ماريا الجبوري - المشهور بأبو ماريا القحطاني»، بالإضافة إلى «كتلة حلب» ويقودها «أبو أحمد زكور».

عناصر من «هيئة تحرير الشام» في إحدى مناطق شمال غربي سوريا (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

وبعد اعتقال «الجبوري» في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت «كتلة حلب» بشكل غير مباشر وقوفها إلى جانبه، حيث نشر زعيمها تغريدات على منصة «إكس (تويتر سابقاً)»، أكد فيها أن الجبوري بريء من التهم التي توجه إليه، بينما التزم قادة «كتلة الشرقية» الصمت. ومنذ ذلك الوقت تتسرب أخبار عن تفاقم الخلافات داخل «تحرير الشام» بسبب إصرار «كتلة إدلب»، التي يهيمن عليها قادة نافذون ينحدر معظمهم من بلدة بنش، ويسيطرون على المفاصل الأمنية والاقتصادية في التنظيم، على إنهاء نفوذ كل من «أبو ماريا» و «أبو أحمد زكور».

تدخل الجولاني

مصادر خاصة كشفت لـ«الشرق الأوسط» عن أنه ومنذ ذلك الوقت، حاول زعيم «الهيئة» أبو محمد الجولاني احتواء الموقف حفاظاً على استمرار كتلتي «الشرقية» و«حلب» في التنظيم، لكن جهوده فشلت، لينحاز في النهاية وكما هو متوقع إلى جانب «كتلة إدلب»، صاحبة النفوذ والتأثير الأكبر في التنظيم حالياً. وانتهى الأمر بالإيعاز للمجموعات المتحالفة معه من «حركة أحرار الشام» باقتحام بلدة رأس الحصن التابعة لبلدة حارم على الحدود مع تركيا يوم الثلاثاء.

فرار المسؤول المالي

وأضافت المصادر أن «زكور» لم يكن موجوداً في البلدة عندما جرى اقتحامها، وأنه فر قبل ذلك مع مجموعة من قادة الكتلة ونحو مائتي عنصر إلى ريف حلب الشمالي، حيث يحظى بعلاقات قوية مع بعض المجموعات المسلحة المحلية التي كان يعمل على استقطابها لتنضم إلى «الهيئة».

وعلى مدار أكثر من عام، نجح الأخير في إقناع فصائل صغيرة تابعة لـ«الجيش الوطني»، بالانشقاق عن الفيالق الثلاثة التي يتكون منها «الجيش»؛ أبرزها تلك التي شكلت «تجمع الشهباء» الذي رفضت قيادة «الوطني» انضمامه، بتعليمات من تركيا «التي تدعم مساعي وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة المعارضة، لإعادة هيكلة (الجيش الوطني)»؛ كما يقول هشام اسكيف القيادي في «الجيش الوطني» في تصريحات لـ«الشرق الأوسط».

تعليق اسكيف جاء تعقيباً على إعلان «أبو عيسى الشيخ» قائد «لواء صقور الشام» يوم الجمعة، انسحاب «اللواء» من «الجبهة الوطنية للتحرير» إحدى تشكيلات «الجيش الوطني»؛ مما أدى إلى انقسامات داخله أيضاً. وأعلن «الشيخ» في بيان مكتوب، الاتجاه للعمل بصفة فصيل مستقل «بعد كثرة التجاوزات في (الجبهة)، إضافة إلى الاستبداد بالقرارات وتجاهل آراء المكونات، وعدم المشاورة وقبول النصائح، مما يجعل ضرر البقاء في (الجبهة) أكبر من نفعه» وفق البيان.

لكن مصادر خاصة كشفت لـ«الشرق الأوسط»، عن أن «الشيخ» عقد اتفاقاً مع «هيئة تحرير الشام» ليكون تابعاً لها ويحصل على التمويل والإمدادات منها، دون إعلان التبعية الرسمية للتنظيم، على غرار مجموعات «أحرار الشام» و«تجمع الشهباء» التي غادرت مؤسسة «الجيش الوطني» المكون من 3 فيالق رئيسية، بالإضافة إلى «الجبهة الوطنية للتحرير».

