اضطرابات التمثيل الغذائي ومشكلات النوم

العلماء يؤكدون أهمية توافق تناول الغذاء مع الساعة البيولوجية

اضطرابات التمثيل الغذائي ومشكلات النوم
TT

اضطرابات التمثيل الغذائي ومشكلات النوم

اضطرابات التمثيل الغذائي ومشكلات النوم

تشهد مشكلات النوم ازدياداً لافتاً في جميع دول العالم تقريباً. ويشتكي معظم النّاس من قلّة النّوم أو سوء نوعيته؛ اذ لم يعد الأمر يقتصر على عدم حصولهم على ساعات النوم السبع المُوصى بها يومياً، بل بات يتعدّاه إلى صعوبة الخلود إلى النوم أو المحافظة على استقراره.

مشكلات النوم المتزايدة

تثير معدّلات النوم المتراجعة بعض المخاوف الطبية؛ إذ تربط الدراسات بين قلّة النوم أو سوء نوعيته وبين لائحة طويلة من المشكلات الصحية والأمراض التي تبدأ من الشعور بقلّة الحوافز الدافعة للعيش، مروراً باضطرابات التمثيل الغذائي، وانتهاء بأمراض القلب والأوعية الدموية المؤدية إلى الوفاة.

النوم هو حاجة حيوية لا غنى عنها، لا سيّما أنّه مطلوبٌ لكلّ خليّة في الجسم. وتنسّق «دورة النوم - الاستيقاظ» البشرية جميع العمليات النفسية والجسدية ومدى جودتها، حيث يكتسب النوم أهمية بالغة للأداء الإدراكي، والتمثيل الغذائي، والوظيفة المناعية، والشهية، وتنظيم الهورمونات... وغيرها الكثير من الوظائف.

يرتبط ضابط الوقت الأساسي، المزروع في «النواة فوق التصالبة» في منطقة «ما تحت المهاد (suprachiasmatic nucleus of the hypothalamus)»، بشكلٍ وثيق بدائرة الضوء والظلام في الطبيعة. يُعدّ الضوء الإشارة الأساسية التي تحثّ نواة التأقلم هذه على تنسيق إيقاع الفيزيولوجيا والسلوك، ولكنّها ليست الوحيدة، حيث إنّ درجة الحرارة الخارجية والنشاط الجسدي يؤثران أيضاً.

النظام الغذائي وساعة الجسم

وكذلك يفعل النظام الغذائي. وفي الواقع؛ فإن النظام الغذائي أحد أقوى عوامل مزامنة آليات ساعة الجسم. وقد وجد الباحثون أنّ أوقات التغذية غير المنتظمة أو المضطربة قد تتداخل مع تأثيرات الإشارات المحيطة بمنظّم الجسم المركزي، إذ إنّها قد تعرقل وتيرة إنتاج الميلاتونين؛ الهرمون المحرّض على النوم الذي ينتجه الدماغ مع بداية انحسار ضوء النهار وبداية دخول الليل.

ووجدت دراسات عدّة أنّ أوقات تناول الطعام مرتبطة بشدّة بالتوقيت النهاري إلى درجة أنّ الاستهلاك الغذائي في توقيت خاطئ، كتناول الطعام في وقتٍ متأخّر من الليل، يعبث بـ«الآليات الوظيفية الجينية» لساعة الجسم نفسها. وتقوم إشارات التغذية بتأثيرات هائلة على آليات التنظيم الزمني في أعضاء محدّدة في الجسم كالكبد والكلى مثلاً.

تغذية متزامنة مع الساعة البيولوجية

عكف الباحثون خلال العقدين الماضيين على دمج معلومات متزايدة عن إيقاعات الجسد الزمنية في الأبحاث الغذائية، فطوّروا مجالاً بحثياً بات يُعرف بالـ«التغذية بالترتيب الزمني» أو «كرونو نيوتريشن (chrononutrition)» (العلم الذي يدرس العلاقة المتبادلة بين الطعام، والتمثيل الغذائي، وأوقات تناول الوجبات، وساعة الجسم الداخلية - المحرر)، توصّل إلى خلاصات عدّة؛ أبرزها أنّ معظم النّاس يكونون بأفضل حال – وأنّ التمثيل الغذائي يحصل على أكبر مكاسبه – عندما يتوافق استهلاك الغذاء (مثل كل الأنشطة البشرية الأخرى) مع الساعة البيولوجية، المتزامنة بدورها مع الدورات الضوئية.

يشير بعض الدراسات إلى أنّ الضوابط الزمنية في استهلاك الطعام أهمّ بكثير من معدّل الطاقة المستهلك في هذه الأوقات عندما يتعلّق الأمر بصحّة التمثيل الغذائي والدماغ. فقد أظهرت دراسات كثيرة أنّ اعتماد مواقيت مبكرة لاستهلاك الطاقة لا يعزّز خسارة الوزن فقط؛ بل يساهم في تخفيض مستويات البروتين الدهني منخفض الكثافة، والغلوكوز، ومقاومة الإنسولين.

وأظهرت دراسات عدّة أيضاً أنّ اضطرابات الساعة البيولوجية في النوم، والنظام الغذائي، وأنماط استهلاك الطعام، تؤثّر على ديناميّات الميكروبيوم النهارية، فتُؤثر بشكل سيئ على وظيفة التمثيل الغذائي، والمسارات الالتهابية، مما يؤدّي إلى ازدياد خطر «المتلازمة الأيضية».

