تصاعد المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» يترك آثاره على سكان جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من موقع للجيش الإسرائيلي على الحدود مع لبنان أمس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من موقع للجيش الإسرائيلي على الحدود مع لبنان أمس (أ.ف.ب)
TT

تصاعد المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» يترك آثاره على سكان جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من موقع للجيش الإسرائيلي على الحدود مع لبنان أمس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من موقع للجيش الإسرائيلي على الحدود مع لبنان أمس (أ.ف.ب)

انعكس تصاعد المعارك في جنوب لبنان بين «حزب الله» وإسرائيل منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، واتساع نطاق الاشتباكات على حركة سكان المناطق الحدودية والقريبة منها، فمنهم من نزح، ومنهم من بقي، ومنهم من بات يتنقل حسب الأوضاع الأمنية.

أدى القصف الإسرائيلي إلى مقتل 17 مدنياً في جنوب لبنان كان آخرهم حسن منصور، مختار قرية الطيبة في قضاء مرجعيون، الذي قضى يوم الاثنين الماضي، وفقاً للوكالة الوطنية للإعلام. كما قُتل سابقاً ثلاثة صحافيين، حسب وكالة أنباء العالم العربي.

ونفَّذ «حزب الله» عدة عمليات عسكرية استهدفت مواقع عسكرية منها، حسب بيانات الحزب، مراكز تجمع جنود ونقاط استخبارات وآليات عسكرية وغيرها؛ في حين أعلن الجيش الإسرائيلي قصفه مناطق إطلاق صواريخ ومواقع تمركز مقاتلي الجماعة.

واندلعت مواجهات شبه يومية بين الجيش الإسرائيلي من ناحية وجماعة «حزب الله» اللبنانية وفصائل فلسطينية مسلحة في لبنان من ناحية أخرى، عبر الحدود بين البلدين منذ بدأت إسرائيل حربها على قطاع غزة في أعقاب هجوم مباغت شنته «حماس» والفصائل في السابع من أكتوبر الماضي.

* اعتياد الحرب

تتنقل ميساء عطا الله بين منطقتي مرجعيون والخيام، قادمةً من بيروت، لزيارة عائلتها والاطمئنان على أقاربها. وتقول لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) إن مناطق المواجهات جنوب لبنان لا تزال فيها عائلات، وإن بعض من نزحوا خلال الفترة الماضية بدأوا يعودون إلى منازلهم نظراً إلى ارتفاع تكلفة البقاء خارج بيوتهم، وفي غياب أفق واضح لنهاية المعارك في الجنوب.

كان نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ«حزب الله»، قد أكد أن جبهة الجنوب «ستبقى مفتوحة إسناداً لغزة في مواجهة العدوان الصهيوني عليها».

ونقلت قناة «المنار» التلفزيونية أمس، عنه قوله خلال تأبين ثلاثة من مقاتلي «حزب الله» لقوا حتفهم في الاشتباكات مع إسرائيل: «وتيرة العمليات العسكرية في جنوب لبنان يحددها الميدان، والأفضل للصهاينة ألّا يُجرّبوا حظهم بالتصعيد لأن الوضع سيكون أسوأ عليهم».

وتقول ميساء إنها تزور مناطق الجنوب باستمرار لوجود عائلتها بها ولنقل الأحداث هناك؛ مشيرة إلى أنها ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي ولا تعتمد على ما تسمعه من أخبار فحسب، «خصوصاً أن هناك قسماً من سكان بيروت يعيشون كأن لا حرب على الحدود الجنوبية».

وتابعت: «معظم العائلات في تلك المناطق تتنقل نهاراً وتتفادى النشاط ليلاً، على الرغم من أن القصف خلال اليوم لا يتوقف. وهم يختارون سلوك الطرق الأساسية وليست الفرعية والابتعاد عن النقاط الحدودية القريبة والأحراج».

وأضافت: «يوم الأحد الماضي حضرتُ القداس في الكنيسة وكانت مليئة بالناس فيما صوت القصف مسموع. ورغم قوة الصوت، لم يظهر أي تأثر على الكاهن والمصلين، حتى إنه لم يخرج أحد من الكنيسة».

وترى ميساء أن سكان الجنوب اعتادوا الحرب، وتقول: «أنا عشت حرب يوليو (تموز) 2006، وهناك من عاش تفاصيل أكثر سابقاً. الناس في حالة تعب بسبب تراجع أعمالهم وتوقف مدارسهم ونشاطهم، لكنهم يدركون معنى ألم الحرب، ولهذا يشعرون بأهل غزة لأنهم مرّوا بظروف مشابهة في حياتهم».

ودارت «حرب تموز 2006» بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» في مناطق مختلفة من لبنان، واستمرت 34 يوماً.

وتلفت ميساء إلى أن القصف الإسرائيلي الحالي يزداد ويتوسع، مضيفةً أنه كان مقتصراً في الأسابيع الأولى من الاشتباكات على المناطق المفتوحة على الحدود، لكنّ سير المعارك تبدَّل لاحقاً مع توسع نطاق القصف باستهداف البيوت والمدنيين في عمق الجنوب اللبناني وشن غارات جوية على الأحياء السكنية، كما حدث في مناطق بنت جبيل وحولة وعيترون.