وفور صدور بيان قائد «لواء صقور الشام»، أعلنت مجموعة من الفصيل بقيادة «عبد الجبار أبو أحمد» انشقاقها عنه وبقاءها في صفوف «الجيش الوطني» تحت اسم «صقور الشام - الفرقة 40». ووفق المصادر، فإن خلافات دارت داخل «اللواء» منذ أشهر أيضاً، بسبب هيمنة القادة المنحدرين من بلدة سرجة على القرار فيه، ونيتهم الذهاب باتجاه «تحرير الشام».

إصلاح المؤسسة

الموقف من «الهيئة»؛ المصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، وكذلك البعد المناطقي، محددان رئيسيان في إذكاء الخلافات داخل الفصائل العسكرية السورية المتحالفة مع تركيا، والتي بلغت ذروتها أخيراً، مما جعل قيادة «الجيش الوطني» تتحرك لـ«إصلاح المؤسسة» كما يقول هشام اسكيف. ويضيف: «منذ أشهر يتم العمل على إعادة هيكلة (الجيش الوطني) وفق أسس جديدة تقطع مع المرحلة الماضية، وفي مقدمتها الانتقال من فكر الزعامات التقليدية والمناطقية داخل الفصائل، إلى فكر القيادة والبنية المؤسساتية؛ الأمر الذي لا يتناسب وعقلية أو مصالح بعض القادة الذين عمل بعضهم على مقاومة التغيير وإعاقته، بينما لم يتردد البعض الآخر في الانسحاب، وهؤلاء المنشقون أغلبهم كان على تنسيق مسبق مع قيادة (هيئة تحرير الشام)».

القائد العام لـ«الفيلق الثالث» حسام ياسين (وسط قميص أزرق) مع قادة «الفيلق» في مايو الماضي (إكس)

دعم تركي للمأسسة

وحول موقف أنقرة من هذه الخطوة، قال اسكيف: «تركيا تدعم بقوة هذه المساعي، وهناك تفاهم تام بين وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة (المعارضة) وبين أنقرة، من أجل الوصول إلى حالة مؤسساتية كاملة في (الجيش الوطني)، وتحقيق التماهي الفكري والعسكري داخله وفق الاعتبارات الثورية والمهنية».

وفي هذا السياق؛ علمت «الشرق الأوسط» أن «الفيلق الثالث» التابع لـ«الجيش الوطني» بصدد اختيار قائد جديد له، وأن المنافسة تدور بين 4 مرشحين لخلافة القائد الحالي حسام ياسين؛ أبرزهم عزام الغريب (أبو العز سراقب) الذي يقود فصيل «الجبهة الشامية»؛ أكبر مكونات «الفيلق»، وعلى هذا الأساس يرى نفسه صاحب الأحقية في تسلم منصب قائد الفيلق كما جرت العادة، مما تسبب في خلافات، يرى هشام اسكيف أنها «طبيعية وبحدود العادي»، مؤكداً أن «التنافس سيحسمه (مجلس قيادة الفيلق) من خلال انتخابات ستجرى في وقت قريب».

ختاماً؛ تتباين التقديرات حول النتائج التي ستترتب على الخلافات التي عادت لتهيمن على المشهد فيما يخص الفصائل العسكرية السورية المتحالفة مع تركيا، وكذلك «هيئة تحرير الشام». فبينما يرى البعض أنها ستفضي إلى تفكك هذه الفصائل في النهاية، يرجح متابعون لملف الفصائل أن بعض الجماعات ستنتهي بالفعل لمصلحة زيادة حجم وقوة الفصائل الرئيسية، وفي مقدمتها «هيئة تحرير الشام» التي لا يبدو أن الانشقاق الأخير عنها سيؤثر عليها في المدى المنظور، خصوصاً مع المكاسب التي تحققها بزيادة عدد المجموعات التي تنضم للقوى المتحالفة معها في «مناطق الجيش الوطني».