وقد حدّد الباحثون العلاقة بين الوجبات المتأخّرة وتفويت وجبة الفطور وتناول الطعام في وقت متأخّر ليلاً، وبين اضطرابات إيقاع الساعة البيولوجية في التمثيل الغذائي للغلوكوز، ودرجة حرارة الجسم، وإفراز الميلاتونين وهورمون الكورتيزول.

وجبات طعام البحر المتوسط

ولكن التوقيت ليس التأثير الوحيد الذي تمارسه الوجبات على كفاءة الساعة البيولوجية والنوم؛ لأنّ محتواها مهمّ أيضاً. يوجد عددٌ من الأغذية التي تؤثر على النوم من خلال التأثير على الساعة البيولوجية ووسائل أخرى.

يرجّح هذا الأمر أنّ المكاسب الكبيرة التي تشتهر بها حمية البحر الأبيض المتوسط تعود لمساهمتها الكبيرة في أنماط الساعة البيولوجية والنوم؛ بسبب غناها بالأطعمة المصنوعة من النباتات والميلاتونين.

والميلاتونين هرمون يؤثر على إيقاع الساعة البيولوجية ومضاد قويّ للأكسدة تُفرزه الغدة الصنوبرية في الدماغ، ويتوفّر بصفته مكوّناً أساسياً في كثير من الفواكه والخضراوات، كالطماطم، بالإضافة إلى أطعمة كزيت الزيتون، والنبيذ الأحمر، واللوز، والصنوبر، والثوم، والقرنبيط، والعدس، والشعير... التي تنتمي جميعها إلى حمية البحر المتوسط. في المقابل، تحتوي المنتجات الغذائية الحيوانية، كاللحوم والبيض والسمك، على كميات ضئيلة جداً من هذا الهرمون.

وكانت بعض الدراسات قد أظهرت أنّ الميلاتونين المُكتسب من النظام الغذائي يرفع مستوياته في الدم وينشطه.

ويعتقد الباحثون أنّ الاستهلاك المنتظم لهذا النوع من الأطعمة يؤثر على النوم كماً ونوعاً. فبمعزلٍ عن الأطعمة نفسها، تلعب حمية البحر المتوسط دوراً بارزاً في تأمين الكمية الكبرى من الطاقة المستهلكة من وجبة منتصف النهار، أي الفترة الزمنية المفضّلة لإيقاعات الساعة البيولوجية. لكن لم يُصر بعد إلى تحديد عدد الفوائد الصحية لهذه الحمية التي تساهم في حثّ النوم التعويضي. ومع هذا، يبدو أنّ النوم ممر إضافي تستطيع عبره هذه الحمية تخفيض خطر الأمراض المزمنة والسرطان، وأمراض القلب الناتجة عن الاضطراب الأيضي، والأمراض التنكسية والنفسية.

وتحتوي حمية البحر المتوسط أغذية أخرى تؤثر على النوم؛ أبرزها السيروتونين الذي يتمتّع بتأثير مركّب على النوم، ويساهم إذا توفّر بمستويات معيّنة في إنتاج الميلاتونين في الجسم. يتوفر السيروتونين بنسب عالية في السبانخ، والطماطم، والخوخ، والجوز، وجميع الأطعمة تقريباً التي تنتمي لحمية البحر المتوسط. يُعرف الحليب أيضاً بغناه بالسيروتونين.

بدورها، تعزّز أحماض «أوميغا3» الدهنية، الموجودة في الأسماك الدهنية والتي تُستهلك بمعدلات منخفضة في النظم الغذائية الغربية، إنتاج الميلاتونين في الجسم. فقد ربط بعض الدراسات هذه الأحماض بتعزيز كفاءة النوم. وبالطبع، تعدّ الأطعمة غير المصنّعة أفضل مصدرٍ للأغذية؛ لأنّها تحتوي عادةً عناصر كثيرة يعمل بعضها مع بعض بالتزامن لتعزيز التأثيرات الإيجابية.

* «سايكولوجي توداي»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«أبقِ اسم زوجتي بعيداً عن فمك»... كيف اشتعل الخلاف بين فانس وعبد الرحمن السيد؟ (فيديو)

الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ف.ب)

«أبقِ اسم زوجتي بعيداً عن فمك»... كيف اشتعل الخلاف بين فانس وعبد الرحمن السيد؟ (فيديو)

تحوَّل السباق الانتخابي على مقعد مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان إلى مواجهة كلامية حادة، بعدما دخل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، في سجال علني مع عبد الرحمن السيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سارة لينزي سانتياغو المتهمة بالمساعدة والتحريض في عملية إطلاق نار (رويترز) p-circle

الولايات المتحدة: اتهام فتاة بمساعدة منفّذي هجوم مسجد سان دييغو

وجهت هيئة محلفين في ولاية نورث كارولاينا يوم الاثنين لائحة اتهام لفتاة تبلغ من العمر 17 عاماً، للاشتباه في مساعدتها وتحريضها في عملية إطلاق نار وقعت في 18 مايو.