* سكان يشكون «نوعاً من التجاهل»

زينب مرعي من قرية كفرا التابعة لقضاء بنت جبيل جنوباً، التي تبعد عن الحدود مسافة تقطعها السيارة في 25 دقيقة، ترى أن زيارتها قريتها في الفترة الحالية فيها مخاطرة نتيجة تعرض بعض المنازل لأضرار جراء القصف الإسرائيلي.

وتقول زينب لوكالة أنباء العالم العربي: «الناس يحاولون المساعدة خصوصاً القادمين من القرى البعيدة على خط المواجهة المباشرة، كونها الأكثر تضرراً، وتنوعت المساعدات بين فتح المنازل للعائلات والتبرع بالمعونات، لكنّ هناك جزءاً بسيطاً من الناس استغلوا الوضع برفع إيجارات البيوت في بعض المناطق الجبلية».

وتشير إلى أن هناك نوعاً من «التجاهل» لأخبار جنوب لبنان، وتضيف: «بعض المحطات اللبنانية لا تعطي أهمية لما يحدث جنوباً والمستغرَب أن الناس ترى أنْ لا حرب في لبنان، كأن الجنوب هو منطقة غير لبنانية».

وتمضي قائلة: «لبنان وفلسطين عاشا مرارة الحرب معاً في مراحل مختلفة، ونحن نرى أحوال اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، وحين نشاهد ما يحدث في غزة، نؤكد أننا لا نريد أن نترك إسرائيل تتصرف على هواها بأن تحتل أراضي ليست لها».

وعلى صعيد القصف المتبادَل، أفادت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام، أمس (الثلاثاء)، بسقوط صاروخ في مدرسة ياطر الرسمية في صور بجنوب البلاد دون انفجاره. وأشارت إلى أنه أصاب سيارة مديرة المدرسة بعد نزولها منها بدقائق، وأحدث أضراراً مادية رغم أنه لم ينفجر.

من جانبه، أعلن «حزب الله» في بيانات منفصلة أمس، استهداف عدة مواقع للجيش الإسرائيلي، من بينها ‌‏المالكية‏ في شمال إسرائيل المقابل للحدود اللبنانية، والعاصي وبياض بليدا وخربة ماعر وجل العلام والراهب وزرعيت، مشيراً إلى تحقيق «إصابات مباشرة».

* القرى الحدودية

على مسافة ستة كيلومترات من الحدود الجنوبية، تقع قرية رامية التي غادرها علي ماجد عيسى قبل شهرين لقربها من خطوط الاشتباك.

وقال عيسى لوكالة أنباء العالم العربي إن القرية خالية من السكان حالياً وإن الأوضاع الراهنة غير مستقرة. وتابع: «خرجنا من منزلنا لأول مرة في 8 أكتوبر وعُدْنا في مرحلة الهدنة، ثم خرجنا منها بعد عودة المعارك». وأضاف: «المعارك شكَّلت منحى سلبياً على الناس بتركهم أرزاقهم وبيوتهم ونمط حياتهم اليومي. في منطقتي لم يؤدِّ العدوان حتى الآن إلى الضرر، سواء على مستوى الأفراد أو البنية التحتية».

ومضى قائلاً: «كل شخص يؤمِّن احتياجاته حسب قدراته، والأحزاب الموجودة في المنطقة تسعى إلى تأمين ما يلزم».

وأشار في حديثه إلى أن أغلب الناس في قريته يعتمدون على زراعة التبغ، وقال: «استطاع السكان رغم العدوان أن يؤمّنوا بيع محصولهم لمركز إدارة التبغ التي عملت على تسهيل بيع المحصول مسبقاً لمساعدة المزارعين على توفير مبلغ يساعدهم على تأمين احتياجاتهم في ظل الظروف الحالية».

وأضاف: «لا يمكن للمدنيين التوجه إلى القرى في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر... ونحن توجهنا قبل الهدنة إلى القرية مرة واحدة لتأمين محصولنا الزراعي».

ولفت عيسى إلى خطورة الوضع في المنطقة قائلاً إن «تطور العدوان الإسرائيلي من القصف المدفعي إلى الغارات الحربية يشكل خطراً أكبر على البيوت المتلاصقة والمكتظة في المنطقة».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

المشرق العربي جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أحد جنوده وإصابة آخرين في جنوب لبنان، في ظل وقف لإطلاق النار تتبادل الدولة العبرية و«حزب الله» الاتهامات بانتهاكه.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

قال «حزب الله» اللبناني إن «السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير» عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مع ممثلي «من يستبيح أرضها وسيادتها».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يتّهم «حزب الله» بتقويض اتفاق وقف النار في لبنان

اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي أن «حزب الله» اللبناني «يقوّض» اتفاق وقف إطلاق النار، فيما استهدف الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان بعدد من الغارات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.