مقالات ذات صلة

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

المشرق العربي حديث بين سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك قبل اجتماع مجلس الأمن بشأن الوضع في الشرق الأوسط الأربعاء (رويترز)

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، في كلمة هي الأولى له خلال اجتماع لمجلس الأمن، بالإنجازات التي حققتها حكومة الرئيس أحمد الشرع حتى الآن

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية السوري أنس حسن خطاب (سانا)

الأمم المتحدة: الرئيس السوري ووزيران كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة من «داعش»

أفاد الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير حول التهديدات التي يشكلها «داعش»، أن الرئيس السوري ووزير الداخلية ووزير الخارجية كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص سوريون يحتفلون في الساحات العامة بسقوط نظام الأسد 8 ديسمبر 2025 (الشرق الأوسط)

خاص معارك الظل في سوريا... محاربة «داعش» وإعادة بناء الدولة

بين واجهة احتفالية مصقولة وعمق اجتماعي منهك وتحديات أمنية هائلة تواجه سوريا سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الدولة الناشئة على التحول من حالة فصائلية إلى مفهوم الدولة.

بيسان الشيخ (دمشق)
المشرق العربي جانب من عملية تسليم جنود النظام السابق أسلحتهم لقوات الحكومة الجديدة في اللاذقية يوم 16 ديسمبر 2024 (نيويورك تايمز)

بناء الجيش أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية

يتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية الناشئة في إعادة بناء القوات العسكرية في البلاد.

رجاء عبد الرحيم (حلب، سوريا)
المشرق العربي جندي من وزارة الدفاع السورية خلال جولة داخل ما كانت يوماً قاعدة عسكرية إيرانية جنوب حلب (أ.ف.ب)

خفايا الانسحاب الإيراني من سوريا... أفرغوا المراكز وهربوا عبر «حميميم»

أبلغ قائد إيراني مسؤول عن ضباط وجنود سوريين يخدمون تحت إمرته أنه «بعد اليوم لن يكون هناك (حرس ثوري) إيراني في سوريا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

لبنان ينتظر الترجمة العملية للاتفاق

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
TT

لبنان ينتظر الترجمة العملية للاتفاق

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)

ينتظر لبنان الترجمة العملية لمذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين واشنطن وطهران لإنهاء الأعمال العسكرية والتصعيد في المنطقة، بما يشمل لبنان.

وبينما لم تتبلّغ الدولة اللبنانية رسمياً بالبنود المتفق عليها، وآليات التنفيذ، رحب الرئيس اللبناني جوزيف عون بالمذكرة، وأثنى على «ما ورد فيها من احترام للخصوصية اللبنانية»، وسط تركيز رسمي على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى المرحلة التالية التي تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وانتشار الجيش، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار.

ويأتي ذلك في وقت لم تتوقف فيه الغارات والمسيّرات الإسرائيلية عن التحليق في مناطق الجنوب والعاصمة بيروت وضاحيتها.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمعات لجنود إسرائيليين وآلياتهم داخل لبنان، في حين نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في الحزب قوله إن مقاتليه لم ينفذوا أي ‌عمليات ‌منذ الإعلان ​عن ‌الاتفاق الإيراني - الأميركي، وإن موقف الحزب من وقف إطلاق النار مرتبط بالتزام إسرائيل به أولاً.


عباس يمهّد لانتخابات فلسطينية و«حماس» تنتقد «الاستفراد بالسلطة»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
TT

عباس يمهّد لانتخابات فلسطينية و«حماس» تنتقد «الاستفراد بالسلطة»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)

مهّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لإجراء أول انتخابات تشريعية منذ 20 عاماً في الأراضي الفلسطينية، عبر تعديلات على قانون الانتخابات العامة، التي تُجرى العام الحالي، بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» التابع لـ«منظمة التحرير»، وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية التي وعد عباس أيضاً بتنظيمها في عام 2027.