«الشرق الأوسط» (سكرامنتو (الولايات المتحدة))
الولايات المتحدة​ من موقع حادث الطعن في ساحة «تايمز سكوير» (رويترز)

حادث طعن في ساحة «تايمز سكوير» بنيويورك... ومقتل شخصين

طعنت امرأة بسكين شخصين في ساحة «تايمز سكوير» المكتظة بالسياح في نيويورك، الاثنين، ما أدى إلى وفاة أحدهما، قبل أن تطلق الشرطة النار عليها وترديها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الجيش الأميركي دان دريسكول (أ.ب) p-circle

وزير الجيش الأميركي يستقيل بعد توترات مع هيغسيث

قال البيت الأبيض، الاثنين، إن وزير الجيش الأميركي سيتنحى عن منصبه بعد 18 شهراً من توليه المسؤولية، في أحدث رحيل لمسؤول عسكري بارز في إدارة ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ امرأة تحمل لافتة كُتب عليها «صوّت» خلال مسيرة «الدفاع عن حق التصويت» عند نصب لنكولن التذكاري في العاصمة الأميركية واشنطن - 28 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

رئيس الأركان الأميركية: لا خطط للجيش لإرسال قوات إلى مراكز الاقتراع في نوفمبر

قال رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي الجنرال دان كين، إنه لا توجد أي خطط لإرسال قوات إلى مراكز الاقتراع خلال انتخابات التجديد النصفي بالكونغرس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض
TT

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

كشفت دراسة سكانية واسعة أن تحليل الحمض النووي من بضع قطرات من الدم المأخوذة من كعب الطفل بعد الولادة قد يساعد في اكتشاف طفرات وراثية تزيد خطر الإصابة ببعض سرطانات الطفولة قبل ظهور الأعراض.

وقاد الدراسة باحثون من مركز دانا - فاربر/بوسطن للأطفال لأمراض السرطان والدم بالتعاون مع باحثين من Mass General Brigham، وهو نظام صحي أكاديمي غير ربحي في الولايات المتحدة يجمع بين رعاية المرضى والبحث الطبي والتعليم.

وتشير النتائج التي نُشرت في مجلة «Nature Communications» في 12 أغسطس (آب) 2026 إلى أن إضافة الفحص الجيني إلى برامج فحوصات حديثي الولادة قد تتيح التعرف إلى الأطفال الأكثر عرضة لبعض السرطانات منذ الأيام الأولى من حياتهم، ما يفتح المجال أمام مراقبة طبية مبكرة، واكتشاف الأورام في مراحل أكثر قابلية للعلاج.

قطرة دم قد تكشف الخطر مبكراً

ويخضع الأطفال حديثو الولادة في الولايات المتحدة حالياً لفحوصات روتينية للكشف عن مجموعة من الأمراض النادرة، والقابلة للعلاج، من خلال تحليل بضع قطرات من الدم تؤخذ من كعب الطفل بعد نحو 24 ساعة من ولادته.

لكن هذه الفحوصات لا تبحث حالياً عن خطر الإصابة بالسرطان، لأن ذلك يتطلب تحليل تسلسل الحمض النووي (دي إن إيه). ويرى الباحثون أن عينات الدم نفسها يمكن أن توفر فرصة للكشف عن طفرات وراثية موروثة -أو جديدة- تجعل بعض الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالسرطان في سن مبكرة بطريقة تشبه الفحوصات الجينية التي تحدد لدى البالغين خطر الإصابة ببعض السرطانات، مثل سرطان الثدي، أو القولون.

نحو 7 % يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان

كما حلل الباحثون عينات دم مجففة محفوظة لـ1948 طفلاً ولدوا في ولاية ميشيغان، ثم أصيبوا لاحقاً بورم صلب، أو ورم في الدماغ قبل بلوغ سن الثامنة. وباستخدام فحص شمل 11 جيناً كلها معروفة بارتباطها بمتلازمات الاستعداد الوراثي للسرطان لدى الأطفال، اكتشف الفريق طفرات مرضية، أو يُرجح أن تكون مرضية لدى 132 طفلاً، أي نحو 7 في المائة من المجموعة.

وكانت الغالبية العظمى من هذه الطفرات مرتبطة بنوع الورم الذي أصيب به الطفل لاحقاً، إذ كان الجين مرتبطاً بنوع السرطان الذي تطور لدى 130 من أصل 132 طفلاً. ويقدر الباحثون أن تطبيق مثل هذا البرنامج على نطاق واسع في الولايات المتحدة يمكن أن يساعد في تحديد نحو ألف طفل سنوياً قد يستفيدون من المراقبة المبكرة، والعلاج في الوقت المناسب.

السرطان ظهر في عمر أصغر

ومن أبرز النتائج أن الأطفال الذين يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان أصيبوا بالمرض في سن أصغر بكثير من الأطفال الذين لم تظهر لديهم هذه الطفرات. فقد بلغ متوسط العمر الوسيط عند التشخيص 14 شهراً لدى الأطفال الذين اكتُشفت لديهم طفرة مقارنة بـ32 شهراً لدى الأطفال الذين لم تكن لديهم طفرة مكتشفة.

ويرى الباحثون أن هذا الفارق يبرز أهمية معرفة الخطر مسبقاً، خصوصاً أن بعض الأورام قد تتطور خلال فترة قصيرة جداً من حياة الطفل.