ولم تشهد الأراضي الفلسطينية، انتخابات تشريعية منذ عام 2006، حين فازت «حماس» بأغلبيتها، وأعقبتها سنوات من الانقسام والاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني.

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجري جزء من تعهدات فلسطينية رسمية للدول العربية والأوروبية وللأميركيين، بتجديد السلطة».

وهاجم متحدث باسم حركة «حماس» إجراءات عباس، قائلاً إنها «استمرار لمنطق الاستفراد» بالسلطة.


«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)

حذّر تقرير أصدرته مجموعة «الأزمات الدولية» من تنامي الضغوط والعقوبات الإسرائيلية على الضفة الغربية، مشيراً إلى أن المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس بسبب وقف الإيرادات، وفرض القيود على العلاقات المصرفية، وفقدان العمال الفلسطينيين وظائفهم في إسرائيل.

ونبه التقرير الذي أعدته «الأزمات الدولية» بعنوان «مواجهة القبضة الإسرائيلية الخانقة على اقتصاد الضفة»، وأتاحته للنشر، الاثنين، إلى أنه «منذ هجوم (حماس) على إسرائيل أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فرضت الحكومة الإسرائيلية عقوبات اقتصادية جديدة على الضفة الغربية»، موضحة أن هذه العقوبات «أدت إلى منع وصول السلطة الفلسطينية إلى المال، وخنقت حرية حركة السكان الفلسطينيين».

وجاء في التقرير أن «اقتصاد الضفة الغربية، الذي حرصت إسرائيل منذ وقت طويل على بقائه مترنحاً، يواجه ضغوطاً تزداد حدة»، ولفتت إلى أن المجتمع الفلسطيني حافظ على بقائه، لكن في حالة من الفقر المدقع؛ وفي حال عدم معالجة ذلك، من المرجح أن يفضي إلى فقدان الأمن وارتفاع مخاطر عدم الاستقرار وازدياد حدة العنف.

عمال فلسطينيون ينتظرون للعبور إلى إسرائيل من الضفة في فبراير 2022 (أ.ب)

كما دعا إلى دعم دولي للضفة الغربية وقطاع غزة «لتجاوز اعتمادهما على إسرائيل واكتساب سيادة حقيقية». لكنه شدد أولاً على أنه «يتعين على الجهات الفاعلة الخارجية الضغط على إسرائيل لاتخاذ خطوات لتيسير الدفعات النقدية إلى الأسر والمؤسسات الفلسطينية، وذلك برفع القيود المفرطة على حرية الحركة وإلغاء الإجراءات المالية العقابية».

إحكام القيود على الضفة

وفق تقرير «الأزمات الدولية» فإنه «على مدى العامين ونصف العام الماضيين، ومع تركُّز أنظار العالم أولاً على غزة والآن على الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أحكمت إسرائيل القيود التي تفرضها على وصول فلسطينيي الضفة الغربية إلى التمويل وقدرتهم على الحركة، متذرعةً بمبررات أمنية مبالغ بها». واستشهد بقطع وزير المالية اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، جميع مصادر الإيرادات الرئيسية للسلطة الفلسطينية تقريباً. ومن ثم، فقد تقلّص اقتصاد الضفة الغربية، شديد الاعتماد على إسرائيل، إلى حد أنه لم يعد قادراً على توفير الخدمات العامة الأساسية.