سرطان العين نموذج واضح

وقدم سرطان الشبكية Retinoblastoma مثالاً واضحاً على الفائدة المحتملة للفحص الجيني المبكر.

فقد اكتشف الباحثون طفرات في جين RB1 لدى 69 طفلاً أصيب 68 منهم لاحقاً بسرطان الشبكية. وكان الأطفال الذين يحملون الطفرة يُشخّصون في عمر وسطي يبلغ 9 أشهر مقارنة بـ23 شهراً لدى المصابين الذين لم تظهر لديهم الطفرة.

ولو تم التعرف إلى هؤلاء الأطفال منذ الولادة لكان بالإمكان إخضاعهم لفحوصات منتظمة للعين بهدف اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وهو ما قد يساعد على الحفاظ على البصر، وتقليل الحاجة إلى علاجات أكثر شدة، مثل استئصال العين، أو العلاج الكيميائي، أو الإشعاعي.

خطوة نحو الوقاية قبل ظهور المرض

وظهرت أقوى الروابط الوراثية في بعض السرطانات التي يُعرف مسبقاً ارتباطها بمتلازمات وراثية محددة. فقد حمل جميع الأطفال الستة الذين أصيبوا بسرطان الغدة الدرقية النخاعي طفرة موروثة في جين RET، بينما ظهرت طفرة RB1 لدى 40 في المائة من الأطفال المصابين بسرطان الشبكية.

ولا يعني اكتشاف طفرة وراثية أن الطفل سيصاب بالسرطان حتماً، لكنه قد يشير إلى ارتفاع الخطر، ويتيح وضع خطة مراقبة خاصة بالحالة. ويعمل الباحثون حالياً على تطوير آليات لإدخال فحوصات جينية للكشف عن مخاطر السرطان ضمن برامج فحص حديثي الولادة، بحيث يمكن تحويل الأطفال الذين تظهر لديهم طفرات خطرة إلى برامج متابعة متخصصة.

وقد يمثل هذا النهج تحولاً مهماً من انتظار ظهور أعراض السرطان إلى البحث عن خطره منذ الولادة، بما قد يتيح اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وعلاجها بطرق أقل سمية، وأكثر فاعلية.


«ليب 2026»: يد اصطناعية ذكية تستشعر اللمس وتستجيب لإشارات العضلات

 «أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
«أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
TT

«ليب 2026»: يد اصطناعية ذكية تستشعر اللمس وتستجيب لإشارات العضلات

 «أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
«أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية

من بين الابتكارات الطبية اللافتة التي يعرضها مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، تبرز يد «أبيليتي هاند» (Ability Hand) التي طورتها شركة «سايونيك» (PSYONIC) الأميركية، وهي يد اصطناعية بيونية متقدمة تحاكي بعض وظائف اليد البشرية؛ إذ تستجيب للإشارات الكهربائية الصادرة عن عضلات المستخدم لتحريك الأصابع والإمساك بالأشياء، كما تتيح استشعار اللمس من خلال مستشعرات مدمجة في أطراف الأصابع. ويقدم هذا الابتكار نموذجاً للتطور المتسارع في الأطراف الاصطناعية، وللتقارب المتزايد بين جسم الإنسان والتقنيات الذكية.

الدكتور عديل أختر مؤسس «سايونيك»

يد «تستمع» إلى العضلات

ويستعرض الدكتور عديل أختر (Aadeel Akhtar)، مؤسس شركة «سايونيك» ورئيسها التنفيذي، هذه التقنية خلال اليوم الثاني من «ليب 2026»، في جلسة ضمن «تيك أرينا» (Tech Arena) بعنوان «اليد البيونية التي تتعلم منك» (The Bionic Hand That Learns From You)، موضحاً كيف يمكن للإشارات العضلية والتغذية الحسية الراجعة أن تمنح الأطراف الاصطناعية قدرة أكبر على التفاعل الطبيعي مع المستخدم والعالم المحيط.

تستجيب يد «أبيليتي هاند» (Ability Hand) للإشارات الكهربائية الدقيقة التي تولدها العضلات، والمعروفة باسم تخطيط كهربائية العضلات (Electromyography – EMG).

وتلتقط أنظمة التحكم هذه الإشارات من العضلات المتبقية لدى المستخدم، ثم تترجمها إلى أوامر تحرك أصابع اليد الاصطناعية وتتيح أنماطاً مختلفة من الإمساك. وتضم اليد خمسة أصابع متعددة المفاصل وإبهاماً قابلاً للدوران، بينما يبلغ وزنها نحو 490 غراماً، بما يجعل تصميمها قريباً من حيث الوزن والحركة من اليد البشرية.

لكن الجانب الطبي الأكثر إثارة لا يقتصر على الحركة؛ فاليد مزودة بمستشعرات للضغط في أطراف الأصابع ترصد مقدار القوة المستخدمة عند ملامسة الأشياء والإمساك بها، ثم تنقل هذه المعلومات إلى المستخدم في صورة تغذية حسية راجعة (Sensory Feedback) عبر الاهتزاز. وهكذا لا تبقى العلاقة مجرد أمر ترسله العضلات إلى طرف اصطناعي لينفذه، بل تتحول إلى حلقة تفاعل ثنائية الاتجاه: ترسل العضلات الإشارة، فتتحرك اليد وتستشعر الضغط، ثم تعيد جزءاً من المعلومات الحسية إلى المستخدم.

من إشارات العضلات إلى حركة اليد: كيف تعمل الأطراف الاصطناعية الذكية؟

الذكاء الاصطناعي المادي

ولا تتوقف أهمية هذه التقنية عند تعويض الطرف المفقود واستعادة بعض وظائف اليد، بل تفتح نافذة على مفهوم آخذ في الانتشار هو «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ أي انتقال الذكاء الاصطناعي من عالم الكلمات والصور والبيانات على الشاشات إلى أنظمة مادية تستطيع الاستشعار والحركة والتفاعل مع البيئة المحيطة.

واللافت أن انتقال المعرفة لا يسير في اتجاه واحد من التكنولوجيا إلى الإنسان، بل بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس أيضاً؛ من حركة الإنسان وتفاعله مع الأشياء إلى الروبوتات. ففي مارس (آذار) 2026، أعلنت شركة «سايونيك» تعاوناً مع شركة «إنفيديا» لدمج يد «أبيليتي هاند» في منصة «إسحاق لاب» (Isaac Lab) المخصصة لتدريب وتطوير الأنظمة الروبوتية، بما يتيح للباحثين دراسة حركات اليد وأنماط الإمساك والتفاعل مع الأشياء، والاستفادة منها في تطوير روبوتات أكثر مهارة ودقة.

وهكذا، فإن اليد المعروضة في «ليب 2026» لا تقدم مجرد صورة عن مستقبل الأطراف الاصطناعية، بل تشير إلى تحول أوسع تصبح فيه الحركة واللمس والتفاعل الجسدي جزءاً من البيئة التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي ويتعامل معها. فالحدود التي فصلت طويلاً بين الذكاء الرقمي والآلة المادية بدأت تصبح أقل وضوحاً.

حدود السلامة... والاستقلالية

ومع اقتراب هذه الأنظمة أكثر من جسم الإنسان، يبرز سؤال طبي لا يقل أهمية عن قدراتها التقنية: كيف نضمن سلامتها ودقتها، وأين نضع حدود استقلاليتها؟ فالخطأ في إجابة يولدها نموذج للذكاء الاصطناعي على شاشة يمكن مراجعته أو تجاهله، أما الخطأ في نظام ذكي يتحرك ويلامس الإنسان ويتفاعل مباشرة مع العالم المادي، فقد تكون له عواقب مختلفة تماماً. ولذلك، فإن الانتقال نحو «الذكاء الاصطناعي المادي» لا يحتاج إلى هندسة أكثر تطوراً فحسب، بل إلى معايير أكثر صرامة للسلامة والاختبار والحوكمة.


مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟
TT

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

من قلب ملهم، شمال الرياض، انطلقت اليوم أعمال «ليب 2026» وسط مشهد يعكس حجم التحول الذي يشهده عالم التقنية.

من قلب «ليب»... سؤال يتجاوز التقنية

آلاف المتخصصين، وصنّاع التكنولوجيا، والمستثمرين، وشركات تتسابق لعرض جيل جديد من الأنظمة الذكية؛ من الذكاء الاصطناعي الوكيل، والنماذج الأكثر قدرة واستقلالية، إلى الروبوتات، والأنظمة التي بدأت تنقل الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى البنية التشغيلية للمؤسسات.

وبين أروقة المؤتمر وعروضه تبدو الصورة للوهلة الأولى احتفالاً بما أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على فعله. لكن بالنسبة إلى الرعاية الصحية، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية ليس: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل ماذا يحدث عندما يصبح من الصعب على النظام الصحي أن يعمل من دونه؟

«ليب 2026» في الرياض... الذكاء الاصطناعي يدخل عصر البنية التحتية

طبقة جديدة من الذكاء تدخل تدريجياً في صميم النظام الصحي

هنا يبدأ تحول أعمق من مجرد ظهور خوارزمية أكثر دقة. فعندما يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أداة يستدعيها الطبيب عند الحاجة، ويصبح جزءاً من البنية التي تعتمد عليها المؤسسة في تحليل المعلومات، وترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد، والمشاركة في اتخاذ القرار، فإننا لا نكون أمام تقنية جديدة فحسب، بل أمام طبقة جديدة من الذكاء تدخل تدريجياً في صميم النظام الصحي.

«إشكالية» كبرى

والفارق جوهري. خوارزمية تساعد طبيباً على قراءة صورة أشعة يمكن تقييمها بوصفها أداة سريرية محددة. لكن ماذا عن منظومة من الأنظمة الذكية تشارك في التشخيص، والفرز السريري، ومراقبة المرضى، وتوقع المخاطر، وإدارة تدفقها، وتوزيع الموارد، ثم تمتد إلى القرارات التشغيلية التي تحدد كيف يعمل المستشفى نفسه؟

عند هذه النقطة يتغير السؤال من «هل الخوارزمية دقيقة؟» إلى سؤال أكبر: هل المؤسسة التي تعتمد عليها قادرة على حكمها؟

وهذا هو السؤال الذي يحمله «ليب 2026» من عالم التقنية إلى قلب الطب. فحين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من البنية التحتية للرعاية الصحية، لا تعود الحوكمة مسألة تأتي بعد شراء التقنية، أو اعتمادها، بل تصبح جزءاً من البنية نفسها.

الذكاء الاصطناعي لم يعد يطرق باب المستشفى... إنه يبدأ في الدخول إلى عقله.

سلطان المريشد رئيس مجموعة «التقنية والتميز المؤسسي» في «البحر الأحمر الدولية» متحدثاً خلال جلسة «مستقبل الذكاء والذكاء الاصطناعي المؤسسي» في «ديب فيست»

حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»

ومن قلب فعاليات «ليب 2026» في الرياض، حضرت «الشرق الأوسط» جلسة «مستقبل الذكاء والذكاء الاصطناعي المؤسسي» The Future of Intelligence and Enterprise AI، ضمن فعاليات «ديب فيست»، التي ناقشت كيف يعيد الذكاء الاصطناعي الوكيل Agentic AI والنماذج التأسيسية تشكيل الصناعات، ودفع أنظمة أكثر قدرة على اتخاذ القرارات بصورة مستقلة، وبناء الجيل المقبل من البنية التحتية الذكية. وشارك في الجلسة سلطان المريشد، رئيس مجموعة «التقنية والتميز المؤسسي» في شركة «البحر الأحمر الدولية Red Sea Global»، إلى جانب إيزابيل كومار، المذيعة السابقة في «يورونيوز»، وناثان هانكوك، نائب الرئيس لمنطقة المملكة المتحدة وآيرلندا والشرق الأوسط في «أدوبي».

وعقب الجلسة، التقت «الشرق الأوسط» سلطان المريشد في حديث خاص، وطرحت عليه ثلاثة أسئلة حول موقع المملكة في سباق بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت الأخلاقيات والحوكمة يجب أن تصبحا جزءاً أصيلاً من هذه البنية، وإلى أين يمكن أن تصل المملكة خلال السنوات الخمس المقبلة؟

السعودية الأولى في المنطقة

وفي إجابته عن السؤال الأول، قال المريشد إن المملكة تمكنت خلال السنوات الأخيرة، وفي إطار تحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، من بناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي، مضيفاً: «أستطيع أن أقول إننا نعدّ الأول في المنطقة، والثالث عالمياً بعد الولايات المتحدة، والصين».

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

وعندما سألته «الشرق الأوسط» عما إذا كانت أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تعد جزءاً من هذه البنية التحتية، أجاب أن «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون جزءاً مهماً من البنية التحتية لأي ذكاء اصطناعي». وأشار إلى تجربة شركة «البحر الأحمر»، موضحاً أن مشاريع الذكاء الاصطناعي لديها تقترن باختيار جهة متخصصة تتولى تنظيم الجوانب المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

أما السؤال الثالث، فتوجه إلى المستقبل: أين يمكن أن تكون المملكة بعد خمس سنوات؟ وأوضح المريشد أن شركة «البحر الأحمر» تمكنت من إنجاز مشاريع كبيرة في الذكاء الاصطناعي، شملت العمل على الوكلاء، والبنية التحتية لمشاريع الذكاء الاصطناعي، قبل أن يضيف: «أعتقد أنه بعد خمس سنوات ستكون المملكة الأولى عالمياً في امتلاك أقوى بنية تحتية للذكاء الاصطناعي».

معنى أوسع لمفهوم «البنية التحتية» في عصر الذكاء الاصطناعي

وتكشف إجابات المريشد عن معنى أوسع لمفهوم «البنية التحتية» في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فهي لم تعد تقتصر على مراكز البيانات، والرقائق، والقدرة الحاسوبية، والاتصال، بل تمتد إلى الحوكمة، والأخلاقيات، وآليات الرقابة البشرية. فكلما ازدادت قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الانتقال من تقديم الإجابة إلى اتخاذ الفعل، أصبح بناء الضوابط التي تحكم ذلك الفعل جزءاً من البنية التحتية نفسها، لا إضافة تنظيمية تأتي بعد اكتمالها.

لكن ما يُناقش هنا بوصفه تحولاً في مستقبل المؤسسات قد تكون له دلالة أعمق في الرعاية الصحية. فالمستشفى الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في قراءة الصور، والتنبؤ بالمخاطر، والفرز السريري، وإدارة تدفق المرضى؛ لا يضيف مجموعة من الأدوات الرقمية المنفصلة فحسب؛ إنه يبدأ، تدريجياً، في بناء طبقة من الذكاء داخل بنيته التشغيلية.

وهنا بدأت الأدبيات العلمية تطرح سؤالاً مختلفاً. فالتحدي لم يعد تطوير خوارزمية أكثر دقة، أو جمع مزيد من البيانات فقط، وإنما بناء البيئة التي تستطيع تشغيل هذه الأنظمة، ومراقبتها، والتحقق من أدائها، والتعلم منها باستمرار دون أن تفقد المؤسسة القدرة على التدخل، والمساءلة.

حين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من عقل المستشفى... الحوكمة نفسها تتحول إلى بنية تحتية

تحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى تعلّم مستمر داخل النظام الصحي

وفي دراسة حديثة نشرتها مجلة «npj Health Systems»، طرح الباحثون مفهوم «مرفق التعلّم» (Learning Utility)، معتبرين أن أحد أهم الاختناقات أمام الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي لم يعد نقص البيانات، أو الخوارزميات، بل غياب البنية التقنية، والبشرية، والثقافية التي تسمح بتحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى تعلّم مستمر داخل النظام الصحي.

وهنا يصبح الفرق أساسياً: امتلاك الذكاء الاصطناعي شيء، وبناء مؤسسة قادرة على التعلم منه والتحكم به شيء آخر تماماً.

المستشفى لا يحتاج خوارزمية فقط

وهنا تتغير الطريقة التي ينبغي أن ننظر بها إلى دخول الذكاء الاصطناعي إلى المستشفى. فشراء نظام متطور، مهما بلغت دقته، لا يجعل المؤسسة «ذكية» تلقائياً؛ لأن القيمة الحقيقية للخوارزمية لا تتحدد بما تستطيع فعله في يوم تشغيلها الأول، بل بقدرة المستشفى على معرفة ما إذا كانت ستظل آمنة وموثوقة بعد أشهر وسنوات من الاستخدام.

إن المرضى يتغيرون، والبيانات تتغير، والممارسات السريرية تتطور، وحتى البيئة التي تعمل فيها الخوارزمية قد تختلف عن تلك التي اختُبرت فيها أصلاً. وقد يتراجع الأداء تدريجياً من دون أن يكون ذلك واضحاً للطبيب الذي يستخدم النظام في عمله اليومي. ولهذا يحتاج المستشفى إلى ما هو أبعد من شراء التقنية: آليات لمراقبة الأداء، واكتشاف تراجع الدقة، والتعامل مع الأخطاء، وحماية البيانات، وتحديد المسؤولية، وتدريب العاملين، والأهم من ذلك امتلاك القدرة على التدخل عندما لا يعمل النظام بالطريقة المتوقعة.

مراقبة مستمرة لأداء الذكاء الاصطناعي

وتدعم هذا الاتجاه دراسة نشرتها «npj Digital Medicine» في فبراير (شباط) 2026، إذ قدمت إطاراً ينظر إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي بوصفها منظومة مترابطة، وليست قراراً تقنياً منفرداً. وتبرز أهمية هذا المنظور في أن مسؤولية المؤسسة لا تنتهي عند اختبار النظام، والموافقة على استخدامه؛ فبعد دخوله البيئة السريرية تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية، هي المراقبة المستمرة لأدائه، ورصد التغيرات التي قد تظهر مع الاستخدام الفعلي.

وهذا ربما يكون أحد أهم الفروق بين شراء الذكاء الاصطناعي وبناء مستشفى قادر على استخدامه بأمان. فالأول يمكن أن يحدث بقرار شراء وتركيب نظام، أما الثاني فإنه يحتاج إلى معرفة بشرية، وعمليات واضحة، ومراقبة مستمرة، وثقافة تسمح بالتساؤل، والاعتراض، والتدخل.

وهنا تظهر إحدى مفارقات عصر الذكاء الاصطناعي: يمكن للمستشفى أن يشتري خوارزمية متقدمة، لكنه لا يستطيع شراء الجاهزية المؤسسية معها في الصندوق نفسه.

عندما تصبح البنية الذكية خطراً نظامياً

لكن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية يغيّر أيضاً طبيعة الخطأ الطبي نفسه. فالطبيب قد يخطئ في تشخيص حالة، أو اتخاذ قرار، ويبقى أثر الخطأ -في العادة- محصوراً بعدد المرضى، والقرارات التي يستطيع التعامل معها. أما عندما يكون الخطأ مدمجاً داخل نظام ذكي يعمل عبر مستشفى كامل، أو شبكة من المستشفيات، فقد لا يحدث مرة واحدة؛ بل يمكن أن يتكرر آلياً عبر آلاف الحالات، وبسرعة يصعب على الإنسان مجاراتها.

وهذه القدرة على التوسع هي في الوقت نفسه إحدى أعظم نقاط قوة الذكاء الاصطناعي. فإذا كانت الخوارزمية جيدة، فإنه يمكنها أن تنشر المعرفة، وتدعم قرارات سريرية متسقة على نطاق لم يكن ممكناً من قبل. وإذا كانت المشكلة كامنة داخلها، فإن النطاق نفسه يستطيع تضخيمها.

وهنا تكمن المفارقة: ما يمنح الذكاء الاصطناعي قدرته على توسيع الفائدة، يمنحه أيضاً القدرة على توسيع الخطأ.

اكتشاف أخطاء النظم الذكية

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع ظهور النماذج العامة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث قد لا يبقى النموذج محصوراً في مهمة واحدة، بل تُستخدم القدرات نفسها عبر تطبيقات متعددة. ولهذا اقترح باحثون في «npj Digital Medicine» في مايو (أيار) الماضي نهجاً جديداً للمراقبة يركز على قدرات النموذج، وليس فقط على المهمة المحددة التي يؤديها، بهدف اكتشاف الأخطاء النظامية، والسلوكيات الناشئة التي قد تمتد آثارها عبر أكثر من استخدام.

وهذا يفرض تحولاً مهماً في مفهوم السلامة. فمراقبة أداء نظام واحد في مهمة واحدة قد لا تعود كافية عندما تكون القدرة الذكية نفسها مشتركة بين عشرات التطبيقات.

فحين تتوسع قدرة الذكاء الاصطناعي يجب أن تتوسع معها قدرة النظام الصحي على مراقبته.

الحوكمة نفسها يجب أن تصبح بنية تحتية

وهنا نصل إلى السؤال الذي ربما يكون أكثر أهمية من التقنية نفسها: هل إذا أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً دائماً من البنية التي تعمل من خلالها الرعاية الصحية، فهل يمكن أن تظل حوكمته نشاطاً دورياً: لجنة تجتمع عند الحاجة، أو سياسة تُكتب عند اعتماد النظام، ثم يُفترض أنها ستظل صالحة بينما تتغير التكنولوجيا من حولها؟

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن ذلك لن يكون كافياً. ففي يوليو (تموز) 2026، أكد باحثون في «npj Digital Medicine» أن مجرد وجود الطبيب «داخل الحلقة» لا يضمن بالضرورة رقابة بشرية فعالة. فوجود الإنسان يصبح بلا قيمة حقيقية إذا لم يمتلك المعرفة التي تسمح له بفهم ما يفعله النظام، والوقت الكافي للتفكير في توصيته، والسلطة للاعتراض على التوصية، والقدرة العملية على التدخل عندما يكون القرار غير مناسب للمريض.

الحوكمة يجب أن تصبح جزءاً من البنية التحتية

وهنا يتغير معنى الحوكمة نفسها. فهي لم تعد مجرد مجموعة من القواعد التي تسبق استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت قدرة تشغيلية مستمرة ترافق النظام طوال دورة حياته: من اختياره، والتحقق منه قبل الاستخدام، إلى مراقبة أدائه بعد دخوله العيادة، واكتشاف التغيرات، والأخطاء، وتحديد من يملك سلطة التدخل، وصولاً إلى إيقافه عندما تصبح سلامة المريض موضع شك.

وهذا يقود إلى فكرة قد تبدو غير مألوفة اليوم، لكنها قد تصبح بديهية في المستشفى الذكي مستقبلاً: الحوكمة نفسها يجب أن تصبح جزءاً من البنية التحتية.

فكما لا يستطيع المستشفى الحديث أن يعمل من دون الكهرباء، والمياه، والشبكات، والأنظمة الرقمية، فإن المستشفى الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي قد لا يستطيع استخدامه بأمان من دون بنية دائمة للمراقبة، والتحقق، والمساءلة، والتدخل البشري. والفرق أن هذه البنية الجديدة لا تنقل الكهرباء، أو البيانات، بل تحمي شيئاً أكثر حساسية: الثقة في القرارات التي تمس صحة الإنسان.

وكلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر اندماجاً في عمل المستشفى، لم يعد السؤال فقط كيف نحكم الخوارزمية... بل كيف نبني الحوكمة داخل النظام الذي أصبحت الخوارزمية جزءاً منه.

من «ليب» إلى المستشفى

وسط ما يعرضه «ليب 2026» من نماذج أكثر قدرة، وأنظمة أكثر استقلالية، ورؤية لمستقبل تصبح فيه البنية التحتية نفسها أكثر ذكاءً، يبرز سؤال ربما يكون أكثر أهمية للرعاية الصحية من السؤال عن قدرات الخوارزمية: هل أصبحت المؤسسات التي ستستخدم هذا الذكاء أكثر استعداداً للتحكم به؟ فالانتقال من الخوارزمية إلى البنية التحتية لا يغير طريقة استخدام التقنية فحسب، بل يغير طبيعة المسؤولية عنها. وعندما تصبح الأنظمة الذكية جزءاً من التشخيص، والفرز، والمراقبة، وتوزيع الموارد، والقرارات التشغيلية اليومية؛ فإنه لا يمكن أن تبقى الحوكمة مرحلة تأتي بعد الابتكار؛ بل يجب أن تتطور بالسرعة نفسها التي تتطور بها قدرة هذه الأنظمة، وتأثيرها.

وقد لا يكون السباق الحقيقي في السنوات المقبلة بين المؤسسات التي تمتلك أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي فقط، بل بين تلك التي تستطيع تحويل هذه النماذج إلى قيمة حقيقية من دون أن تفقد القدرة على مراقبتها، ومساءلتها، والتدخل عندما تخطئ.

ومن هنا، فإن ما نشاهده اليوم في «ليب» لا يتعلق فقط بمستقبل التقنية. إنه يفتح نقاشاً أوسع حول شكل المؤسسة الذكية نفسها: مؤسسة لا تكتفي بامتلاك الذكاء الاصطناعي، بل تمتلك أيضاً المعرفة، والأنظمة، والمسؤولية اللازمة للتحكم به.

وإذا كان الجيل المقبل من التقنية يبني بنية تحتية ذكية، فإن الرعاية الصحية ستحتاج، بالتوازي معها، إلى بنية تحتية للحوكمة، فالذكاء الاصطناعي قد يصبح جزءاً من عقل النظام الصحي... لكن مسؤولية التحكم بذلك العقل يجب أن تبقى بشرية.