جندي إسرائيلي بسوق البلدة القديمة في نابلس شمال الضفة الغربية أثناء مداهمات أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وقدّر أنه «من أجل تفادي حدوث انهيار اقتصادي، ينبغي على إسرائيل التحرك على نحو عاجل للسماح للعمال الفلسطينيين بالعودة إلى تلك الوظائف، وتحويل الإيرادات المستحقة للسلطة الفلسطينية. ولا بد من القيام بفعل دولي لإجبار إسرائيل على اتخاذ هذه الخطوات وغيرها بحيث يتمكن الاقتصاد الفلسطيني من الشروع بالتعافي، ويتمكن بمرور الوقت من الوقوف على قدميه».

حسب التقرير، فإن الاقتصاد الفلسطيني بات «أكثر اعتماداً على القوة المحتلة القوية اقتصادياً؛ وعلى الشيقل الإسرائيلي الذي لا تتمتع السلطة الفلسطينية بأي تأثير عليه من حيث السياسة النقدية، الذي تعكس قوته الأوضاع الاقتصادية الإسرائيلية لا الفلسطينية، وعلى المصارف المراسلة الإسرائيلية، التي تشكل القناة الوحيدة لربط النظام المالي الفلسطيني بالأسواق الدولية، وعلى التجارة التي تمر من خلال الموانئ الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. من خلال نقاط التفتيش ووسائل أخرى، قسمت إسرائيل الضفة الغربية أيضاً إلى جيوب منفصلة تقريباً، فأوجدت بذلك اقتصادات صغرى تجد صعوبة في التعامل بعضها مع بعض، ناهيك عن التعامل مع العالم. وقد عقَّد ذلك دور السلطة الفلسطينية في إدارة الاقتصاد».

إجبار على الاقتراض

وخلص التقرير إلى أن «الأثر التراكمي للسياسات الاقتصادية التي تبنتها إسرائيل منذ عام 1967، لا سيما خلال السنتين الماضيتين، كان مدمراً على الأُسر، والمؤسسات، والبلديات الفلسطينية، وعلى السلطة الفلسطينية أيضاً»، منبهاً إلى أن السلطة الفلسطينية تُجبر على «الاقتراض بشكل كبير من المصارف، وعلى مراكمة الديون متأخرة السداد لموظفي القطاع العام، والمقاولين والمزودين، الأمر الذي يفرض ضغوطاً على النظام المالي الذي تعتمد عليه، وفي الوقت نفسه حرمان القطاع الخاص من الاقتراض».

واتهم التقرير القادة الإسرائيليين بأنهم «وضعوا حتى الآن مجموعة من السياسات التي تبدو مصممة لإضعاف الاقتصاد الفلسطيني إلى حد الاعتماد الكامل على إسرائيل»، متسائلاً حول «ما إذا كانت إدارة ترمب ستضغط على إسرائيل، كجزء من خطتها ذات العشرين نقطة لقطاع غزة، أو كجزء من أي خطة أخرى، لتخفيف حدة حملتها على اقتصاد الضفة الغربية».

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

وأشار تقرير «الأزمات الدولية» إلى من شبه المؤكد أن الضغوط الخارجية ستكون ضرورية لإقناع إسرائيل بالتحرك بشأن الأولوية الاقتصادية القصوى بالنسبة للضفة الغربية التي أُضعفت على نحو قسري، والتي تتمثل بتيسير التدفقات النقدية من جديد إلى الأسر والمجتمعات المحلية.

على الجانب الآخر، دعا التقرير السلطة الفلسطينية إلى ضرورة أن «تُجري إصلاحات، بما فيها تحسين الشفافية في إنفاق موازنتها، والتعاون الكامل مع المراجعات المالية الخارجية المستقلة، وإعادة بناء شرعيتها الداخلية من خلال تحسين حوكمتها».

وجدد التأكيد على أهمية مساعدة الجهات الفاعلة الخارجية الملتزمة بالوصول إلى حصيلة سلمية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني باعتبارها «جوهرية»، خصوصاً وأن «البديل القاتم لا يمكن أن يكون سوى المزيد من العنف مع استمرار الحوكمة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني بالتردي حتى الوصول إلى الانهيار الكامل».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended